الدراسات النظرية الجديدة في عصر دولة المماليك البحرية

1382-1250 م = 784-648 هـ

الدكتور عمار محمد النهار

المقدمة :

خانات دمشقأسس المماليك في منتصف القرن السابع الهجري = الثالث عشر الميلادي دولة مترامية الأطراف شملت مصر وبلاد الشام، وامتد حكمهم على مدى ثلاثة قرون تقريباً من الزمن، وأحرزوا باسم الإسلام انتصارات باهرة، وما زالت أسماء مواقع عين جالوت، ومرج الصفّر، والمنصورة، وفارسكور، وأنطاكية، وطرابلس، وعكا، حية في التاريخ تشهد لهم بالبطولة والشجاعة والفداء.

ومارس العرب والمسلمون في عصر المماليك نشاطاً دينياً وعلمياً خصباً صحب انتقال الخلافة العباسية من بغداد إلى القاهرة، وظهر أثره في مصر وبلاد الشام، من خلال إحياء شعائر الدين، وإقامة المنشآت الدينية والعلمية، واشتداد ظاهرة التصوف والزهد، والرغبة الجامحة في الإقبال على التعليم والتأليف والكتابة.

وتعد الدولة المملوكية من أغنى الدول بحكامها الأقوياء؛ أمثال بيبرس وقلاوون والناصر محمد الذين أسسوا دولة واسعة الأرجاء قضت على بقايا الصليبيين، وأوقفت الزحف المغولي على بلاد المسلمين، وخطب ودها ملوك أوربا وآسيا.

والعصر المملوكي هو العصر الذي أضحت فيه مصر وبلاد الشام مركزاً للتجارة العالمية والطريق الرئيس لتجارة الشرق، وبوابة العبور إلى أوربا، الأمر الذي يجعلنا نفسر، في ضوء ذلك، تلك الثروة الواسعة التي تمتع بها المماليك، وذلك الثراء الضخم وما نتج عنه من مظاهر البذخ والترف والسعة والأبهة.

والمؤسف أن ما وصلنا من تراث عظيم من العصر المملوكي ما زال مخطوطاً ومحفوظاً في مختلف أنحاء مكتبات العالم في الشرق والغرب، ومازلنا كل يوم وكل فينة نكتشف كنزاً جديداً من كنوز تراث ذلك العصر، لذلك لا يزال هذا التراث مجالاً خصباً للدراسة والتحقيق، وقد بدأت بوادر الاهتمام به بعد فترة طويلة من عدم الاكتراث وقلة التقدير والجفاء.

فلقد شهد عصر المماليك انتعاشاً فكرياً عظيماً يوازي في كثير من تفاصيله ما شهدته الحضارة العربية الإسلامية من نهضة في عصورها المختلفة، فالباحث في هذا المجال يجد بسهولة المئات من المؤلفات التي تتكلم عن المئات من العلماء الذين صبغوا العصر بفكرهم، وملأوه بمؤلفاتهم التي احتوت على كثير من الإبداعات والإنجازات، التي ما زالت إلى يومنا هذا تملأ مكتبات العالم في الشرق والغرب.

ويشكل مضمون الواحد من هذه المؤلفات التي وصلتنا من العصر المملوكي موسوعة ضخمة تجمع التاريخ والجغرافية والعلوم النظرية والعلوم التطبيقية والتراجم ومختلف الفنون والآداب، فلا نبالغ إن أطلقنا على الكثير من تلك الكتب تسمية : دائرة معارف، فيعد العصر المملوكي من أغزر العصور العربية الإسلامية في حقل الكتابة، ومن أغناها في حقل التأليف، ولا زالت آثاره المادية ظاهرة إلى اليوم.

وإن من أعظم إيجابيات علماء ذلك العصر أنهم أعادوا وبزمن قياسي جمع ما خسرناه من التراث والفكر العربي الإسلامي الذي تعرض للنهب والإحراق والإغراق والإتلاف على يد المغول، وتابعوا فوق ذلك مسيرة التأليف والإبداع، فكونوا نهضة كبرى توجت حلقات تطور الحضارة العربية الإسلامية.

والغريب، أن عصر المماليك هذا تعرض على الرغم من كل ما ذكرنا لظلم ما بعده ظلم، فوصف بأوصاف بعيدة جداً عن واقعه، ومن ذلك أن المشتغلين باللغة والآداب العربية أطلقوا عبارة (عصر الانحطاط) على الحضارة العربية الإسلامية في عصر المماليك، وهم يعنون بذلك أن هذا العصر لم يكن عصر أصالة وإبداع في العلوم عامة، كما أنه لم يوجد فيه من المؤرخين والأطباء والفلكيين والمحدثين والفقهاء والفلاسفة والشعراء والأدباء من يضاهي أمثالهم من القرون الثلاثة الأولى وهي العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية.

ووصف عصر المماليك أيضاً أنه عصر تقهقر فكري، وعصر اجترت فيه العلوم اجتراراً، وعصر خال من الإبداع بالكلية، واتهم آخرون ذلك العصر بأنه عصر مختصرات وشروح، لا إبداع فيه ولا ابتكار، ولكن نقول : على الرغم من ظهور المختصرات والشروح بكثرة في ذلك العصر، إلاّ أنها ظهرت إلى جانب كثير من الأبحاث الجديدة؛ هذا أولاً.

وثانياً كان لظهورها أسباب منطقية وواقعية وضرورية؛ ولعل أهم الأسباب الكامنة وراء ظهورها هي ظروف الحروب الصليبية (حروب الفرنجة) التي رافقت ذلك العصر وظلت آثارها وقتاً طويلاً، فتوجه العلماء إلى المختصرات لاستدراك أكبر قدر من العلم الذي ضاع على يد التتار الذين استباحوا كل شيء، فظهر التعويض السريع لما فقد من التراث.

وتكمن النقطة الأهم في كل ذلك في مضامين هذه المختصرات أو الشروح؛ فأغلب الظن أن الناقدين قد اطلعوا على العناوين، فقرؤوا كلمة مختصر كذا أو كذا، ووقفوا عند ذلك، فلم يطلعوا على مضامين تلك المختصرات أو الشروح، لأن المطلع على موضوعاتها يجد أن المختصرات ليست إلاّ توضيحات مهمة فسرت ووضحت وقيدت وأجملت وفق ما حصل من تطور في العلوم، وفتحت مدارك العقل بما فيها من زيادات على الأصل وآراء جديدة، كالشروح التي وضحت وبينت ما استُغلق أو أُبهم أو أُشكل.

لذلك كانت كثير من الشروح أفضل من الأصول وأغزر، حتى إن بعض الشروح تظهر كأنها كتاب مستقل بحاله وليست شرحاً لكتاب آخر، وزيد عليها أبواب وفروع، وعللت أحكامها، وشرحت ألفاظها.

وكان كثير من هذه المختصرات والشروح والمتون من الإيجاز وقوة التركيز بحيث احتاجت إلى شروح جديدة لها، فظهر شرح للشروح، ويظهر ذلك الأهمية المميزة للشرح المشروح، وليس كما قيل إنها كانت سلبية، وإذا كان كذلك، فليس إلا مراعاة لمستويات الطلاب، فظهرت المختصرات والشروح إلى جانب المطولات والأصول.

ثم إن المختصرات والشروح كلاهما تعلقا بجانب العلوم الدينية وعلوم اللغة العربية في أغلبها، ولم تطل بقية العلوم.

كما توجه الفقهاء والمحدثون والأدباء في عصر المماليك إلى التراث الإسلامي الأصيل والضخم فعلقوا عليه جمعاً وشرحاً وتعليقاً وإضافة، كما فعل ابن رجب وابن حجر في صحيح البخاري على سبيل المثال، وهذا العمل هو ضرورة من أهم الضرورات التي يحتاجها تراثنا الإسلامي ومن هذه الانطباعات السابقة؛ وصف بروكلمان الإنتاج العلمي في ذلك العصر بأنه : “إنتاج يكاد يكون خلواً من الأصالة والإبداع بالكلية”، وقول فيليب حتي عن عصر المماليك بأنه : “عصر تجميع وتقليد أكثر منه عصر توليد وإبداع”، وإن هذا البحث هو محاولة تصحيح لهذه التصورات والانطباعات، من خلال الإبداعات الجديدة في عصر المماليك فيما يتعلق بالعلوم النظرية، سواء في العلوم الدينية أو علوم اللغة العربية أو فنون التاريخ وغير ذلك، والتي تدل على ظهور إبداع في ذلك العصر، وأنه لم يكن عصر انحطاط وتقليد وجمود.

أولاً – العلوم الدينية:

وهي كثيرة ومتنوعة، ومن خلالها أبدع العلماء الكتّاب مواضيع وأبواب لم تكن معروفة قبل ذلك، في الدراسات الفقهية، وعلوم القرآن الكريم، وعلوم الحديث النبوي الشريف، والتصوف، فساهموا بذلك في تقدم هذه العلوم وتطورها، وسايروا بذلك أيضاً مستجدات ذلك العصر.

  • الدراسات الفقهيه:

نشطت الدراسات الفقهية كثيراً في عصر المماليك، فكان للفقهاء نشاط واسع وملحوظ، فظهر المئات منهم، وظهر عدد كبير من المدارس الفقهية المتنوعة، وظهرت في طوايا الدراسات الفقهية لعلماء العصر المملوكي أوليات إبداعية لم نعرفها قبل ذلك، وهذه أهمها :

باب المقاصد:

برز في خدمة المذهب الشافعي عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن (ت 660هـ = 1261م) الذي ولد في دمشق عام 577هـ = 1181م ونشأ فيها، ومارس التدريس والإفتاء، وتولى خطابة جامع عمرو بن العاص، و إلى جانب علمه الكبير شارك في الجهاد وحرض على ملاقاة التتار وقتال الصليبيين، وتوفي في القاهرة.

وقد برع في الفقه حتى إنه أبدع باباً جديداً فيه لم يسبقه إليه أحد؛ هو (باب المقاصد) من خلال كتابه (القواعد الكبرى) المعروف بـ (قواعد الأحكام في إصلاح الأنام)، حيث رجع الفقه كله إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد، وقال في مقدمته:  “والشريعة كلها نصائح، إما بدرء مفاسد أو بجلب مصالح”، وهكذا فقد أبان ما في بعض الأحكام من مفاسد حثاً على اجتنابها، وما في بعضها من مصالح حثاً على إتيانها.

وهذا الكتاب هو من أنفس ما كُتب في هذا الشأن، فقد أتى في مصنفه بما لم يسبق إليه في فن القواعد والضوابط الشرعية، وأبدع فيه إبداعاً لم يشْهد في مؤلف غيره من كتب القواعد، فقد تناول المقاصد الشريفة بنظر شمولي عميق، ونظام منسق عجيب، جعل الإمام العلائي يصفه في مقدمة كتابه (المجموع المذهب في قواعد المذهب) بقوله : “كتاب القواعد الذي اخترعه شيخ الإسلام عزالدين بن عبد السلام، هو الكتاب الذي لا نظير له في بابه”، وهذا الإمام السيوطي يعد العز بن عبد السلام أول من فتح هذا الباب (أي نظرية المقاصد) في هذا الكتاب، ويضاف إلى ذلك أنه أتى فيه بنظريات فقهية رائعة، وأقام صرح تجديدات تشريعية نفيسة، لم تخطر ببال أحد ممن سبقه في هذا الميدان، ولا يتسع المقام لبيانها، وقد أفاد منها من جاء بعده من الأعلام.

وللعز سبق إبداعي ثان؛ فهو أول من ألقى دروس التفسير في مصر، مما يؤكد نبوغه وأفق طموحه منذ كان صغير السن.

تصنيف المسائل الفقهية في أبوابها:

وتم هذا العمل الإبداعي على يد محمد بن بهادر بن عبد االله المصري الزركشي الشافعي (ت 794هـ = 1391م) الذي ولد عام 745هـ = 1344م، ودرس الفقه وتخرج به على يد عبد الرحيم بن علي الأسنوي، رحل في طلب العلم إلى دمشق وحلب، من تصانيفه في الفقه (شرح جمع الجوامع) و (شرح المنهاج) و (البحر المحيط)، وهذا الأخير وافق اسمه مسماه ولفظه معناه، فتألف من عدة مجلدات في أصول الفقه، أراد المؤلف فيها أن تكون موسوعة يجمع فيها أقوال علماء الأصول ممن عاصروه أو سبقوه في مدونة واحدة، حتى قيل : “جمع فيه جمعاً كثيراً لم يسبق إليه”، وقال السيوطي كذلك عنها : “وبحره الذي هو في الأصول نهاية”.

والكتاب الذي يهم مقالتنا هنا، هو كتابه (خبايا الزوايا)، حيث رأى أن الكثير من المسائل الفقهية ذُكرت في غير أبوابها، فشمر ساعد الجد وتتبع المسائل وأرجعها إلى أبوابها، ولم يسمع أن أحداً أقبل على مثل هذا العمل قبله.

وقد ذكر الزركشي سبب تأليفه لهذا الكتاب في بدايته، فقال : “فهذا الكتاب عجيب وضعه، وغريب جمعه، ذكرت فيه المسائل التي ذكرها الإمامان الجليلان أبو القاسم الرافعي في شرحه للوجيز (المهذب)، وأبو زكريا النووي في روضته (التنبيه) – تغمدهما االله برحمته – في غير مظنتها من الأبواب، فقد يعرض للفطن الكشف عن ذلك فلا يجد مذكوراً في مظنته، فيظن خلو الكتابين عن ذلك وهو مذكور في مواضع أخرى منها، فاعتنيت بتتبع ذلك، فرددت كل شكل إلى شكله، وكل فرع إلى أصله، رجاء الثواب والتسهيل على الطلاب”.

أحكام أهل الذمة:

كان ابن قيم الجوزية (ت 751هـ = 1350م) عارفاً بالتفسير والأصول، والحديث، والفقه وأصوله، والعربية، ومن مصنفاته الفقهية (رفع اليدين في الصلاة)، و (حكم تارك الصلاة)، و (حكم إغمام هلال رمضان)، و (التحرير فيما يحل ويحرم من لباس الحرير)، و (بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل)، و (كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء).

ومن أهم مصنفات ابن قيم الجوزية (أحكام أهل الذمة)، حيث لم يترك الفقهاء المسلمون شيئاً إلا وألّفوا فيه، ولم تغادر أقلامهم أبسط الموضوعات إلا وقد أغنوها بالبحث والتفصيل، ومنها ما كتبه هنا ابن قيم في الفقه المتعلق بتنظيم الجاليات غير الإسلامية في دار الإسلام، وإن كان الفقهاء قد كتبوا فيه قديماً، لكن ابن قيم تميز عن كل من سبقه بالدقة والعمق والشمول، فكان كتابه أول كتاب جامع في بابه، تناول فيه كل شاردة وواردة بموضوعات تفصيلية تكاد تكون كافية ووافية لمن يقرؤها.

واشتمل هذا الكتاب على مايلي : الفصلان الأول والثاني : شرح ابن قيم فيهما موقف الإسلام من الذميين عند أداء شعائرهم الدينية، والاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم، والتظاهر بأعرافهم وتقاليدهم، الفصل الثالث : اشتمل على بحث فقهي لم يخل من السرد التاريخي والتحقيق الاجتماعي لأزياء الذميين ومقارنتها بأزياء المسلمين، أما الفصل الرابع : ففيه عن علاقة الذميين بالمسلمين في المعاملات المالية والاقتصادية، فقد جاء شديد الإيجاز لأن ابن قيم كان قد أفاض فيه في الربع الثاني من أصل الكتاب في الفصل الذي عقده لأحكام معاملتهم وشركتهم، أما الفصل الخامس : فقد عرض فيه ابن قيم لموضوع ربما بدا تافهاً ولكنه عده مهماً قائماً بنفسه، وهو تكليف الذميين بإكرام المسلمين بالضيافة ونحوها، وفي الفصل السادس والأخير : شرح قانون العقوبات حين يقوم الذمي بما يستوجب إنزال عقوبة به تتفاوت بتفاوت الجرم الذي أحدثه، وبمدى تعلقه بعقد الأمان الذي منحه الإسلام إياه مقابل الجزية.

لقد تفرد ابن قيم في هذا الكتاب بالدقة والشمولية والأسلوب الممتع والعلم الغزير والفائدة الجمة.

الفروع الفقهية منزلة على القواعد النحوية:

برز في الفقه الشافعي الفقيه عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر الأسنوي (ت 772هـ = 1370م) الذي قدم في هذا الفن (شرح ألفية ابن مالك)، و (الكواكب الدرية في تنزيل الفروع الفقهية على القواعد النحوية)، واسمه المعتمد هو (الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية).

ويبرز هذا الكتاب الدور الكبير لعلم العربية في الفروق بين المعاني من جهة الألفاظ، وهو أول كتاب يجمع بين دفتيه الفروع الفقهية منزلة على القواعد النحوية، وهذا الكتاب درس تطبيقي للتفاعل الحار بين علوم الشريعة بعامة، والفقه بخاصة، وبين علوم العربية، وفيه نموذج عن العلاقة بين الحضارة الإسلامية ووسائلها في التعبير عن ذاتها، فهو أول كتاب يجمع بين دفتيه مسائل فقهية مدارة على أسس نحوية.

وقد بلغت هذه المسائل مائة و ثمان وخمسين مسألة موزعة على خمسة أبواب وسبعة وعشرين فصلاً، وقد سار المؤلف في مسائله على نهج لم يفارقه من أول كتابه حتى نهايته، فهو يذكر المسألة النحوية أولاً، ثم يتبعها المسألة الفقهية، ثم يستخلص بعد ذلك الحكم الفقهي المبني على مقتضيات القواعد النحوية.

وسبق هذا الكتاب محاولات جادة عديدة من علماء الأمة، غير أن هذه المحاولات لم يقدر لها أن تجتمع في كتاب خاص بها، فظلت متناثرة في ثنايا كتاب النحو والفروع الفقهية، حتى ارتضى الإمام الأسنوي لنفسه أن ينهض بهذه المهمة فيجمع مسائل الفقه مدارة على مسائل النحو في هذا الكتاب، وهو بهذا يكون قد سجل سبقاً علمياً جليلاً.

قضاة المذاهب :

كان الظاهر بيبرس من أكثر السلاطين المماليك الذين أظهروا للعلماء المكانة التي يستحقونها، وتدلل مواقفه المتعددة على ذلك، فأكثر لهم من بناء المؤسسات العلمية، وكان محباً للعلم وأهله، ويقال إن عبد العزيز بن عبد السلام (ت 660هـ = 1261م) لما حضر بيعة الظاهر بيبرس، قال له : “يا ركن الدين أنا أعرفك مملوك البندقدار”، فما بايعه حتى جاء من شهد له بالخروج من رقه، وبلغ من تقدير بيبرس له أنه شهد جنازته بنفسه، ولما بلغه نبأ وفاته، قال : “لم يستقر ملكي إلا الساعة، لأنه لو أمر الناس في بما أراد لتبادروا إلى امتثال أمره”.

وكان الظاهر بيبرس قد استقبل العالم عز الدين بن شداد بعد ما وصله من حلب هارباً من طغيان التتار، وأحسن وفادته وشمله بالإنعام والإكرام، ورد ابن شداد الجميل بأن ألف كتاباً مدح فيه بييرس، وأثنى على إنجازاته، وقد عرف عن بيبرس أيضاً محبته للفقهاء خاصة، وقد ارتبطت عناية بيبرس بالعلماء بعنايته بالمذاهب الفقهية والقضاة، إذ عد أول من جعل القضاة أربعة، و لكل مذهب قاض، وحدث هذا سنة 663 هـ = 1264م، وذلك عندما سأل القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز الشافعي في أمر فامتنع من الدخول فيه، وقال له : “مر نائبك الحنفي يستنيب من شاء من المذاهب الثلاثة”، فامتنع من ذلك أيضاً، فولى كل مذهب قاضياً، وبهذه المناسبة قال الشاعر شرف الدين البوصيري :

غدا جامع ابن العاص كهف أئمةٍ          فلله  كهف  للأئمة  جامع

لقد   سرنا   أن   القضاة   ثلاثةٌ           وأنك تاج الدين للقوم رابع

  • علوم القرآن:

يقصد بعلوم القرآن كل علم يخدم القرآن الجليل أو يستند إليه، ويضم ذلك علم التفسير، وعلم القراءات، وعلم الرسم العثماني، وعلم إعجاز القرآن، وعلم أسباب النزول، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم إعراب القرآن، وعلم غريب القرآن، وعلوم الدين، وعلوم اللغة، إلى غير ذلك، ومنهم من توسع في ذلك فجعل منها علم الهيئة والهندسة والطب، ومنهم من أوصلها إلى مئات العلوم.

وقد ظهر في العصر المملوكي عدد من كبار المفسرين وأفذاذ من علماء علوم القرآن الكريم، وتكاثر علماء هذا الفن في القرنين السابع والثامن الهجريين = الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، وحظيت هذه العلوم بمزيد من الاهتمام والعناية، وشهدت نشاطاً باهراً ومتألقاً، فرأينا في ذلك العصر : القرطبي وابن منير وأبي حيان الغرناطي وابن قيم الجوزية، والزركشي، أولئك الذين عدت مؤلفاتهم من المصادر الأساسية لعلوم القرآن الكريم في التاريخ الإسلامي، وحملت في طياتها دلائل هامة رفدت مسيرة إغناء القرآن الكريم بالدراسات الجديدة الموفقة، ومن هذه الإبداعات :

أقسام القرآن الكريم:

أنتج ابن قيم الجوزية في علوم القرآن كتاباً هاماً وفريداً، تناول فيه بالدراسة الأقسام التي هي بمعنى الحلف واليمين، وسماه (التبيان في أقسام القرآن)، ففصل في ذلك بأسلوبه العذب، وانفرد في تناول هذا الموضوع بين العلماء حتى ذلك الوقت، وهذا أمر لم يسبقه إليه أحد ممن قبله، وهذا في حد ذاته يعطي الكتاب أهمية فريدة، والكتاب من خيرة الكتب التي خطها قلم ابن قيم، وفاضت بها قريحته، فقد بذل في هذا الكتاب غاية جهده وأقصى طاقته، إذ تكلم فيه عما ورد في القرآن الكريم من أقسام االله تعالى ببعض مخلوقاته في الأرض والسماء، فأبان الحكمة من ذلك، وكشف عن المعاني الدقيقة والحقائق البديعة التي أراد االله عز وجل أن يطلعنا عليها، لنزداد إيماناً، وبمخلوقاته معرفة واطلاعاً.

الاستثناء في القرآن الكريم :

وظهر في ذلك العصر الكثير من علماء اللغة العربية الذين صنفوا مؤلفات مهمة قيمة، ومنهم أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن القرافي (ت 684هـ = 1285م) الذي ألف كتاباً سماه (الاستغناء في الاستثناء)؛ وهو أول دراسة في استثناءات القرآن الكريم، وأول بحث مستقل في الاستثناء.

  • الحديث :

كثر المحدثون في عصر المماليك، فكان منهم المسند والمحدث والحافظ، وكان لهؤلاء العلماء جهود في متابعة مسيرة خدمة الحديث النبوي الشريف بإسهاماتهم المباركة، ومنها :

الأحاديث المشهورة:  أقبل الزركشي محمد بن بهادر على خدمة الحديث الشريف الذي اشتغل به وخدمه بكتاب فريد هو : (اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة)، ويسمى أيضاً (التذكرة في الأحاديث المشتهرة)، وصدره بمقدمة ذكر فيها أن تبيين الأحاديث المشتهرة على ألسنة العوام وكثير من الفقهاء من الأمور المهمة جداً، ذلك لأن كثيراً منها مكذوب مختلَقٌ لا أصل له، وبعد النظر في تاريخ التأليف في هذا الفن يتبين لنا أن كتاب الزركشي المذكور، يعد الكتاب الأول الذي وصل إلينا في هذا الفن، وما سبقه من بحوث ليست إلاّ نتفاً وإشارات عابرة في كتب لم يقصرها مؤلفوها على هذا الفن.

وقد بلغت خطوة الزركشي في كتابه هذا درجة متقدمة في الجودة عند الإمام السخاوي (ت 902هـ = 1496م) في كتابه (المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة)، وقسم الزركشي الكتاب إلى الأبواب التالية :

  • فيما اشتهر على ألسنة الناس من أحاديث الأحكام وأورد فيه 31 حديثاً.
  • في الحكم والآداب : وأورد فيه 61 حديثاً.
  • في الزهد : وأورد فيه 31 حديثاً.
  • في الطب والمنافع : وأورد فيه 18 حديثاً.
  • في الفضائل : وأورد فيه 520 حديثاً.
  • في الأدعية والأذكار : وأورد فيه 3 أحاديث.
  • في القصص والأخبار : وأورد فيه 14 حديثاً.
  • في الفتن : وأورد فيه 9 أحاديث.
  • في أمور منثورة : وأورد فيه 7 أحاديث.

ويضاف إلى ذلك أحاديث أخرى يذكرها المصنف مع ترجمة هذه الأحاديث.

  • التصوف :

انتشر التصوف في العصر المملوكي انتشاراً واسعاً، ولقي علماؤه تشجيعاً من السلاطين والأمراء، وكان هناك أماكن لخلوة الصوفية، ينقطعون فيها للعبادة والتصوف، ويسكن فيها الزهاد، كالخوانق والربط والزوايا، ولكن هذه الأماكن لم تؤد هذا الدور فقط، بل رافقه تمثيل لدور المسجد ودور المدرسة، فأصبح بيت الصوفية مكاناً للعبادة وموضعاً لتدريس العلوم، وعرفت هذه الأماكن بالخوانق والزوايا والربط.

وظهرت في عصر المماليك أشهر الطرق الصوفية عبر التاريخ؛ فتأسست في تلك الفترة الطريقة الأحمدية أو البدوية : وهي الطريقة التي ينتسب إليها أتباع السيد أحمد ابن علي بن إبراهيم الحسيني الشهير بالبدوي (ت: 675هـ = 1276م) الذي عاش في مدينة طنطا في دلتا مصر، وعظم شأنه في مصر، وانتسب إليه جمهور كبير؛ منهم السلطان الظاهر بيبرس، وظلوا يحتفلون بمولده ثلاث مرات في العام.

و تأسست كذلك الأمر الطريقة الدسوقية : وهي طريقة صوفية أنشأها الشيخ إبراهيم ابن أبي المجد بن قريش بن محمد (ت: 676 هـ = 1277م)، وهو من أهل دسوق بالوجه البحري بمصر، وتتفق هذه الطريقة في نظرياتها ومبادئها مع الطريقة الأحمدية البدوية.

كما وصلت إلى مصر الطريقة الشاذلية بوساطة أول شيوخها علي بن عبد االله بن عبد الجبار بن يوسف بن هرمز الشاذلي المغربي (ت: 656 هـ = 1258م) الذي ولد في ريف المغرب، ثم سكن شاذلة قرب تونس فنُسب إليها، ثم رحل إلى بلاد المشرق، فحج ثم دخل العراق، ثم سكن الإسكندرية.

كما وجد في ذلك العصر جلال الدين الرومي (672 هـ = 1273م) أول شيوخ الطريقة الصوفية المولوية (الجلالية) : وهو محمد بن محمد بن الحسين، ويلقب بالبلخي نسبةً إلى مسقط رأسه، وبالقونوي نسبة إلى الأرض التي سكنها (قونية)، والرومي نسبةً إلى بلاد الروم، وقونية كانت إحدى مدنها، رحل إلى نيسابور، وبغداد، ومكة، ودمشق، وأذربيجان، كان جلال الدين متقناً لعدة علوم، وكان شاعراً مجيداً ينظم بالفارسية والتركية والعربية، انصرف عن الحياة العامة إلى التصوف، متأثراً باتصاله بالصوفي شمس الدين التبريزي، وعرف أتباعه بالمولوية نسبة إلى كلمة (مولانا)، كما عرفوا بالدراويش الراقصين لاستخدامهم الموسيقا التوقيعية في أذكارهم، أشهر ما ألّف جلال الدين كتابه (المثنوي)، وهو ملحمة صوفية شعرية كبيرة باللغة الفارسية، لها مقدمة باللغة العربية، كما تتضمن بعض أبيات باللغة العربية، وتشتمل على مجموعة من القصص والتأملات والحكم والمواعظ بإطار من الرموز والمبهمات التي يتميز بها الشعر الصوفي، وتقع في ستة أجزاء.

ثانياً – علوم اللغة العربية :

شهد العصر المملوكي عناية فائقة بعلوم النحو والصرف، فقامت فيه نهضة حقيقية، وعاش فيه أربعة من عمالقة اللغة العربية عبر العصور الإسلامية، وسار على نهجهم بقية علماء العصر والعصور التالية، وهؤلاء هم : ابن مالك (ت 672هـ = 1273م)، وعبد االله بن يوسف بن أحمد ابن هشام (ت 761هـ = 1359م)، و عبد االله بن عبد الرحمن بن عقيل (ت 769هـ = 1367م) الملقب برئيس العلماء، ومحمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان، أثير الدين الغرناطي (ت 745هـ = 1344م)، وكانت الإبداعات اللغوية الآتية :

نائب الفاعل:

كان من علماء عصر المماليك النحويين محمد بن عبد االله بن عبد االله بن مالك الطائي النحوي (ت 672هـ = 1273م) شيخ النحاة، الذي يعد من أشهر علماء العربية في تاريخ الإسلام، يقول عنه ابن شاكر الكتبي : “وأما اللغة فكان إليه المنتهى فيها … وأما النحو والتصريف فكان فيهما بحراً لا يشق لُجه”، وقال عنه ابن حجر في معرض حديثه عن أبي حيان الغرناطي : “وهو الذي جسر الناس على قراءة كتب ابن مالك، رغبهم فيها وشرح لهم غامضها … وكان يقول : وأُلزم أحداً أن لا يقرأ إلا كتاب سيبويه أو في التسهيل لابن مالك”.

ترك ابن مالك للغة العربية وأبنائها تراثاً ضخماً وثروة طائلة من المؤلفات المفيدة التي اشتهرت عبر الأيام والعصور، وأقبل عليها وعلى دراستها العلماء والمتعلمون، ويأتي في مقدمتها كتاباه : (ألفية ابن مالك) و (تسهيل الفوائد)، وهي أوفر الكتب حظاً وعناية من العلماء والمحققين، فقد ذكرت المراجع المختلفة أن الألفية شرحها أكثر من أربعين عالماً، كما تناولها بعض العلماء بالإعراب، وبعضهم بالاختصار، ووضع لها عدد منهم الحواشي، واتجه آخرون إلى تحويلها من نظم إلى كلام منثور.

كما ذكرت هذه المراجع أن التسهيل قد شرحه أكثر من خمسة وعشرين عالماً، كما حوله بعض العلماء إلى كلام منظوم، ولقد تضمنت (ألفية ابن مالك) أبياتاً شعرية يشرح من خلالها ابن مالك قواعد النحو والصرف وأصولهما ومسائلهما، ومن خلال هذه الألفية عد ابن مالك أول من استخدم عبارة (نائب الفاعل)، وكان قبله يسمى : المفعول الذي لم يسم فاعله، فتابعه النحويون على ذلك إلى يومنا.

ففي فصل : النائب عن الفاعل، يقول ابن مالك:  ينوب مفعول به عن فاعل فيما له، كنيل خير نائل، وفي ألفيته وشروحها تفاصيل هذه القاعدة.

تصنيف النحو بمنهج جديد:

ونلتقي بعد ابن مالك بعبد االله بن يوسف بن أحمد بن هشام (ت 761هـ = 1359م)، الذي ولد عام 708هـ = 1308م، وتعلم حتى أتقن اللغة العربية وظهر فيها إبداعه، وفاق الأقران، ولُقِّب بشيخ النحاة أيضاً، وقد قال فيه ابن خلدون : “وما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه”.

وصنَّف ابن هشام تصانيف كثيرة مفيدة ومشهورة، ويأتي في مقدمتها كتابه (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)، فهو من بين كتبه خاصة أجلها قدراً وأبعدها أثراً، وبين كتب العربية عامة من أكثرها استيعاباً ونفعاً، ومن خلاله عد ابن هشام صاحب أول كتاب في النحو بمنهج جديد، حيث اختط فيه منهجاً لم يسبق إليه، حيث قسمه إلى قسمين كبيرين؛ أفرد القسم الأول للحروف والأدوات، فوضح وظائفها وطرائق استعمالها مع عرض الآراء المتصلة بها، وتحدث في القسم الثاني عن أحكام وخصائص متنوعة كأحكام الجار والمجرور، وخصائص الأبواب النحوية، وصور العبارات الغريبة.

المعاجم :

تعددت المعاجم في عصر المماليك وتنوعت؛ وأول معجم أُلِّف في هذا العصر وضعه النحوي ابن مالك (ت 672هـ = 1273م)، وسماه (إكمال الإعلام بتثليث الكلام) في عدة مجلدات، ويعني التثليث مجموعة من ثلاث مفردات، مركبة من الحروف نفسها، وهذه الحروف تتفق في ترتيبها، وفي تعاقب الحركة والسكون عليها، والتثليث يكون بتحريك حرف أو حرفين بالفتح في المفردة الأولى، والحرف نفسه أو الحرفين يحركان بالكسر في المفردة الثانية، وبالضم في المفردة الثالثة، مثل : (بثر، بثِر، بثُر، وينبع، ينبِع، ينبع)؛ فاحتوى معجم ابن مالك هذا على ما يزيد على (2300) كلمة من كلمات المثلث المتفق المعنى والمثلث المختلف المعنى، وهو عدد لم يجتمع في غيره من كتب المثلث.

ووضع الإمام يحيى النووي (ت 676هـ = 1277م) الذي يعد في طليعة أعلام القرن السابع الهجري = الثالث عشر الميلادي، معجماً جيداً سماه (تهذيب الأسماء واللغات)، وقدمه بقوله : “وأرتب الكتاب على قسمين، الأول في الأسماء والثاني في اللغات، فأما الأسماء فضربان، الأول في الذكور والثاني في الإناث … وأما اللغات فأرتبها أيضاً على حروف المعجم على حسب ما سبق من مراعاة الحرف الأول والثاني وما بعدها”.

أما المؤرخ خليل بن أيبك الصفدي (ت 764هـ = 1362م)، الذي ولد في صفد عام 696هـ = 1296م، وتلقى العلم في دمشق والقاهرة، وباشر كتابة الإنشاء فيهما، وكتبه في التراجم والتاريخ معروفة، يضاف إلى ذلك أنه أديب بليغ، وكتب في مجال البلاغة (الكشف والتنبيه على الوصف والتشبيه) و (جنان الجناس) و (فض الختام عن التورية والاستخدام)، فقد فرغ كثيراً من وقته من أجل اللغة، وتوجه بشكل خاص باتجاه الاهتمام بمصنفات اللغوي الجوهري صاحب الصحاح، وصنف بخصوصه خمسة مصنفات : واحد لشواهده، وآخر لتلخيصه، وثالث لنقده، ورابع مختار من غوامضه.

وقدم وأبدع الصفدي عملاً معجمياً جديداً، ذا موضوع جديد، سماه (غوامض الصحاح) وهو مختار على معجم الصحاح للجوهري، ولا يقدم فيه جديداً من حيث مادته، ولكنه يقدم جديداً من حيث دراسة تاريخ المعجمات، حيث اتبع فيه أسلوباً لم يسبقه إليه أحد، فكلمة الغموض هنا لا تتجه إلى ما يسمى بغريب اللغة، وإنما تتجه إلى غموض الاشتقاق وصعوبة رد الكلمة إلى أصلها، ولذلك كان يذكر بعض تلك الغوامض ولا يذكر معناها، لأن معناها من الوضوح بحيث لا يخفى على أحد، ولكن الصعوبة تكمن في رد الكلمة إلى أصلها.

أما المعجم الشهير (لسان العرب) لابن منظور محمد بن مكرم بن علي (ت711هـ =1311م) المولود في القاهرة عام 630هـ = 1232م، والعارف باللغة والتاريخ والكتابة، فهو أول معجم متداول بين أيدي الخاصة والعامة من الناس حتى يومنا هذا، وهو في حد ذاته مكتبة علمية وأدبية، وقيل عنه إنَّه أعظم كتاب أُلف في مفردات اللغة العربية وهو أكبر معجم لغوي ظهر في الأزمنة الماضية، وهو في الوقت نفسه كتاب لغة ونحو وصرف وفقه وآداب وشرح للحديث الشريف وتفسير للقرآن الكريم.

وهناك معجم (تهذيب التهذيب) لمحمود بن محمد بن حامد الأرموي (ت 723هـ= 1323م) الصوفي المحدث، المولود في القاهرة عام 647هـ = 1249م، وتعلم فيها، وفي الإسكندرية والشام، وهو يوصف بأنه أفضل معجم أُلف بعد لسان العرب لابن منظور وتهذيب اللغة للأزهري.

وألَّف أحمد بن يوسف السمين الحلبي (ت 756هـ = 1355م) معجماً لغوياً لألفاظ القرآن الكريم، سماه (عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ)، وقال في مقدمته : “ورتبت هذا الموضوع على حروف المعجم بترتيبها الموجودة عليه الآن، فأذكر الحرف الذي هو أول الكلمة مع ما بعده من حروف المعجم، إلى أن ينتهي ذلك الحرف مع ما بعده، و هلم جرا إلى أن تنتهي”.

وأخيراً نقف مع أحمد بن علي المقريء الفيومي (ت بعد 770هـ = 1368م) العارف بالعربية والفقه الذي ألف معجمه (المصباح المنير في غريب الشرح الكبير) وخصصه للألفاظ الواردة في كتب الفقه.

ثالثاً – الأدب :

كتابة السر :

ازدهر فن الكتابة في ذلك العصر، وبلغ الكتَّاب منازل رفيعة لدى سلاطين المماليك قاربت منازل أصحاب السيوف وكبار القضاة، وقد كان رئيس الكتّاب منذ العصر الفاطمي وخلال فترة العصر الأيوبي صاحب ديوان الإنشاء، وكان بمنزلة الوزير، بل ربما ارتفع عن منزلة الوزارة إلى مرتبة نائب السلطان، واستحدث المماليك منصباً جديداً في الكتابة إلى جانب صاحب ديوان الإنشاء، وهو (كاتب السر) أو رئيس الديوان السلطاني، وتنافس في تولي هذا المنصب كبار كتَّاب الدولة.

ومن أشهر كتّاب العصر المملوكي؛ محيي الدين عبد االله بن عبد الظاهر (ت 692هـ = 1292م)، والملقب بشيخ أهل الترسل، وهذه الموهبة هي التي أهلته ليتسلم رئاسة ديوان الإنشاء في عهود ثلاثة من سلاطين المماليك : الظاهر بيبرس، والملك المنصور قلاوون، والملك الأشرف خليل، وظهرت هذه الموهبة كثيراً في كتبه التاريخية، كما ظهرت في أنواع الرسائل التي كان ينشئها في ديوان الإنشاء، ويذكر القلقشندي له كتاباً أدبياً سماه (تمائم الحمائم)، وما نريد أن نركز عليه هنا؛ أن ابن عبد الظاهر عد أول من سمي بكاتب السر في مصر.

وكتابة السر تعني : قراءة الكتب الواردة على السلطان، وكتابة أجوبتها، وأخذ خط السلطان عليها وتفسيرها، وتصريف المراسيم وروداً وصدوراً، والجلوس لقراءة القصص بدار العدل والتوقيع عليها.

وصف الشامة :

من كتب خليل بن أيبك الصفدي في الأدب (كشف الحال في وصف الخال)؛ وتناول فيه وصف الخال (الشامة) بإيراد الأدب والشعر، ولم يكتف بذلك بل تعداه إلى حال الخال في اللغة والفلسفة والطب وعلم الجمال ليكون كتاباً شاملاً للمعاني، وهو كتاب انفرد ببحث هذا الموضوع، فلم يسبقه إليه أحد، وهذا الكتاب هو من غرائب الموضوعات ونوادرها، وهذا ما تميز به الصفدي، إذ ألّف في موضوعات نادرة كثيرة مثل (نكت الهيمان في نكت العميان)، وخصه بتراجم العميان، و(الشعور بالعور) يترجم فيه للعور، و(لذة السمع في وصف الدمع) و (رشف الزلال في وصف الهلال).

رثاء الأبناء:

من أدباء ذلك العصر أحمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الواحد المعروف بابن أبي حجلة (ت 776هـ = 1374م)، الذي ولد في تلمسان عام 725هـ = 1324م، ثم قدم دمشق، ثم نزل القاهرة، وعرف بمهارته في الأدب نظماً ونثراً، ومن مقاماته ومجاميعه (حاطب ليل) و(سكردان السلطان)، ولابن أبي حجلة كتاب قيم سماه (سلوة الحزين في موت البنين)، ويدور حول رثاء الأبناء أدباً وشعراً، وعد أقدم كتاب وصلنا في هذا الموضوع، واعتمدت جميع الكتب التي أُلفت بعده عليه اعتماداً واضحاً، وهو أقدم نص ينشر في موضوعه، كانت غاية المؤلف من هذا الكتاب تسلية النفس الإنسانية عن مصائب الدنيا وبلاياها، والارتفاع بها من عالم اليأس والحزن إلى جو رحيب من الرضى والاطمئنان، وبخاصة عند فقد الأولاد، ومن هنا دارت مادة الكتاب حول هذه الغاية، فحشد المؤلف كل ما يؤدي إليها من آية قرآنية وحديث شريف، وأدب ونثر وشعر، وحكاية، وقول مأثور، وقصة، وكل ما يمكن أن يبلسم جراح المحزونين، ويجد من يقرأ هذا الكتاب أن المؤلف قد قدم كتاباً جامعاً في الموضوع الإنساني المتجدد تجدد الأيام والسنين.

في البديع:

من علماء البديع في عصر المماليك؛ سليمان بن بنيمان بن أبي الجيش، أمين الدين الإربلي (670هـ – 1271م)، الذي كان شاعراً وصاحب نوادر ومزاح، وعمل صائغاً كمهنة أبيه، ومن إبداعاته العديدة أنه عد أول من وضع قصيدة جمع فيها أنواع البديع، خص كل بيت منها بنوع منه، كالجناس اللفظي، والجناس الخطي، والطباق، والاستعارة، والمقابلة، والتفسير، والتقسيم، والإشارة، والإرداف، والمماثلة، والغلو، والمبالغة، والكناية والتعريض، والعكس، والتذييل، والترصيع، والإيغال، والتوشيح، ورد العجز على الصدر، والتتميم والتكميل، والالتفات، والاعتراض، والرجوع، وتجاهل العارف، والاستطراد، وجمع المؤتلف والمختلف، والسلب والإيجاب، والاستثناء، والمذهب الكلامي، والتشطير، والمحاورة، والاستشهاد والاحتجاج، والتعطف، والمضاعف، والتطريز، والتلطف.

خيال الظل:

خيال الظل اسم يطلق على التمثيلية التي تستخدم الظلال في إبراز مشاهدها، وذلك باستخدام ستار من النسيج الأبيض، يوضع خلفه مصدر ضوئي، ويرفع اللاعب مجموعة من الدمى المصنوعة من الجلد أو الورق المقوى على هيئة أبطال التمثيلية، ويحركها بأصابعه المعقودة بخيوط رفيعة، فتنعكس ظلال هذه الدمى على الستار أمام المشاهدين.

وخيال الظل من ألوان التسلية، وتعد الصين المهد الأول لهذا الفن، ثم اتخذ طريقه إلى الشرق، وتدل الدلائل على أن مصر كانت أولى بلاد الشرق التي اقتبسته، ومنها عرف طريقه إلى تركية باسم (قراقوز)، ثم عرضته بلاد البلقان، ثم انتشر غرباً حتى شمال افريقية.

أبدع هذا الفن في مصر محمد بن دانيال بن يوسف الخزاعي الموصلي، أصله من الموصل، نشأ وتوفي في القاهرة، يقول عنه الصفدي المؤرخ والأديب : “صاحب النظم الحلو والنثر العذب، والطباع الداخلة، والنكت الغريبة والنوادر العجيبة”، وعد من خلال كتابه : “طيف الخيال في معرفة خيال الظل”، أول من كتب بالفصحى روايات (قراقوز)، وأول من ابتكر مسرح خيال الظل في مصر، وهو كتاب ذو رواية هزلية فيها كثير من المجون والفحش في الألفاظ.

أما في بلاد الشام؛ فإن ابن سودون (868 هـ = 1463م) هو أول من أحدث خيال الظل في دمشق، وهو علي بن سودون الجركسي البشبغاوي، أو اليشبغاوي القاهري الدمشقي، ولد وتعلم في القاهرة، ورحل إلى دمشق وتوفي فيها.

رابعاً – التراجم:

يقول المستشرق جيب : “يتركز الإنتاج الأكبر في عصر المماليك في مجال التأريخ … إلا أن سورية ومصر تفردتا بسلسلة متتالية من علماء التاريخ المخلصين في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين = الثامن والتاسع الهجريين، حتى إن مجرد ذكر أسمائهم وأهم أعمالهم سيأخذ من وقتنا الكثير”،  فلقد كثرت المؤلفات في فن التاريخ في عصر المماليك، وفي فن التراجم خاصة أكثر من غيره، وبات ذلك سمة مميزة لعصر المماليك لاشتهار عدد من كتبه اشتهاراً خاصاً، وهي من المراجع المتداولة حتى يومنا هذا.

ومنها على سبيل التمثيل فقط:  كتاب أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان (ت 681هـ = 1282م)، (وفيات الأعيان) الذي ترجم فيه لمشاهير أعيان علماء العصور الإسلامية، وكتاب أبي شامة المقدسي (الذيل على الروضتين) في تراجم القرنين السادس والسابع الهجريين = الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وألَّف الطبيب أحمد بن القاسم بن خليفة الحكيم المعروف بابن أبي أصيبعة (ت 668هـ = 1269م) كتاباً في تراجم الأطباء عبر العصور مع ذكر منجزاتهم، وسماه (عيون الأنباء في طبقات الأطباء)، ووضع الحافظ محمد بن أحمد الذهبي (ت 748هـ = 1348م) كتابه (تذكرة الحفاظ) في عدة مجلدات في تراجم رجال الحديث النبوي أو ما يسمى بطبقات الحفاظ.

ومن أشهر من كتب في تراجم الأعلام خليل بن أيبك الصفدي (ت 764هـ = 1362م) صاحب (الوافي بالوفيات)، وهو من أوفى كتب التراجم وأوسعها في المكتبة العربية الإسلامية، وهو في ثلاثين مجلداً تقريباً، ترجم فيه (للخلفاء الراشدين وأعيان الصحابة والتابعين، والملوك والأمراء، والقضاة والعمال والوزراء، والقراء والمحدثين والفقهاء، والمشايخ والصلحاء وأرباب العرفان والأولياء، والنحاة والأدباء والكتَّاب والشعراء، والأطباء والحكماء والألباء والعقلاء، وأصحاب النحل والبدع والآراء، وأعيان كل فن اشتهر ممن أتقنه من الفضلاء من كل نجيب مجيد، ولبيب مفيد).

ولا يقل كتابه الآخر (أعيان العصر وأعوان النصر) أهمية عن الوافي، وترجم فيه للأعلام الذين أدركهم أو لقيهم في حياته أو أخذ عنهم، أو كانوا في زمنه في جميع أنحاء الخلافة الإسلامية، وهذا يعني أنه تناول سير الأعيان منذ عام 696هـ = 1296م، ولم يقتصر حديثه على الشعراء والأدباء والعلماء، بل تناول كل من كان له شأن، ولذلك نراه يترجم للسلاطين والأمراء على جميع مستوياتهم، ولقادة الجند ولخدم المساجد ودور العلم والقضاة، فضم هذا الكتاب أكثر من ألفي ترجمة بقليل.

وعاصر الصفدي محمد بن شاكر بن أحمد بن عبد الرحمن الكتبي (ت 764هـ= 1362م) و ذكر المؤرخون أنه جمع تاريخاً، والمقصود به كتابه (فوات الوفيات) والذي يذكر في مقدمته أنه جمعه ورتبه بعد أن أطلع على كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان، فوجد فيه نقصاً في تراجم بعض الفضلاء، فأضاف تراجم عديدة، وجعله في أربعة مجلدات، وظهر في عصر المماليك مواضيع في فن التراجم جديدة لم تظهر قبل ذلك العصر، ومنها :

تراجم العميان :

أبدع خليل بن أيبك الصفدي كتاباً جديداً في موضوعه لم يسبقه إليه أحد عندما ترجم لمشاهير علماء الأمة العميان في كتاب خاص بذلك فقط سماه (نكت الهميان في نكت العميان) وقال في أوله : “فأنا أذكر كل من وقع لي ذكره وهو أعمى، سواء ولد أعمى أو طرأ عليه العمى بمرض أو غيره، فأسردهم على حروف المعجم ليسهل كشفه”.

يقول محقق الكتاب أحمد زكي بك : “ولو لم يكن لهذا الكتاب من مزية أخرى سوى إرشادنا إلى أن العرب كانوا السابقين في اختراع الكتابة البارزة الخاصة بالعميان، لكفاه فضلاً وفخراً، وذلك أن أحد أفاضل العميان وهو برايل (Braille) خلّد اسمه، وشرف قومه الفرنسيين باستنباط الأسلوب المنسوب إليه لتعليم العميان القراءة والكتابة، ولكن السابق السابق في هذا الميدان هو أحد أعلام الشرق علي بن أحمد زين الدين أبو الحسن الحنبلي الآمدي، فهذا الشرقي العربي هو الذي يرجع له دون سواه الفضل كل الفضل في اختراع الكتابة الخاصة بالعميان”، وهذا لا يعني انعدام المحاولات قبل الصفدي للتأليف في هذا المضمار، وإنما السبق يعود له بتخصيصه كتاباً بأكمله وبخصوصية عن العميان، فللجاحظ كتاب تخصص فيه في الحديث عن البرصان والعرجان والعميان والحولان.

تراجم علماء صعيد مصر:

قدم جعفر بن ثعلب بن جعفر بن علي الأدفوي (ت 748هـ = 1347م) مؤرخ الصعيد الأول في فن التراجم كتابين، يعد الأول منهما من أهم كتب التراجم التخصصية حيث جمع فيه أخبار علماء صعيد مصر في عصره في مختلف مناطقه، ولم يترجم للأحياء منهم إلا لحاجة أو غرض خاص، وسماه (الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد)، وبلغت فيه التراجم (594) ترجمة، وكان سبب تأليف هذا الكتاب طلب من شيخه أبو حيان الغرناطي، عندما حثّ الأدفوي أن يؤلف كتاباً يتحدث فيه عن علماء الصعيد المبرزين، ويدل ذلك على المكانة العلمية والأدبية التي احتلها الصعيد آنذاك؛ ولبى الأدفوي طلب شيخه وألف كتابه (الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد”.

طبقات الحنفية:

وضع الفقيه عبد الوهاب بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي كتاب (طبقات الشافعية الكبرى) وترجم فيه لعلماء الشافعية حتى عصره، وصنَّف على شاكلته عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر الأسنوي (ت 772هـ = 1370م) المتقدم في علم الفقه أيضاً كتابه (طبقات الشافعية) ترجم فيه لمشاهير الشافعية في عدد من العصور، واقتداء بعبد الوهاب السبكي وعبد الرحيم الأسنوي كان عمل إبراهيم بن علي ابن محمد بن فرحون اليعمري المالكي المدني (ت 799هـ = 1396م) المولود في المدينة المنورة، وقاضيها، وذلك حين وضع كتاباً لخدمة مذهبه المالكي سماه (الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب”.

واقتداء بعبد الوهاب السبكي وعبد الرحيم الأسنوي واليعمري الذين ترجم كل واحد منهما لعلماء مذهبه في كتاب تخصصي مفرد؛ توجه الفقيه الحنفي عبد القادر ابن محمد القرشي (ت 775هـ = 1373م) نحو خدمة مذهبه، فصنف أول كتاب في طبقات الحنفية على الإطلاق، وسماه (الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية) في عدة مجلدات، قال في مقدمته : “وأرباب المذاهب المتنوعة كلٌّ منهم أفرد أصحاب إمام مذهبه، ولم أر أحداً جمع طبقات أصحابنا، وهم أمم لا يحصون”، ورتبه على حروف المعجم مبتدئاً بترجمة أبي حنيفة النعمان مؤسس المذهب.

التراجم العامة :

كتب في ذلك القاسم بن محمد علم الدين البرزالي (739 هـ =1339م)، الذي ولد بدمشق و سمع من عشرات المشايخ، ورحل إلى بلدان عديدة كحلب وبعلبك ومصر، وحدث وأفتى وألف كتاباً في التاريخ تابع فيه تاريخ أبي شامة، في ثمانية مجلدات، بلغ فيه إلى سنة 738 هـ، وعد أول مؤرخ كتب في التراجم العامة على العصور، وذلك في كتابه (مختصر المائة السابعة).

السيرة النبوية :

توزعت كتب السير في اتجاهين، في سيرة رسول االله صلى االله عليه وسلم، وفي السير الشخصية، فكثرت المؤلفات في كلا الاتجاهين، وظهرت كتب كثيرة في ذلك لا مجال لذكرها هنا، ولكن الشيء الجديد في هذا المضمار؛ هو ما قدمه عبد االله بن علي ابن أحمد بن عبد الرحمن بن حديدة المصري (ت بعد عام 779هـ = 1377م)، إذ قدم كتاباً جديداً في اختصاصه لم يسبقه إليه أحد فيما علمت، خصصه للحديث عن كتب الرسول صلى االله عليه وسلم ورسائله إلى ملوك الأرض العرب والعجم، سماه (المصباح المضيء في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من العرب والعجم).

الترجمة:

كان للعلاقات الواسعة للدولة مع مختلف شعوب العالم المعاصر لها ودولها أثره الواضح فقد تطلب ذلك إتقان لغات هذه الدول للقيام بالعملية الدبلوماسية من مراسلات واستلامات، وتدل المعاهدات الرسمية والمراسلات والاتفاقيات الكثيرة على ذلك؛ فقد أبرم المنصور قلاوون معاهدة رسمية مع الدولة البيزنطية عام 680هـ = 1281م، ووصل كتاب الإمبراطور البيزنطي مدوناً باللغة الإغريقية، وترجم إلى العربية في الديوان المملوكي، وأعد السلطان المنصور قلاوون صيغة للرد على هذا الكتاب، فنتج عن ذلك علاقات دبلوماسية تخدم طموحات سياسية وعسكرية واقتصادية تعود بالمنفعة المشتركة على كلتا الدولتين.

والمعاهدات والمراسلات من هذا القبيل كانت كثيرة بين دولة المماليك وبين دول آسيا وإفريقيا وأوروبة، وكان يقوم بمهمة الترجمة من كان يسمى بترجمان الدولة، وممن تولى هذه المهمة شيرزاد بن ممدود بن شيرزاد بن علي الرومي (ت 707هـ = 1307م) حيث عين ترجماناً للدولة للكتب التي ترد من بلاد العجم في سلطنة قطز، كان أبوه من بعلبك ثم تحول إلى دمشق ثم إلى بلاد الروم فأقام فيها نحو عشر سنين، ثم توجه إلى مصر وتوفي فيها.

ونجد الجديد في موضوع الترجمة في عصر المماليك في الجانب الآخر، الجانب الغربي، إذ نعثر على عدة نقولات وترجمات تدل على التأثر باللغة العربية، فقد اقتبس لويس التاسع (ت: 669هـ = 1270م) قائد الحملتين الصليبيتين السابعة والثامنة مصطلح (أميرال : أدميرال) من العربية، وهو لقب لقائد الأسطول البحري، وعد يوهانسن دي كبوا (ت: بعد 677 هـ = 1278م)  وهو يهودي متنصر من المستشرقين الأوائل  أول من ترجم كتاب كليلة ودمنة إلى اللاتينية، وهو أول كتاب من الحكايات والقصص العربية ترجم إلى اللغات الأوربية، فنقل إلى الإسبانية عام 649هـ = 1251م، ثم إلى اللاتينية عن ترجمة عبرية، وترجمة يوهانسن هذا نقلها بعنوان (المرشد إلى الحياة الإنسانية)، ثم انتشرت في أوربة انتشاراً واسعاً، والكتاب في الأصل ألفه بالسنسكريتية الفيلسوف الهندي (البراهمي بيديا) بهدف تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق والإرشاد إلى حسن السياسة، وجعله على ألسنة الحيوانات ليتسلى به عامة الناس، ثم نقل إلى الفارسية، ثم جاء عبد االله بن المقفع فنقله إلى العربية، ولم يلبث الأصلان الهندي والفارسي أن ضاعا، وبقيت النسخة العربية، ومنها انتقلت إلى سائر لغات العالم.

الخاتمة :

إن التراث العربي الإسلامي في عصر المماليك بحاجة ماسة إلى من يكشف عنه وخاصة في أيامنا هذه، وهو بحاجة أشد إلى إظهار جوانبه المحاطة بسحب من الإبهام، فلا تزال طائفة من علماء ذلك العصر لم تعط حقها بالبحث و التنقيب – كما رأينا في هذا البحث -، وأقصد بحقها لا سير حياتها، بل دقائق الإبداعات والكشوفات العلمية التي تمت على يديها، ولا تزال الكثير من مخطوطات ذلك العصر نائمة في السراديب والخزائن والدروج، بسبب تقصيرنا في إخراجها إلى النور، بينما انكب العالم الغربي على دراستها، إذ تشير الدراسات الأخيرة أن ما حقِّقَ من تراثنا المخطوط في عصر المماليك لا يزيد عن 5% فقط من ما هو متروك من غير تحقيق.

فهناك مثلاً مخطوطات الفلكي الدمشقي ابن الشاطر (من علماء العصر المملوكي = القرن السابع الهجري) مخترع الساعة الميكانيكة، هذه المخطوطات التي استفاد منها كوبرنيكوس في معظم اكتشافاته بل كان ينقل منها دون الإشارة إلى ابن الشاطر.

كما تم التنبه في الآونة الأخيرة إلى مخطوطة تشكل كنزاً علمياً ثميناً، وهي مخطوطة (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) لابن فضل االله العمري (من علماء العصر المملوكي = القرن الثامن الهجري) وهي تقع في ثلاثين جزءاً مطولاً، وتضم من التراجم في مختلف الفنون والآداب الآلاف من علماء الإسلام النابغين.

وأمام هذه الغمامات يجب علينا أولاً أن نعترف بأن هناك مظالم في تدوين تاريخ العصر المملوكي ينبغي أن نوقفها، وأن نعيد كتابة هذا التاريخ في ضوء الفهم الحقيقي وفي ضوء الإنصاف والعدل، وربما يتسرب اليأس إلى الناس في صعوبة تصحيح تاريخ مزيف، ولكن نقول أن هناك عناصر صدق تفرض نفسها دائماً، وتأتي هذه العناصر في ثنايا الكلام، وعلى المؤرخ أن يلتقط هذه العناصر ويجعلها أساس بحثه.

ففي إنصاف دولة المماليك في مصر والشام  موضوع مقالتنا، مثلاً لدينا الواقع الذي يكذب تحريفات المستشرقين عن ذلك العصر، ذلك الواقع الذي يصف انتصارات المماليك الكبرى على الصليبيين وتصفية وجودهم على الأرض العربية الإسلامية، ولدينا الواقع الذي يتحدث عن انتصاراتهم على المغول وبشكل خاص معركة عين جالوت التي أوقفت زحفهم.

ولدينا إقرار من علماء الآثار بأن عصر المماليك هو العصر الذهبي للعمارة الإسلامية، وعلمنا مؤخراً عن طريق المنصفين أن نجم الدين حسن الرماح أحد كيميائي العصر المملوكي (توفي 696هـ = 1295م )، هو أول من وصف في التاريخ تنقية نترات البوتاس من الشوائب وهي العملية الجوهرية في صناعة البارود والتي بدونها لا ينفجر.

كما أنه أورد العديد من وصفات مسحوق البارود ذات النسب الصحيحة للمسحوق المتفجر، وأنه أول من صنع الرعادات (الطوربيدات) المزودة بمحركات صاروخية، حيث استطاع استخدام البارود القاذف كمادة دافعة للصواريخ فكان ينطلق كقذائف نارية قاصفة كالرعد.

في حين نرى أن المثبت في كتب الغرب وأغلب كتب العرب والمسلمين أن اكتشاف مسحوق البارود المتفجر يعود لكل من العالمين الغربيين : ماركوس غريكوس، وروجر بيكون.

إلى غير ذلك من إنجازات ذلك العصر الفكرية والعلمية في كل العلوم النظرية والتطبيقية، ويكفي أن نذكر أعلاماً أعياناً عاشوا في كنف دولة المماليك، ومنهم : ابن خلدون، ابن قيم الجوزية، ابن مالك النحوي، ابن الشاطر الفلكي، عائلة السبكي، ابن النفيس، المقريزي، السيوطي، القلقشندي، النويري، الصفدي، الذهبي، السخاوي، ابن حجر العسقلاني … وغيرهم كثير.

المراجع

  • طقوش (محمد سهيل) : تاريخ المماليك في مصر والشام، بيروت، دار النفائس.
  • موسوعة (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) لابن فضل االله العمري.
  • موسوعة نهاية الأرب للنويري.
  • كارل بروكلمان – تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه فارس، منير بعلبكي، بيروت، دار العلم للملايين، والغرابة هنا في رؤية بروكلمان السلبية عن عصر المماليك أنه ناقض نفسه حين نشر مجلداً كاملاً من موسوعته تاريخ الأدب العربي يتعلق فقط بفهرسة مخطوطات وعلماء عصر المماليك.
  • فيليب حتي – تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين، ترجمة كمال اليازجي، بيروت، دار الثقافة.
  • عبد الوهاب بن علي السبكي – طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق محمود الطناحي، عبد الفتاح الحلو، الجيزة، هجر للطباعة،
  • محمد بن شاكر الكتبي – فوات الوفيات، تحقيق إحسان عباس، بيروت، دار صادر.
  • عبد الرحمن السيوطي – الأشباه والنظائر، تحقيق طه عبد الرؤوف، عماد البارودي، القاهرة، المكتبة التوفيقية.
  • عبد العزيز ابن عبد السلام – القواعد الكبرى، تحقيق نزيه حماد، عثمان ضميرية، دمشق، دار القلم.
  • عبد الرحيم الأسنوي – طبقات الشافعية، تحقيق كمال الحوت، بيروت، دار الكتب العلمية.
  • نزار أباظه وغيره – موسوعة الأوائل والمبدعين، دار المنبر.
  • ابن قاضي شهبة (أبو بكر) – طبقات الشافعية، تحقيق عبد العليم خان، دار الندوة، بيروت.
  • ابن حجر (أحمد بن علي) – إنباء الغمر بأبناء العمر، بيروت، دار الكتب العلمية.
  • ابن العماد (عبد الحي أحمد) – شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق محمود الأرناؤوط، دمشق، بيروت، دار ابن كثير.
  • الزركشي (محمد بن بهادر) – البحر المحيط، تحقيق عبد القادر العاني، الكويت، وزارة الأوقاف.
  • حاجي خليفة (مصطفى القسطنطني) – كشف الظنون، بيروت، دار الفكر.
  • بروكلمان (كارل) – تاريخ الأدب العربي، ترجمة عبد الحليم نجار و آخرون، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
  • الزركشي (محمد بن بهادر) – خبايا الزوايا، تحقيق عبد القادر العاني.
  • الصفدي (خليل بن أيبك) – الوافي بالوفيات، اعتناء هلموت ريتر، دار فرانز شتاينر.
  • ابن قيم الجوزية (محمد بن أبي بكر) أحكام أهل الذمة، تحقيق صبحي الصالح، بيروت، دار العلم للملايين.
  • السيوطي (عبد الرحمن) – حسن المحاضرة، بيروت، دار الكتب العلمية.
  • الأسنوي (عبد الرحيم بن الحسن) – الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية، تحقيق محمد حسن عواد، الأردن، عمان، دار عماد.
  • ابن شداد (محمد بن علي) – الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام و الجزيرة، تحقيق دومنيك سورديل، دمشق، المعهد الفرنسي.
  • ابن شداد – تاريخ الملك الظاهر، اعتناء أحمد حطيط، بيروت، المعهد الألماني للأبحاث.
  • الزرقاني (محمد عبد العظيم) – مناهل العرفان في علوم القرآن، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي.
  • ابن قيم الجوزية (محمد بن أبي بكر) – التبيان في أقسام القرآن، تحقيق فواز زمرلي، بيروت، دار الكتاب العربي.
  • القرافي (أحمد بن إدريس) – الاستغناء في الاستثناء، تحقيق محمد عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية.
  • ابن تغري بردي (يوسف) – المنهل الصافي و المستوفي بعد الوافي، تحقيق محمد أمين وآخرون، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
  • ابن فرحون (إبراهيم) – الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، تحقيق – محمد الأحمدي، القاهرة، دار التراث.
  • السيوطي (عبد الرحمن) – تدريب الراوي، تحقيق طارق عوض، الرياض، دار العاصمة.
  • الزركشي – اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة، تحقيق محمد الصباغ، بيروت، المكتب الإسلامي، حاجي خليفة – المصدر المتقدم.
  • منصور (أحمد صبحي) – العقائد الدينية في مصر المملوكية بين الإسلام والتصوف، الهيئة المصرية للكتاب.
  • المناوي (عبد الرؤوف) – الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، تحقيق عبد الحميد حمدان، المكتبة الأزهرية.
  • كحالة (عمر) – معجم المؤلفين، بيروت، مؤسسة الرسالة.
  • ابن حجر – الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، تحقيق محمد جاد الحق، مطبعة المدني.
  • ابن مالك (محمد بن عبد االله ) – شرح التسهيل، تحقيق عبد الرحمن السيد، محمد بدوي المختون، الجيزة، هجر للطباعة.
  • ابن عقيل (عبد االله) – شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، تحقيق محيي الدين عبد الحميد.
  • السيوطي (عبد الرحمن) – بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى.
  • ابن هشام (عبد االله بن يوسف) – مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق مازن المبارك وعلي حمد االله وغيره، بيروت، دار الفكر.
  • ابن مالك – إكمال الإعلام بتثليث الكلام، تحقيق سعد الغامدي، جدة، مطبعة المدني.
  • الذهبي (محمد بن أحمد) – تذكرة الحفاظ، دار إحياء التراث العربي.
  • النووي (يحيى بن شرف) – تهذيب الأسماء واللغات، بيروت، دار الكتب العلمية.
  • الصفدي (خليل بن أيبك) – غوامض الصحاح، تحقيق عبد الإله نبهان، بيروت، مكتبة لبنان.
  • ابن خطيب الناصرية (علاء الدين) – الدر المنتخب في تكملة تاريخ حلب، تحقيق أحمد حميد، أطروحة ماجستير، الجامعة اللبنانية.
  • الصفدي – أعيان العصر وأعوان النصر، تحقيق محمد أبو زيد وآخرون، بيروت، دمشق، دار الفكر.
  • السيوطي – بغية الوعاة.
  • ابن منظور (جمال الدين محمد) – لسان العرب، بيروت، دار صادر.
  • الذهبي (محمد بن أحمد ) – معجم شيوخ الذهبي، تحقيق روحية السيوفي، بيروت، دار الكتب العلمية.
  • السمين الحلبي (أحمد بن يوسف) – عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، تحقيق محمد باسل عيون السود، بيروت، دار الكتب العلمية.
  • الفيومي (أحمد بن علي) – المصباح المنير، تحقيق يوسف محمد، بيروت، المكتبة العصرية.
  • سلام (محمد زغلول) – الأدب في العصر المملوكي، مصر، دار المعارف.
  • ابن عبد الظاهر (محيي الدين) – تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور، تحقيق مراد كامل، القاهرة، الشركة العربية.
  • ابن حبيب (الحسن بن عمر) – تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه، تحقيق محمد أمين، مصر، مطبعة دار الكتب.
  • القلقشندي (أحمد بن علي) – صبح الأعشى في صناعة الإنشا، تحقيق محمد حسين شمس الدين، بيروت، دار الكتب العلمية.
  • العمري (أحمد بن يحيى) – مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، قطعة منه بعنوان: (مملكة مصر والشام والحجاز)، تحقيق دوريتا كرافولسكي، المركز الإسلامي للبحوث.
  • الصفدي (خليل) – كشف الحال في وصف الخال، تحقيق عبد الرحمن العقيل، بيروت، الدار العربية للموسوعات.
  • ابن أبي حجلة – سلوة الحزين في موت البنين، تحقيق مخيمر صالح، عمان، دار الفيحاء.
  • السخاوي (محمد بن عبد الرحمن) – الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، بيروت، دار مكتبة الحياة.
  • ابن كثير (الحافظ اسماعيل) – البداية والنهاية، وثقه محمد معوض وغيره، بيروت، دار الكتب العلمية.
  • أبو شامة – الذيل على الروضتين، تحقيق محمد الكوثري، بيروت، دار الجيل.
  • ابن أبي أصيبعة (أحمد بن القاسم) – عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق نزار رضا، بيروت، مكتبة الحياة.
  • الصفدي – أعيان العصر.
  • الصفدي – نكت الهميان في نكت العميان.
  • ابن رافع (تقي الدين أبي المعالي) – الوفيات، تحقيق صالح عباس، بيروت، مؤسسة الرسالة.
  • الجاحظ (عمرو بن بحر) – البرصان والعرجان والعميان والحولان، تحقيق محمد موسى الخوالي، بيروت، مؤسسة الرسالة.
  • الأدفوي (جعفر بن ثعلب) – الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد، تحقيق سعد حسن، الدار المصرية للتأليف والترجمة.
  • القرشي (عبد القادر بن محمد) – الجواهر المضية في طبقات الحنفية، تحقيق عبد الفتاح الحلو، الجيزة، هجر للطباعة والنشر.
  • ابن حديدة (عبد االله بن علي) – المصباح المضيء في كتب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من العرب والعجم، بيروت، دار الندوة.
  • حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، الكويت، مجلس النشر العلمي، الحولية الثالثة والعشرون، حياة الحجي : بعض الأبعاد الاقتصادية لسلطنة المماليك.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s