حريق المسجد الأموي بدمشق

الحريق الأخير

علي الطنطاوي

ds_3125أجدادنا الأولون كانوا أهل حزم وعزم، وكانوا أصحاب فكر وبيان، فكتبوا تاريخهم كله، وسجلوا أمجادهم ومعايبهم، وأخبار جِدّهم وهزلهم، فنحن نعرف عن القرون الأولى التي مرّ عليها أكثر من ألف سنة كل شيء، كأننا نعيش فيها، ونجهل من أخبار القرون الأخيرة كل شيء، لا سيما القرن الماضي، وهذا أمير عجيب ولكنه الواقع.

وأنت إذا أردت أن تعرف قصة حريق الأموي مثلاً، لم تجدها في تاريخ من التواريخ، مع أن في دمشق مئات ممن شهدها بعينه.

لذلك اعتمدت في هذا الحديث على ما حدثني به أستاذنا الأكبر الشيخ المعمِّر الجليل عبد المحسن أفندي الأسطواني*، وهو – حفظه الله – أعجوبة العجائب، جاوز المئة من السنين ولا يزال في جدّة ذهنه وقوّة ذاكرته، وكثرة علمه، وسرعة بادرته، وحضور نُكتته كما كان في شبابه، وعلى ما حدثني به الشيخ حمدي الحلبي حفيد علامة الشام الشيخ سعيد الحلبي، وهو متولِّي الجامع الآن ومن أعلم الناس بتاريخه وأحواله، كما اعتمدت على ما كتب العلامة الأستاذ الشيخ جمال الدين القاسمي، ومختار بك العظم رحمهم الله، وهي وصف مختصر جداً نشره الدكتور صلاح الدين المنجد، أحسن الله إليه بمقدار ما أحسن إلى تاريخ دمشق وآثارها ومخطوطاتها.

….. المزيد

من نكبات دمشق

حوادث دمشق اليومية

أحمد بن بدير الشهير بالبديري الحلاق

ثم دخلت سنة اثنين وسبعين ومئة وألف، 1759 م

%d8%af%d9%85%d8%b4%d9%82-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%af%d9%8a%d9%85%d8%a9وكان قاضي الشام رجلاً صالحاً، فعمل محتسباً وصار يدور بنفسه على السوقة ويعير الموازين والأرطال والأواق، فالذي يجد أواقه ناقصاً يضربه علقة على رجليه، والذي يجد أواقه تامة يعطيه مصرية من فضة.

وفي ليلة الثلاثاء من ربيع الأول (تشرين الثاني) من هذه السنة في الثلث الأخير من الليل والمؤذنون في المآذن صارت زلزلة خفيفة، وتبعتها ثانية ثم ثالثة زُلزلت منها دمشق زلزالاً شديداً، حسب أهل دمشق أن القيامة قد قامت، فتهدّمت رؤوس غالب مآذن الشام ودور كثيرة وجوامع وأماكن لا تحصى، حتى قبة النصر التي بأعلى جبل قاسيون زلزلتها وأرمت نصفها، وأما قرى الشام فكان فيها الهدم الكثير، والقتلى التي وجدت تحت الهدم لا تحصى عدداً.

وفي الليلة الثانية زلزلت أيضاً في الوقت الذي زلزلت فيه الأولى، ثم حصلت في وقت صلاة الصبح وبالنهار أيضاً، ولا زالت تتكرر مراراً لكنها أخف من الأولين، وقد زاد الخوف والبلاء، وهجر الناس بيوتهم، وناموا في الأزقة والبساتين وفي المقابر والمرجة، وفي صحن الجامع الأموي، وفي هذه الزلزلة وقع خان القنيطرة على كل من كان فيه، فلم يسلم من الدواب والناس إلا القليل، وكذلك خان سعسع، وقد وردت الأخبار إلى دمشق الشام أن بعض البلاد والقرايا انهدمت على أهلها، فلم يسلم منها ولا من دوابها أحد.

….. المزيد