زواج الحسين بابنة كسرى بين الحقيقة والأسطورة

صباح الموسوي

مرقد بي بي شهربانو أم الإمام السجاد - طهران Bibi

مرقد بي بي شهربانو أم الإمام السجاد – طهران Bibi

يرى الكثير من الأدباء والباحثين وأخصائي علم الاجتماع أن الأسطورة دليل لفهم السلوك الإنساني اليومي، وحفظ التوازن والاستقرار في النفوس المضطربة تجاه الأخطار المحدقة بها، وحين تذكر الأسطورة تتبادر إلى الأذهان، مفاهيم الخرافة، والأباطيل، والسحر، واللامعقول والأهم من كل ذلك، الماضي، الذي وقع وتحول إلى مجرد ذكرى.

إلا ان الفقرة الأخيرة من هذه الرؤية قد لا تنطبق على الحركة الشعوبية الذي ماتزال الأسطورة حية عندها، و ماتزال تساهم في استمرار فكر هذه الحركة التي تزاوجت مع المذهبية الصفوية لتنشأ مزيج من (اللافكر) الجديد المبني على دمج القومية بالمذهبية لحماية قيمها التي كانت سائدة و أصبحت بالية بعد الفتح الإسلامي المبارك.

لقد اختارت الشعوبية (الأسطورة) كأحد أهم الوسائل لنشر وتثبيت فكرها في أذهان الناس وقد استطاعت إلى حد بعيد من تحقيق غايتها، وما المناسبات (الوثنية) التي نشاهد الاحتفاء بها بشكل واسع هذه الأيام، كالقفز على النار (في آخر ليلة أربعاء من كل سنة) وأخرى تجري في مناسبة عاشوراء وفي آخر شهر صفر (الابتهاج بذكرى مقتل الخليفة الثاني – مناسبة عمر كشي) وغيرها، ما هي إلا دليل واضح على ان الحركة الشعوبية ماتزال تعمل لإبقاء فكرها حياً مقابل حيوية الفكر الإسلامي الذي يتجدد مع الزمان والذي تخشى الشعوبية أن يؤدي نهوضه وتجدد حركته إلى القضاء على أفكارها التي ترى فيها مورثاً دينياً (مجوسياً) وقومياً (آرياً) مقدساً يجب المحافظة عليه لحماية الهوية الوطنية الإيرانية من الذوبان في كل ما هو عربي و إسلامي.

ومن أجل ربط القومية بالمذهب للحفاظ على الهوية الوطنية فقد أنتجت الحركة الشعوبية واحدة من أخطر الأساطير في سبيل ترويج فكرها وهي قصة زواج الإمام الحسين بن علي عليهم السلام بأميرة فارسية (من سلالة نقية) وهي الأميرة (شهربانو) بنت الملك يزدجرد الثالث آخر ملوك الساسانيين الذين هد الله ملكهم على يد العرب المسلمين .

ولكي تستطيع تحقيق أهدافها فقد سلكت الحركة الصفوية طريقة الحركة الشعوبية في ترويج فكرها بين الناس تحت ستار المذهبية، ولكي يتحقق لها ذلك فقد أدخلت آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، في صلب عقيدتها من أجل بناء نهضة شعوبية – شيعية تحول التشيع الوحدوي إلى تشيع تفرقه، ومن خلال هذا التشيع أعطت روحاً ودفئاً للشعوبية.

ولتحقيق هذا الهدف وضعت خطة عميقة و ذكية تقوم أولا على إظهار النبي صلى الله عليه وسلم والإمام علي بمظهر القوميين المتعنصرين للسلالة والأسرة ومؤمنين بنقاوة الدم والعرق، و تبجيلهم للعنصر الفارسي (و منه على وجه الأخص الأسرة الساسانية) وذلك من خلال عدد من الروايات و الأحاديث اختلقها رواة شعوبيون، حسب رأي الدكتور علي شريعتي

فالرواة الشعوبيين الذين اختلقوا هذه الأسطورة (زواج الحسين من شهربانو) أصبحوا فيما بعد مصدراً ينقل عنه كبار مراجع الشيعة، الكافي، الصدوق، المفيد، وهؤلاء الرواة هم :

  • النهاوندي : إبراهيم بن إسحاق، أبو إسحاق الأحمري النهاوندي (م 269هـ)، من الشيعة الشعوبيين، وهو شعوبي عامي أكثر منه عالم شيعي، و في المصادر الشيعية متهم بضعف الحديث، الغلو، و التدليس في المتون وسند الروايات والخلط، وهو من العناصر التي سعت في نشر روايات الشعوبية في الوسط العلمي والعامي الشيعي، (النجاشي /ص 14) .
  • عمرو بن شمر، أبو عبد الله الجعفي، وهو من سواد فيلق الغلو الشيعي، عايش عدداً من الأئمة، متهم من قبل أصحاب الأئمة أنه ممن يصطنعون الأحاديث و يسطو على روايات الآخرين لاسيما روايات جابر بن يزيد بن حارث الجعفي.

ومع ذلك فان اسم هذا الرجل بقى يتردد في كثير من إسناد وروايات الشيعة على الرغم من أن جناح الأصوليين ومنذ البداية اهتم بنقد وتجريح رواياته إلا أن جناح الإخباريين عمد إلى توثيقها.

ويعتقد أن سبب اعتماد روايات (عمرو بن شمر) في سلسلة المصادر والأسانيد الأسطورية الشيعية هو كثرة النقل عنه واشتهاره في وسط العوام من الشيعة حيث كان يجمع الأساطير والأوهام والأكاذيب ويضعها في غالب الروايات ويقوم بنشرها، (النجاشي / ص204) .

فجناح المحدثين من الشيعة الذين ليس لهم ميل إلى النقد والتجريح قبلوا بروايات (عمرو بن شمر) على علتها وإن الشيخ ( الصدوق ) الذي يعد إمام المحدثين الشيعة على ما يبدوا  كان واقعاً تحت تأثير كثرة النقل واشتهار روايات الشعوبية، ولهذا كان يخالف النقد والتجريح لأياً من روايات عمرو بن شمر، (مستدرك 3/580+الخوئي /معجم الرجال 13/106ش8922).

وقد وصف آية الله أبو القاسم الله الخوئي وهو من كبار مراجع الشيعة وله باع طويل في علم الرجال وصف (عمرو بن شمر) بأنه شخص مجهول الهوية وضعيف السند، (المعجم 13/ 106).

  • عُبَيد بن كُثَير بن محمد الكوفي : تـُمار من أهل الكوفة توفي سنة 294هـ يروي عن الإمام علي بن الحسين السجاد وعن ابنه الإمام محمد الباقر وكان من واضعي الحديث، ويقول عنه النجاشي أنه كان يصطنع الروايات وكان يجمع الأكاذيب والأساطير على شكل روايات ويقوم بنشرها بين العوام من شيعة العراق وإيران، (النجاشي 162-163+جامع الرواة 1/527,528).

إذن هؤلاء هم رواة أسطورة زواج الإمام الحسين بابنة يزدجرد الثالث ملك الفرس (شهربانو).

وأسطورة الزواج هذه تبدأ حسب ما يرويها صاحب كتاب البصائر (محمد بن حسن الصفار) بسند عن الرواة آنفي الذكر، أن ابنة يزدجرد كانت مظهراً ومثالاً حقيقياً (للفرهة الايزدية)، أي (الهيبة الإلهية)، وهي حامية وحافظة لعظمة وأبهة قيم الملكية الساسانية، فلما دخلت المدينة خرج بنات المدينة صفاً لرؤيتها وقد أضاء المسجد من شعاع نور وجهها، وهنا قد تغلب نور (الفرهة الايزدية) على نور (النبوة المحمدية).

المجلسي الذي نقل هذه الرواية في البحار في : ج 49 ص 9، حور في جملة واحدة من الرواية فقد أبدل كلمة مسجد بمجلس وذلك مراعاة للعامة.

ثم يسترسل الراوي شارحاً عملية خطبتها من قبل الإمام علي في حضور الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لابنه الحسين ويتم الزواج وتنجب (شهربانويه) غلاماً ذكر الشعوبيون أن أبا الأسود الدؤلي (ظالم بن عمرو النوشجاني) صاحب الإمام علي بن أبي طالب أنشد فيه البيت التالي :

وإن غلاماً بين كسرى وهاشم          لأكرم من نيطت عليه العمائم

وهذا الغلام هو الإمام السجاد علي بن الحسين الذي ذكرت العديد من المصادر الإسلامية أن أمه أم ولد خلافاً لرواية الشعوبية .

أم الإمام السجاد علي بن الحسين كما وردت في المصادر الإسلامية :

قال البلاذري : أمه أم ولد، تسمى سلافة : الأنساب ج 3 /ص146.

وكانت أم علي بن الحسين سجستانية تدعى سلافة. البلاذري / الأنساب .ج 3/ ص 102,103 .

وقال الخوارزمي : أمه أم ولد، أمه سلافة … المناقب : ص 143.

وقال اليافعي : أمه أم ولد من أسراء بلاد السند. / مرآة الجنان /ج1 /210ص.

وقال اليعقوبي : أمه أم ولد من أسراء كابل. تاريخ اليعقوبي : ج3/ص 43.

وقال ابن طولون في الائمة الاثني عشر : أمه سندية يقال لها سلافة. بن طولون /ص 78.

وقال الاربلي في (كشف الغمة ج2/ص 80 : أمه أم ولد اسمها غزالة .

وقال احمد أمين في ضحى الإسلام ج 1/ص 11 : كان أكثر أهل المدينة يكرهون الإماء حتى نشأ منهم علي بن الحسين.

وقال سعد بن عبد الله القمي الأشعري : أمه أم ولد يقال لها سلافة. المقالات والفرق ص 70 /.

وقال ابن سعد في الطبقات : ج 5/ ص  156: أمه أم ولد واسمها غزالة.

هل كان ليزدجرد الثالث بنت اسمها شهربانويه ؟.

حول ما إذا كان فعلا (ليزدجرد الثالث) بنت اسمها (شهربانويه) أم أن هذه التسمية مختلقة من قبل الشعوبية فإن المصادر التاريخية تنفي صحة ذلك .

قال الباحث الإيراني الدكتور سعيد نفيسي في كتابه (تاريخ ايران الاجتماعي) ج1/ص13 :

“إن يزد جرد الثالث لم تكن له أصلا بنت باسم (شهربانو) حتى تأسر في المدائن وتأخذ لعمر لكي تتزوج بالإمام الحسين وتكون أما للإمام السجاد.

كما أن (يزدجرد) في فترة خلافة عمر رضوان الله عليه كان عمره خمسة عشر عاماً فكيف تسنى أن يكون له بنت بعمر الزواج!.

وقال المسعودي في مروج الذهب “أن يزدجرد بن شهريار بن كسرى وهو آخر ملوك الساسانية، كان ملكه إلى أن قتل بمرو من بلاد خراسان وذلك لسبع سنين ونصف خلت من خلافة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) وهي سنة إحدى وثلاثين من الهجرة، وقتل يزدجرد وله خمس وثلاثون سنة وخَلف من الولد بهرام، فيروز، ومن النساء : أدرك وشاهين و مردآوند”، مروج الذهب ج 1/ ص 310- 311.

إن هذه القصة بقدر ماهي مختلقة و ضعيفة من الناحية العلمية والتاريخية، إلا أنها من الناحية السياسية كانت صالحة لتحقيق أهداف الشعوبية التي سعت إلى حماية هويتها القومية من الانقراض والذوبان في الهوية الإسلامية، كما أن هذه الأسطورة تكشف لنا عن مدى الاختراق الذي أحدثته الحركة الشعوبية ووليدتها الحركة الصفوية في المذهب الشيعي، و عليه فقد أصبح واجب على المؤمنين بمدرسة أهل البيت التدقيق في الروايات والأحاديث المدسوسة والتي هي مع الأسف تشكل اليوم جزءاً كبيراً من معتقدات المذهب.

وأخيرا يبقى المتسائل حائراً، إذا كان الشعوبيين والصفويين قد حققوا ضالتهم في هذه الأسطورة فما الذي تحقق لنا نحن حين صدقنا بها وماذا سيتحقق لنا إذا ما بقينا مصدقين بالأساطير الشعوبية و الصفوية المماثلة الأخرى؟.

مهزلة إدعاء الفرس لزواج الحسين من ابنة يزدجرد

كاظم المسعودي

وضع الفرس الكثير من الروايات التي ما أنزل الله بها من سلطان، في كل ضرب من ضروب العلوم، وسوف اختار اليكم هنا أحد المهازل التاريخيه التي تدعيها فارس من زواج الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، من شاه زنان الفارسية !!! وسوف نفند هذا الرأي.

كثير من الروايات التي سطرها الأعاجم ما أنزل الله بها من سلطان، حيث كانت تنهش في جسد الدولة الإسلامية، ولكن عند أهل التحقيق ثبت بطلان الكثير من الروايات الصفويه التي شوهت الشيعة العلوية التي تقتدي بالصحابة (رضوان الله عليهم) وأمهات المؤمنين (رضي الله عنهن جميعاً)، وأهل البيت (رضي الله عنهم)، الذين أوصونا بمحبة أمهات المؤمنين والصحابة على حد سواء، وهذا واضح لدى المتتبع لأخبار أهل البيت عندما يسمون أبنائهم بأسماء الصحابة حباً منهم، لذا برز التصحيح في الكتب المسماة أمهات الكتب، وفرز الخزعبلات منها (هذا لايعني فقط الشيعة الصفوية) وإنما عموم الأحاديث التي تخالف الكتاب والسنة والعقل والتاريخ.

وفي هذه الدراسة بالرغم من الحساسية والخطورة التي فيها لكن يجب علينا تشخيص هذه الحالات وأهدافها ورميها إلى مزبلة التاريخ، بغض النظر عما تؤول إليه النتائج المترتبة عليها، لأن مخافة الله هي الأولى أولاً والحقيقة ثانياً وبراءة أهل البيت ثالثاً.

علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم)، يسمى زين العابدين (السجاد) ذي الثفنات واختلف في أمه فالمشهور أنها شاه زنان بنت كسرى يزدجر بن شهريار بن برويز، وقيل أن اسمها شهربانو قيل نهبت في فتح المدائن فنفلها عمربن الخطاب (رضي الله عنه) من الحسين (رضي الله عنه)، وقيل بعث حريث بن جابر الجعفي إلى علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) بنتي يزدجر بن شهريار فأخذهما وأعطى واحدة لابنه الحسين (رضي الله عنه) فأولدها علي بن الحسين (رضي الله عنه) وأعطى الأخرى لمحمد بن أبي بكر (رضي الله عنه) فأولدها القاسم الفقيه بن محمد بن أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) فهما أبناء خالة، وقال ابن جرير الطبري : أسمها غزالة وهي من بنات كسرى، وقال في المبرد هي سلافه من ولد يزدجر كانتا معه حين ذهب إلى خراسان، وقيل هي أم زين العابدين (رضي الله عنه).

وقد علق الدكتور عبد الجواد آل طعمه على ذلك قائلاً 1 : “وقد أغنى الله تعالى علي بن الحسين (رضي الله عنه) بما حصل له من ولادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن ولادة يزدجر بن شهريار المجوسي المولود من غير عقد، … وروايات الشيعة على أن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أعتقها ثم زوجها لولده بالنكاح وجعل لها مهراً، وقال علي بن الحسين (رضي الله عنه) أنا بن الخيرتين لان ملوك العجم خيرهم.

والعرب لاتعتد للعجم فضيلة وإن كانوا ملوكاً ولو اعتدوا بالملك فضيلة لوجب أن يفضلوا قحطان على عدنان ولكن ليس ذلك عندهم شيء يعتد به، وبعض العوام يقولون جمع علي بن الحسين (رضي الله عنه) بين النبوة (من رسول الله) والملك أي (كسرى) وليس ذلك بشيء ولو ثبت على ماعرفته.

وكان علي بن الحسين (رضي الله عنه) يوم الطف مريضاً ومن ثم لم يقاتل حتى زعم بعضهم أنه كان صغيراً وهذا لايصح، قال الزبير بن بكار : كان عمره يوم الطف ثلاثاً وعشرين سنة وتوفي سنة 95هـ وفضائله أكثر من أن تحصى.

يتضح مما تقدم أن هذه الرواية كذلك متداولة عند غير الصفويه، ولكن لنرى هدف الصفويه من ذلك، وبعدها تفنيد هذه الاكذوبه التي يتناقلها الكثير من المؤرخين وأرباب المقاتل والسير، ولكن هذه المرة شهد شاهد من أهل الدار، وهو الدكتور علي شريعتي2 ووضع عنوان : عروس المدائن في المدينة.

قال : “يروي المجلسي في بحار الأنوار (ج11ص -4) بعد نقل أخبار حول زواج الحسين (عليه السلام) مثيرة للغثيان – أن والدة الإمام هي بنت يزدجرد التي جيء بها أسيرة في زمان الخليفة عمر (رضي الله عنه)، وقد أعجب بها الأمام الحسين (رضي الله عنه)، وتزوجها فولد له منها أبن واحد هو الإمام السجاد (علي بن الحسين رضي الله عنه)3.

ومن جهة أخرى نحن نعلم أن علي بن الحسين (رضي الله عنه) ولد عام 38هـ، أي بعد عشرين عاماً من زواج أمه من الإمام الحسين (رضي الله عنه)!!.

وقد صرحت هذه القصة بأن (شهر بانوا) كانت من أسرى فتح المدائن، وأن عمر (رضي الله عنه) كان ينوي قتلها ولكن الإمام علي (رضي الله عنه) هو الذي أنجاها من الموت، وواضح جداً أن واضعي هذه القصة هم من أنصار الشعوبية الإيرانية وأنهم أرادوا من ذلك إظهار أن علياً (رضي الله عنه) كان يساند الساسانيين ويدافع عنهم وذلك في مقابل عمر (رضي الله عنه) الذي كان عدوهم وهازم جيوشهم.

غير أن هؤلاء فاتهم أنهم حينما أرادوا إثبات أن الإمام السجاد (رضي الله عنه) هو حفيد يزدجر وأمه شهر بانوا، أوقعوا أنفسهم في إشكال تاريخي عويص وهو لزوم أن يكون الحسين (رضي الله عنه) تزوج في 18هـ (حينها عمره 15سنة) بينما الإمام علي بن الحسين (رضي الله عنه) ولد عام 38هـ، ومن المنصوص عليه أنه لم يولد له من شهر بانوا سوى السجاد، وهذا يعني أنها لم تلد من الإمام الحسين (رضي الله عنه) إلا بعد مضي عشرين عاماً.

غير أن المجلسي عندما تنبه إلى هذه المشكلة بالرواية حاول ترقيعها بالقول أنه ليس من المستبعد أن تكون كلمة (عمر) الواردة في الرواية تصحيفاً لكلمة عثمان (رضي الله عنه) فيكون الزواج قد تم في عهد عثمان لا في عهد عمر !!!.

والواقع أن هذه المحاولة – إذا قبلت – فإنها سوف تحل إشكال التفاوت الكبير بين وقت الزواج ووقت الولادة، ولكن إشكالاً آخر أكثر إحراجاً سوف يظهر فيها وهو طول المسافة الزمنية بين انكسار جيش يزدجر وبين أسر بناته !!! هذا مضافاً إلى أن الرواية تضمنت التصريح بأن الأسرى هم أسرى (المدائن) فهل يقول المجلسي أنها مصحفة أيضاً؟!!.

ويسوق المجلسي روايته عن أسماءها (شهر بانوا) وكذلك القصة الكاملة لبيان اسم أم الإمام وهل هي سلامة أو خولة أو غزالة أو شاه زنان أو … فيقول أنهم جاءوا ببنت يزدجر إلى المدينة وما أن وقعت عينها على عمر حتى غضبت وسبت عمراً فسبها هو أيضاً وأمر أن تباع شأن سائر الأسرى فاعترضه أمير المؤمنين بالقول إن بنات الملوك لاتباع وتشترى وإن كانوا كفاراً، وأشار عليه بأن يزوجها رجلا من المسلمين ويدفع صداقها من بيت المال!!.

وفي ذيل الرواية المنسوبة إلى الإمام الصادق (رضي الله عنه)، نصغي للحوار الآتي بين الإمام علي وابنة يزدجر :

فقال : “جه نام داري أي كنيزك” ؟ يعني ما اسمك ياصبية ؟!!

قالت : جهان شاه

فقال : بل شهر بانويه

قالت : تلك أختي

قال : “راست كفتي” أي صدقت !!!.

ويبدو أن الناقل (أو المختلق) لهذه الرواية لم يكن يدري أن الإمام علي (رضي الله عنه) حتى لو سلمنا أنه تحدث معها الفارسية إلا أن اللغة التي كان سيتحدث بها لم تكن مفهومة عند بنت يزدجر وذلك لأن علي (رضي الله عنه) يتحدث باللهجة الفارسية الدرية وهي لهجة محلية لأهالي خراسان بينما كانت بنت يزدجر تتحدث باللغة البهلوية الساسانييه !!! هذا أولاً، وثانياً عبارة “أي كنيزك” الواردة في الرواية من الواضح أنها من الاصطلاحات الرائجة في زمان (الراوي) لا في زمان الحدث4.

وإذا أمعنا النظر في الرواية نلاحظ شيئاً غريباً وهو أن الإمام علي (عليه السلام) كان يخاطبها بالفارسية بينما هي تجيب بالعربية!!.

والأغرب من ذلك التوجيه الذي ذكره المجلسي بإزاء تسمية الإمام لها بـ (شهر بانويه ) بدلاً من (جهان شاه) حيث أوعز العلامة ذلك إلى كلمة (شاه) وهي من أسماء الله تعالى مستدلاً على ذلك بما جاء في الخبر من أن علة النهي عن الشطرنج عبارة الشاه مات، ووالله أن الشاه لايموت.

لماذا اختاروا الحسين دون الحسن (رضي الله عنهم) لأنهم نفذوا من خلال المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري أي أن الإمامه تنتقل في ولد الإمام الحسين (رضي الله عنه)- معتقدات الشيعه الاثني عشريه – لكي يكون كسرى مصاهراً له.

وهناك أيضاً اختيار الحسن العسكري (رضي الله عنه) وتزويجه من سلالة كسرى أيضاً برواية أشبه بالخيال راجع بحار الأنوار ج46 ص10، لأنهم لايريدون انقراض جيل الأسرة الساسانيه وتضع له شجرة ترجع بنسبه إلى بهرام، والى ذلك يشير الشاعر الفردوسي في (الشاه نامة)5 نقلاً عن رستم أنه كتب رسالة إلى أخيه تطرق فيها إلى انقراض السلالة الساسانية وهيمنة العرب على إيران يقول : “من هذا العام إلى أربعمئة سنة لاحقه … لن يرى العالم مثل هذه النطفة”، وهكذا أرادوا استمرار النطفة عبر ترقيع سلسلة الارتباط النسبي بحلقة ارتباط سببي (مصاهرة) برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهكذا يتحقق الغرض من الوصل بين السلسلة السلطانية الساسانية والسلسلة الإمامية الشيعية، والجلال الايزدي6، بالنور المحمدي :

وإن غلاماً بين كسرى وهاشم ** لأكرم من نيطت عليه التمائم

هذا هو التشيع الشعوبي وهو تركيب أثني متناقض من النبوية الإسلامية والسلطة الساسانية بين كسرى وهاشم وهو الإمام زين العابدين علي بن الحسين (رض).

ومن خلال هذا السرد نجد أن هذه الرواية باطلة من كل النواحي، وإنما أريد بها امتداد كسرى مع أهل البيت، وحاشا أهل البيت من هذا، أضف إلى ذلك إشعال الفتنه من خلال زج الخليفة الفاروق (رضي الله عنه) بموقف معادي لأهل البيت وتوجهاتهم.

ونلاحظ ذلك من خلال مناقشة علي شريعتي في ص135 :

  • إظهار عمر (رضي الله عنه) بمنزلة العدو رقم واحد لعلي، وشجب مناوأته لحامل لواء الإسلام والحلقة الأولى في سلسلة أهل البيت وأبي الأئمة، وذلك انتقاماً من دور عمر البارز في القضاء على الدولة الساسانية وتقويض وجودها.
  • إلقاء تبعة انقراض الدولة الساسانية على عمر (رضي الله عنه) لا على الإسلام.
  • تلقين الناس أن خلافة عمر (رضي الله عنه) تعادي السلطنة الساسانية أما الإمامية فكانت بمنزلة المدافع عنها.
  • أن يزدجر آخر الأكاسرة الساسانيين كان قد انكسر بواسطة عمر (رضي الله عنه) وأن النبي هو الذي أعاد له شأنه ومكانته المرموقة بالمجتمع الإيراني وذلك من خلال إدخاله في بيت النبي – عبر أحدوثة الزواج – ليصبح أحد طرفي السلسلة وطرفها الآخر هو النبوة.
  • استمرار الإمامة من الإمام السجاد إلى الإمام المهدي – عند الشيعة- يعكس استمرار السلطة الساسانيية.
  • النور المحمدي المنبلج من النور الإلهي يمتزج مع المجد الايزدي المستمد من اهوار مزادا7.
  • إن عمر (رضي الله عنه) هو الذي حرم السلالة الساسانية من الحكم كما أنه حرم السلالة المحمدية من حق الخلافة.

وهكذا ربطت فارس والتشيع الصفوي هذه الزيجة التي ثبت بطلانها، لأهدافها التي ذكرت ومآرب أخرى.

الهوامش : 

1ـ معالم أنساب الطالبيين في شرح كتاب سر الأنساب العلوية لأبي نصر البخاري/ تأليف الدكتور عبد الجواد آل طعمه/تحقيق سلمان هادي آل طعمه ص130 – مطبعة ستار قم – 2001م .

2ـ التشيع العلوي والتشيع الصفوي/الدكتور علي شريعتي ص124-125 تقديم الدكتور إبراهيم دسوقي شتا – ط1 2002م دار الأمير – بيروت – لبنان.

3ـ إن هناك آخرين أنكروا هذه الرواية غير (شريعتي)، حتى إن أحد علماء المذهب صرح في كتاب نشر مؤخرا إن هذه الرواية لاسند لها.

4ـ التشيع العلوي والتشيع الصفوي / دكتور علي شريعتي ص126.

5ـ ملحمة شعرية إيرانيه معروفة.

6ـ الجلال الايزدي : المجد الإلهي، حيث يعتقد الإيرانيون إن المجد والعظمة والجلال تفاض على الملوك والأكاسرة من لدن السماء.

7ـ إله الخير في الديانة الزرادشتية، ويقابله إله الشر (أهرين).

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s