الغوطة بين التفاؤل والتخاذل

د. جمال الباشا

غوطة دمشقبين بثِّ روح التفاؤل في الناس وتخديرهم شعرة، فمنشأ الأول العلم والبصيرة والقراءة الواعية لسنن الله وفقه الواقع بسياقاته بعيداً عن النرجسية الحالمة، ومنشأ الثاني العواطف الجياشة واستقراء النصوص الشرعية المتفائلة بطريقة خاطئة وتكلف إسقاطها على الواقع.

وفي الطرف الآخر من المعادلة يقف فريق آخر ليس له وظيفة سوى التخذيل وتثبيط العزائم، ولا يحسن سوى النقد الهدام، نظرته سوداوية قاتمة، لا يقع نظره إلا على النقائص، ولا يخط قلمه غير المعايب، يضعُ شروطاً مثاليةً تعجيزيةً للنصر لم تكن موجودةً حتى في عصر النبوة.

نسي هؤلاء أنَّ المنافقين كانوا يملؤون المدينة النبوية ويتمالؤون على المؤمنين ليل نهار، وأنَّ رأسهم رجع بثلث الجيش يومَ أحد، وأنَّ الرماة خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم طمعاً بالغنيمة، وكان ذلك سبباً في تقهقر المسلمين في المعركة، وأنه لم يخلُ عصر الصحابة الكرام من نزاعات وخلافات داخلية أضرَّت بالدولة الإسلامية وأخَّرت توسَّعها.

والعبرة في تقييم الحالة العامة والحكم عليها من خلال تحولاتها الإيمانية وعزيمتها الجهادية صعوداً ونزولاً.

….. المزيد

نظرية وصل الفضائل الخلقية بالمسائل الفقهية

رؤية ابن رشد المقاصدية لكتاب (الجامع)

د. مصطفى القصَّاب

25302من أوليات إمام دار الهجرة مالك بن أنس، رحمه الله، أنه سنّ عُرفاً لم يُسبق إليه في التصنيف الفقهي، وذلك أنه ألحق بآخر موطئه كتاباً مستقلاً عن الأبواب الفقهية اختار له اسم (الجامع)، وتابعه في  ذلك سائر من صنف بعده من أنصار مذهبه، فلم يُخلوا تواليفهم منه، استحسانا منهم لاختيار إمامهم واقتداء به فيما نحا إليه، واعتبروا هذا المنهج من محاسنهم في التصنيف وميزة تفردوا بها لا يشاركهم فيها غيرهم، وأن الجامع إليهم ينتسب.

وقد جرت عادة فقهاء المالكية عند افتتاح جوامعهم أن يقفوا وقفة احتفاء باختصاص مذهبهم، وبسبق الإبداع والاختراع لإمامهم، قال ابن العربي : “هذا كتاب أربى مالك، رحمه الله، على المحدثين وطرق لهم في التصنيف وفتح فيه لجماعة من المسلمين المصنفين باباً عظيماً فأتى فيه بالعجب العجاب…”1، وقال القرافي : “هذا الكتاب يختص بمذهب مالك لا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب وهو من محاسن التصنيف….”2.

….. المزيد

السنن الإلهية في القرآن الكريم

ودورها في استشراف المستقبل

عماد عبد الكريم خصاونة – خضر إبراهيم قزق

المقدمة :

file_a58e75f5ca_ee999999القرآن الكريم باعتباره كلام الله تعالى يحوي كل ما من شأنه أن يعين الإنسان على العيش بأمن وأمان واستقرار وسعادة، ذلك أن الله تعالى بين فيه ووضح وضرب من الأمثلة الكثيرة التي إن أحسن الإنسان قراءتها واستنباط دروسها وعبرها، فإنها ستكون له خير دليل وأحسن بيان فيما ينبغي أن تكون عليه حياته.

والله تعالى بين للإنسان في القرآن الكريم السنن والقوانين الثابتة والمطردة، التي تسير عليها البشرية التي ترنو إلى البقاء والسعادة وتتجنب الويلات والنكبات.

ولقد أدرك علماؤنا دور السنن الإلهية الواردة في القرآن الكريم في تجلية الصورة الممكنة لعالم الغد بالنظر إلى أن هذه السنن ثابتة ومطردة لا تحابي أحداً ولا تتخلف عن مسيرها إلا وفق علم الله تعالى وحكمه وحكمته، مما يدعو إلى تكاتف جهود علماء المسلمين لدراسة هذه السنن وإخراجها في علم خاص له أبوابه وفروعه، وذلك لما للسنن الإلهية من أهمية ودور في تبيان ما يمكن أن يكون عليه المستقبل وفق هذه السنن وخصائصها.

….. المزيد

التأثير الصوتي للقرآن الكريم

الدكتور عادل أبو شعر

مقدّمة

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

الحصريفهذا موضوعٌ مختصرٌ أتناول فيه الأثر الصوتيّ للقرآن الكريم على المستمعين له، المتذوّقين للطائفه، الغائصين في بحوره، ولا أبتدع فيه ابتداعاً من خارجه، أو أُحدث فيه ما ليس منه، فما كان لي أن أفعل ذلك، بل هو موضوعٌ ذَوقيٌّ لطيفٌ مستنبطٌ من الكيفية المنقولة إلينا بالتواتر، “فتأمَّل هذه الأسرار بقلبك، والحظها بعناية فكرك، ولا يزهّدنّك فيها نبوّ أكثر طباع الناس عنها، واشتغالُ المعلّمين بظاهر من الحياة الدنيا عن الفكر فيها، والتنبيه عليها، فإني لم أفحص عن هذه الأسرار … إلا قصداً للتفكر والاعتبار، في حكمته من خلق الإنسان، وتعليمه البيان، فإنه الخالق للعبارات، والمقدّر للإشارات، ألا له الخلق والأمر وهو اللطيف الخبير، فمتى لاح لك من هذه الأسرار سرّ، وكُشف لك عن مكنونها فكرٌ، فاشكر الواهب للنعمى، وقل رب زدني علماً”[i].

وقبل البدء لا بد من مقدّمة أساسية للموضوع عناصرها كالتالي :

القرآن الكريم وصلنا من طريقَين : صوتيّ منطوق، ورسميّ مكتوب.

التجويد : هو تلاوة القرآن بالكيفية المتلقاة من النبيّ صلى الله عليه وسلم، التي لقّنها صحابته رضي الله عنهم، فلقّنوها من بعدهم وهكذا إلى عصرنا هذا، وتفخر الأمة الإسلامية على جميع أمم الأرض بهذا النقل الصوتيّ للقرآن المجيد.

الترتيل : هو الترسّل والتبيين، قال تعالى : “وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً” – المزمل/4، أي بيّنه تبييناً، ونسب الله تعالى الترتيلَ إليه في موضع آخر، “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً” – الفرقان/32.

….. المزيد

الفكر السياسي الإسلامي بين الثبات والتغير

أ.د. فؤاد البنا

السياسةتقع على عواتق علماء الفكر السياسي الإسلامي المعاصر مسؤولية كبرى، في ضرورة تجهيز روافع النهوض الحضاري المنشود، من خلال تطوير الفكر السياسي الإسلامي الذي يناط به تنظيم طاقات ومكونات المجتمع، ونقلها من مضامير التآكل إلى ساحات التكامل، ومن مواقع التباين إلى صفوف التعاون، بحيث تنسجم مع بعضها وﻻ تصطدم، وتتظافر وﻻ تتنافر، وتتعاون على توفير اﻷمن واﻻستقرار الكفيلين بصناعة مراقي النهوض المنشود.

التفكير التقليدي :

ولما كان فاقد الشيء لا يعطيه، فإن كثيراً من مفكرينا في المجال السياسي ﻻ يضيفون اليوم جديداً؛ ذلك أنهم أصبحوا مقلدين للسلف، حيث يستدعي أكثرهم الماضي بدون وعي بالمنهج الذي استندت عليه تلك التجارب البشرية، ويجترون مسائل التراث بدون تمييز بين الثوابت والمتغيرات.

….. المزيد

معالم البناء المنهجي للمعرفة في القرآن الكريم

 د. رشيدة زغواني
كلية الآداب/بني ملال

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%81%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%8a%d9%85كانت “إقرأ”، الإطار المعرفي الذي انتظمت فيه علاقة إمام المرسلين المصطفى الأمين بذاته من جهة، وبالمسطور القرآني والمنظور الكوني من جهة ثانية، والنهج الذي سلكه حتى اكتملت استقامة المعتقد عنده؛ فإذا كانت سورة “العلق” قد رجت بثقلها، عقله وبدنه، صلى الله عليه وسلم، لتثبته على المنهج القويم، والمعرفة المستقيمة، فإن سورة “المدثر” وجهته عليه السلام توجيهاً ممنهجاً، فحركت فاعلية النبوة فيه، وحرضته على الإيجابية الدعوية والتبليغية، كرسول مسؤول عن إماطة سدول الجهل، واقتلاع أوتاد الفوضى، وإعادة رسم الحدود الإيمانية للعقل البشري عامة، بما يحفظ له اتزانه في كون منظم، أتقن تصميمه وإنشاءه إله عليم أحسن خلق كل شيء.

والقرآن الكريم دعوة إلى المنهج الحق لبلوغ الحق، والاهتداء للتي هي أقوم، بواسطة أدوات مسخرة للإدراك، والاستبصار، والتثبت، يقول المولى عز وجلّ :

” وَاللَّـهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٧٨﴾” – النحل.

….. المزيد

خلق القرآن

جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي
المتوفى : 597هـ
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

%d8%ae%d9%84%d9%82-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86أخبر صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشمي قَالَ : حضرت المهتدي باللَّه أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، وقد جلس للنظر فِي أمور المتظلمين فِي دار العامة، فنظرت فِي بعض قصص الناس تقرأ عليه من أولها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع فيها، وينشأ الكتاب عَلَيْهَا، ويحرر  ويختم وتدفع إِلَى صاحبها بين يديه، فسرني ذلك واستحسنت مَا رأيت، فجعلت أنظر إليه ففطن ونظر إلي، فغضضت عنه حَتَّى كَانَ ذلك مني ومنه مراراً ثلاثة، إذا نظر إلي غضضت، وإذا شغل نظرت.

فَقَالَ لي : يَا صالح.

قلت : لبيك يا أمير المؤمنين، وقمت قائمَاً،

فَقَالَ : فِي نفسك مني شيء تريد أن تقوله؟

قلت : نعم يَا سيدي.

فَقَالَ لي : عد إِلَى موضعك.

فعدت وعاد إِلَى النظر حَتَّى إذا قام قَالَ للحاجب : لا يبرح صالح، وانصرف الناس، ثم أذن لي، وأهمتني نفسي، فدخلت فدعوت لَهُ، فَقَالَ : اجلس فجلست.

….. المزيد

درسان حيويان مقتبسان من قادة النبي

لحاضر المسلمين ومستقبلهم

اللواء الركن محمود شيت خطاب

الأسوة الحسنة :

%d9%82%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%8aاختيار الرجل المناسب للعمل المناسب، ليس عملاً سهلاً، وهو سر نجاح الحكام والمحكومين في الحياة العملية وفي الحرب والسلام.

ليس عملاً سهلاً لأن النفس الأمارة بالسوء إلا من رحم ربك وقليل ما هم، لا تميل إلى تولية من هو أفضل منها كفاية وعلماً وخلقاً، وتميل إلى تولية من هو أقل منها كفاية وعلماً وخلقاً، ليسهل سيطرة الحاكم عل المحكوم، وليبرز الحاكم ويبقى المحكوم في الظل.

وهو سر نجاح الحكام والمحكومين، لأن القادة الصالحين عقيدة وكفاية، هم الذين يقودون شعوبهم إلى النصر في أيام الحرب، ويعينونهم عل التقدم والنجاح في السلام.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مؤيداً من الله عز وجل بالوحي، وكان لهذا التأييد أثره الحاسم في توفيقه بشيراً ونذيراً، ومشرعاً وقاضياً، وسياسياً وإدارياً، وقائداً وجندياً، ومربياً ومعلماً، وبشراً وإنساناً.

وهذا التأييد الإلهي بالوحي، لا يمنع أن تكون لكفاياته الشخصية عليه الصلاة والسلام أثر حاسم أيضاً في توفيقه، وهذه الكفايات هي القدوة والأسوة والمثل الذي باستطاعة المسلم أن يضعها نصب عينيه، لاتخاذها أسوة حسنة وقدرة ومثلاً أعلى له في الحياة، لأنها كفايات بشرية متميزة، يمكن الطموح إلى اقتفاء آثارها ما استطاع المسلم إلى ذلك سبيلا.

وصدق الله العظيم : “الله أعلم حيث يجعل رسالته” – الأنعام 134.

أما التأييد الإلهي بالوحي، فيقتصر عل الأنبياء والرسل وحدهم دون سواهم من الناس.

والنبي صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة للمسلمين كافة، في كل زمان ومكان، وفي مختلف الظروف والأحوال.

….. المزيد

بين العقل والقلب

علي الطنطاوي

%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%b2%d9%87%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a7%d9%88%d9%8a%d8%b4-%d8%b9%d8%b5%d8%a7%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b7%d8%a7%d8%b1-%d8%b9%d9%84%d9%8aذهبت مرة أزور الأستاذ الزيات في دار الرسالة، وكانت زيارته أحبّ شيء إليَّ وأنا في مصر، وكانت دار الرسالة أقرب الأمكنة في القاهرة إلى قلبي، فلذلك كنت أؤمها كل يوم، ولولا خوفي من ملل الأستاذ ما كنت لأفارقها … أقول إني ذهبت أزوره مرة فوجدت عنده شاباً أسمر اللون لطيفاً هادئاً تبدو عليه سيما المسألة والموادعة والإيناس، فقال لي : إني أعرِّفك بالأستاذ سيِّد قطب.

وأحلف أني شدهت، وكنت أرتقب أن يكون هذا الشاب أي إنسان في الدنيا إلا سيد قطب، وكنت أستطيع أن أتخيل سيد قطب على ألف صورة إلا هذه الصورة، وازددت يقيناً بأن من الخطأ البينِّ أن تحكم على شخص الكاتب بكتابته، أو تعرف الشاعر من شعره.

….. المزيد

إشكاليات الدراسات الشرعية

د. محمد بن صالح العلي

%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9الدراسات الشرعية في هذا العصر تحوي إشكالات عديدة منها، أنّها تركّز على بيان طريق المؤمنين، وتهمل بيان الطريق الآخر (طريق المجرمين) وأنه لابد من بيان هذا الطريق لقول عمر رضي الله عنه “إنما تنقض عرى الاسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لايعرف الجاهلية”.

تركيز الدراسات الشرعية على الكم المعرفي للطالب فتجعله يحفظ كمّا هائلاً من المسائل الشرعية، ولكنها لاتهتم بالجانب المنهجي والمنطقي للعلوم والمعارف.

ولهذا ينشأ طالب العلوم الشرعية معتقداً أن المسائل مسلمات يجب العمل بها في كلّ زمان ومكان؛ لأنه لايعرف المنطق الذي يبني عليه إذا تغير أحد محددات المسألة، الذي ينبني عليه تغير الحكم إذا تغيّرت أحد محددات المسألة.

….. المزيد