دور النساء في بناء الحضارة الإسلامية

د. أسماء المرابط

دور النساءمن أهداف القرآن الأساسية بناءُ حضارة إنسانية على هذه الأرض، تعكس أخلاقيات العدل والمساواة الإلهيين، لهذا دعت الرسالة الروحية للإسلام الرجال والنساء لتشييد هذه الحضارة، من خلال مفاهيم هي عبارة عن مفاتيح أساسية، كمفهوم الاستخلاف الذي يعتبر تدبيراً بشرياً للأمانة التي حمَّلها اللهُ الإنسانَ على هذه الأرض، إن مسؤولية هذه الرسالة المهمة يتحملها الرجل والمرأة على حد سواء، للحفاظ على ما أودعه الله بين يديهما وهو تدبير ما يزخر به هذا العالم من ثروات.

وقد استقبل المسلمون الأوائل هذه الرسالة، وفهموها، واستطاعوا، بشهادة التاريخ لهم، أن يُشيّدوا العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، ولازلنا إلى يومنا هذا نلمس إضافاتهم -رجالاً ونساء- في مجموع الحضارة الإنسانية، من خلال الأسس التاريخية لمعرفةٍ متعددةِ الاختصاصات، تنطلق من علم الاجتماع إلى العلوم التجريبية، مروراً بعلم الفلك وحكمة الفلسفة الإسلامية.

ومع أن تخلف الحضارة الإسلامية يرجع إلى أسباب مختلفة ومتعددة، فتجدر الإشارة إلى أنه يرجع بشكل كبير إلى تهميش أعمال النساء، اللواتي أُبعدن مباشرة بعد مرور القرون الأولى للوحي عن مجال المعرفة والعلوم، بسبب تعنت التقاليد الثقافية المناقضة لمبدأ المساواة الإسلامي، ومن صدمة الاستعمار إلى صدمة الحداثة كانت النساء ضحايا بالاختيار للتخلف التدريجي للحضارة الإسلامية.

والهدف الذي تروم هذه الورقة تحقيقه هو من جهة أولى، إلقاء الضوء على معطى قلما يُلتفت إليه، سواء على المستوى التاريخي أو الفكري، وهو غياب النساء المسلمات في بناء الحضارة الإسلامية.

من جهة أخرى تحاول الورقة أن تُذكِّر بأن قيام كل نهضة حضارية لن يتحقق إلا بالرجوع إلى المعنى الأصلي والأخلاقي لرسالة القرآن، ونظرته العادلة لتسيير وبناء حضارة إنسانية حقة ومتوازنة، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عن طريق إصلاح عميق للفكر وللفقه الإسلاميين، والذي يجب أن نعترف أنهما بقيا حبيسين لنظرة تمييزية ازدرائية للنساء، مع أنهن، كما صرح بذلك النبي صلى الله عليه وسلم شقائق الرجال في بناء حضارة حقيقية ومزدهرة.

أولاً : مقدمة

من المعترف به عالمياً أن بناء الحضارة الإسلامية بدأ مع بناء أول مجتمع في المدينة المنورة، وأن القرآن كان بلا شك حجر الزاوية الذي قامت عليه أسس الحضارة الإسلامية، وتعتبر الهجرة ميلاد المجتمع المسلم الأول الذي قطع الصلة مع النظام الاجتماعي القديم القائم على إذلال وقهر الإنسان.

ويعتبر دستور المدينة -في نظر الكثير من المستشرقين- أول دستور مكتوب في العالم، يعكس روح أول مجتمع نشأ وتربى على الإيمان والمساواة، وبالتالي يعكس خاصية عالمية الإسلام، فبفضل الإسلام والقرآن والمبادئ التي يحملان -العدالة والحرية-  استطاعت الحضارة الإسلامية أن تولد في المدينة المنورة وتتألق لعدة قرون في ثلاث قارات، في الهند وفي إسبانيا وفي آسيا الوسطى وفي قلب أفريقيا، فكانت حضارةً، كما يقول البعض، استطاعت أن تهيمن على العالم1.

والحضارة الإسلامية، التي بنيت على أساس الرسالة الروحية التوحيدية الخاتمة، تمكنت في أقل من قرن من وفاة نبي الإسلام، أن تحكم تقريباً كل أجزاء العالم المعروفة في ذلك العصر، وازدهرت وتطورت بفضل عقيدة هي عقيدة الإسلام، واعترف لها بذلك جميع المؤرخين، بما فيهم غير المسلمين الذين أقروا أن هذه الحقيقة لا يمكن إنكارها، فهذا الدين باعتباره رسالة مهيكلة أنشأ الركائز الأولى لهذه الحضارة التي أربكت المنظومات الثقافية لكل المجتمعات التي اتصلت بها.

إن الحضارة باعتبارها (حياة اجتماعية) أو (عمراناً بشرياً)، فهي على حد تعبير ابن خلدون ضرورية للبشرية ونموها. ومن مبادئ النصوص الإسلامية الكونية نهلت الحضارة الإسلامية لبناء التقدم الذي حققته، وأعطت أفضل ابتكار وإبداع عرفته الحضارة الإنسانية، وذلك لمدة سبعة قرون استطاعت خلالها تحمّل أهم ما في ثقافة البحر الأبيض المتوسط، إن لم يكن جميع ثقافة العصور الوسطى.

لقد كان البناء الاجتماعي لهذه الحضارة ثمرة لجهد ولإبداع الإنسان رجالاً ونساء الذين شاركوا جميعاً في بناء المجد لثقافة إسلامية عالمية، فالمجد والنجاح الذي حققته الحضارة الإسلامية خلال قرون لم يكن من قبيل الصدفة، بل جاء نتيجة عمل فكري جاد وعقل مستنير بالأخلاق القرآنية، التي اتبعها المفكرون المسلمون علماء وفلاسفة واحترموها طوال حياتهم.

وقد أسهمت النساء -على الأقل خلال القرون الأولى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم- في روعة تلك الحضارة، وإن كان التاريخ لا يذكرهن اليوم، إذ لا يمكن أن نتصور أن هذه الحضارة قد حققت هذا النجاح والانتصار لولا وجود النساء ولولا إسهاماتهن لبلوغ هذا الازدهار، ولا غرابة في ذلك مادامت روح رسالة الإسلام جاءت لتخرج الرجال والنساء من حالة (الجهل) إلى حالة (العلم)، هذا العلم الذي يقول عنه رسول الإسلام إنه فريضة على كل مسلم ومسلمة، فقد تمكن النساء والرجال، متشبعين بقوة المعرفة معززين بالإيمان، من إعطاء أفضل ما لديهم، وترك بصماتهم في دورة التاريخ الإنساني.

ولتحليل دور المرأة في بناء هذه الحضارة، ينبغي، في مرحلة أولى، النظر وإعادة اكتشاف المفاهيم القرآنية التي مكنت من تشييد حضارة إسلامية أثرت بوضوح في جميع العالم، ولها أفضال على البشرية جمعاء لا يمكن إنكارها2، ثم في المرحلة الثانية، إعطاء قيمة لإسهامات هؤلاء النساء أنفسهن في تاريخ الحضارة الإسلامية، وأخيراً محاولة تحليل أسباب تراجع هذه الحضارة التي صاحبها بشكل غريب تهميش بل استبعاد للنساء عن الفكر الإسلامي ركيزة الحضارة.

ثانياً : المفاهيم القرآنية

دعوة للرجال والنساء للمشاركة في البناء الحضاري :

يتفق غالبية المفسرين القدامى والمعاصرين في التذكير أن رسالة القرآن الكريم هي دعوة عالمية تخص بشكل تام ومتساو كلاً من الرجال والنساء، وباستثناء بعض الآيات التي خاطبت على الخصوص الرجال أو النساء، فإن معظم آيات القرآن تتوجه بالخطاب لهما معا على حد سواء ودون تمييز.

وبهذا المعنى ينبغي إعادة قراءة بعض المفاهيم الأساسية لهذه الرؤية القرآنية العادلة، التي للأسف غالباً ما كان يُنظر إليها على أنها خطاب موجه بشكل أولى للرجال بل اعتبرت خطاباً مقصوراً على الرجال فقط.

المفهوم الأول : الاستخلاف

يرد في قلب القرآن مفهوم رئيس هو مفهوم (الاستخلاف) الذي يشهد على العلاقة الوثيقة التي تربط الرجال والنساء بخالقهم، هذا المفهوم يعكس العطايا المختلفة التي وهبها الله للإنسان والتي ترمز بشكل شمولي إلى إحدى المهام الأساسية التي قلَّد اللهُ مسؤوليتَها للرجال والنساء، وهي مهمة بناء الحضارة الإنسانية على وجه الأرض.

ومع أن هذا المفهوم يرد مرات عديدة في القرآن الكريم بصيغ مختلفة، فإن التفسير المشترك له هو الخلافة، في الواقع، إن (الاستخلاف) بمعنى الخلافة، يرمز دائماً إلى خصوصية تدبير شؤون العالم التي أوكلها الله للبشر : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾3، فهذه الآية مركزية في التصور الأول للإنسانية.

تتفق الغالبية العظمى من المفسرين على أن هذا (الخليفة) هو الإنسان -بني آدم- أو الجنس البشري خلال المبادرة الأولى التي اتخذها الله لإعمار الأرض4. بل هو وسيلة لتكريم البشر من خلال منحه وظيفة رمزية هي (إدارة) ما وهبه الله وهو خلقه.

هذا (الاستخلاف) تكريم منحه الله للبشر دون غيره من المخلوقات، وبهذا المعنى فُضل الإنسان عن الملائكة الذين رغم مكانتهم الروحية العالية لم يشأ الله تعالى أن يؤهلهم لتحمل هذه المسؤولية الثقيلة.

إن هذه الخلافة التي حمّل الله مسؤوليتها للإنسان هي قيمة اعتبارية له، لا نظير لها تجعل من قيمة الإنسان فضيلة لا تقدر بثمن ولا مثيل لها عند باقي الخلق، لقد خص الله الإنسان بالعقل وبه جعله على رأس الخلائق للقيام بهذه الوظيفة العليا المتمثلة في عمارة الأرض وتنظيم أشكال وجوده في هذا العالم.

لكن هذه المهمة التي جعلت من البشر، رجالاً ونساء، ممثلين للإرادة الإلهية على الأرض، هي أيضاً قبل كل شيء مسؤولية كبيرة تتمثل في الحفاظ على الخلق وثرواته وكنوزه الطبيعية، إن مسؤولية استخدام هذه الموارد دون استنزاف تتمثل في احترام القوانين الطبيعية وحماية مواردها.

يجب أولا وقبل كل شيء أن تُفهم هذه الخلافة -الوديعة أو الأمانة-، وأن يعيشها كل رجل وامرأة في حياتهم اليومية على أنها إدارة مسؤولة وواعية بالتحديات التي تواجه هذه المهمة الإنسانية على الأرض.

إن مفهوم القرآن للخلافة، مشروط قبل كل شيء بهذه المسؤولية التي يجب أن يتحملها كل إنسان على وجه الأرض، وإذا كان البشر هم خلفاء فليس بالمعنى الحرفي للكلمة، أي ممثلين لله على الأرض، ولكن ممثلين أو أوصياء على المهمة التي عيَّنهم الخالق للقيام بها على الأرض.

يجب إذن أن نرجع إلى المنبع الروحي وإعادة اكتشاف المعنى الأصلي للخلافة التي تريد قبل كل شيء إحياء الشعور بالمسؤولية عند الرجال والنساء في هذه الحياة الدنيا.

ولكن تحت هذه (المسؤولية) الملقاة على عاتق البشر رجالاً ونساء، يندرج مؤهل آخر مُنح للبشر وهو (الحرية)! فالحرية والمسؤولية يسيران جنباً إلى جنب، ويرتبط هذان المفهومان برابط أخلاقي مشترك بينهما يجعلهما يسيران معاً دون أن يستغني أحدها عن الآخر.

هذا المفهوم المركزي في تدبير العالم كما وصفه القرآن، بإمكاننا إعادة استثماره من جديد خصوصاً في الوقت الراهن الذي نتكلم فيه عن المساواة بين الجنسين وضرورة انخراطهما السوسيو اجتماعي في الفضاء العام؛ المساواة في الحرية والمسؤولية في الاختيار والعمل، والإدارة، والمشاركة في تنمية المجتمع والعالم الذي يعيشون فيه.

يتبين إذن أن دعوة القرآن الكريم، واضحة ولا نستطيع تصور الحياة على الأرض إذا لم نأخذ بعين الاعتبار المسؤولية الضخمة التي حملنا الله إياها باعتبارنا بشراً، صحيح أن تعاليم القرآن تشير إلى أحكام الله الأزلية التي تسمى أيضاً (القدر) ولكن في الوقت ذاته يؤكد أيضاً على المسؤولية البشرية5.

وبالتالي فإعادة قراءة هذا المفهوم أمر بالغ الأهمية لأن فهمه يبعث روح المساواة الذي تتضمنه الرسالة الروحية للإسلام التي تحمل المسؤولية للرجال والنساء على قدم المساواة ودون تمييز، فهذه المسؤولية ملقاة على جميع البشر، بعبارة أخرى فكل رجل وامرأة مستأمن على هذه الوديعة الإلهية، ودرجة وعينا بهذه الأمانة الثقيلة هو الذي يشهد على مدى التزامنا الروحي للحفاظ والإنتاج والإسهام في إغناء الحياة على الأرض.

فالخلافة إذن هي هذه (المهمة) التي كلفنا بها الله جميعاً، رجالاً ونساء في هذه الحياة الدنيا، ومن أول واجبات كل امرأة وكل رجل أن يتذكر هذه المهمة التي خُلق من أجلها، إن إحياء ذكرى الخلافة فينا يعني إحياء ذكرى الكرامة الروحية التي أعطانا الله رجالاً ونساء لتحقيق هذه المهمة الكامنة في إنسانيتنا.

 المفهوم الثاني : الولاية

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾6

مفهوم الولاية هو أحد المفاهيم الرئيسية التي ترمز إلى التزام متبادل ومتكافئ بين الرجال والنساء في الحياة الاجتماعية وبالتالي في بناء الحضارة.

والولاية مبدأ قرآني يدعو الرجال والنساء إلى التعاون المتبادل من خلال ميثاق روحي وعاطفي على أساس قاعدة مشتركة هي الإيمان بالله ورسوله، إن قلوب المؤمنين والمؤمنات تتحد بمشاعر الحب والمودة والتقدير وهذه الروابط يُقوِّيها الإيمان7، الذي تكشف عنه كلمات مثل (أولياء) -بعضهم حليف بعض- بالتشارك والانسجام.

فالنساء والرجال الذين يتقاسمون هذا الإيمان بينهم، يشعرون أن بعضهم يقوي البعض بالإيمان .. فالإيمان هو الذي يوحد بينهم ويربط بينهم فيما هو أعمق : في قناعاتهم الشخصية ..

إن مصطلح (الولاية) في هذه الآية، يجسد هذا الميثاق الغليظ وهذا الترابط الداخلي الوثيق للقلوب المراد من قبل الخالق أن يكون بين الرجال والنساء، فالقرب بين القلوب يساعد في العمل اليومي ويسهل الإدارة المشتركة لشؤون الحياة الدنيوية ولكن أيضاً، كما ورد في آخر الآية، يساعد على تدبير جماعي للإيمان من خلال أفعال العبادة والصلاة والزكاة والتقوى العميقة.

هذه (الولاية) التي توحد القلوب والأعمال، ليست سوى تكريساً فعّالاً لمساواة بين الرجال والنساء، مساواة تترجم في الحياة اليومية، من خلال أفعال ملموسة وأعمال التضامن الإنساني، حيث المعيار الوحيد لتقييم هؤلاء وأولئك هو قيمة الإنتاج ودرجة العمل والوعي.

هذه الأفكار مع وضوحها، لا نعثر عليها في معظم التفاسير التقليدية حيث نلاحظ أن هذه الآية للأسف يُقفز عليها وتفسر بشكل فضفاض، ومع أن الآية واضحة بل لا جدال فيها بخصوص المساواة بين الرجال والنساء، لاسيما في إدارة الشأن العام أي في المجال السياسي والاجتماعي فإننا نجد التفاسير التقليدية تغيبها بشكل تام.

ولكن في هذه الآية إشارة بالغة الأهمية تمثل قلب هذه الآية وهي الدعوة إلى العمل لفائدة (الصالح العام) والكف عن السيئات وهي دعوة سابقة عن الدعوة إلى القيام بأعمال العبادة، لأنها مبدأ مستقل : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

من جهة أخرى، يصف القرآن مثالية المؤمنين والمؤمنات باعتبارهم أولاً وقبل كل شيء أشخاصاً يساعد بعضهم بعضاً وبشكل متساو في الحث على عمل الصالح العام (الأمر بالمعروف) والنهي عن فعل السيئات، ثم يؤدون الشعائر الدينية من صلاة وزكاة، ودائماً في شكل متحد ومتضامن، وتعتبر هذه الوصية القرآنية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من قبل معظم العلماء على أنها حاملة أهم المبادئ القرآنية وهو إقامة العدل وتحقيق الصالح العام في المجتمع أو الجماعة حيث نعيش.

هذه الدعوة المطلوبة من الرجال والنساء تعتبر ذات أهمية قصوى في كل زمان لأنه من خلال تجسيدها على أرض الواقع الاجتماعي يمكننا قياس درجة مدى التزام الأفراد بالمشاركة في بناء مجتمع عادل ومتساو أخلاقياً.

إن دعوة القرآن الرجال والنساء لتحمل هذه مسؤولية في التدبير السياسي لمجتمعهم تعادل المبدأ الرئيسي لمتطلبات الديمقراطية التي تقوم في نموذجها الأمثل على المساواة بين كل المواطنين، وفي هذا السياق يجب أن يدرك (مفهوم الولاية) في مجتمعاتنا المسلمة في هذا العصر عند البحث عن الديمقراطية باعتبارها ملزمة للمواطنة المتساوية.

عندما دعا القرآن المؤمنين والمؤمنات لإذاعة (الصالح العام) (الأمر المعروف) والكفِّ عن السيئات (النهي عن المنكر) فقد فعل ذلك تشجيعاً على مشاركة سياسية واجتماعية فعالة، فمن منظور القرآن يجب على الرجال والنساء المشاركة في تدبير الشأن العام والتدخل بشكل متساو في صنع القرار السياسي.

إن مفهوم (الولاية) كما حددته هذه الآية يدل على ضرورة وجود شراكة سياسية متساوية تماماً بين النساء والرجال في إدارة الشأن الاجتماعي والسياسي الذي يعملون فيه.

ولكن، شأنه في ذلك شأن غيره من المبادئ التي وضعتها رسالة القرآن الكريم الخالدة، من المؤسف أن نلاحظ أن هذه الآية مع كل ما تنطوي عليه من مفاهيم التساوي مثل الولاية، أو الشراكة السياسية، والمواطنة والعمل السياسي من أجل (الصالح العام) للكل، لم تعط لها القيمة التي تستحق في الفكر الإسلامي، ولم تحظ بالأهمية التي يجب أن تحظى بها مقارنة مع غيرها من المبادئ أو المفاهيم التي تعتبر ثانوية مقارنة بها، ومع ذلك أصبحت مع مرور الوقت ذات أولوية عليها في فكر عدد كثير من المسلمين بسبب الترويج لها من قبل الإيديولوجية الحرفية، وكل هذا ناتج عن فقر مدقع في الثقافة الإسلامية8.

إنه من الضروري اليوم أن نعيد قراءة هذه الآية ونعلن عن المبادئ التي تكشف عنها لاسيما أنها في هذا الوقت ذات أهمية كبيرة ولها دلالات عالية في السياق الإسلامي المعاصر.

لابد أيضا أن يستعيد هذا المفهوم (الولاية) أهميته ويصبح مفهوماً مركزياً في العلاقة بين الرجال والنساء، ومن الواجب علينا أن نعيد قراءة سائر المفاهيم القرآنية المتعلقة بالنساء على ضوء مفهوم (الولاية) وإعادة تعريفها من أجل اكتشاف وتأسيس روح المساواة التي ترتكز عليها الرسالة الروحية للإسلام، وباحترام هذا الشرط يمكننا تحليل وفهم المسائل الأخرى المتعلقة بالنساء والرجال، خاصة وأن كثيراً منها بقي رهين فهم عصر الرسالة.

المفهوم الثالث : القوامة

قُرأ هذا المفهوم دائماً من خلال آية واحدة تتحدث عن القوامة داخل الحياة الأسرية، وظل مرتبطاً بمقاربة وحيدة تمثلت في تفوق الرجال على النساء، وقد تم اختزال أهم ما في القوامة في فهم قاصر لآية واحدة تحدثت عن تدبير المجال الأسري.

من المهم التذكير بأن القرآن وردت فيه ثلاث آيات قرآنية تتحدث عن القوامة، آية القوامة داخل الأسرة المذكورة، وهناك آيتان غيرها تثيران أيضاً المفهوم نفسه، أولاهما هي الواردة في سورة النساء الآية 135 : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، والثانية هي الواردة في سورة المائدة الآية 8 : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

إن الآية الأولى التي تحدثت عن القوامة في المجال الأسري تفترض المسؤولية المالية للزوجين في الخلية الأسرية ﴿وَبِمَا أَنفَقُواْ﴾، هذه المسؤولية المادية هي قوامة مفروضة على الزوج، بعبارة أخرى : التزام وتحمل من الزوج لتدبير الأسرة مادياً وحفظ الزوجات في مراحل ضعفهن البيولوجي أثناء الحمل والرضاعة .. إلخ، أو بتعبير آخر هو حق للنساء.

وبالتالي فالقوامة المنصوص عليها هنا عبارة عن منحة للزوجات في سياق عصر الرسالة وأيضاً في كل عصر، نوع من الحماية المادية الإضافية خصوصاً في مرحلة الأمومة والرضاعة، بعبارة أخرى منحهن تعويضاً في فترة الضعف الفيزيولوجي هذه، إن القوامة التي يتحدث عنها القرآن في هذا النص الأول هي مسؤولية ملقاة على عاتق الرجل خصيصاً فهي تكليف وليست تشريفاً أو استعلاء كما نقلته ذلك للأسف الكثير من كتب التفسير القديمة.

إن هذه القوامة الخاصة يُفترض أنها تُمارس داخل البيت العائلي ولا علاقة لها بالقوامة المرتبطة بالمجال الاجتماعي والسياسي العام المذكورة في الآيتين الأخريين، التي لا فرق فيها بين الرجال والنساء في التدبير حسب ما يقتضيه معيار المساواة والعدل.

ويتفق معظم المفسرين بخصوص هاتين الآيتين (الآية 35 من سورة النساء والآية 8 من سورة المائدة) على أن الأمر يتعلق بحثٍّ إلهي بضرورة احترام المؤمنين والمؤمنات القيم المبدئية، مثل العدالة والنزاهة والحياد، في الواقع، ففي الآيتين معاً، مرة يرد الأمر : ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ كما ورد في الآية الأولى ومرة ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ﴾، وفي كلتا الآيتين، يتكرر الاحترام غير المشروط لقيم النزاهة والعدالة، مع التركيز على أهميتهما – وخصوصاً – عندما يتعلق الأمر بتطبيق حكم ضد النفس أو ضد الأقارب، أو ضد الأغنياء، أو ضد الفقراء، أو عندما يتعلق الأمر بشعب عدو أو أشخاص لنا نحوهم شعور بالحقد أو الكراهية.

يمكن إذن من خلال هاتين الآيتين ترجمة (القوامة) على أنها : مطلب ملح للعدالة، يجب أن يحرك قلب ووعي كل مؤمن وكل مؤمنة، هذه القوامة أو المطلب من ذاته للمساواة، والعدل، والصرامة في الحكم، وهي الوصايا الكبرى للرسالة القرآنية، وهذا هو المعنى العميق لمصطلح (القوامون) الذي ينص على وعي أخلاقي نزيه، بعبارة أخرى الكمال الذاتي في المساواة وفي الشهادة، فالقرآن يحث المؤمنين والمؤمنات ليكونوا شهداء حق وعدل، حتى ولو كانت هذه الشهادة ضد رغباتهم الشخصية ومصالحهم الخاصة، ووحدها روح العدالة الجديرة بالاحترام، وهي التي تعطي معنى للإيمان في القلوب والأعمال.

إن العدالة والمساواة هما إذن شعار الإسلام، ومجموع هذه الرسالة الروحية هو تذكير (ذكر) بهذه القيم التي يجب أن تكوّن بعداً رئيسياً في الوعي الديني لدى كل رجل مؤمن وامرأة مؤمنة، وهنا توجد القيم الأساسية لكل روحانية، والقوامة في العدالة والمساواة والشهادة، ترمز إلى هذه القيمة الجوهرية للمطالبة التي يجب أن تحرك القلوب والوعي لدى الرجال والنساء، الرجال والنساء الذين يحثهم القرآن على أداء الشهادة دائماً لإقامة العدل، فالالتزام الروحي هو قبل كل شيء شاهد لمطلب ذاتي لا عيب فيه غير قابل للتصرف فيه.

هاتان الآيتان تمثلان إذن نظرة عن (قوامة عامة)، على الرجال والنساء أن يحسوا بتطبيقها في هذه الحياة الدنيا، والتي تمثل بعداً روحياً أساسياً للأخلاق القرآنية، وبلا شك فاحترام هذه الأخلاق التي مكنت رجال ونساء القرون الأولى للإسلام ليكونوا مؤسسين للعصر الذهبي لحضارتهم.

الإسهامات التاريخية للنساء في المعرفة الدينية خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية :

استثناء عائشة رضي الله عنها وبعض أزواج النبي رضوان الله عليهم، قلما نصادف الحديث عن نساء -وهن كثيرات- لهن مكانة في التاريخ الإسلامي ودور في بناء حضارته.

ولو أخذنا مثالاً واحداً يتعلق بتأسيس العلوم الإسلامية، ندرك جيداً أن ثمة آلاف النساء اللواتي كن خلال القرون الأولى المتتالية من الأوائل من بين أخريات في تأسيس العلوم الإسلامية، وبالخصوص علم الحديث الذي يعتبر من العلوم الأساسية في مجال العلوم الإسلامية.

وعليه فدور النساء العالمات كان فريداً في تاريخ البشرية قبل العصر الحديث، ولا يوازي الدور العظيم والبارز الذي لعبنه في تطور وحفظ المعرفة الدينية الإسلامية خاصة السنة النبوية.

لقد أسهمت نساء عالمات كثيرات في بناء العلوم الدينية واستمرارها، وقد عوملن خلال  المراحل الأولى باحترام وتكريم كبيرين.

لقد اكتشفت دراسات معاصرة للعصور الأولى للوحي إسهامات ثمانية آلاف امرأة في كل العلوم الإسلامية كالحديث والتفسير والفقه .. 9

وقد ذكرت إسهاماتهن في كتابات المحدثين القدامى أمثال كتاب ابن حجر الذي أورد مشاركة أزيد من خمسمائة امرأة في كتاب (الإصابة)، وكذلك في فترة الوحي حيث أسهمت النساء الصحابيات المبايعات التشييد السياسي للمدينة، ويعتبر ابن حجر من القليلين الذين ألفوا كتاباً عن حياة أكثر من مائة وسبعين امرأة عالمة مشهورة في القرن الثامن، كان أغلبهن من المتخصصات في الحديث وأصبح عدد كبير من شيوخه منهن. وقد أبرز أهمية عدد كبير من هؤلاء النساء اللواتي أصبحن مرجعاً لا غنى عنه في علم الحديث في عصرهن، من بينهن جوهرية بنت أحمد وعائشة بنت عبد الهادي اللتان كان يحج إليهما الطلبة من أقاصي الأرض لقراءة الحديث عليهما.

ونجد قوائم بأسماء النساء في الكتب التاريخية القديمة مثل كتب الإمام النووي : (تهذيب الأسماء)، والخطيب البغدادي : (تاريخ بغداد)، والسخوي : (الضوء اللامع لأهل القرن التاسع)، بالإضافة إلى مؤلفين كثر ذكروا النساء في كتب  التراجم والطبقات10.

كما أن الدراسة التاريخية لعملية تدوين الحديث تبين أن أهم جامعي الحديث في القرون الأولى حصلوا على الإجازات في الحديث عن النساء المحدثات. علماً أن كل جامع كبير لمؤلف ما كان تحت سلطة أكاديمية مباشرة للنساء (شيوخ)، فكثير من النساء العالمات بالسنة كانت لهن مجالسهن العامة حيث يعلمن ويعطين دروساً في الحديث للطلبة الذين يحصلون على إجازاتهم مباشرة من النساء.

لقد درس المؤرخ الدمشقي الشهير ابن عساكر عند أزيد من ألف ومائتين رجل وثمانين من النساء، ونال إجازته في الموطأ للإمام مالك على يد امرأة عالمة هي زينب بنت عبد الرحمن.

أما المفسر الكبير جلال الدين السيوطي فقد درس رسالة الإمام الشافعي رفقة امرأة هي هاجر بنت محمد.

لقد ذكر صاحب (معجم الشيوخ) عبد العزيز بن عمر بن فهد (812/1409) من بين ألف ومائة اسم عالم صاحب مجلس علمي في ذلك العصر مائة وثلاثين امرأة عالمة، بعضهن كن أستاذات شيخات له.

وتذكر جوامع الحديث مثلاً في الأغلب أسماء الرجال، مع أن النصوص القديمة تثبت أن علوم الحديث كانت ثمرة لمشاركة قوية وناجحة لعمل مشترك بين العلماء والعالمات المسلمات.

نلاحظ أن سلسلة رواة الحديث تحيل دائماً على رجال أهل الحديث، مع أن سلسلة الرواة ضمت نساء كثيرات ليس باعتبارهن نساء عاديات يمثلن مجرد حلقة في سلسلة، ولكن باعتبارهن سلطة علمية لا غنى عنها في جمع عدد كبير من الأحاديث المهمة11. وقد قدر الباحث المستشرق جولدتسهير أن خمسة عشر بالمائة (15%) من علماء الحديث في العصر الوسيط كن من النساء12.

ذكر بعض الأسماء المشهورة لنساء عالمات في الإسلام :

أم الدرداء (الصغرى لوجود أم الدرداء الكبرى)، كانت مسيرتها العلمية بناءة (ت80هـ/700م)، واعتبرها بعض معاصريها على أنها خبيرة في علوم الحديث، وفاقت شهرتها شهرة علماء كبار أمثال الحسن البصري أو ابن سيرين! ومن بين طلبتها يوجد الشهير والمعروف أبو بكر ابن حزم، قاضي المدينة الذي تلقى الأمر في عهد الخليفة عمر بن العزيز بالجمع الرسمي للحديث، وعرفت أيضاً بمعارفها العميقة في الشريعة وآرائها الاجتهادية في الفتوى، واعتادت مناقشة مسائلها داخل مسجد دمشق، حتى أنه يروى أنها قالت : “عبدت الله بكل الوسائل، ولكني لم أجد وسيلة في عبادته أفضل من مناقشة العلم مع العلماء الآخرين”، وتجدر الإشارة إلى أن أم الدرداء كانت تدرس الحديث والفقه في المساجد، للطلبة الرجال والنساء أيضاً، مما يدل على مكانتها العلمية التي أحرزتها على عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي كان يأتي شخصياً ليحضر مجالسها العلمية العامة.

كريمة المروزية : لقد عرف القرن الرابع للهجرة عدداً كبيراً من النساء اللواتي يدرسن العلوم الإسلامية، وكان لهن طلبة لرجال من العلماء المميزين،  وتعتبر كريمة المروزية إحداهن، فقد كانت خبيرة في صحيح البخاري وكان يحضر مجلسها العلمي بالمسجد الحرام بمكة عدد كبير من الرجال أمثال المؤرخ الخطيب البغدادي، وكانت تدعى (أم الكرام : نجيبة النجباء) في علمها بصحيح البخاري.

فاطمة بنت الحسين بن علي (تـ480هـ) : وتعتبر من العالمات الكبيرات في زمنها، يدل على ذلك أن كبار أصحاب السير أمثال ابن إسحاق وابن هشام في كتاباتهم القيمة عن حياة الرسول أقاموا أدلتهم على أبحاثها وانتقائها.

نفيسة بنت الحسن المولودة بمكة سنة 145هـ، من أمها زينب بنت الحسن : نشأت بالمدينة حيث درست بها في شبابها في كبريات حلقات العلماء في عصرها، وفي حضن المسجد النبوي13، ودرست الحديث النبوي والفقه حتى لقبت (نفيسة العلم)، ونفيت إلى مصر بسبب الضغوطات السياسية التي عرفها العصر، حيث تم استقبالها بحفاوة كبيرة، ما يدل على سمعتها العلمية الكبيرة التي سبقتها إلى مصر والتي تجاوزت بسبب العدد الهائل للحاضرين يومياً لدروسها، وهو الأمر الذي حرك لديها الرغبة في العودة إلى المدينة، ولكن تدخل والي المدينة الذي خصص لها يومين في الأسبوع لفائدة الناس هو الذي أقنعها بالبقاء في القاهرة.

عرفت أيضاً السيد نفيسة بعلاقتها الأخوية والعلمية الكبيرة مع الإمام الشافعي، مؤسس أحد كبار المذاهب الفقهية الإسلامية، بالإضافة إلى الأخوة فقد كان بين هذين العالمين تعاون وتقدير فكريين متبادليين، فقد كان الشافعي يزور السيدة نفيسة كثيراً، وفي شهر رمضان كان يؤم الناس في صلاة التراويح بمسجدها، فقد كان الشافعي بلا منازع أحد العلماء الأكثر محاذاة للمنكبين ومعرفة بالسيدة نفيسة، أخذ من علومها الدينية الشيء الكثير، في الوقت الذي هو نفسه يعتبر من أكبر العلماء الذين عرفهم العصر، كما كان يحضر مجالسها، وكانا يتناقشان معاً في قضايا مختلفة تتعلق بالفقه وأصوله، وقد عرفت علاقتهما قوة كبيرة لدرجة أنه لما يمرض كان يسألها الدعاء له، ويذكر أن الإمامَ أحمد بن حنبل كان يحضر مجالس السيدة نفيسة، فهذه العالمة تتلمذ عليها إذن اثنان من كبار العلماء المسلمين في العالم، الشافعي وابن حنبل.

وحيث إنه لا نستطيع ذكر كل النساء العالمات في التاريخ الإسلامي، نكتفي بذكر أسماء بعضهن أمثال زينب بنت عباس البغدادية، التي عرفت بعلمها في الفقه وكانت تحضر مجالس الإمام ابن تيمية، وشهدة بنت الأبرة العالمة الكبيرة في الحديث التي درست علماء كبار كابن الجوزية وابن قدامة المقدسي، وأم حبيبة الأصفهانية التي يذكر المنذري أن هذه العالمة أجازته.

كانت هناك أيضاً ست الوزرة التي أصبحت في عصرها سلطة دينية في بغداد وكانت مختصة في علم الحديث وكذلك في الفقه الإسلامي، واعتبرت (مسندة) في عصرها، وكانت محاضراتها عن الصحيح وعلوم إسلامية أخرى معروفة مشهورة في دمشق كما في مصر.

زينب بنت أحمد (740م/1339هـ) : كان من عادتها إعطاء الدروس في مسند أبي حنيفة، وأيضا في شمائل الترمذي والطحاوي، وقد درس ابن خلدون عنها وعن غيرها من النساء العالمات عند مروره بدمشق.

وآخر إمرأة محدثة فهي فاطمة الفضيلية بمكة حيث أسست مكتبة كبيرة وكانت تقوم بتدريس العلماء في مكة المكرمة وكانوا يحضرون لدروسها وحصلوا على إجازات علمية منها.

وفي الختام :

مع أن النساء في القرون الأولى للوحي كن موجودات في كل مراكز المعرفة (وكانت المساجد تمثل هذه على الخصوص) وشاركن إلى جانب الرجال في تعليم وتحفيظ العلوم الإسلامية، لم يعد لهن ذكر في الخطابات الدينية المعاصرة، وأقصين اليوم من المراكز الكبرى للمعرفة الدينية  لأنهن نساء، ولم يعد لهن الحق في الكلمة في مساجدنا المعاصرة.

ونجد في كثير من المخطوطات التاريخية لكثير من العلماء أسماء لنساء عالمات درسن لجموع مختلطة في حلقات دراسية، وفي هذه الحلقات الدراسية العلمية لم يكن هناك إبعاد لهن وكن يحضرن بصفتهن طالبات ومعلمات.

لقد اشتهرت إلى غاية القرن العاشر الهجري النساء العالمات المعروفات أمثال المسندات اللواتي يصادقن على صحة متن الحديث، ونجد أسماءهن في مخطوطات شهادات الإجازات التي يسلمن لطلبتهن الذين يحضرون دروسهن حيث توجد توقيعاتهن، وبقيت النساء العالمات يعطين الإجازات علناً حتى زمن الفتح العثماني14.

نلاحظ اليوم أن المسلمين اعتادوا فقط على أسماء بعض النساء في عصر النبوة، في حين يجهلون آلاف النساء العالمات الموجودات خلال القرون الأولى بعد الجيل الأول، وهذا يشكل فراغاً كبيراً في ذاكرة هذه الحضارة، ونهمل بُعدا في تاريخنا المتميز.

وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم العلوم الإسلامية عند الجيل الأول تشمل كل العلوم وليس فقط العلوم الدينية، الطب والفلك والأدب العربي إلخ ..

وكان تدريس العلوم الإسلامية يشمل الرجال والنساء، ولا نجد من بين الأولين إلا عدداً قليلاً لم يدرس عند امرأة، لقد كان طلب العلم حقا للرجال والنساء على حد سواء، ولم يكن ثمة فصل بين الرجال والنساء أثناء التعلم أو التعليم، وفي هذا العصر قلما تجد عالماً لم يدرس على النساء العالمات.

إن التزام النساء بالعلوم الإسلامية عموماً (علم الكلام والتاريخ والشريعة والنحو) ودورهن البارز في إغناء المعرفة والتعليم كان دوراً لا يمكن إنكاره، لكنه بدأ يتراجع منذ القرن العاشر الهجري، حيث بدأ اسم النساء في العلوم الإسلامية ينقص بشكل ملحوظ.

بعد القرن السادس عشر الميلادي إذن بدأ عدد النساء العالمات ينقص جذرياً، وبدأ تهميشهن شيئاً فشيئاً، بعدما أصبحت وظيفة العلماء رسمية، هذا التراجع الذي عرفته إضافات النساء يعكس التراجع الذي عرفته الحضارة الإسلامية عموماً.

وبالتالي فتراجع الحضارة الإسلامية يتوافق مع التراجع المستمر لتراجع إسهامات النساء في تحصيل العلم ونشره، وتبقى هذه المرحلة من التاريخ تحتاج إلى توضيح ودراسة! فاختفاء النساء عن هذا المجال كلف الحضارة الإسلامية كثيراً وكانت له نتائج خطيرة على تراجعها.

وحرمان النساء وإقصائهن عن دائرة العلم شبيه بوأد البنات وهن على قيد الحياة في عصر الجاهلية، وعليه فمن يحرمهن من العلم يحرمهن بكل بساطة من أن يعشن حياة حرة ككل إنسان له عقل وذكاء ويقبرهن وهن على قيد الحياة! إن إقصاء النساء عن دوائر العلم وحبسهن في الحريم حيث اعتبرن مجرد أجساد لقضاء متعة أو وقت فراغ أو شهوة تافهة، وبذلك بدأ رسمياً دفن كل ما يمثل غنى الحضارة الإسلامية.

رابعا : تهميش النساء بين تراجع الفكر الإسلامي والاستعمار

يجعل الكثيرون بداية تراجع الحضارة الإسلامية مع سقوط غرناطة آخر مملكة بالأندلس سنة 1492، ولكن تراجع الحضارة الإسلامية بدأ حقيقة بعد غزو المغول للإمبراطورية العباسية، فسقوط بغداد سنة (1256م) عاصمة العالم العربي الإسلامي يعتبر مبدأ سقوط الحضارة الإسلامية.

وترجع أسباب تراجع الحضارة الإسلامية إلى أسباب متعددة منها ضعف مراكز القوة السياسية والقضاء على إمبراطورية الخليفة ثم المملكات الصغيرة، ولكن خصوصاً وهو الأهم بسبب تراجع العلم وإسهامات المسلمين في الحضارة العالمية، وبعدما أعطت الحضارة الإسلامية أفضل ما عندها في أكبر مراكز المعرفة مثل بغداد والقاهرة وقرطبة وفاس إلخ .. بدأ نور هذه المراكز ينطفئ شيئاً فشيئاً ويتصلب حتى سقط في ظلمة الخمول الفكري.

إن أسباب هذا التراجع الحقيقية متعددة ومعقدة ويبدو أنها سر غامض، بالأخص ما يتعلق منها بحرية التعبير وسبب التأويل العقلي، فمع العباسيين بل قبلهم بدأ تحرك العلماء الخاضعين تماماً للسلطة السياسية وأصبح مفهوم (الطاعة) للسلطة السياسية مقدساً بقصد منع التفكير وروح النقد، وظهر الإسلام الفاقد لجانبه العقلي فكانت بداية انغلاق الفكر الإسلامي.

التقليد أو التقليد الأعمى للسلف أصبح الفضاء الوحيد للمناقشات الدينية، وأصبح العصر الذهبي هو عصر النبي صلى الله عليه وسلم العصر المثالي بهدف جعله عصراً مثالياً بعيد المنال وبالتالي منع كل جهد فكري يسعى إلى فهم مرتبط بسياقه، حيث سيحاكم على أنه فهم مبتدع.

ومع أن مؤسسي المذاهب الفقهية الأربعة لم ينصوا أبداً على أن آراءهم كانت (مقررات) نهائية، فقد أصبحوا في مرتبة رفيعة لا تقبل المس، واستنباطاتهم التفسيرية أصبحت نصوصاً مقدسة صالحة لكل زمان ومكان، مما ترتب عنه ضرب كل فهم جديد ومنعه، بدعوى أن الأولين فكروا في كل مشاكل الإنسانية ووجدوا لها حلولاً.

وبذلك انتصر التقليد على العقل، لما حوربت الفلسفة وشل التفسير واقتصر على التفسيرات الأولى، فتطور الجانب الفقهي في العلوم الإسلامية، وبدأ اختفاء الأخلاق العقلية والصوفية الإسلامية في مقابل الجانب الفقهي الذي بدأ يتضخم ويعارض حقل المعرفة الدينية.

فأصبحت كل معرفة أو علم (التفقه والفقه) أو كل بعد ديني يمر على يدي الفقهاء وسلطتهم، الذين أصبحوا بقوة الأشياء حماة الدين.

ولكن كلما شاركت النساء في بناء العلوم الإسلامية عموماً، كن غائبات في بناء الفقه الإسلامي، وعلى هذا المستوى صادفنا أحكاماً إقصائية للنساء ومفاهيم فقهية تعزز تهميش النساء وإقصائهن من مجال المعرفة الاجتماعي والفكري.

وقد زامن تراجع العالم الإسلامي مع تراجع الفكر الإسلامي وإسهامات النساء العلمية عموماً، كلما هوت الحضارة الإسلامية أصبحت النساء مختفيات والفكر الإسلامي منغلقاً على ذاته، في حالة السبات هذه والضعف حيث وجدت كل المكونات التي هيأت الأرضية (الاستعمار والقابلية للاستعمار15) لكارثة الاستعمار، لقد تم قصر المعرفة الدينية على ما ألفه الأولون، ولم يكن للعالم المسلم ليدافع عن نفسه ضد المستعمر إلا هذه التقاليد والعادات الثقافية، فحاصر المسلمون أنفسهم خلف ذواتهم وحافظوا على ما بقي لديهم من تقاليد وخاصة (حماية) النساء من العنف الاستعماري.

فأصبحت النساء رهينة مزدوجة رهينة من جهة تخلف الفكر والعلم الإسلاميين، ورهينة من جهة أخرى للصدمة الناتجة عن اللقاء مع الحداثة الداخلة عن طريق الاستعمار الثقافي، من هنا بدأ تطوير الصورة المهينة عن النساء في الإسلام الموجودة اليوم والتي روجت لها المدرسة الاستشراقية التي سبقت الاستعمار.

مع أن النساء كن خلال القرنين التاسع والعاشر بفضل الإسلام سلطة دينية لا جدال فيها للمعرفة والعلوم، فقد أصبحن في نهاية القرن التاسع عشر ممنوعات حتى من دخول المعرفة والتعليم باسم الإسلام!

بعدما كانت النساء في العصر الوسيط قاضيات ومحدثات ومفتيات ومفسرات ومعلمات أصبحن بعد دخول الحداثة ممنوعات من كل وظيفة بدعوى الحفاظ على الهوية أو الحماية من المستعمر الذي يمثل قيماً حداثية لا تتوافق مع الإسلام، كل ما يعتبره المستعمر أو الغرب قيما كونية حتى وإن كانت هذه القيم في أصلها إسلامية في معناها الأخلاقي، كان المسلمون يحتجون عليها باعتبارها رمزاً لِما يرد من الخارج الإمبريالي.

إلى غاية اليوم وفي مناقشاتنا المعاصرة لما بعد الحداثة لازال إصلاح الفكر الإسلامي وتحرير النساء يعاني من هذا الانقسام في الفكر حيث لا نستطيع الانفكاك عن هذه الرؤية المزدوجة التي تفرض علينا رفض كل ما نظنه دخيلاً على ثقافتنا لمجرد أنه غربي، إذ نخلط بين ما هو إضافة كونية وما هو إضافة خاصة بثقافة ما، لقد شاطر المسلمون خلال العصر الذهبي قيمهم الكونية مع باقي الإنسانية، ولا أحد حاكم القيم الإسلامية في ذلك العصر على أنها غير مقبولة لكونها قادمة من ثقافة مختلفة، بل بالعكس استعاد الغرب كل القيم الإسلامية للعصر وطوروها لتصبح على ما هي عليه اليوم.

خامساً : خاتمة

أهمية إعادة بناء الفكر الإسلامي من خلال إسهامات النساء لبناء عصر إسلامي جديد

لا يمكن إعادة بناء الحضارة الإسلامية بدون اعتبار إضافات النساء المسلمات وإسهاماتهن الحيوية في كل المستويات الاجتماعية.

وعليه لابد من إعادة تقييم إسهامات النساء ودورهن في الحضارة الإسلامية بهدف إيقاظ روح الابتكار في المجتمعات العربية الإسلامية اليوم.

إن انخراط النساء في إعادة بناء الفكر الإسلامي وإصلاحه ضروري، ولكن يجب أيضا إعادة تعريف مصطلحات هذا الإصلاح للفكر الإسلامي الذي مع كل الجهود المبذولة لم يبدأ بعد.

لا أحد يشك اليوم في أهمية إسهام النساء في انتقال المعرفة والقيم في المجتمعات المعاصرة، ولكن ثـقل العادات الثقافية وبعض القراءات الإقصائية للنساء يمثل حاجزاً حقيقياً لبناء مجتمع متساوٍ ينطلق من نهضة الحضارة العربية الإسلامية، هذه الحضارة التي لن تستطيع أن تكون نموذجاً للتقدم إلا عندما تستعيد العلم الكوني باعتباره ذو فائدة للإنسانية كلها وأن الرجال والنساء المسلمين يساهمون على حد سواء في هذه الحضارة الإنسانية العالمية.

هوامش :

[1] Wolf jean : « l’héritage d’une civilisation qui domina l’univers », le Monde, archives.
[2] انظر التصريح الجماعي لستة وخمسين باحثا في التاريخ والفلسفة الوسيطية: “نعم، الغرب المسيحي مدين للعالم الإسلامي”
 Libération, Avril 2008. http://www.islamlaicite.org/article906.html
[3]  سورة البقرة، آية: 30.
[4] تفسير القرآن العظيم، للحافظ ابن كثير، دار الحديث القاهرة، طبعة 2003، الجزء الأول، صفحة: 90.
[5] أزيد من 300 آية تشير  إلى مسئولية الإنسان تجاه أفعاله.
[6]  سورة التوبة، الآية: 71.
[7] انظر تفسير “فتح القدير” الشوكاني الآية 71 من سورة التوبة.
[8] هذا مثال لمفاهيم قرآنية ترتبط بالمظهر الخارجي ( تخاطب الرجال والنساء) والتي اقتصرت فقط على الموضوع الوحيد المتعلق بالحجاب بالنسبة للنساء، والذي يبقى موضوعا ثانويا مقارنة بمفاهيم قرآنية أخرى بما في ذلك موضوع الولاية.
[9] Akram Nadwi, « the muhaditates »,  introduction d’une encyclopédie  de 40 volumes qui sera  produite par l’université d’Oxford.
[10] “ككتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة” لابن الأثير، “سير أعلام النبلاء” شمس الدين الذهبي.
[11] في سلسلة الأحاديث المروية مثلا عن سلام الفزرية نجد نساء من الكوفة عند ابن حجر.
[12] « women in the Hadith Literature » in http://globalwebpost.com/farooqm/islam/goldziger.htm.
[13] حضرت خلال تلقيها للعلم لحلقات الإمام مالك بن أنس.
[14] Ignaz Glodziger, « Muslims studies », Vol 2, p 366- 368.
[15] Concept du penseur Malek Ibn Nabi

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s