العمران في الحضارة العربية الإسلامية

عبد القادر العافية

باحة قصر الجعفرية بمدينة سرقسطةموضوع العمران في الحضارة العربية الاسلامية من الموضوعات التي لم تحظ بعد بالدراسات المتأنية المستوعبة التي من شأنها أن تعطي صورة واضحة المعالم عن الفن المعماري العربي الاسلامي، وعن أهدافه وغاياته، وعن سر بهائه وجماله وجاذبيته، وأهم خصائصه ومميزاته، وفترات ازدهاره وتألقه، وعن ارتباطه بالوضع الاجتماعي والاقتصادي .. وهل كان العربي دائماً شغوفاً بالبناء والعمارة إلى غير ذلك مما يجب أن يعرفه الدارس لهذا الموضوع البالغ الأهمية في الحضارة العربية الإسلامية.

ومما يلفت النظر في هذا المجال اهتمام كثير من علماء المسلمين بموضوع العمارة والبناء والخطط، واهتمام المؤرخين، والجغرافيين والرحالة بوصف المعالم الحضارية وصفاً دقيقاً يقربها من القاريء ويعطي صورة في منتهى الدقة والوضوح، فالتراث العربي المخطوط وبعض المطبوع منه يضم نفائس هامة في موضوع العمارة والبناء، وتخطيط المدن والامصار .. إلى جانب ما تتضمنه كتب التاريخ العربي من فصول رائعة  تتحدث عن الخطط، والمدن، والقصور، والمنازل والقلاع والحصون1.

وبالرغم مما قيل عن العرب بأنهم قوم رحل، وأصحاب خيم ومنازل غير قارة، فإننا نجد النزوع إلى البناء والتشييد راود العربي منذ القدم.

وتحدث المؤرخون عن العمارة العربية باليمن، ومكة، والشام، وغيرها من جهات شبه الجزيرة العربية حيث اشتهرت صنعاء بمبانيها المرتفعة، وعرفت مكة بكونها مركزاً تجارياً هاماً، تنطلق منها قوافل التجار شمالاً وجنوباً، وتحدث المؤرخون عن قصور المناذرة بالعراق، والعساسنة بالشام.

ثم جاء الاسلام فقامت حضارته على تشجيع البناء والعمران، ففتح العرب الأمصار، ومع انتشار الاسلام في الشام، والعراق، ومصر، وشمال افريقيا والأندلس .. ازدهر العمران العربي بصورة واضحة في البلاد المفتوحة.

وكانت البداية من تغيير النبي صلى الله عليه وسلم اسم يثرب بالمدينة، فالمدينة في اللغة العربية تطلق على المصر الجامع، وتدل على الحضارة واتساع العمران، و(مدن) بالمكان (أقام به)، وتجمع المدينة على مدائن ومدن، بسكون الدال وضمها، فإطلاق المدينة على يثرب فيه إشعار بأن الحضارة الاسلامية تشجع العمران والبناء والتوسع فيه.

ومنذ بناء المسجد النبوي بالمدينة المنورة انطلقت حركة العمران العربي الاسلامي، حيث بنيت الدور السكنية في مختلف جهات المدينة وضواحيها، ومن هذا التاريخ اعتبر المسجد هو النواة الأولى في المدينة الاسلامية، والمحور الذي تتفرع عنه المباني المختلفة : دار الامارة، والقضاء الشرعي، والحسبة، وما إلى ذلك من المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية.

وتحتل السوق بالمدينة الاسلامية مكانتها البارزة بأجنحتها المتعددة، حيث تختص كل جهة منها ببضاعة معينة، وأماكن أخرى للحرف والصنائع .. وكلما اتسعت المدينة الاسلامية اتسعت مرافقها وأسواقها، وتعددت مساجدها، وفنادقها ومتاجرها.

وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه شيد عقبة بن غزوان مدينة البصرة سنة : (16هـ / 635م)، ثم أسس أبو الهياج الأسدي مدينة الكوفة سنة (19هـ/ 638م)، وأقام عمرو بن العاص مدينة الفسطاط بمصر، سنة (20هـ) بمساعدة بعض قادته الذين اجتهدوا في وضع تخطيط للمدينة يضمن لها الاستقرار والاستمرار، وقد تحدث عن ذلك بتفصيل عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم في كتابه “فتوح مصر وافريقية”، ومما قاله في ذلك :

“اختط الناس خططهم، وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب : إنا قد اختططنا لك داراً عند المسجد الجامع، فرد عليه، أنى لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر !؟ فأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين3.

ويقول بعد ذلك : “اختط عمرو بن العاص داره قرب المسجد، كما اختط ابنه قصراً على تربيع الكعبة”4، بالفسطاط.

والملاحظ أن البناء في العهد الأول من صدر الاسلام كان يتسم بالبساطة، وأغلبه كان مبنياً باللبِن، ومن طابق واحد، وقليل منه بالآجر أو الحجارة، وكان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يكره كل مظاهر الترف.

وفي عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه عرف العمران العربي طفرة جديدة، وذكر المسعودي في مروج الذهب : أن الصحابة في عهد عثمان أقاموا لأنفسهم دوراً فخمة، فشيد الزبير بن العوام دوراً فخمة في المدينة، والكوفة، والفسطاط، والاسكندرية، وكان لسعد بن أبي وقاص قصر فخم في وادي العقيق بالمدينة5، وشيد كبراء العرب في مكة والمدينة القصور الواسعة من الحجارة والرخام.

وفي العصر الأموي أسست مدن كثيرة ببلاد الشام وغيرها، وفي بداية هذا العهد أسست مدينة القيروان على يد عقبة بن نافع الفهري سنة (50هـ/ 690 م)، وجعلها دار إمارته، وبنى بها مسجده الذي مازال يحمله اسمه إلى يومنا هذا.

وفي أيام عبد الملك بن مروان (65- 86هـ/ 685- 905م ) أنشأ الحجاج بن يوسف الثقفي مدينة واسط بالعراق سنة (83هـ/ 902 م)6، وتنافس الأمراء الأمويون في إقامة القصور للراحة والصيد والنزهة، وإحاطة المدن بالأسوار والحصون.

ومن الأبنية ذات الصيت البعيد التي أنشئت في هذا العهد، البناء الفخم الذي أقامه عبد الملك بن مروان حول مسجد عمر بالقدس الشريف، وعده بعض المؤرخين أول إبداع في الفن الاسلامي : بهندسته، وجماله، وفخامته، وأعمدته، وأروقته، وأبوابه، ونوافذه، وزخارفه الداخلية والخارجية، أما قبته الشاهقة فكانت مثار إعجاب عبر الزمان والعصور7، وهذا البناء الجميل الذي أقامه عبد الملك بن مروان أدخلت عليه تنميقات وتحسينات فيما بعد فأصبحت (قبة الصخرة) بالمسجد الأقصى من بدائع الفن المعماري العربي الاسلامي، وأخذ روعته على عهد صلاح الدين الأيوبي الذي زين منبره ومحرابه فجعل منبره من الخشب المطعم بالعاج والصدف .. وكل ذلك أعطى للمسجد الأقصى وضعه العربي الاسلامي عبر العصور المتتالية.

وكان الوليد بن عبد الملك مولعاً بالانشاء والتعمير، وهو الذي أمر ببناء المسجد الجامع بدمشق، ودعا لبنائه مهرة الصناع من العرب والبيزنطيين، واستمر بناؤه عشر سنين من (86- 96هـ / 905- 914م)، ويقوم على مساحة كبيرة ذات زوايا قائمة، ويتألف من صحن كبير تحيط به أرواق من طابقين، وكان يسمى في البداية (بالخضراء) للون قبته الخضراء التي أقيمت عليه، ثم عرف فيما بعد (بالجامع الأموي).

ويذكر المؤرخون أن الوليد بن عبد الملك غلا في بناء هذا الجامع، فقد كان محرابه مرصعاً بالجواهر الثمينة، عليه قناديل الذهب والفضة، ومحلى بالفسيفساء، والسلاسل الذهبية .. وكان عمر بن عبد العزيز يرى : أن المال الذي أنفق على بناء الجامع الأموي لم يكن في موضعه، وأن بيت مال المسلمين قد تأثر بسبب ذلك، فأمر بنزع الجواهر الثمينة، واستغنى بالحبال عن السلاسل الذهبية، التي علقت فيها المصابيح، لكنه لما علم أن بعض سفراء الروم لما زاره استعظمه، واغتاظ من بنائه، وقال : أن من يبني مثل هذا البناء لابد وأن تكون دولته قائمة إلى أمد طويل، لما علم بذلك ترك ما عزم عليه من نزع نفائسه8.

ويبدو من خلال النصوص التي ينقلها المؤرخون أن الوليد بن عبد الملك كان يدعو إلى التشييد والبناء، يقول ابن عبد الحكم : “كان عمال الوليد بن عبد الملك كتبوا إليه أن بيوت الاموال ضاقت من مال الخمس، فكتب إليهم أن ابنوا المساجد”9.

ومهما يكن من أمر، فالجامع الأموي معلمة كبيرة من معالم دمشق، ومفخرة من مفاخر البناء العربي، واعتبرت هندسته في كثير من البلاد الاسلامية نموذجاً يقتفى، وازدانت دمشق  بالعمائر الدينية والمدنية، وحرص كل خليفة من خلفاء بني أمية أن يبقي فيها أثراً ينسب إليه.

وفي هذا العهد سنة (114هـ/ 933م) بني (جامع الزيتونة) بتونس، وهو كثير الشبه بالجامع الأموي، أيام هشام ابن عبد الملك.

ويذكر البلاذري في (فتوح البلدان) : أن الأمويين أعادوا بناء المدن التي خربها الروم قبل مغادرتها، وبأنهم أنشأوا مدناً أخرى جديدة، (كالرملة) بفلسطين، و(مسلمية)، و(المحفوظة)، و(المحروسة) بالهند، و(الموصل) في العراق10، وذكر ابن عبد الحكم مدينة الرصافة بالشام11، وأنفقت على هذه البنايات والمنشآت أموال باهظة من ميزانية الدولة حسبنما يذكره البلاذري نفسه أثناء حديثه عن بناء سليمان بن عبد الملك : (96- 99/ 915- 919) لمدينة الرملة بفلسطين12.

ويلاحظ الدارس أن حب العربي للعمران ساعد على تطور المدن القديمة وعلى إنشاء مدن جديدة، بل ساعد على تطور فن البناء في فترة وجيزة، ففرق كبير بين نمط البناء الذي كان قبل سنة ثلاثين من الهجرة وما بعدها، ففي الثلث الاخير من القرن الأول الهجري، عرف فن البناء العربي تطوراً كبيراً ابتداء من عهد عبد الملك بن مروان، وما تلاه من خلفاء بني أمية.

وزاد هذا التطور تقدماً وازدهاراً في العصر العباسي، حيث أنشئت في هذا العهد عدة مدن جديدة : كمدينة (العسكر) التي بناها صالح بن علي العباسي أيام أبي العباس السفاح في شمال الفسطاط سنة (133هـ/ 950م)، ثم مدينة (بغداد) التي أنشأها أبو جعفر المنصور سنة (145/ 962م)، وبعد ذلك أسست مدينة (سامراء) شمال بغداد، وفي هذا العهد أسس أحمد بن طولون مدينة (القطائع) بمصر سنة (256/ 890)، ثم (رقادة)، و(سوسة)، بافريقية، و(العباسة) بمصر، و(فاس) بالمغرب الأقصى.

وعرفت بعض المدن في العصر الأموي والعباسي ازدهاراً واتساعاً مثل مكة، والمدينة، ودمشق، وحلب، وقرطبة، وإشبيلية، وفي فترة قصيرة من الزمن أصبحت هذه المدن العربية الاسلامية مراكز حضارية، ومنار إشعاع فكري وحضاري بما تضمه من مساجد ومعاهد ومكاتب ومجالس العلم، وبما تقيمه من مناظرات، ودروس في مختلف مجالات المعرفة، وأصبحت المدينة الاسلامية محط أنظار التجار والعلماء والفنانين من مختلف البلاد والأقطار، وازدهرت أسواقها بمختلف أنواع البضائع النفيسة، والسلع النادرة.

وساعدت المدينة العربية الاسلامية على اندماج العرب مع غيرهم من الأمم والأجناس، وكان لذلك أثر كبير على حياتهم وعاداتهم، ومالت الطبقة الغنية إلى حب الترف والظهور، وتنافس الخلفاء والأمراء في بناء الدور الفخمة، والقصور الواسعة، والمنتزهات الجميلة في العصر الأموي والعباسي، ونجد كتاب التاريخ العربي قد خصصوا صفحات رائعة للحديث عن ذلك، كالطبري، والبلاذري، والمسعودي، وابن حوقل وغيرهم، حيث تعرضوا لذكر مجموعة من القصور الفخمة كقصر (المشتى) بالأردن الذي شيد في أوائل القرن الثاني على عهد الأمويين، ويصفه المؤرخون بأن واجهته زينت بزخارف دقيقة محفورة في الحجر الجيري، تمثل الأزهار والطيور.

وذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) في أحداث سنة (146هـ) أنه بعدما اكتمل بناء بغداد في هذه السنة، شرع المنصور في بناء قصره المسمى (بالخلد)، فكمل سنة (158هـ)، وجعل أمر ذلك إلى رجل يقال له الوضاح13.

وذكر كذلك : أن دار الخلافة في بغداد كانت في الأصل للحسن بن سهل، فانتقلت من بعده إلى ابنته بوران زوجة المأمون، فطلبها منها المعتضد – وقيل المعتمد – فأنعمت له بها، واستنظرته أياما، فأنظرها، فبالغت في تحسينها وتنميقها وزخرفتها .. قبل أن تسلمها له14.

ومن أشهر قصور بغداد (قصر التاج)، بناه المكتفي العباسي على دجلة، و(دار الشجرة)، للمعتمد، و(قصر الرصافة) للمهدي، و(القصر الجعفري) للبرامكة، ثم للمأمون، و(قصر الثريا) للمعتضد، و(قصر التاج) له وللمكتفي، و(القصر البويهي) لمعز الدولة.

وهذه القصور كانت مما تنافس في تصميمها المهندسون والبناؤون، وتبارى في زخرفتها الفنانون والمبدعون، ومن أشهر قصور هذا العهد (قصر خمارويه) بمصر الذي شيد في القرن الثالث الهجري، وطليت جدرانه بالذهب، وصورت عليها صور النساء بالحجم الطبيعي، وكانت له حديقة كتبت فيها الأشعار بالعشب الملون .. إلى غير ذلك من أنواع المباني الفخمة الرائقة.

وقد كان من نتائج امتداد الفتوحات الاسلامية ازدهار الفن المعماري، وابتكار أنماط جديدة في فن البناء غير التي كانت معروفة من قبل، واستطاع الفن المعماري العربي أن يستفيد من التصاميم القديمة، وأن يحترم في نفس الوقت آثار الأقاليم المفتوحة، وأن يتدرج ويتطور، وأن يعمل على نقل الأنماط والأساليب المبتكرة من إقليم إلى إقليم، وكثيراً ما كان يرتبط تطور فن البناء بطبيعة الاقليم الذي نشأ فيه، مع تطوير فن استعمال المواد الموجودة.

واستفاد العرب من هندسة الكنائس والقصور البيزنطية في سوريا ومصر، وأخذوا منها ما يلائم الطبيعة العربية ويوافق الدين الاسلامي، وأضافوا إلى ذلك ما تحتاجه المساجد وأماكن العبادة من مآذن، ومحاريب، ومنابر، وأروقة، وإيوانات، وأنابيب الماء للطهارة، والنظافة، وسرعان ما تحرروا من المؤثرات الأجنبية، وعملت عبقريتهم، وابتكاراتهم على طبع البناء الاسلامي العربي بمميزاته الخاصة، وبذلك تميز عن فن العمارة البيزنطية وغيرها بالجمال، والنضارة، والبهاء، والتفنن في الزخارف، والعمل على تزيين البناء من الداخل والخارج، واستعمال الألوان والخطوط في تناسق وإبداع.

هذه المظاهر العمرانية لفتت أنظار المؤرخين، وكتاب الرحلات والجغرافيين، وعلماء الاجتماع العرب إلى الارتباط الوثيق الموجود بين الازدهار الاقتصادي والازدهاء العمراني،

يقول ابن حزم : “يأخذ السلطان الناس بالتجارة، وكثرة الغراس، ويقطعهم الاقطاعات في الأرض الموات ويجعل لكل أحد ملك ما عمر، ويعينه على ذلك، لترخص الاسعار، ويكثر الأغنياء”15.

فابن حزم يؤكد أنه من واجب الدولة أن تفتح أمام الناس مجالات للكسب والاستثمار، وأن تساعدهم على البناء والتعمير، ليكون ذلك سبباً في رخص الأسعار، وانتشار مظاهر الرفه.

ويقول ابن خلدون في (المقدمة) : “فصل في أن تفاضل الأمصار والمدن في كثرة الرفه لأهلها، ونفاق الأسواق إنما هو في تفاضل عمرانها في الكثرة والقلة ..”، إلى أن يقول : “ومتى  زاد العمران زادت الاعمال، ثم زاد الترف تبعاً للكسب، وزادت عوائده وحاجاته، فما كان عمرانه من الأمصار أوفر، وأكثر، كان حال أهله في الترف أبلغ من حال المصر الذي دونه”16.

وهو يشير هنا إلى أن ارتفاع مستوى الدخل الفردي يزيد بازدهار العمران، ويعطي ابن خلدون المثال من واقع الحياة، ومما هو مشاهد عنده فبقول : “واعتبر ذلك في المغرب مثلاً بحال فاس مع غيرها من أمصاره الاخرى”، حيث كانت في أوج عزها ومجدها أيام ابن خلدون، وتنافس ملوكها في بناء القصور، والمدارس، والمساجد، والحصون، والطرق، والقناطير .. وما تزال الآثار المرينية تشهد بازدهار الفن المعماري الجميل، على عهد هذه الدولة، ويعد من الآثار الفنية البديعة التي احتفظ بها الزمان في جهات مختلفة من بلداننا العربية والاسلامية.

ثم قارن ابن خلدون بين بجاية وتلمسان وسبتة، وفاس، ليقرر في النهاية أنه كلما ازدهر العمران نمت الحركة الاقتصادية وزاد الدخل الفردي، والرخاء والنماء، وتحسن مستوى المعيشة، إلى أن يقول :

“وحيث الدخل والخرج أكثر تكون الأحوال أعظم، وهما بفاس أكثر لنفاق سوق الأعمال بما يدعو إليه الترف، فالأحوال أضخم، ومتى عظم الدخل والخرج اتسعت أحوال الساكن، ووسع المصر، وكل شيء يبلغك من مثل هذا فلا تنكره، واعتبره بكثرة العمران، وما يكون عنه من كثرة المكاسب التي يسهل بسببها البذل”.

وهذا الفصل – الذي اقتطفنا منه هذه الفقرات – يعد من أمتع فصول المقدمة يعالج موضوع العمران معالجة مبنية على الخبرة والتجربة والمشاهدة.

ويقول ابن الأزرق في كتابه  “بدائع السلك في طبائع الملك” : “إن الدولة والملك والعمران بمنزلة الصورة والمادة، وهو الشكل الحافظ لنوعه لوجودها، وانفكاك أحدهما عن الآخر غير ممكن على ما تقرر عند الحكماء، فالدولة دون العمران لا تتصور، والعمران دونها متعذر، وحينئذ فاختلال أحدهما مستلزم لاختلال الآخر، كما أن عدمه مؤثر في عدمه”17.

ثم يقول بعد ذلك : “وتقرر عند الحكماء : الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالعمارة”18، فكل من ابن خلدون وابن الازرق يؤكدان : أن ازدهار العمران من أسباب تعدد مصادر الكسب ونمو الأسواق وتنوعها.

يقول ابن الأزرق : “تعدد الأعمال من أسباب الكسب، وهو مما يفضي إلى وجود الثروة، وينشأ عن ذلك شموخ الملك بنمو الجباية، وصرف ما يفضل منها إلى اتخاذ المعاقل والحصون، واختطاط المدن والأمصار”18.

وينقل عن ابن خلدون قوله : “أقوى الأسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف – الضرائب – على المعتمرين ما أمكن، فبذلك تنشط النفوس إليه ليقينها بإدراك المنفعة فيه”19، وهو يومئ  بهذا إلى وجوب تسهيل أمور السكن والمعيشة، ليقبل الناس على البناء والعمارة، وعلى تعاطي أسباب الحصول على الرزق والتوسع في البناء.

ويذكر ابن الأزرق أن العمارة تحفظ بالعدل الذي تقوم به السماوات والارض، ويقول : “قالوا لا جباية إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بالعدل”20، وينقل عن ابن رضوان أنه قال : “بالعدل عمرت الأرض، وقامت الممالك”21.

فالتوسع في العمران عند علماء المسلمين، ليس مظهراً حضارياً فحسب، بل هو أساس التقدم والازدهار في سائر مجالات الحياة : العلمية، والفنية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والعسكرية .. كل هذه المرافق يجب أن ينال حظه من العمران الدال على رسوخ الملك، وعلى جدارة الدولة بالتسيير والبقاء والاستمرار .. فكلما كان العمران متيناً وواسعاً، وشامخاً وجميلاً، وفي هندسة تبهج العيون، وتأخذ بالالباب .. كلما دل ذلك على رقي الأمة، وعلى سلامة ذوقها، وأصالة حضارتها.

فحضارة العرب العمرانية يجب أن تؤطر في إطارها الصحيح، لا على أنها مظهر من مظاهر البذخ والترف في فترة من الفترات.

فالفن المعماري العربي الاسلامي فهم عند كثير من المتحدثين عنه على أنه كان نتيجة تفسخ وانحلال .. لا على أنه ضرورة من ضرورات أبهة الملك، وعظمة السلطان، وماتزال كثير من القاعات في قصور غرناطة وفاس، وغيرها تحمل اسم الوظيفة التي كانت تمارس فيها، كقاعة السفراء، وقاعة العرش، والديوان، وبيت المال، ودار السلاح، وغيرها من الوظائف التي تحتاجها الدولة في ممارسة أعمالها.

وبصرف النظر عن القصور والبنايات السلطانية فإن أبرز مظاهر الفن المعماري العربي الاسلامي تتجلى في المساجد، والمدارس، وأروقة طلبة العلم، ودور الحكمة، والفنادق، والحمامات والقيصريات والمارستانات.

وبالعودة إلى المصادر العربية التي تحدثت عن العمران في دمشق، وبغداد، والقاهرة، وقرطبة، وفاس، ومراكش، وغرناطة، وتونس، وبجاية، وغيرها ندرك أن كثيرا من هذه الأبنية أسس لغايات اجتماعية واقتصادية، ودينية، وعلمية، ودفاعية .. ولأهميتها البالغة في حياة الناس، ولما توفر لهم من مصالح مختلفة اهتم بشأنها العلماء والمفكرون، كالكندي، والقاضي القضاعي، وابن حزم، وابن الرامي، وابن خلدون، وابن رضوان، وابن الازرق22، وغيرهم، فهؤلاء وآخرون من أمثالهم تحدثوا عن العمارة العربية الاسلامية باعتبارها من مقومات الدولة، ومما يجب العناية به والتوسع فيه، ودعوا إلى تسهيل أمر البناء، وربطوا بين الازدهار العمراني والازدهار الاقتصادي والفكري والثقافي، فالمعمار الاسلامي ينبفي أن يتناول من عدة جوانب، ولنا في تراثنا العربي الاسلامي ما يساعد على ذلك، ويجعل الدراسة في هذا الموضوع أداة مفيدة وذات مدلول على حضارة أمتنا وأصالتها وعراقتها، وتمدنها.

وما نشاهده اليوم من نهضة عمرانية في بلداننا العربية، وبخاصة منها دول الخليج العربي هو استجابة لمقتضيات حضارتنا العربية الاسلامية، وهو مؤشر على أن نهضتنا العربية تعمل على ربط حاضرنا الواعد بماضينا المجيد.

  1. الخطط : جمع خطة، بمعنى محلة أو بلد، وقد ألفت كتب في هذا الموضوع يأتي ذكر بعضها في موضوع آخر بحول الله.
  2. كتاب (فتوح مصر وافريقية) طبع بالقاهرة سنة 1920، وبه أخبار في غاية الأهمية عن الفترة التي يتحدث عنها.
  3. (فتوح مصر) : لابن عبد الحكم / ص 92.
  4. المصدر نفسه.
  5. (مروج الذهب” : ج : 1 : 434.
  6. ذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) سبب بنائها / ج 9 / 54 .
  7. عرف المسجد الأقصى بعد تحريره من سيطرة الصليبيين على يد صلاح الدين الأيوبي إصلاحا جذرياً، وتوسعة، وزخرفة، فجاء آية فنية في غاية الاتقان والابداع، وكثيراً ما وقف عنده الرحالة والجغرافيون والمؤرخون، ومنهم الرحالة المغاربة والأندلسيون، فقد تحدث عنه ابن العربي المعافري في مقدمة كتابه (قانون التأويل)، وكان قد أقام به هو ووالده في أواخر القرن الخامس الهجري، وبه التقى بالامام الطرطوشي، ووصفه ابن جبير الأندلسي وصفاً دقيقاً، وابن بطوطة وغيرهما من الرحالة من عهد ابن حبيب القرطبي تلميذ الامام مالك بن أنس إلى العهود المتأخرة، ومن الذين امتعوا القارئ بوصفه في القرن (18م) المؤرخ المغربي أبو القاسم الزياني في كتابه (الترجمانة الكبرى) : (ط وزارة الأنباء سنة 1967، بتحقيق : د. عبد الكريم الفيلالي/ من ص 266- 275.
  8. (تاريخ الاسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي) للدكتور حسن ابراهيم حسن / ج 2 / 526- 527.
  9. (فتوح مصر) ص 132.
  10. (فتوح البلدان) للبلاذري / ص 158 و 535 و 543.
  11. (فتوح مصر) 222.
  12. البلاذري : 170، وذكر : عبد القادر المعاضيدي في كتاب (واسط في العصر الأموي) : أن بناء مدينة واسط كلف بيت المال 43 مليون درهم/ ص 357.
  13. (البداية والنهاية) ج 10/ ص 102- 103.
  14. المصدر نفسه.
  15. قول ابن حزم هذا نقله ابن الازرق في كتابه (بدائع السلك في طبائع الملك) ج 1/ 223- ط : الدار العربية للكتاب/ ليبيا – تونس سنة 1977.
  16. (مقدمة ابن خلدون) : ط : بن شقرون بمصر / دون تاريخ الطبع/ ص 270- 272.
  17. (بدائع السلك) : 1 : 226.
  18. و 18م المصدر نفسه.
  19. المصدر نفسه.
  20. ابن رضوان هو أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي ثم الفاسي، له عدة مؤلفات منها كتاب (السياسة) وهو من الكتب التي اعتمدها ابن الازرق في كتابه (بدائع السلك) توفي ابن رضوان بأزمور بالمغرب سنة (784هـ/ 1382م).
  21. (بدائع السلك) : 1 : 228.
  22. أول من صنف في الخطط : محمد بن يوسف الكندي، ثم القاضي بن سلامة القضاعي (ت : 494 هـ). له كتاب (المختار في ذكر الخطط والآثار)، وألف في الموضوع تلميذه محمد بركات النحوي (ت : 520هـ)، ثم كتاب الشريف محمد بن إسماعيل الجواني : (النقط المعجم فيما أشكل من الخطط)، ثم القاضي تاج الدين محمد بن عبد الوهاب (ت : 790هـ) له : (اتعاظ المتأمل وايقاظ المتغفل) في أحوال مصر إلى حدود سنة 725هـ وكتب القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان (ت : 692هـ) كتاب (الروضة البهية الزاهرة، والخطط المصرية القاهرة)، ثم ابن الرامي البناء التونسي له كتاب (الاعلان بأحكام البيان) (ت : 734هـ)، ثم الشيخ تقي الدين أحمد بن عبد القادر المقريزي له كتاب (المواعظ والاعتبار، بذكر الخطط والآثار)، وهو كتاب مشهور، أحسن فيه مؤلفه وأجاد، وألف علي باشا مبارك كتاب (الخطط التوفيقية الجديدة، لمصر والقاهرة ومدنها وبلادها القديمة المشهورة) (ت : 1893م)، إلى غير ذلك من الكتب المؤلفة حول الخطط والعمران والبنيان، وكتب أخرى تضمنت الحديث عن ذلك، مثل كتاب : (تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي، وكتاب (البلدان) لليعقوبي و(معجم البلدان) لياقون الحموي وغيرها.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s