أمير السلام و قراصنة البحر

تشينغ خه – حجي محمود شمس

مجموعة مقالات وأبحاث

صفحات مجهولة من التاريخ الحضرمي

تشينغ خه في ضيافة سلطان الشحر أبي دجانة

أنور حسن السكوتي

aaaعلى الرغم من الشهرة الواسعة التي حظيت بها تلك الرحلات الإستكشافية العظيمة التي قام بها الصينيون في الثلث الأول من القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي، والتي عرفت باسم (رحلات الكنز)، وتحديداً مابين 1405م – 1433م، ومارافق تلك الرحلات السبع من كتابات وأبحاث ودراسات عززت من شهرتها وقيمتها، وما لاقته لاحقاً من حفاوة وتكريم لدى عدد من الشعوب التي زارتها، على الرغم من كل هذا، إلا أننا وللأسف لازلنا نجهل الشيء الكثير عنها، بل ونجهل حتى إرتباط تلك الرحلات الصينية بحقبة تاريخية مهمة من تاريخنا الوسيط، كم كنّا ولازلنا في أمس الحاجة لسبر أغوارها واستجلاء غوامضها وأسرارها.

ولعل في هذه المقدمة البسيطة دافعاً لأسلط ولو قليلاً من الضوء على تلك الرحلات الإستكشافية، وخاصة في الجانب المتعلق بمدينة الشحر (الأسعاء)، وهي المدينة الحضرمية الوحيدة التي حظيت بعدد من زيارات ذلك الأسطول ضمن رحلاته السبع للبلدان المطلة على المحيط الهندي، ومكة المكرمة في البحر الأحمر.

ولكي لا أطيل على القارئ سأحاول هنا تقديم ولو لمحة مبسطة لذلك الأسطول وقائده الصيني المسلم (تشينغ هو) وماكتب في (بعض) سجلات الرحلة عن هذه المدينة العريقة، وقبلها لمحة موجزة لحاكم الشحر وحيريج آنذاك وهو السلطان (سعد بن مبارك بن فارس بادجانة الكندي)1، والذي وصفه المؤرخ سعيد عوض باوزير بقوله : “كان حازماً يقظاً حليماً مهاباً من جميع الناس، وقد اهتم عقب توليه الشحر بتحسين حالتها الإقتصادية، فبعث رسله إلى القبائل البدوية يدعوها إلى القدوم بقوافلها إلى الشحر لينافس بذلك الأسواق الحضرمية الأخرى، واستطاع الأمير سعد أن يوطد لحكمه في الشحر بما كان يقوم به من أعمال مجيدة أطلقت الألسنة بالثناء عليه، فقد سار في الناس بالعدل وساسهم بالحكمة والحزم حتى أدركته المنية، فخلفه في الحكم إبنه محمد بن سعد”2، ونزيد بأن هذا السلطان خلال فترة حكمه استطاع بناء أسطول بحري كبير، وهو الذي استعمله لاحقاً ابنه محمد بعد أن زاد عليه لغزو عدن وإنتزاعها من أيدي الطاهريين سنة 861هـ / 1456م3.

ولعل في وجود مثل هذا الأسطول الضخم أمام سواحل حضرموت، والشحر تحديداً، دافعاً لجعل ذلك الأسطول الصيني الضخم أثناء وصوله سواحلنا، لأن يظهر نوعاً من إستعراض القوة والحركات الإستفزازية وهو مالم يفعله مع عدد من الموانئ المطلة على سواحل العربية الجنوبية الأخرى التي زارها كهرمز وظفار، بإستثناء عدن ومقديشو4، التي فعل فيها الشيء نفسه لبعض الإعتبارات لسنا في صددها هنا.

أما عن قائد الأساطيل الصينية الذي نعنيه هنا فهو القائد المسلم الطواشي (شينغ هو) واسمه حجي محمود شمس، أحد أحفاد حاكم منطقة يونان الصينية المسلمة، وينتمي الى أحد السلالات العلوية فيها والمنتشرة في آسيا الوسطى، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه الحفيد الـ 36 للإمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه5.

ولد شينغ خه سنة 772هـ / 1371م، وكان يطلق عليه في صغره (ماسانباو) بمعنى (فتى الجواهر الثلاث)، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن تلك اللفظة (ماسانباو) حرّفت في الأدب الشعبي العربي إلى السندباد صاحب الرحلات البحرية السبع المشهورة تماماً كرحلات تشينغ خه السبع6، أُسر في صغره من قبل أسرة (المينغ) التي حكمت الصين ما بين (1368م – 1644م)7، وتم خصيه وتقريبه من الإمبراطور الصيني (يونج لي) وهو الإمبراطور الثاني من أسرة (المينغ) لمزايا عدت فيه، والتي جعلت من الإمبراطور فيما بعد أن يكلفه بالإشراف على بناء تلك الأساطيل الإستكشافية وقيادتها في حملات سبع متتالية، توفي سنة 838هـ / 1435م وضريحه موجود في منطقة نانكنج الصينية .

وكان قوام هذا الأسطول الصيني في رحلته الأولى التي انطلقت سنة 808 هـ وعادت سنة 810هـ / الموافق 1405م – 1407م، عدد (317) سفينة من نوع الزنك (الجنك) منها 62 سفينة تحمل الهدايا التي عرفت بسفن الكنز، و (28,870) رجلاً يتوزعون بين جنود وضباط وملاحين وبناءين وكتبة ومترجمين8.

أما الرحلة السابعة الأخيرة فكانت بدايتها في ربيع ثاني 834هـ الموافق 19 يناير 1431م، وعادت في شهر صفر سنة 837هـ الموافق 14 سبتمبر 1433م، وعدد الزنوك فيها أكثر من (100) وعدد الرجال عليها (27,550) ما بين جنود وضباط وأطباء ومجدفون وحدادون وتجار ومترجمون وبحارة .. الخ9.

وكانت زيارة الأسطول للأسعاء (الشحر) في الرحلات الثلاث الأخيرة (5 – 6 – 7)، وفي إحدى تلك الرحلات (الرحلة الخامسة) والتي استغرقت فترة ما بين عامي (820 – 822 هـ الموافق 1417 – 1419م) وهي على الأرجح الزيارة الأولى لهذا الأسطول الصيني لمدينة الشحر، وفيها حدث ذلك الاستعراض للعضلات كإثبات للقوة والتفوق، بل وكما ورد في بعض السجلات عن محاصرة هذا الأسطول للمدينة ومناوشات طفيفة حدثت بين الطرفين أعقبها صلح وتفاهمات وتبادل للزيارات والسفارات، أكدته الرحلتان اللاحقتان، وذلك الحدث بل والرحلات برمتها نسبت خطأ في بعض الدراسات للأحساء وليس الأسعاء، فترة حاكمها (ابراهيم بن ناصر بن جروان)10، لوجود لبس في الترجمة، كما أن الوثائق التي لاتزال محفوظة لدى الصينيين يمكن أن تقدم لنا حقائق أخرى ومعلومات مستفيضة عنها11.

ولنا قبل الختام التعرف على ما كتبه أحد مرافقي الرحلة ومترجميها عن مشاهداته داخل المدينة ويدعى (ماهوان) ويلقب بتسونغ داو وهو أيضاً مسلم، حيث كتب عن الشحر : “يمكن الوصول إليها من قاليقوط تحت ريح طيبة في عشرين يوماً، وهي على ساحل البحر، وسورها من الحجر، وهي مجاورة لتلال (أو أن التلال قريبة منها) في صحراء ليس فيها زرع، وتعلف البقر والخراف والجمال والخيل بسمك البحر المجفف، ومناخها حار دائماً، وتربتها قاحلة، وغلتها الزراعية قليلة، إلا أنه يزرع فيها البر، ولا ينزل فيها المطر لسنوات متتابعة، وتحفر فيها الآبار ويسحب الماء منها بواسطة زوجين من العجلان المسننة وقربة من جلد الخروف، ويعقد كلا الجنسين شعرهم بشكل ضفائر، ويلبسون عباءات طويلة، وتغطي النساء رؤوسهن كما تعملن في هرمز، وجدارها (المدينة) من الحجارة وبيوتها من الطين، ويبلغ ارتفاعها ثلاثة أو أربعة طوابق، وفي أعلاها تقع المطابخ وغرف النوم حيث يقيم الضيف، وأما الطوابق السفلى فيعيش فيها العبيد، ومنتجاتها : العنبر، البخور، الجمال السريعة، وأهلها مخلصون ويقيمون الشعائر لجنائزهم، ويتجهون في دعائهم إلى الآلهة والشياطين12؟! وتأثراً بما قابله ملك هذه البلاد – من عطف الإمبراطور – أرسل رسالة منه على ورقة من ذهب وهدايا للتعبير عن الخضوع والولاء”.

أما البضائع (التي باعها الصينيون) فهي الذهب والفضة والمخمل والحرير والصيني والأرز والفلفل وخشب الصندل والصمغيات13، ولا ننسى أن تلك الرحلات التي قام بها الصينيون شملت كذلك ظفار أثناء حاكمها السلطان (علي بن عمر الكثيري) مؤسس الدولة الكثيرية في حضرموت (ت : 836هـ / 1432م) وفيها تفاصيل أكثر ومادة أخرى غنية وجديرة بالدراسة، لعل لنا معها وقفات أخرى مستقبلاً.

المراجع والهوامش:

  • باوزير، سعيد عوض، صفحات من التاريخ الحضرمي، دار الوفاق للدراسات والنشر، عدن، الطبعة الثالثة، 2012م، ص150، وحول نسب أبي دجانة إن كان من قبيلة كندة أو من قبيلة مهرة يمكن الرجوع لكتاب المهري، سعد بن سالم بن زومة الجدحي، تاريخ المهرة المسمى التطواف حول تواريخ ومشاهير بلاد الأحقاف، دار المستقبل للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 2013م ، ص152، كما أن بعض المؤرخين وبدلاً من سعد، يذكرونه سعيد، وكذلك ابنه محمد بن سعد.
  • باوزير، سعيد عوض، صفحات من التاريخ الحضرمي، ص150.
  • انظر المهري سعد الجدحي، تاريخ المهرة، مرجع سابق ص156، الحداد، علوي بن طاهر، الشامل في تاريخ حضرموت ومخاليفها، تريم للدراسات والنشر، الطبعة الاولى في سنغافورة سنة 1940م وأعيد تصويرها سنة 2005م، ص115، باوزير، سعيد عوض، صفحات من التاريخ الحضرمي، 151، ومن الواضح أن آل أبي دجانة لديهم ولع بالملاحة البحرية وبناء الأساطيل نجد أول إشارة لهم فيما ذكره المؤرخ شنبل، أحمد بن عبدالله، في كتابه (تاريخ حضرموت) ضمن أحداث سنة 756هـ : “وفيها خرج الهنود المجوسيون في أيام الأمير داؤد بن خليل الهكاري بقيودهم وسبحوا إلى مركب في بندر الشحر، فجهز ورائهم مركباً مقدمهم الشيخ أحمد بن عبدالله أبا دجانة فأستنقذوا المركب منهم في سقطرا، ونهبوا من الجزيرة مالاً كثيرة، ورجعوا بالمركب إلى الشحر”، المرجع السابق، تحقيق عبدالله محمد الحبشي، الناشر مكتبة صنعاء الأثرية، الطبعة الثانية 2003م، ص126.
  • محيرز، عبدالله أحمد، رحلات الصينيين الكبرى إلى البحر العربي، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، 2000م، ص59.
  • العلوي، هادي، المستطرف الصيني، دارالمدى للثقافة والنشر، سوريا، تاريخ الطبع 1994 – 2000م، ص305، بينما اعتبر محيرز جده من أصل مغولي، انظر المرجع السابق ص47.
  • من بحث د . خليل، محمد محمود، الخليج والجزيرة العربية في الوثائق والحوليات الصينية فترة العصور الوسطى، أسرة مينج نموذجاً، منشور في مؤتمر العلاقات العربية الصينية، جامعة قناة السويس، 2012م، (نسخة إلكترونية بحوزتي).
  • محيرز، رحلات الصينين الكبرى، ص33.
  • المرجع السابق ص57.
  • المرجع السابق ص64.
  • حدث لبس وخطأ لدى بعض الباحثين الذين كتبوا عن هذه الرحلة وخاصة في تحديدهم للبلد التي زارها الأسطول الصيني بين من أعتبرها الأحساء وآخرين الأسعاء، والسبب على الأرجح يعود إلى الترجمة وإلى جهل البعض باسم (الأسعاء) كاسم قديم أطلق على مدينة الشحر الحالية، حيث أثبت الباحثون التسمية بالحروف اللاتينية (la.sa) واختلف البعض في تحديدها إلا أن الخرائط الصينية تؤكد وقوعها ما بين ظفار وعدن، وحتى سارجنت أثناء حديثه عن تلك الحملة نسب الرحلات للأحساء، إلا أنه تدارك الأمر بإستغراب عن عدم إيراد ميناء الشحر (الأسعاء) في تلك الزيارة دون أن يتحقق من الأمر، وإنما اعتمد ترجمة المستشرق الإنجليزي (مايلز) لكتاب الصيني (ماهوان) المعنون (مشاهداتي في شواطئ المحيط الظافر) وقد نشرته جامعة كمبيردج سنة 1970م، أنظر ر . ب . سارجنت، التجار والتجارة في اليمن من القرن 13 – 16 م، نشر في كتاب دراسات في تاريخ اليمن الإسلامي، صادر عن المعهد الأمريكي للدراسات اليمنية، ترجمة وتقديم د . نهى صادق، ص73، للمزيد عن الموضوع حول اللبس، أنظر محيرز ، مرجع سابق، ص131، وأما من ذهب إلى أنها الاحساء دون أن يناقش فرضية الأسعاء فنشير للباحث الدكتور محمد محمود خليل وبحثه الموسوم الخليج والجزيرة العربية في الوثائق والحوليات الصينية فترة العصور الوسطى، أسرة مينج نموذجاً.
  • هناك عدد من الوثائق أوردها الدكتور محمد خليل في بحثه السابق واعتبرها خاصة بالاحساء، ونظن أنها تعني الأسعاء (الشحر) وعددها (8 وثائق)، ولا نريد الجزم بإحدى القولين إلا بعد التأكد والإطلاع.
  • يجب أن لا تأخذ هذه اللفظة حسب معناها الظاهر، فمردها للترجمات المتعددة للنص، كما أن هناك ترجمات أخرى لم ترد فيها بهذه الصيغة وقد تم نقلها هنا للأمانة العلمية كما في مرجعها.
  • محيرز، مرجع سابق، ص89 – 90، أنظر ترجمة أخرى للنص في بحث الدكتور محمد خليل، مرجع سابق .

حسين إسماعيل

البحار الصيني المسلمعندما زرت مدينة نانجينغ، حاضرة مقاطعة جيانغسو، جنوبي الصين التقيت البروفيسور ليو ينغ شن، رئيس معهد الدراسات الآسيوية بجامعة نانجينغ، أمين عام ونائب رئيس الجمعية الوطنية الصينية لدراسات أسرة يوان- المغول، الذي حدثني عن مساجد المدينة موضحاً أن أكبرها هو المسجد الذي بناه خلال فترة أسرة مينغ (1368-1644)، البحار الصيني تشنغ خه الذي قاد أسطولاً ضخماً أتم سبع رحلات استكشافية بحرية إلى المناطق الواقعة غرب الصين، وقال إن هذا المسجد مازال موجوداً إلى اليوم.

وقد قرأت عن تشنغ خه من قبل كمجرد بحار صيني، لم يكن يرقى في ظني إلى البحارة المستكشفين من أمثال كريستوفر كولمبوس وفرناند ماغلان وفاسكو داغاما، كما لقنتنا كتبنا الدراسية، فلو أنك سألت تلميذاً عربياً عن مكتشف العالم الجديد لروى لك القصة الكاملة لكولمبوس ولقال كثيراً عن استكشاف ماغلان للطريق الجديد إلى الهند.

ولكن ما ينبغي أن نعلمه عن هذا المستكشف الصيني المسلم جدير بأن يدفعنا إلى الدعوة إلى إعادة كتابة مقررات التاريخ والجغرافيا في المناهج العربية، بل والدعوة إلى إعادة تثقيف وتنوير القائمين على برامج المسابقات في محطات الإذاعة والتلفزة العربية، لأسباب نراها وجيهة، لا تخص السيد تشنغ خه والصينيين فحسب بل وتمس تاريخ وحضارة ومساهمات المسلمين وذوي الأصول العربية، وتتصدى لدعوات تتردد هنا وهناك بأن الوجود الإسلامي في أي مكان يكون مصدر قلق وتوتر أو كما حذر البعض من أن وجود العرب بكثرة في جنوب الصين (عشرة آلاف وفقا لما قاله وزير التجارة الصيني بو شي لاي) يمكن أن يشكل بؤر إرهاب.

الاختلاف بين أمير البحر الصيني المسلم تشنغ خه وغيره من البحارة الأوروبيين أن الأول في رحلاته السبع عبر المحيطات والبحار كان رسول سلام؛ يقيم صداقات ويتبادل الهدايا والثقافة والمعرفة والمعلومات، بينما الآخرون كانوا قراصنة بحر استعماريين لم يتورعوا عن تسخير كل شيء وأي شيء لخدمة أغراضهم الاستعمارية؛ فقد سعى ماغلان إلى اكتشاف طريق جديد إلى الهند، ليس للتعرف على أهل وثقافة هذه البلاد وإقامة صداقات معها وإنما لنهب ثرواتها واحتلال أرضها.

ويقول الباحث البريطاني جافين منزيس، مؤلف كتاب (الصين اكتشفت العالم عام 1421)، إن ماغلان استعان في رحلاته البحرية بالخرائط الصينية التي رسمت بناء على معلومات رحلات تشنغ خه.

أما كولمبوس فقد فتح الباب للاستعمار الأوروبي للقارة الأمريكية والقضاء على سكانها الأصليين من الهنود الحمر، ليس مهماً من الذي اكتشف القارة الجديدة أولاً، فتأكيد جافين منزيس أن تشنغ خه اكتشف أمريكا قبل كولمبوس بسبعين عاماً وأن كولمبوس استخدم الخرائط التي رسمها تشنغ خه للوصول إلى أمريكا عام 1492، قد يضيف معلومة تاريخية جديدة ولكن الأكثر أهمية من هذا هو الهدف الذي سعى إليه كل منهما في رحلته.

إن الصين تحتفل هذه الأيام بذكرى مرور ستمائة عام على أول رحلة قام بها تشنغ خه في عام 1405، وهذه مناسبة يجب أن يُحتفل بها عربياً وإسلامياً أيضاً، فبعض المصادر تُرجع أصول أمير البحر الصيني إلى أبناء قحطان، كما أن حقيقة صدق عقيدته ليست محل شك، برغم الكتابات التي ذهبت إلى أنه آمن بالبوذية والطاوية، فهو الذي بنى المساجد وهو الذي أدى والده وجده فريضة الحج إلى بيت الله في مكة، ولم يثبت أنه أقام معبداً بوذياً أو طاوياً، ولكن من المؤكد أنه كان يحترم عقائد الآخرين ويقيم علاقات طيبة مع الجميع ولذا سادت مشاعر الود والاحترام والتقدير بينه وبين الذين تعاونوا معه في رحلته.

لقد ولد تشنغ خه، وهذا ليس اسمه الحقيقي، في مقاطعة يوننان، تلك البقعة التي أنجبت أعظم علماء الإسلام وشهدت أكثر الأحداث الإسلامية فخراً، ومرارة أيضاً، في تاريخ الصين، فهي المقاطعة التي تحتضن مدرسة مينغده الإسلامية التي أرسلت دفعتين من طلابها في ثلاثينات القرن الماضي للدراسة بالأزهر الشريف، وكان من بينهم ما يون تينغ ومحمد مكين ما جيان ونا شيون وعبد الرحمن نا تشونغ، وهي المنطقة التي تعتز بحاكمها، في فترة أسرة يوان، المسلم ذي الأصول العربية، السيد الأجل شمس الدين، المعروف صينياً باسم شمس الدين ساي يان.

ولد ما مينغ خه، الذي حمل اسم تدليل في طفولته هو ما سان باو، وعُرف فيما بعد باسم تشنغ خه، عام 1371 لأسرة مسلمة من قومية هوي، وهي القومية الرمز للمسلمين الصينيين، عندما بلغ ما سان باو الثانية عشرة من العمر، ونظراً لفقر أسرته، انتقل الصغير ما إلى بكين، التي كانت تسمى آنذاك منطقة يان، للعمل في (إدارة الشؤون الداخلية) للبلاط الإمبراطوري، وتم توزيعه إلى قصر الأمير تشو دي، أحد أفراد أسرة مينغ الإمبراطورية (1368-1644).

وقد خضع هذا الصبي المسلم لنظام العبيد الذي كان معمولاً به في قصور البلاط، حيث تم خصيه لينضم إلى فئة خصيان القصر ذوي المكانة الاجتماعية الوضيعة، غير أن أميره، الذي أصبح إمبراطوراً للصين عام 1405، لاحظ ذكاء وكفاءة هذا الصبي ومواهبه الملاحية فقربه منه ومنحه اسماً جديداً هو تشنغ خه وجعله من أهم معاونيه، وشب الفتى عن الطوق وبرزت كفاءته واشتد عوده.

الإمبراطور الجديد الذي حمل اسماً إمبراطورياً هو تشنغ تسو، أصدر مرسوماً بتكليف تشنغ خه بإعداد أسطول بحري يقوم بجولة في البحار الغربية، والتي قصد بها المياه الدولية الواقعة غرب الصين في المحيط الهندي.

لم يكن هدف الإمبراطور من الرحلة هو إبراز قوة جيشه وعظمة بلاده فحسب بل البحث عن الإمبراطور هوي الهارب إلى خارج الصين وتصفية القوى الموالية للإمبراطور الهارب والقرصنة والقوة اليابانية في البحر، وإقامة علاقات مع الدول الواقعة على الخط البحري بجنوب غربي الصين، وكسب قلوب الشعوب، في سبيل تهيئة بيئة سلمية دولية يمكن للصين أن تحقق فيها القوة والاستقرار لأبناء الشعب وتحقيق الانفتاح البحري على الخارج من خلال التبادل التجاري والاقتصادي والثقافي مع الدول الآسيوية والأفريقية.

بعد أن أصدر الإمبراطور أوامره بدأ الشاب المسلم على الفور إجراءات تنفيذ المرسوم الإمبراطوري بأن بعث عدداً من مساعديه إلى مدينة نانجينغ ومقاطعات جيانغسو وتشجيانغ وفوجيان وجيانغشي وهونان وقوانغدونغ، وكلها مناطق ساحلية، لمعاينة صناعة السفن للأغراض المختلفة.

وكانت الصين في ذلك الزمان تمتلك أكبر ناقلة جنود بحرية في العالم، تقول السجلات التاريخية إن طول هذه السفينة كان مائة وخمسين متراً وعرضها ستين متراً وتبلغ حمولتها ألف طن.

واستدعى الأدميرال تشنغ خه المتخصصين في الملاحة من أنحاء الصين لمرافقته في رحلته التي بدأت في الحادي عشر من يوليو عام 1405، وبلغ عدد البحارة على متن سفن الأسطول الضخم 27,800، منهم عسكريون ومترجمون وأدباء وعلماء وأطباء وغيرهم.

كان أسطولاً مهيباً تكون من 62 سفينة بضائع ومجوهرات و 700 سفينة خيول و 300 سفينة جنود و 100 سفينة حربية، وحملت السفن بكميات هائلة من المنسوجات الحريرية والعقاقير التقليدية الصينية.

انطلق أسطول تشنغ خه من ميناء ليوجيا القريب من مدينة سوتشو بمقاطعة جيانغسو، ومر بنهر اليانغتسي متجها نحو بحر الصين الشرقي ثم إلى المحيط الهادي والمحيط الهندي.

وصل الأسطول إلى فيتنام وسومطرا وسيلان وغيرها، وقد تعرض الأسطول في رحلته هذه لهجوم قراصنة البحر، ولكن الأدميرال تشنغ خه أفلت منهم بل وأسر عدداً من القراصنة! في أكتوبر عام 1407عاد تشنغ خه بأسطوله مظفراً إلى الصين ومعه مبعوثون من دولة جاوا وغيرها لتقديم احترامهم لإمبراطور أسرة مينغ وعشرات السفن محملة بالمنتجات النفيسة التي حصل عليها تشنغ خه من الخارج عن طريق التبادل التجاري، فخلع عليه الإمبراطور العديد من الألقاب ومنحه الكثير من الهدايا.

في النصف الثاني من عام 1407 قام تشنغ خه برحلته البحرية الثانية على خط مشابه لخط رحلته الأولى، لمدة سنتين، وفي صيف عام 1409، قام برحلته الثالثة، كان مركز الرحلة لا يزال في المحيط الهندي، وأقام تشنغ خه سور مدينة على شكل سياج وضع داخله مستودعات بحيث كان بمثابة مركز ترانزيت للتجارة البحرية في ملقا، وفي رحلة عودته من كلكتا، وقعت معركة بينه وبين ملك سيلان، وعاد تشنغ خه منتصراً.

بأوامر من الإمبراطور تشنغ تسو قام تشنغ خه بالرحلة الرابعة في نوفمبر1412 واصل أسطوله رحلته إلى الغرب حتى وصل إلى ساحل أفريقيا الشرقي وعاد تشنغ خه إلى بلاده عام 1415، وعادت فرق السفن الفرعية بعد سنة من عودته.

في مايو 1417 قام تشنغ خه برحلته الخامسة، وكانت مهمته الرئيسية هي حماية واصطحاب مبعوثي 19 دولة ليعودوا إلى بلدانهم، وصل أسطوله إلى أقصى جنوب ساحل أفريقيا الشرقي، وفي يوليو 1421 قام تشنغ خه برحلته البحرية السادسة لاصطحاب مبعوثي 16 دولة إلى بلدانهم، وصل أسطوله إلى ميناء ممباسي في غينيا وإلى الصومال، وفي بداية عام 1431، أمر الإمبراطور شيوان تسونغ، الذي ورث عن جده الإمبراطور تشنغ تسو الطموح، بأن يقوم تشنغ خه بالرحلة البحرية السابعة، استغرقت هذه الرحلة أكثر من ثلاث سنوات، زار أسطول تشنغ خه خلالها نحو عشرين بلداً، وبعث من معه لأداء فريضة الحج في مكة المكرمة.

على مدى ثماني وعشرين عاماً، هي الفترة التي استغرقتها الرحلات البحرية السبع لتشنغ خه، وصل البحارة الصينيون إلى منطقة الخليج والبحر الأحمر والسواحل الشرقية لأفريقيا بل وكما يقول جافين منزيس، وصلوا إلى الشواطيء الأمريكية.

في سني عمره الأخيرة اختار أمير البحر المسلم مدينة نانجينغ، وتحديداً في مكان يسمى جينغهاي بسفح جبل شيتسي، حيث أقام هناك حتى فاضت روحه عام 1435 عن عمر يناهز الرابعة والستين.


تشينغ خه البحار المسلم

محمد عويس

kkk(تشنغ خه) ويسمى بالعربية حجي محمود شمس كان بحاراً صينياً مسلماً ولد عام 1371م في أسرة مسلمة من قومية هوي بمقاطعة يونان في جنوب غربي الصين تربى في بلاط الأمير تشو دي من أسرة مينغ أمير منطقة يان منطقة بكين حالياً.

قام برحلات عديدة زار فيها البلدان التي تقع على سواحل المحيط الهندي وجنوب آسيا وأفريقيا وصل إلى منطقة الخليج والبحر الأحمر ومكة المكرمة وكان ذلك في سبع رحلات بحرية استغرقت 28 عاماً حاملاً معه بضائع كثيرة من المنسوجات الحريرية والمجوهرات والعقاقير الطبية الصينية.

وكان أسطول (تشينغ خه) يتألف من 62 مركباً عملاقاً يقدر طول المركب الواحد  400 قدم حسب تقديرات خبراء الملاحة.

وتضمنت هذه السفن سفناً ضخمة جداً سميت باسم سفن الكنز والتي تعتبر من أضخم السفن البحرية التي عرفها العالم.

ويعتقد أن أساطيل (تشينغ خه) تضمنت العديد من الأجانب كمسلمي التاميل من جنوب الهند وجنوب شرق آسيا.

وكانت طواقم هذه السفن تضم حوالي 30 ألف بحار وجندي ومئات المسؤولين و180 طبيباً و 5 منجمين وعشرات من المهنيين كالحدادين والنجارين والطهاة والخياطين فضلاً عن حشود من المترجمين الذين يتقنون العديد من لغات العالم.

وفي بداية عام 1431 أمر الإمبراطور شيوان تسونغ الذي ورث عن جده الإمبراطور تشنغ تسو الطموح بأن يقوم (تشنغ خه) بالرحلة البحرية السابعة.

استغرقت هذه الرحلة أكثر من ثلاث سنوات زار أسطول (تشنغ خه) خلالها نحو عشرين بلداً وبعث من معه لأداء فريضة الحج في مكة المكرمة.

على مدى ثمانية وعشرين عاماً هي الفترة التي استغرقتها الرحلات البحرية السبع (لتشنغ خه) وصل البحارة الصينيون إلى منطقة الخليج والبحر الأحمر والسواحل الشرقية لأفريقيا بل وكما يقول جافين منزيس وصلوا إلى الشواطيء الأمريكية.

في سنين عمره الأخيرة اختار أمير البحر المسلم مدينة نانجينغ وتحديداً في مكان يسمى جينغهاي بسفح جبل شيتسي حيث أقام هناك حتى فاضت روحه عام 1435 عن عمر يناهز الرابعة والستين.

تعتبر رحلات تشينغ خه سباقة لرحلات البحار الإيطالي كريستوفر كولمبس والبحاران البرتغاليان فاسكو ديجاما و ماجيلان فقد وصل إلى سواحل أمريكا قبل كولومبوس وإلى أستراليا قبل كوك، واحتفلت الصين عام 2005 بمرور 600 سنة على أولى رحلاته البحرية التي عبر بها المحيط بعرض بعض الآثار ذات العلاقة وإصدار مجموعة من الطوابع بهذه المناسبة معتبرة إياه رسول المهمات الدبلوماسية ورجل السلام الذي جاب المحيطات ولم يشعل حرباً ولم يقتل أحداً ولم يفعل ما فعله كولومبوس بالهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين ولا ما فعله كوك البريطاني بسكان أستراليا الأوائل (الأبورجنيين).

قاد (تشينغ خه) 7 حملات لما يسميه الصينيون المحيط الغربي المحيط الهندي ولقد أحضر معه الكثير من الهدايا والمبعوثين من أكثر من ثلاثين مملكة، متضمناً ملك سيلون الذي حضر إلى الصين لكي يعتذر للإمبراطور.

السجلات للرحلتين البحريتين (لتشينغ خه) والتي يعتقد أنها الأبعد دمرت عن طريق إمبراطور المينغ وليس من الواضح أين أبحر تشينغ  في هاتين الرحلتين، وجهة النظر التقليدية أنه توجه إلى فارس والآن النظرة المقبولة بشكل واسع أن رحلاته البحرية اتجهت إلى أقصى قناة موزمبيق وما دل على ذلك هو اكتشاف مصنوعات صينية أثرية موجودة هناك.

وجهة النظر الأخيرة والتي قدمت من قبل (جافين مينزيز) (مؤلف إنجليزي لكتاب : العام الذي اكتشفت فيه الصين العالم – كُتب عام 2002) قال أن تشينغ هو من قام بالترحال في كل جزء من أجزاء العالم.

لكن كل سلطة علمية تعمل في هذا الحقل رفضوا النظرية وقالوا أنها بلا إثبات و لقد كتب (تشينغ خه) بنفسه عن رحلاته : “لقد سافرنا أكثر من مئة ألف لي (وهو ما يعادل خمسين ألف كيلو متر) من مساحات البحر الهائلة، وشهدنا في المحيط أمواجاً عظيمة كالجبال ترتفع إلى السماء، ولقد وقعت أنظارنا على مناطق بربرية بعيدة مخبئة تحت أبخرةٍ زرقاء خفيفة وشفافة، بينما كانت أشرعتنا تُنشر مثل الغيوم ليلاً ونهاراً مواصلة سيرها بسرعة كسرعة النجوم، مخترقة تلك الأمواج الوحشية، وكأننا كنا نمشي على طريق عام”، (مأخوذة من لوحة مكتوبة عن طريق تشنغ خه، في Chang).


البحار والمستكشف المسلم تشنغ خه

أسماء سعد الدين

iiiعندما يبحث الناس عن كبير المستكشفين، فإنهم يرددون الأسماء الشهيرة والمعتادة على مسامعنا، مثل : ماركو بولو، وابن بطوطة، وأوليا جلبي، وكريستوفر كولومبوس، وما إلى ذلك، ولكن الكثير من البشر لا يعلمون الكثير عن واحد من أكثر المستكشفين إثارة للاهتمام والمميزين بتأثيرهم في كل العصور وبخاصة في الصين مثل تشنغ خه وهو المسلم الذي أصبح أكبر أميرال في الصين، والمستكشف، والدبلوماسي .

معلومات عن تشنغ خه :

ازدهر تشنغ خه خلال عام (1371-1433 أو 1435)، وهو من استطاع إجادة اللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى هوايته ليكون ضمن البحارة، والمستكشفين، والدبلوماسيين خلال عهد اسرة مينغ في وقت مبكر في الصين.

بدأ تشنغ بالرحلات الاستكشافية إلى جنوب شرق آسيا، وجنوب آسيا وغرب آسيا، وشرق أفريقيا منذ عام 1405 الى 1433، وهو صاحب أكبر سفن امتدت إلى 120 متراً في الطول، بينما سفينة كولومبس سانتا ماريا، على سبيل المقارنة، كانت 26 متراً، وعلى هذه السفن حمل مئات من البحارة على أربعة مستويات من الطوابق.

الأصول  :

ولد تشنغ خه في عام 1371 وسط عائلة مسلمة، وسافر إلى مكة المكرمة لإتمام فريضة الحج

في سن مبكرة، داهم جيش اسرة مينغ البلدة، وألقي القبض عليه وتم نقله إلى العاصمة، نانجينغ، حيث خدم في أسرة الامبراطور، وعلى الرغم من الظروف الصعبة فقد ارتفع شأن تشنغ خه إلى أعلى المناصب في الحكومة لدى الإمبراطور تشو دي.

البعثات :

في عام 1405 ، عندما قرر الإمبراطور تشو دي إرسال أسطول ضخم من السفن لاستكشاف طرق التجارة مع بقية العالم، تم اختيار تشنغ خه لقيادة الحملة، وكانت هذه الحملة ضخمة في كل شيء، بإحتوائها على ما يقرب من 30,000 من البحارة في كل رحلة، ليرافقوا تشنغ خه القائد.

وخلال عام 1405 و 1433، قاد تشنغ 7 بعثات أبحرت إلى ماليزيا، واندونيسيا، وتايلاند، والهند، وسريلانكا، وإيران، وعمان، واليمن، والسعودية، والصومال، وكينيا، والعديد من البلدان الأخرى، وتمكن تشنغ خه من الذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج.

لم يكن تشنغ خه هو المسلم الوحيد الذي قاد هذه الحملات، فقد كان هناك العديد من مستشاريه الذين كانوا أيضاً من المسلمين الصينيين، مثل ما هوان، وهو المترجم الذي يجيد التحدث باللغة العربية والذي كان قادراً على التحدث مع الشعوب المسلمة الذين يزورونها في رحلاتهم.

هذه الحملات لم تكن أمراً سهلاً، حيث كانت سفن تشنغ خه طويلة الحجم لتصل الى 400 قدم، وبذلك تكون أكبر بمرات عديدة من حجم سفن كولومبوس التي أبحرت عبر المحيط الأطلسي.

وفي كل مكان أبحروا فيه، أمروا بإحترام وإحسان معاملة السكان المحليين، الذين قدموا التحية الى الامبراطور الصيني، بسبب هذا التكريم والتجارة مع جميع الشعوب التي واجهتها، فإن تشنغ خه قد أبحر الى الصين حاملاً معه السلع الغريبة مثل العاج والإبل، والذهب، وحتى زرافة من إفريقيا، وبذلك أرسلت البعثات رسالة واحدة إلى العالم : الصين هي القوة العظمى الاقتصادية والسياسية.

نشر الإسلام  :

لم يكن الاقتصاد والسياسة هما الأثر الوحيد لهذا الأسطول الكبير الذي قاده تشنغ خه، لكنه مع مستشاريه المسلمين قاموا بالترويج للإسلام أينما حلوا، في الجزر الاندونيسية جاوا وسومطرة وبورنيو وغيرها، وجد تشنغ خه جاليات صغيرة من المسلمين، تكونت منذ بدأ الإسلام في الإنتشار بالفعل في جنوب شرق آسيا من خلال التجارة مع الجزيرة العربية والهند، وقد ساندهم تشنغ بقوة لاستمرار نمو الإسلام في هذه المناطق.

أسس تشنغ المجتمعات الإسلامية الصينية في باليمبانج، وعلى طول جاوا، وشبه جزيرة الملايو، والفلبين، وكان أثره كبيراً في نشر الإسلام بين السكان المحليين، وساعده أسطوله علي بناء المساجد وتوفير الخدمات الاجتماعية الأخرى التي يحتاجها المجتمع المسلم المحلي.

حتى بعد وفاة تشنغ خه في عام 1433، واصل المسلمون الصينيون الآخرون عملهم في جنوب شرق آسيا، لنشر الإسلام، وهذا شجع التجار المسلمين الصينيين في جنوب شرق آسيا للتزاوج منهم واستيعاب السكان المحليين في الجزر وشبه جزيرة الملايو، مما جلب مزيداً من الناس إلى الإسلام في جنوب شرق آسيا، فضلاً عن تعزيز وتنويع المجتمع الإسلامي المتنامي.

الإرث :

كان الأميرال تشنغ، هو الدبلوماسي، والجندي، والتاجر، والذي عرف بأنه عملاق التاريخ الصيني والإسلامي، وينظر إليه باعتباره واحداً من أعظم وأبرز من قاموا بنشر الإسلام في جنوب شرق آسيا، وللأسف، فبعد وفاته، غيرت الحكومة الصينية فلسفتها إلى الكونفوشيوسية التي لا تدعم مثل هذه الأعمال، ونتيجة لذلك تم نسيان معظم إنجازاته ومساهماته أو إغفالها لمئات السنين في الصين، ورغم ذلك فإرثه لازال موجوداً في جنوب شرق آسيا، وتتم تسمية العديد من المساجد في المنطقة من بعده باسمه لإحياء إسهاماته.


البحار الصيني المسلم تشنغ خه في الذكرى الـ600 لرحلته الأولى

محمود يوسف / لي خواين

gggيحيي الصينيون طيلة هذا العام ذكرى شخصية تاريخية تمثل بالنسبة لهم رمز السلام في العالم، وهو البحار الصيني المسلم تشنغ خه الذي يصفونه بأنه من أعظم شخصيات الألفية الثانية للميلاد.

فمع بداية القرن الـ 15 شهدت الصين تطوراً ملحوظاً في صناعة السفن ما حدا بالبلاط الإمبراطوري الصيني إلى توسيع تأثيرات الصين واستعراض قوتها فيما وراء البحار والتفكير بإرسال أكبر أسطول بحري في العالم في ذلك الحين ليجوب المحيطات، وقد وقع الاختيار على الشاب تشنغ خه ليكون مسؤولاً عن تنفيذ هذا المشروع الضخم وقيادة هذا الأسطول العظيم.

ولد ما سان باو وهو اسمه الأصلي عام 1371 ميلادية لعائلة مسلمة فقيرة بمقاطعة يوننان غرب الصين، حج والده وجده إلى بيت الله الحرام، فنشأ منذ طفولته نشأة إسلامية، في الـ12 من عمره اختطفه عساكر أسرة مينغ الملكية التي حكمت الصين قرابة 300 سنة وجعلوه خصياً في حاشية الأمبراطور تشو دي.

قاد تشنغ خه في رحلته البحرية الأولى عام 1405 في المحيط الهادي الجنوبي والمحيط الهندي طاقماً مكوناً من 27,800 رجل من الضباط والجنود والملاحين والمترجمين والعلماء على متن أكبر أسطول في العالم في ذلك الوقت تألف من 62 سفينة للبضائع والمجوهرات و700 سفينة للخيول و240 سفينة للمؤن و300 سفينة للجنود و100 بارجة حربية يمخرون عباب البحر ويحملون معهم كميات كبيرة من الحرير والخزف والشاي والهدايا إلى حكام الدول التي زاروها باسم الإمبراطور الصيني.

وقام تشنغ بعد ذلك بست رحلات بحرية أخرى رسولاً للإمبراطور وصل خلالها بأسطوله البحري إلى جزيرة جاوة جنوباً ومنطقة الخليج والبحر الأحمر ومكة المكرمة شمالاً، وجزيرة تايوان شرقاً، والسواحل الشرقية لأفريقيا التي تقع في جنوب خط الاستواء غرباً.

وإذ عاد من رحلته السابعة بلغ عدد زائري الصين القادمين معه 1,200 رجل حسب ما ورد في المدونات التاريخية الصينية، ما كان له أثر كبير في تقوية العلاقات الدولية بين الصين والدول الأخرى.

ولم يتوقف تشنغ خه عند هذا الحد بل قدم كثيراً من المساهمات في الميادين الأخرى مثل تجديد الإبرة المغناطيسية ورسم خريطة العالم الأولى وإيفاد بعض المسلمين إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج وتوصية السيد في شين والسيد ما هوان – العالمين المسلمين- بتدوين مشاهداتهم على امتداد الرحلات البحرية، والاتصال بعامة الشعب من المسلمين وغير المسلمين على نطاق واسع.

وقد أسلمت أعداد كبيرة من أبناء جنوب شرقي آسيا على يديه في الوقت نفسه هاجر كثير من أبناء الصين إلى هناك وما زال أحفادهم منتشرين في إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبروناي حتى زماننا هذا وحيث إن تشنغ خه قد ترك برحلاته البحرية السبع انطباعاً عميقاً في نفوس الصينيين والأجانب فقد كانوا معجبين به إلى حد إطلاق اسمه الأصلي (سان باو) أو اسمه الرسمي (تشنغ خه) على الأماكن التي زارها و منها صخور سان باو في مقاطعة فوجيان وجزر تشنغ خه من أرخبيل شيشا وأرخبيل سان باو في مقاطعة تايوان.

وجاءت هذه الأسماء كلها لتقدير فضل تشنغ خه في تنمية الملاحة وإطراء خصاله الحميدة المتمثلة في معاملة عامة الناس على قدم المساواة دون نسيان الإشارة إلى أنه يوجد في إندونيسيا مدينتان تحمل أحدهما اسم (سان باو دونغ) والأخرى اسم (سان باو دون) إضافة إلى مدينة أخرى تحمل اسم (سان باو لونغ)، وفي تايلاند ميناء (سان باو) ومعبد (سان باو).

وفيما كانت عجلة تاريخ البشرية تتقدم إلى الأمام تلبدت السماء بالغيوم بغتة بسبب ظهور النشاطات الملاحية الغربية إلى حيز الوجود، وكان ضمن البحارة الغربيين كولمبوس الإيطالي الذي اكتشف العالم الجديد بعد 87 سنة من إبحار تشنغ خه، وماجيلان البرتغالي الذي وصل إلى جزر الفلبين بعد 116 سنه من إبحاره.

وكان البحار الصيني يستهدف بإبحاره ذر بذور الصداقة بين الشعب الصيني والشعوب الأخرى أينما ذهب وانتهى به الأمر إلى تطوير التبادلات الاقتصادية والثقافية وتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة الممتدة من الصين إلى شرق أفريقيا بينما كان البحارة الغربيون قراصنة يحاولون الاغتناء السريع عن طريق السلب والنهب والاغتصاب والقتل فخلال ثلاثة قرون انخفض عدد الهنود الحمر وهم سكان العالم الجديد الأصليون من 50 مليون نسمة إلى 4 ملايين نسمة فقط وبقي معظم أجزاء العالم في حالة مستعمرات أو شبه مستعمرات دون أن تسلم الصين والأقطار العربية والإسلامية من وطأة العدوان.

لقد ترك تشنغ خه برحلاته انطباعاً عميقاً وتأثيراً بالغاً مازال مستمراً إلى يومنا هذا في نفوس أبناء الشعب الصيني والشعوب الآسيوية، ففي تلك المناطق التي وصل إليها كثير من الحكايات عنه وكثير من الآثار، وفي سنوات عمره الأخيرة اختار تشنغ خه الاستقرار والعزلة في جينغهاي عند أسفل جبل شيتسي بمدينة نانجينغ حتى وفاته عام 1435 وهو في الـ65 من العمر.

كاتب صيني مسلم

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s