السنن الإلهية في القرآن الكريم

ودورها في استشراف المستقبل

عماد عبد الكريم خصاونة – خضر إبراهيم قزق

المقدمة :

file_a58e75f5ca_ee999999القرآن الكريم باعتباره كلام الله تعالى يحوي كل ما من شأنه أن يعين الإنسان على العيش بأمن وأمان واستقرار وسعادة، ذلك أن الله تعالى بين فيه ووضح وضرب من الأمثلة الكثيرة التي إن أحسن الإنسان قراءتها واستنباط دروسها وعبرها، فإنها ستكون له خير دليل وأحسن بيان فيما ينبغي أن تكون عليه حياته.

والله تعالى بين للإنسان في القرآن الكريم السنن والقوانين الثابتة والمطردة، التي تسير عليها البشرية التي ترنو إلى البقاء والسعادة وتتجنب الويلات والنكبات.

ولقد أدرك علماؤنا دور السنن الإلهية الواردة في القرآن الكريم في تجلية الصورة الممكنة لعالم الغد بالنظر إلى أن هذه السنن ثابتة ومطردة لا تحابي أحداً ولا تتخلف عن مسيرها إلا وفق علم الله تعالى وحكمه وحكمته، مما يدعو إلى تكاتف جهود علماء المسلمين لدراسة هذه السنن وإخراجها في علم خاص له أبوابه وفروعه، وذلك لما للسنن الإلهية من أهمية ودور في تبيان ما يمكن أن يكون عليه المستقبل وفق هذه السنن وخصائصها.

التمهيد :

اقتضت حكمة الله تعالى وإرادته أن يجعل لكل شيء سبباً، وأنه لا يجري في هذا الكون شيء إلا وفق علم الله تعالى وإرادته وسننه، تلك السنن التي لا تتحول ولا تتبدل، فهو سبحانه المتصرف بشؤون هذا الكون والمنظم لمجرياته وأحداثه.

يقول الله تعالى:  “قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ” – الأنعام/11، ويقول تعالى : “سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً” – الإسراء/77.

والحالة هذه فإن المتتبع لسنن الكون ومجرياته يجدها تسير في نسق منتظم يمكن أن يشكل تصوراً عن طبيعة هذه الحياة وماذا يراد منها وكيف ينبغي لها أن تكون.

ونورد مجموعة من السنن الإلهية التي قررها القرآن الكريم لتكون شواهد على ما يُستشرف من المستقبل في ضوء آياته، ونشير هنا إلى أن السنن الإلهية تكاد تكون شاملة لكل مجالات الحياة، ولا يراد هنا جمع كل تلك السنن، بل اجتهاد في اختيار مجموعة منها، وقديماً قالوا ما حدث شيء إلا وحدث قبله مثله، يقول الله تعالى : “قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ” – آل عمران/137، ويقول تعالى: “فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً” – فاطر/43.

والآيات الكريمة متوافرة في هذا الباب، والقرآن الكريم حض المؤمنين على السير في الأرض، وعلى ضرورة التفكر في خلق الله تعالى والنظر بعين البصيرة إلى الآيات المبثوثة هنا وهناك، وقرر القرآن الكريم أن المعنيين بالاستفادة من هذا الخطاب وهو السير في الأرض والتفكر والتدبر هم أولوا الألباب والعقول المستنيرة، فهم وحدهم القادرون على سبر أغوار هذه السنن ومعرفتها وفهمها، وبالتالي إلى حسن توظيفها بما يساعد على استشراف وبناء مستقبل أمة الإسلام، بل ويساهم في رفد الحضارة الإنسانية.

ويحق لنا أن نفخر نحن معاشر المسلمين بأن السنن الكونية مستمدة من كلام الله تعالى الكامل والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن علم الله تعالى المطلق الكامل، وليس من وضع الإنسان القاصر والناقص في كل شيء، والمطلوب منا هو السير في الأرض بالبصر والبصيرة لندركها ونفهمها ونعتبر بها.

وأخيراً، فالمراد من ذلك امتلاك القدرة على استشراف المستقبل من منظور القرآن الكريم وفق سنن الله تعالى في الأمم السابقة.

يقول سيد قطب في تعليقه على قوله تعالى  : “قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ” : “والقرآن الكريم يرد المسلمين هنا إلى سنن الله في الأرض، يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور، فهم ليسوا بدعاً في الحياة، فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف والأمور لا تمضي جزافاً، إنما هي تتبع هذه النواميس، فإذا هم درسوها، وأدركوا مغازيها، تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث، وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع، واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث، وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام، واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق، ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين، لينالوا النصر والتمكين، بدون الأخذ بأسباب النصر، وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول”.

إن استشراف خط السير على ضوء ما كان في الماضي، من باب حسن الأخذ بالأسباب، على اعتبار أن سنن الله تعالى ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، وهذه السنن مذكورة في القرآن الكريم والسنة النبوية، لا يعرفها إلا عالم بالكتاب والسنة، ومن استكشفها وعلمها استطاع أن يعرف الماضي وأن يتحسس المستقبل.

المبحث الأول : تعريف السنن الإلهية

يجدر هنا أن نحدد المعنى المراد من السنة، باعتبار تنوع تخصصات العلم الشرعي، الأمر الذي يقتضي تغير المعنى من علم إلى آخر، فالسنة عند المحدثين تختلف عنها عند علماء أصول الفقه، وتختلف كذلك عنها عند الفقهاء، وكلا من المفسرين وعلماء العقيدة الإسلامية، ونشير هنا أن هذه التعريفات بينها تداخل واضح وبين، الأمر الذي يعيننا في الوصول إلى المعنى الذي سنختاره في هذه الدراسة.

فالسنة لغة : مأخوذة من (سن) ولها أصل واحد مطرد، وهو جريان الشيء واطراده في سهولة ويسر، والأَصل فيه الطريقة والسِّيرَة، وجاء في التعريفات أن السنة في اللغة هي : الطريقة، مرضية كانت أو غير مرضية.

وفي التوقيف أن السنة بالضم طريقة المصطفى التي كان يتحراها، وسنة الله طريقة حكمته، وطريقة طاعته، ذكره الراغب وقال ابن الكمال : السنة لغة الطريقة مرضية كانت أو لا، وشرعاً الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب، والسنة هي : الطريقة المستقيمة والمثال المتبع.

أما السنن اصطلاحاً، فلها علاقة واضحة بالمعنى اللغوي، والمراد بها اصطلاحاً هنا : ما سنّه الله في الأمم من وقائعه، وأصل السنن جمع سنة : وهي الطريقة المستقيمة.

والسنةُ هي الْعادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بِنظيره الأول؛ ولهذَا أَمر بِالاعتبار وقال : “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” – يوسف/111.

والاعتبار أَن يقرن الشيءُ بِمثْله فيعلم أَن حكمه مثل حكمه كما قال ابن عباس : هلا اعتبرتُم الأصابع بِالأَسنانِ؟ فإذَا قال تعالى : “فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ” – الحشر/2، وقال تعالى : “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ” – يوسف/111، أَفاد أَن من عمل مثل أَعمالهِم جوزي مثل جزائهم؛ ليحذَر أَن يعمل مثل أعمال الكفار، وليرغب في أن يعمل مثل أعمال المؤمنين أتباع الأنبياء.

والسنن، بحسب سيد قطب رحمه الله هي : “النواميس التي تحكم حياة البشر وفق مشيئة الله الطليقة، وأن ما وقع منها في الماضي يقع في الحاضر، إذا أصبحت حال الحاضرين مثل حال السابقين”.

ويمكن أن نختار من بين التعاريف المتعددة للسنن بأنها : “منهج الله تعالى في تسيير هذا الكون، وعمارته، وحكمه، وعادة الله في سير الحياة الإنسانية، وعادته في إثابة الطائعين وعقاب المخالفين طبق قضائه الأزلي على مقتضى حكمته وعدله”.

ولعل هذا التعريف يصف منهج الله تعالى في تسييره لأمور الخلق، وأن هذا المنهج يطبق وفق علم الله تعالى وحكمته دون أن يلزم الله تعالى بشيء، ولكن هذا المنهج يعتبر علامات كلية يستنير بها المسلم في حياته ليكون على بينة ونور.

فيما يرى الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد، أن السنن الإلهية هي : “الطريقة المتبعة في معاملة الله تعالى للبشر بناء على سلوكهم وأفعالهم وموقفهم من شرع الله وأنبيائه وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة”.

ويتضح من هذا أن كتب اللغة وأهل التفسير توافقوا على أن السنة هي الطريقة، فإذا ما أضيف إليها لفظ الجلالة لتصبح سنة الله، صار معناها طريقة الله تعالى، ويخلص من ذلك أن سنة الله تعالى أي طريقته سبحانه في تسيير أمور الكون وفق قانون عام فيه معنى التماثل في النتائج إذا تماثلت المقدمات.

والاستشراف لغة مأخوذ من الفعل الثلاثي (شرف) والشين والراء والفاء أصل يدل على علو وارتفاع، فالشرف العلو، والشريف الرجل العالي، ويقال استشرفت الشيء، إِذا رفعت بصرك تنظر إليه، والمشرف المكان تشرف عليه وتعلوه، ومشارف الأرض أعاليها، واشتقاقه من الشرفة التي تشرف بها القصور، والجمع شُرَف.

وفي لسان العرب : تشرف الشيء واستشرفه، وضع يده على حاجبه كالذي يستظل من الشمس حتى يبصره ويستبينه، واسْتَشْرَفْتُ الشيء : إذا رفعت بصرك إليه وبسطت كفك فوق حاجبك كالذي يستظل من الشمس، وعن النبي  صلى الله عليه وسلم : “سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ”.

وأصله من الشرف والعلو، كأنه ينظر إلى موضع مرتفع فيكون أكثر لإدراكه، واستشرف فلان رفع رأسه ينظر إلى شيء، والاشتراف  الانتصاب، واستشرفت الشيء إذا رفعت بصرك تنظر إليه وبسطت كفك فوق حاجبك كالذي يستظل من الشمس.

وبالمحصلة، يرفع رأسه واضعاً يده فوق عينيه، ويقف على أصابع رجليه ويمد عنقه ويسدد بصره وهو تارة يقف وأخرى يرتاح، ذاك ما تعارف عليه الناس حال من يستشرف الطريق ويتطلع إلى ما ينتظر.

أما الاستشراف اصطلاحاً فلم أجد فيما اطلعت عليه من مراجع بهذا الشأن من ذكر تعريفاً اصطلح عليه أو يمكن أن يسمى تعريفاً اصطلاحياً، اللهم إلا أولئك الذين تخصصوا في الدراسات المستقبلية أشاروا إلى أن التطلع نحو صياغة المستقبل المراد هو هدفهم الذي يرجون الوصول إليه من خلال دراساتهم المستقبلية، ويمكن أن نقرر أن الاستشراف هو عبارة عن ذاك التطلع للمستقبل ومحاولة امتلاك الأدوات المناسبة والتي تعين على تحسين وتوضيح صورة المستقبل الذي ننشده، وعليه فالاستشراف تفقد وتأمل وتطلع، من منظور القرآن الكريم.

وإذا ما كانت المقدمات واضحة وثابتة ومقررة بخصوص قضية معينة في القرآن الكريم، فعندها والحالة تلك تصبح عملية الاستشراف لتلك القضية المتعلقة بتلك المقدمات أكثر وضوحاً وأقرب إلى المصداقية، وأكبر احتمالاً لتكون متوافقة لما تم استشرافه إن أحسن قراءة المقدمات وفهمها الفهم المناسب والدقيق.

وهكذا فإن الاستشراف هنا يحمل في مضمونه اللغوي معاني النظر إلى شيء قادم من بعيد والتطلع إليه ومحاولة التعرف عليه واتخاذ أسباب التوصل إلى ذلك بدقة كالصعود إلى مكان مرتفع يتيح فرصة استطلاعه قبل وصوله، ولا يختلف الاستشراف في معناه الذي نقصده في هذه الدراسة عن تلك المعاني اللغوية بل إنه يدور في إطارها وينطلق منها فهو : استطلاع مبكر للمستقبل في ضوء معطيات الحاضر والتحديات المستقبلية التي تفرضها طبيعة النمو والتحول والتطور والطموح.

وهو إلقاء نظرة فاحصة على المستقبل بمنظار تتكون عدساته من عبق تجارب الماضي ونتائج وثمرات الحاضر ومؤشرات التطلع المستقبلي، إنه عمليات علمية أساسها التخطيط وتستهدف حشد الطاقات وتوفير الإمكانات اللازمة وترشيد استخدامها لمواجهة أعباء المستقبل وتحقيق الغايات المرجوة والمتوقعة فيه.

المبحث الثاني : أهمية دراسة السنن الإلهية

تشغل السنن الإلهية حيزاً واضحاً من مفردات هذا الدين، ولا أكون مغالياً إن قلت أن فهم السنن الإلهية يشكل دعامة أساسية من دعائم الفهم الشامل للإسلام.

إن الناظر في آيات القرآن الكريم ليجد الآيات الكريمة الكثيرة التي تغطي الحديث عن السنن الإلهية، وفي هذا ما فيه من أهمية لهذا الموضوع، وتلك العناية والرعاية بهذا الموضوع من القرآن الكريم، إشارة واضحة لضرورة أن يعتني به المسلمون، وأن يولوه من الأهمية ما يستحق كباقي مواضيع القرآن العظيم.

وتظهر أهمية الحديث عن السنن الإلهية في كون السبيل لمعرفة سنة الله هو الرجوع إلى كتاب الله العظيم وسنة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم  فما فيهما هو القول الفصل، وأعظم بها من غاية وأعظم بها من سبيل تلك التي تدلنا على الله تعالى.

وتظهر أهمية البحث في السنن الإلهية، ومعرفة شروطها وخصائصها، وانتظامها وتناسقها، في أن تكون هذه المعرفة لتلك السنن مناراً لنا وهادياً لتسخير الكون بكل ما فيه من أجل فهم أشمل وأكمل للحياة، وبالتالي لامتلاك الأدوات المساعدة على استشراف المستقبل من خلال تلك السنن والتي كما ذكرنا تتميز بالثبات والديمومة، إلا بما يقدره الله من أجل الابتلاء والامتحان للإنسان في هذه الأرض.

وتتبين أهمية دراسة السنن الإلهية في أنها تبعث الطمأنينة والوضوح في نفوس أتباع هذا الدين الإلهي، خاصة وأننا نتحدث عن هذه السنن من منظور القرآن الكريم، والذي يثبت لنا تاريخ البشرية وما مر بها من أحداث ومجريات تجعل الإنسان قادراً على أن يأخذ من هذه الأحداث تجارب صالحة تفيده في رسم مستقبله وتمنعه وتحميه من الوقوع فيما وقع فيه غيره من البشر في سالف الأيام.

وتتبين أهمية العلم بالسنن الإلهية من خلال عناية العلماء بهذا العلم وحثهم عليه، وقد عد الإمام الغزالي العلم بالسنن الإلهية من القسم المحمود فقال : “وأما القسم المحمود إلى أقصى غايات الاستقصاء فهو العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله، وسنته في خلقه، وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا، فإن هذا علم مطلوب لذاته وللتوصل به إلى سعادة الآخرة، وبذل المقدور فيه إلى أقصى الجهد قصور عن حد الواجب، فإنه البحر الذي لا يدرك غوره وإنما يحوم الحائمون على سواحله وأطرافه بقدر ما يسر لهم، وما خاض أطرافه إلا الأنبياء والأولياء والراسخون في العلم”.

وكذلك فان العلم بسنن الله تعالى الكونية العامة يعتبر طريقاً إلى العلم بسنن الله الخاصة في المجتمع البشري ومعرفة تقلبات الحياة به، ومعرفة تطوره، ومعرفة عوامل هذا التطور، ومعرفة مدى سلطان السنن الإلهية على هذا المجتمع، لأن العلم بهذه السنن عامة وخاصة هو القيم على توجيه الحياة وتصريفها بما وضع الله في خصائصه من طاقات لتصوير الظواهر الكونية ودوافعها القريبة أو البعيدة، وهذا العلم بالسنن الإلهية هو الذي وضع المجتمع الإسلامي في مكان الصدارة من الحياة يوم أن كان العلم بأوسع معانيه هو القائد لهذا المجتمع، فطاف آفاق السمات والأرض نظاراً باحثاً يستشف الحقائق الكونية من وراء السجف، يكشفها له القرآن ويهديه إلى أصولها.

يقول سيد رحمه الله تعالى في بيان أهمية السنن وتعهدها : “إن هنالك سنناً ثابتة لهذا الكون، يملك الإنسان أن يعرف منها القدر اللازم له، حسب طاقته وحسب حاجته، للقيام بالخلافة في هذه الأرض، وقد أودعه الله القدرة على معرفة هذا القدر من السنن الكونية، وعلى تسخير قوى الكون وفق هذه السنن للنهوض بالخلافة، وتعمير الأرض، وترقية الحياة، والانتفاع بأقواتها وأرزاقها وطاقاتها”.

إن الحديث عن السنن الإلهية يعد منارة للمسلم اليوم في ظلمات هذا العصر بما فيه من تعقيدات ومعضلات يكون فيها الحليم حيراناً، غير أن المسلم الواعي الذي يتعهد كتاب ربه بالقراءة والعناية والتدبر والفهم، هو وحده الوحيد القادر على أن يكون واعياً ومستوعباً لكل ما يجري في هذا الكون من أحداث.

يقول صاحب المنار رحمه الله : “إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سنناً، يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علماً من العلوم، لنستلهم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه، كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال، وقد بينها العلماء بالتفصيل عملاً بإرشاده، كالتوحيد والأصول والفقه، والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة، وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم، إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها، ومعرفة حقيقتها”.

فنحن مدعوون إلى العودة إلى هذه السنن ودراستها وتبيينها للناس في كل مناسبة حتى نخرج الناس من الاضطراب والحيرة، إلى عالم النور والهداية، والمسؤولية كبيرة على عاتق علمائنا اليوم أكثر من أي وقت مضى لاستلام هذا الدور والقيام به حق قيام، وإلا فنحن مقصرون أمام الله تعالى في خدمة هذا الدين العظيم.

والناس في تعاملهم مع السنن الإلهية صنفان، منهم من اهتم بها ودرسها وتعامل بها، ومنهم من غفل عنها ولم يدرك أهميتها، وبالطبع فهما ليسا سواء، يقول سيد : “وللكون والحياة والأحياء سنن ماضية لا تتخلف ولا تحابي، فمن اتبع هذه السنن أفلح وفاز، ومن حاد عنها ضل وخسر”.

المبحث الثالث : خصائص السنن الإلهية

تتميز السنن الإلهية بأنها من عند الله تعالى، ولأنّ الأمر كذلك فإنّ هذه السنن الإلهية تختص بخصائص تتناسب مع مصدرها، وسنن الله تعالى من منظور القرآن الكريم لها خصائص عديدة، فالناظر والمتفحص في آيات الله تعالى وسننه ومنهجه سبحانه في تسيير شؤون الكون، يرى أن هذه الخصائص لازمة لا تنفك عن هذه السنن تحقيقاً لعدل الله تعالى وحكمته وعظمته، وسأكتفي بذكر ثلاثة من هذه الخصائص، مستشهداً عليها بالدليل القرآني، مستعرضاً بعض أقوال المفسرين في الآية موضع الاستشهاد.

الخاصية الأولى : الثبات وعدم التبدل أو التحول

وقد اخترنا هذه الخاصية من قوله تعالى:  “سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً” – الأحزاب/62، وقوله تعالى : “فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً” – فاطر/43.

وهذا من تمام الحق، وكمال العدل، وعظمة التشريع، فالثبات صفة تتميز بها السنن فهي ثابتة لا تتبدل ولا تتحول، وعليه فيمكن القياس على نتائجها بالنظر إلى مقدماتها، فالمسلم مأمور أن يُعمل بصره وبصيرته في سير الأولين لتكون له العبرة، وهو مطمئن لثبات تلك السنن وبأنه يمكن له أن يستفيد منها في أيامه ومستقبله.

و (لن) في قوله تعالى تفيد النفي مع التأبيد، فيما يعني بالضرورة الثبات لهذه السنن، وليكون في ذلك زيادة في التأكيد : “أن الله لا يخالف سنته لأنها مقتضى حكمته وعلمه فلا تجري متعلقاتها إلا على سَنن واحد، والمعنى : لن تجد لسنن الله مع الذين خَلَوْا من قبل ولا مع الحاضرين ولا مع الآتين تبديلاً”.

وهذا الثبات يمكن أن نلحظه إذا ما استعرضنا سريعاً أحداث التاريخ وكيف كانت انتصارات الأمم السابقة، وكيف كان انهزامها، من خلال تعامل هؤلاء وهؤلاء مع سنن الله تعالى.

يقول سيد قطب رحمه الله في تعليقه على هذه الآية:  “وهكذا يربط نصرهم وهزيمة الكفار بسنته الكونية الثابتة التي لا تتبدل، فأية سكينة؟ وأية ثقة؟ وأي تثبيت يجده أولئك المؤمنون في أنفسهم؛ وهم يسمعون من الله أن نصرهم وهزيمة أعدائهم سنة من سننه الجارية في هذا الوجود؟ وهي سنة دائمة لا تتبدل”.

وعدم التبدل أو عدم التحول بمعنى واحد عند الرازي، والحكمة من التكرار كما يراها تتمثل في أن : “عدم التبديل يفيد حصول العلم بأن العذاب لا تبديل له بغيره، وأن عدم التحويل يفيد حصول العلم بأن العذاب لا يتحول عن مستحقيه إلى غيرهم”، فتكامل المعنيان.

فإذا اقتضت سنة الله تعالى نصر المؤمنين العاملين بمنهجه، والمنفذين أوامره، فإن هذه السنة ثابتة إلى أن يشاء الله تعالى لها ذلك، فهي بهذا ثابتة لا تتغير، وبالمقابل إذا اقتضت سنة الله تعالى معاقبة المجرمين والمفسدين في الأرض المتنكبين لشرعه تعالى، والعاصين لأوامره، فإن هذه السنة كذلك ثابتة لا تتغير، والعبرة دائماً بالعاقبة والخاتمة.

والذي يعنينا هنا أن نذكر أن الله تعالى لا يفرق بين المتماثلين كما أنه سبحانه لا يساوي بين المتناقضين.

والقرآن الكريم يضرب لنا الأمثلة من الأمم السابقة لتكون لنا نبراساً وهادياً في صياغة مستقبل الأمة وما يجب لها أن تكون عليه بين سائر الأمم، قال الله تعالى : “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” – النور/55.

وهكذا فإن سنن الله تعالى في الحياة ثابتة لا تتغير ولا تتحول، أما ما نلاحظه اليوم من علو أهل الكفر على أهل الإيمان فإن ذلك مرده إلى حكمة يريدها الله تعالى بنا بعد أن تركنا التمسك بالنهج القويم، وما أن نعود إلى كتاب ربنا، ونلتزم أوامره حتى تتحقق فينا سنته تعالى في تغيير هذا الوضع إلى الوضع الصحيح السليم، وهذه سنته سبحانه التي قد خلت من قبل وهي : “طريقة الله سبحانه وعادته السالفة في نصر أوليائه على أعدائه”.

الخاصية الثانية : حتمية الوقوع والنفاذ

وقد اخترنا هذه الخاصية من عموم قوله تعالى : “إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن” – آل عمران/47، وهذه الخاصية تنبني على ما سبقها، فقوله تعالى : “فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً” – فاطر/43، يقضي بأن هذه السنة متحققة لا محالة.

وسننه كما هو قضاؤه متحققة لا محالة، لأن السنن جزء من القضاء، ولا راد لأمر الله ولا لقضائه، ولن يستطيع البشر بكل ما أوتوا من قوة وجبروت أن يحولوا دون وقوع سنن الله تعالى وتحققها ونفاذها، فكل القوى أمام قوة الله لا شيء، “فوعده صادر عن إرادته الطليقة، وعن حكمته العميقة، وهو قادر على تحقيقه، لا راد لمشيئته، ولا معقب لحكمه، ولا يكون في الكون إلا ما يشاء”، “وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ” – الروم/6.

وسنن الله بهذا نافذة لا تتخلف، فحيث ما وجد مقدمات الأمر كانت نتيجته متلازمة معه، لهذا قص الله تعالى علينا قصص الأمم السابقة لتكون لنا عبرة وعظة، حتى لا نفعل مثل ما فعلوا فنهلك مثل ما هلكوا، بل يريد الله تعالى منا أن نأخذ بأسباب الحيطة والحذر أن يصيبنا ما أصابهم، وفيه إفادة أن الأمر متحقق الوقوع.

وقد بين الله تعالى في غير موضع من القرآن الكريم أنه من يعمل سوءاً يجز به، ومن يعمل خيراً يلاقيه، قال الله تعالى : “فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ” – الزلزلة/7-8.

ومفاد ذلك أن الجزاء والنتيجة متعلقتان بالمقدمة، “لأن الجزاء بحسب سنة الله تعالى أثر طبيعي للعمل لا يتخلف عنه، فسنة الله تعالى ثابتة ومطردة وعامة غير مقتصرة على فرد دون فرد ولا على قوم دون قوم، ولولا ثباتها واطرادها وعمومها لما كان هناك معنى في ذكر قصص وأخبار الأمم السابقة وطلب الاعتبار بما حل بهم، ولكن لما كان ما جرى لهم وعليهم يجري على غيرهم إذا فعلوا فعلهم، حسن ذكر قصصهم وطلب الاعتبار والاتعاظ بها”.

الخاصية الثالثة : الشمولية

وقد أخذت هذه الخاصية من عموم الآيات الكريمة التي تتحدث أن كل من يعمل شيئاً فهو ملاقيه إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ولا يستثنى من هذه القاعدة أحد، قال تعالى : “لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً” – النساء/123-124.

وهذه الخاصية تعني أن السنن الإلهية شاملة لكل البشر، لا تحابي أحداً على أي أساس ولا تستثني أمة من هذه القاعدة الكلية الشاملة، فسنن الله تعالى لا تنخرم، فهي عامة لكل من يقع في جانب من جوانب السنن الإلهية، فلا اعتبارات لفرد على فرد، ولا لأمة على أمة، ولا لجماعة على جماعة، فهي سنن مطردة، وهي بهذا تنطبق على كل أمة بما يناسب فعلها والتزامها بحيثيات تلك السنن.

وهذه قاعدة كبرى في الإسلام متعلقة في العمل والجزاء كما يصفها سيد رحمه الله عند تعليقه على الآية السابقة وهي : “أن ميزان الثواب والعقاب ليس موكولاً إلى الأماني، إنه يرجع إلى أصل ثابت، وسنة لا تتخلف، وقانون لا يحابي، قانون تستوي أمامه الأمم – فليس أحد يمت إلى الله سبحانه بنسب ولا صهر – وليس أحد تخرق له القاعدة، وتخالف من أجله السنة، ويعطل لحسابه القانون … إن صاحب السوء مجزي بالسوء؛ وصاحب الحسنة مجزي بالحسنة، ولا محاباة في هذا ولا مماراة”.

والشمولية من مقتضى العدل والحكمة، فلو انخرمت سنة من السنن لقوم دون غيرهم لصار ذلك مدعاة إلى الركون عن هذه السنن وبالتالي إلى عدم الاطمئنان إلى عموميتها وشمولها، أما والحال غير ذلك فإن الاطمئنان كل الاطمئنان والثقة كل الثقة، في هذه السنن بما يلبي الحكمة من معرفتها والعمل بمقتضاها، وقد ذكر الجمهور أن “لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجازى بعمله”.

والذي يؤكد شمولية السنن الإلهية أن الناظر في التاريخ البشري يجد أن ما انطبق على أمة أخذت بالسنن ينطبق على أية أمة أخذت بتلك السنن، بل إن الناظر في التاريخ يجد أن السنن لا تحابي أحداً، حتى المسلمون عندما يتنكبون هذه السنن فإنه مصيبهم ما أصاب غيرهم ممن تنكب تلك السنن، ولا أدل على ذلك ما حصل للمسلمين في غزوة أحد.

إذن فسنة الله تعالى عامة شاملة، لا تستثني أحداً ولا تحابي أحداً، بل : “إن الله تعالى ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة، فالباغي يصرع في الدنيا، وإن كان مغفوراً له مرحوماً في الآخرة، وذلك لأن العدل هو نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها عند الله تعالى من خلاق.

المبحث الرابع : العلاقة بين السنن الإلهية واستشراف المستقبل

ليس من التكرار الممل أن نذكر أن دراسة السنن الإلهية المستقاة من القرآن الكريم من الواجبات العظيمة التي ينبغي للدعاة إلى الله تعالى أن يلموا بها ويعرفوها؛ ليستفيدوا منها في تفسير الأحداث وبالتالي لتوظيف هذه المعرفة في استشراف المستقبل الذي ينبغي أن يكونوا عليه، على اعتبار أن هذه السنن تحدث وفق علم الله تعالى وحكمته التي جعلت للأحداث والمتغيرات سنناً لا تتبدل ولا تتحول، وهي متحققة ونافذة على العموم بحيث لا تستثني أحداً ولا تحابي أحداً.

والسنن الإلهية بما تتصف به من خصائص مرَّ بيانها، تمثل مادة غنية وأدوات لا بد منها لاستشراف المستقبل، فالمسلم إنما يستمد علمه من هذا القرآن الكريم، وهو بهذا المصدر، كما ذكرنا، الوحيد الذي يمتلك المصداقية في علومه ومعارفه، لأنه يستمدها من كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو بالتالي الأقدر والأصدق في التعبير عن استشراف المستقبل وفق ذلك كله دون ادعاء أو افتراء.

وعملية استشراف المستقبل كما بينَّا في موضعه، تعتبر عملية منظمة تبدأ من دراسة الماضي بكل ما فيه من أحداث وسنن، لتمر بالحاضر المعاش، لتقيم الأمة موقعاً بالنظر إلى ذلك، ثم هي مدعوة بأعمال البصر والبصيرة في استشراف المستقبل الذي تنشد، ولا تتم هذه العملية بالشكل الصحيح إلا إذا درسنا سنن الله تعالى فيما سبق من الأقوام، ونظرنا إلى التاريخ بعين الناقد البصير.

وعليه فإن دراسة السنن الإلهية تعتبر الخطوة الأساسية الأولى، ولا أقول الوحيدة، في سبيل استشراف مستقبل زاهر للأمة الإسلامية.

إن علماء اليوم مدعون كما يرى الإمام محمد رشيد رضا إلى إيلاء علم السنن الإلهية كل عناية ورعاية، وهم مدعوون لاستلام دورهم في صياغة المستقبل.

والسنن الإلهية من منظور القرآن الكريم تبعث كما ذكرت سابقاً في نفس المؤمن الطمأنينة والرضا، هذه الطمأنينة وذاك الرضى ينبعان من ثبات واطراد وشمول تلك السنن وجريانها بسنة لا تتبدل ولا تتحول، فيبقى المسلم منتظراً لوعد الله تعالى له إن هو أخذ بالأسباب وسار على تلك السنن، فيجاري هذه السنن، وينتفع بها ويستفيد منها ليقينه بأن الله تعالى لا يخلف وعده.

ومن الضروري أن نذكِّر بكلام الإمام سيد قطب في هذا المقام حيث قال : “فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف والأمور لا تمضي جزافاً، إنما هي تتبع هذه النواميس، فإذا هم درسوها، وأدركوا مغازيها، تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث، وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع، واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث، وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام، واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق، ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين، لينالوا النصر والتمكين، بدون الأخذ بأسباب النصر، وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول”.

إذن فالعلاقة وطيدة بين دراسة السنن الإلهية وعملية استشراف المستقبل، فإن المستقبل الإسلامي مرهون بحسن التعامل مع سنن الله تعالى في خلقه، ومرهون كذلك في حسن توظيف تلك المعرفة لصالح المشروع المستقبلي للعالم الإسلامي، وهذا وذاك منوط بحسن فهم آيات الله تعالى، وحسن تدبرها، وعبقرية الانطلاق منها إلى صياغة المستقبل الذي نريد ونحب.

يقول الإمام المراغي في تفسيره المعروف باسمه : “إن النظر في أحوال من تقدمكم من الصالحين والمكذبين يهديكم إلى الطريق المستقيم، فإن أنتم سلكتم طريق الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم، وإن سلكتم سبيل المكذبين فحالكم كحالهم”.

المبحث الخامس : أنواع من السنن الإلهية

عرفنا فيما سبق السنن الإلهية، واخترنا لذلك تعريفاً يخدم دراستنا ونراه الأقرب إلى موضوعنا، ثم عرفنا الاستشراف لغة واصطلاحاً ومن ثم بينا أهمية دراسة السنن الإلهية، وبعد ذلك استعرضنا عدداً من خصائص السنن الإلهية، ثم كان الربط بين السنن الإلهية وعملية استشراف المستقبل.

وسيكون حديثنا في هذا المبحث عن مجموعة من السنن الإلهية كأمثلة نقف عليها وندرسها بما يغذي دراستنا ويوضح لنا الطريق في كيفية توظيف هذه السنن في خدمة هدف هذه الدراسة.

والسنن الإلهية كثيرة ومتنوعة، وقد تخصص في السنن مجموعة من العلماء أشرنا إلى بعضهم في هذه الدراسة، وسنذكر ثلاثاً من السنن الإلهية كأمثلة نسوقها بين يدي الاستشهاد بها في كيفية توظيفها في خدمة عملية استشراف المستقبل، من باب أن السنن ثابتة ومتحققة وشاملة، وهذه السنن هي:

المطلب الأول : سنة الله تعالى في الأسباب والمسببات

ويجدر أن نعرف السبب عند حديثنا عن سنة الله تعالى في الأسباب والمسببات فنقول في تعريف السبب هو : “كل شيء يتوصل به إِلى غيره وكل شيء يتوسل به إِلى شيءٍ غيرِه وقد تسبب إِليه، والجمع أسباب وكل شيءٍ يتوصل به إِلى الشيءِ فهو سبب وجعلت فلاناً لي سبَباً إِلى فلان في حاجتي، والسّبب هو الحبل الذي يتوصل به إِلى الماءِ ثم استعير لكل ما يتوصل به إِلى شيءٍ”.

والسبب الحبل والطريق لأنك تصل به إلى ما تريد، وهو عند الزمخشري : “ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة”، وما ذكره أهل اللغة فيه غناء وكفاية، والزمخشري من أهل التفسير لأن كتب اللغة وأهل التفسير توافقوا على هذا المعنى.

أما عن سنة الله تعالى في الأسباب والمسببات فيزخر القرآن الكريم بالآيات التي تتحدث عن الأسباب وضرورة الأخذ بها والتعامل معها لتكون عبرة لأولي الأبصار، ومن هذه الآيات الكريمة، على سبيل المثال لا الحصر:

“إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً” – الكهف/84.

“الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ” – البقرة/22.

“يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ” – الأنفال/29.

“وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً” – الطلاق/3.

فسنة الله تعالى في الأسباب والمسببات تشغل مساحة واسعة وكبيرة بالنسبة للسنن الأخرى، بل إن السنن الأخرى تقوم كلها على سنته تعالى في الأسباب بصورة مباشرة أو غير مباشرة، “حتى لتبدو للمتأمل فيها كأنها من مفردات سنة الله في الأسباب وليست سنناً مستقلة، وكل السنن تبقى مع ذلك قائمة على سنة الله تعالى في الأسباب ومعتمدة عليها”.

أما أقوال بعض أهل التفسير في الآية الأولى موضع الاستشهاد، فهذه الآية الكريمة تتحدث عن ذي القرنين، الرجل الصالح الذي حكم الأرض بشرع الله تعالى حتى دان له المشرق والمغرب، فبأي شيء كان له ذلك بعد إرادة الله تعالى.

يعلمنا القرآن الكريم أن ذي القرنين أخذ بالأسباب وعمل جهده في سبيل تسخيرها للهدف الذي كلفه الله تعالى بتحقيقه، فها هو بعد أن أعطاه الله تعالى الأسباب، اتبع هذه الأسباب بالبحث عن كيفية توظيفها واستغلالها بما يحقق له هدفه، فتجد القرآن الكريم يقول معلقاً بعد أن آتاه الله تعالى الأسباب، بقوله، ثم أتبع سبباً.

يقول سيد قطب رحمه الله تعالى معلقاً على قصة ذي القرنين أنه : “النموذج الطيب للحاكم الصالح، يمكنه الله في الأرض، وييسر له الأسباب؛ فيجتاح الأرض شرقاً وغرباً؛ ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغى ولا يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق؛ ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه، إنما ينشر العدل في كل مكان يحل به، ويساعد المتخلفين، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل؛ ويستخدم القوة التي يسرها الله له في التعبير والإصلاح، ودفع العدوان وإحقاق الحق”.

ذلك هو بيان قوله تعالى، ثم أتبع سبباً، أي أن ذي القرنين وظف كل ما وهبه الله إياه من أسباب في خدمة هدفه وغايته، ومعناه عند الإمام الرازي : “أنه تعالى لما أعطاه من كل شيء سببه فإذا أراد شيئاً أتبع سبباً يوصله إليه ويقربه منه، وأنه إذا أراد بلوغ المغرب فإنه يتبع الأسباب التي توصله إليه حتى يبلغه”.

إن متابعة الأسباب والبحث عنها مدعاة إلى النجاح والوصول إلى الهدف المنشود، وها هو الزمخشري في كشافه يذكر أن ذي القرنين أتبع سبباً لكل غاية أرادها، يقول الزمخشري:  “فأراد بلوغ المغرب فَأَتْبَعَ سَبَباً يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق، فأتبع سبباً، وأراد بلوغ السدّين فأتبع سبباً”.

إن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعاً لا ينافي التوكل على الله بحال، ألم نقرأ قوله تعالى إلى مريم وهي في أضعف حالاتها، “وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً” – مريم/25، وهذا في حق العباد ظاهر ولازم في أن يبذلوا الأسباب للوصول إلى النتائج.

ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام نفيس في الأسباب، فهو يرى أن : “السبب المعين لا يستقل بالمطلوب بل لا بدَ معه من أسباب أخر ومع هذا فله موانع، فإن لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع، لم يحصل المقصود”.

وينبني على هذا أن المطلوب يحصل بتحقق جميع أسبابه، وانتفاء جميع ما يمنع من حصوله، والمسلم مأمور في ذلك أن يبذل كامل وسعه وجهده وطاقته لتوفير الأسباب وإبطال موانع حصولها، وتبقى بعد ذلك النتائج على الله تعالى، الحكيم الخبير العدل.

وسنة الله تعالى في الأسباب والمسببات أن جعل سبحانه لكل شيء سبباً، وعلى هذا لا يصح القعود عن العمل والإنجاز بحجة أن الله تعالى يفعل ما يريد وأن الإنسان لا ينفعه عمله ولا يضره تركه، بل إن المسلم مأمور أن يبذل الجهد والوسع كما ذكرت ثم بعد ذلك يحسن التوكل على الله تعالى، فإنه لا يصير في هذا الكون إلا ما أراد الله تعالى.

وهذه السنة شديدة الأهمية يستفاد منها في استشراف المستقبل، فأعجب ظاهرة في تاريخ الحياة البشرية، كما يراها سيد قطب رحمه الله، هي ظاهرة انبثاق أمة من خلال نصوص كتاب!، به عاشت، وعليه اعتمدت في الدرجة الأولى، ويمكن لهذه الأمة أن تعاود الانبثاق من جديد إن هي أحسنت التعامل مع نصوص الكتاب مرة أخرى، وإن هي عاشت به، واعتمدت عليه كما في المرة الأولى، وهي مؤهلة لذلك بكل ما أوتيت من هذا الكنز العظيم وبما حباها الله تعالى من الفهم السليم، والفطرة السليمة الصافية النقية.

ودراسة السنن الإلهية خير زاد لهذا الانبثاق وتلك الانطلاقة، فعندما ندرك أن الأخذ بالأسباب مدعاة لحصول الفوز والنجاح فنحن مطالبون بفعل ذلك إن أردنا الفوز والنجاح، وأيما أمة فهمت السنن الإلهية والتزمتها وتعاملت معها بجدية ويقين وأولتها العناية والرعاية المناسبة كان لها ما تريد وفق سنن الله تعالى الثابتة.

وفي هذا يقول الإمام الزحيلي في تفسيره المنير : “السنة في الماضين واللاحقين هي أن من سار على منهاج الطائعين المؤمنين الموفقين حظي بالسعادة والنصر والفلاح، ومن سار في طريق العصاة المذنبين كانت عاقبته خسراً ودماراً وهلاكاً، ففي أحوال المسلم أن من سار على الأصول المطلوبة والنظم العلمية والخبرات المعروفة في شؤون الزراعة والصناعة والتجارة وغيرها، نجح وظفر بمراده، وإن كان ملحداً أو وثنياً أو مجوسياً، وإن جانب المعقول، وخرج عن المألوف، كان من الخاسرين وإن كان صالحاً تقياً”، ثم يقول : “ومن سار في الأرض، وتعقب أحوال الأمم، وتدبر التاريخ، وعرف الأخبار، يجد مصداق تلك السنن الإلهية الثابتة، وهي الفوز لمن أحسن، والخيبة لمن أساء”.

إن الاستفادة من سنة الله تعالى في الأسباب تتمثل في دراسة الأسباب الموجبة للنهوض والنصر والتمكين، ورفض كل مفردات الهزيمة والنكوص والخمول، لينطلق منها إلى وضع برنامج عملي بعد حصر أسباب الغلبة والقوة والتمكين، من منظور القرآن الكريم ووفق هديه.

إن الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع الإيمان بالقدر، بل النشاط الحركي للانبثاق والانعتاق من الواقع لتغييره إلى واقع أسمى من حسن الفهم لهذا الدين، وما من أمة أخذت بأسباب القوة وحرصت عليها قولاً وعملاً، إلا كان لها مع القوة صولات وجولات، وما من أمة ركنت إلى الدعة، وتركت أسباب القوة إلا كان مصيرها الذل والهوان ولو تعدى تعدادها المليار.

وأكثر من ذلك فإن الاستعداد والإعداد يعتبر أمراً ربانياً، يحاسب المسلم إن هو قصر في تحصيله بما آتاه الله تعالى من وسائل وأساليب، وذلك ظاهر في قوله تعالى : “وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ” – الأنفال/60، وأعدوا هنا تفيد الأمر، والأمر للوجوب إلا إذا وردت قرينة تحوله من ذلك الحكم إلى حكم آخر، وحتى عدم قولنا بالوجوب العيني بالإعداد فإن الوجوب الكفائي يقضي بأن الأمة مقصرة في هذا الواجب إذا لم تقم ثلة منهم بالأخذ بهذا الأمر وتنفيذه، لتكون الهيبة لأمة الإسلام في قلوب عدوها إلى يوم القيامة، بل إن سيد قطب رحمه الله تعالى، يذكر أن : “الاستعداد بما في الطوق فريضة تصاحب فريضة الجهاد؛ والنص يأمر بإعداد القوة على اختلاف صنوفها وألوانها وأسبابها؛ ويخص رباط الخيل لأنه الأداة التي كانت بارزة عند من كان يخاطبهم بهذا القرآن أول مرة ولو أمرهم بإعداد أسباب لا يعرفونها في ذلك الحين مما سيجد مع الزمن لخاطبهم بمجهولات محيرة – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً”.

إن من حسن استشرافنا للمستقبل أن نعود إلى سنة الله تعالى في الأسباب من منظور القرآن الكريم، وضرورة أن نوظف هذه السنة الإلهية في صياغة أفكار عملية تساعد الأمة على النهوض، وتحررها من ذل التبعية للباطل، وبالتالي تعينها على استعادة دورها الريادي والقيادي في إدارة شؤون العالم.

المطلب الثاني : سنة الله تعالى في نصر المؤمنين وهزيمة الكافرين

النصر والهزيمة من عند الله تعالى نعمة وابتلاء وهي سنة يصرفها الله تعالى وفق علمه وحكمه وحكمته ولنا أن نقف على تعريف النصر والهزيمة لغة واصطلاحاً.

تعريف النصر لغة : “نصر : النون والصاد والراء أصلٌ صحيح يدلُّ على إتيان خَيرٍ وإيتائه، ونَصَر اللَّهُ المسلمين : آتاهُم الظّفرَ على عدوّهم، ينصرهم نَصْراً، وانتصر : انتقم، وهو منه؛ وأمَّا الإتيانُ فالعرب تقول : نصرت بَلَد كذا، إذا أتيتَه”، والنصر مأخوذ من الفعل الثلاثي نصر، والذي يعني كما جاء في اللسان : “إِعانة المظلوم، وقال الأزهري، يكون الانْتصَارَ من الظالم الانْتِصاف والانْتِقام وانْتَصَر منه انْتَقَم”.

وقد يأتي النصر في القرآن الكريم، ويراد به واحداً من هذه المعاني : “النصر بمعنى المنع، أو بمعنى العون، أو بمعنى الظفر، أو بمعنى الانتقام”، وأيا كان المراد من النصر فكلها محمودة ومطلوبة للمسلم وقد أرادها الله تعالى للمسلم وتكفل بها في سنته سبحانه في نصر المؤمنين.

أما الهزيمة لغة : “هزم : الهاء والزاي والميم أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على غَمْز وكَسْر، فالهَزْم : أن تَغْمِزَ الشيء، بيدك فَيَنْهَزمَ إلى داخل، كالقِثّاءَةِ والبِطّيخة؛ ومنه الهَزِيمة في الْحَرْب”، فهي مأخوذة من الفعل الثلاثي هزم، والهَزِيمةُ في القتال تعني كما جاء في اللسان : “الكسر”، ولم أجد فيما رجعت إليه من كتب اللغة من زاد على ذلك إلا تفصيلاً للكسر، والمراد به هنا، الكسر في القتال وهذا ما يعنينا هنا.

وإذا كان النصر في القرآن كما مر جاء ليخدم أربعة معان، وإذا قلنا أن الهزيمة تقابل النصر في المعنى أفدنا من ذلك أن الهزيمة تعني الاندحار والنكوص وهذه معان مذمومة أرادها الله تعالى للكافر ووعده إياها ضمن سنته الجارية في هزيمة الكافرين.

أما عن سنته تعالى في نصر المؤمن وهزيمة الكافر، فقد اعتنى القرآن الكريم بهذه السنة أيما عناية، لما لها من دور بالغ في بث الطمأنينة في قلوب أتباع هذا الدين، ولما لها من فاعلية في توجيه سير الإنسان الذي يلتزم بأوامر الله تعالى، وبالتالي الثقة المطلقة بالنصر الأكيد ولو بعد حين، والآيات في هذه السنة الإلهية كثيرة، نذكر منها:

“وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون” – الصافات/171-173.

“كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ” – المجادلة/21.

“وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ” – الروم/47.

“وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ” – الأنعام/34.

“إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ” – غافر/54.

“وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً” – الفتح/22.

والآيات الكريمة في نصر المؤمنين سواء كانت صريحة أم ضمنية، كثيرة جداً كذلك الآيات في سنة الله تعالى في هزيمة الكافرين وإهلاكهم، فهي أيضا كثيرة، أذكر منها:

“وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ” – الأنبياء/11.

“وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَما كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ” – يونس/13.

“وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ” – هود/117.

وسنقف على أقوال بعض المفسرين، في قوله تعالى:  “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ” – الروم/47، فأي طمأنينة وأي سكون يبعثه هذا الوعد الإلهي بالنصر في قلوب المؤمنين به، وأي قوة دافعة محركة دون خوف ولا وجل يشعر بها أتباع هذا الدين وهم يسمعون هذا الوعد الإلهي بالنصر وهم واثقون بربهم ومطمأنون بوعده؟ وتلك سنة الله مع عباده في كل زمان ومكان إن هم حققوا نصرة الله تعالى وكانوا خير خدم لدينه، والوعد مقرون بأن نكون على العهد مع الله تعالى، قال الله تعالى:  “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ” – محمد/7.

وليس أصدق من ذلك الوعد وعد، ومن أصدق من الله حديثاً، وعد المؤمنين به، المتمسكين بشرعه، المنفذين لأوامره، المجتنبين لنواهيه، بل وعد خلفاءه في الأرض، أن ينصرهم، وجعل نصره لهم حقاً عليه سبحانه، وهو سبحانه يفعل ما يشاء ويختار.

إنها سنة الله تعالى الثابتة في نصر المؤمنين، بل إن القرآن الكريم ليذكر أن الله تعالى : “يجمع في هذه الآيات بين إرسال الرياح مبشرات، وإرسال الرسل بالبينات، ونصر المؤمنين بالرسل، وإنزال المطر المحيي، وإحياء الموتى وبعثهم”.

يضيف سيد قطب رحمه الله تعالى : “وسبحان الذي أوجب على نفسه نصر المؤمنين، وجعله لهم حقاً، فضلاً وكرماً، وأكده لهم في هذه الصيغة الجازمة التي لا تحتمل شكاً ولا ريباً وكيف والقائل هو الله القوي العزيز الجبار المتكبر، القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير، يقولها سبحانه معبرة عن إرادته التي لا ترد، وسنته التي لا تتخلف، وناموسه الذي يحكم الوجود، وهذا الوعد بالنصر يترقبه المسلم بثقة ويقين”.

وفي قوله تعالى : “وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ”، يقول الزمخشري : أن هذا : “تعظيم للمؤمنين، ورفع من شأنهم، وتأهيل لكرامة سنية، وإظهار لفضل سابقة ومزية، حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم، مستوجبين عليه أن يظهرهم ويظفرهم”.

وعند الإمام الألوسي رحمه الله تعالى أن هذا الوعد : “فيه مزيد تشريف وتكرمة للمؤمنين حيث جعلوا مستحقين على الله تعالى أن ينصرهم وإشعار بأن الانتقام لأجلهم، والمراد بهم ما يشمل الرسل عليهم الصلاة والسلام، وظاهر الآية أن هذا النصر في الدنيا، وفي بعض الآثار ما يشعر بعدم اختصاصه بها وأنه عام لجميع المؤمنين”.

إذن فسنة الله تعالى في نصر المؤمنين لا تتخلف، فهي وعد من الله  : “وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ” – التوبة/111، بالطبع لا أحد.

على أنه يجب أن يعلم أن سنة الله تعالى في النصر قد تتأخر في المنظور البشري، ولكنها في علم الله تعالى تأتي على وقتها المناسب المحدد، الذي لا يصلح أن يكون في غيره، وعليه ينبغي للمسلم الواثق بوعد الله تعالى بالنصر أن لا يستعجل هذا النصر، بل عليه أن يحقق أسبابه ويعمل بمقتضاه ثم يترك الأمر لله يفعل ما يشاء ويختار.

وعلى أن يدرك المسلم أيضاً أن سنة الله تعالى ووعده بنصر المؤمنين، هو دعوة واضحة وبينة بأن للنصر أسباب ومقومات أولها الإيمان بالله تعالى وطاعته وطاعة نبيه، وليس آخرها الإعداد والاستعداد، والأخذ بالأسباب، بل إن بين هذا وذاك من التمحيص والابتلاء والمشقة والعنت، ما يجعل النصر فقط لمن يستحقه ممن ينجح في هذا الاختبار وذاك التمحيص  : “الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ” – العنكبوت/1-3.

إن النصر له أسبابه، كما أن للهزيمة أسبابها، فأيما أمة امتلكت الأسباب لأحدهما باءت بالنتيجة الحتمية لذلك، غير أن هذا الامتلاك للأسباب يقع في مقدور واختيار الأمم، ولهذا من سعى للعزة وسلك طريق النصر واستجمع أسبابه، استحق النصر من الله تعالى، وإلا باء بالثانية.

أما الهزيمة والهلاك للكافرين، فهذا مقرر من الله تعالى وفق سنة لا تتبدل ولا تتحول، يقول تعالى:  “وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ” – هود/117، ففي هذه الآية الكريمة بيان لعدل الله ومنته، وأنه سبحانه لا يظلم أحداً، فما كان ليعذب قوماً أو ليهلكهم وهم لا يستحقون هذا العذاب والإهلاك، حاشا لله.

إن مفهوم المخالفة في هذه الآية يفيد أن الله لا يهلك القرى المصلحة بل يهلك القرى التي استحقت هذا الإهلاك، وفي هذا يقول الإمام الرازي : “إعلم أنه تعالى بين أنه ما أهلك أهل القرى إلا بظلم”.

وسنة الله تعالى ثابتة في هزيمة الظالمين وإهلاكهم، ما دام أنهم طغوا وتجبروا وظلموا وأفسدوا، وهذه القاعدة جارية على كل الأمم، سواء كانت مسلمة أم كافرة، ذلك أن العدل أساس الملك ودوامه وسبب في عدم الاستئصال والهلاك، فلو أن أمة كافرة أقامت العدل بين رعاياها ولم يظلم بعضهم بعضاً لم تكن السنة جارية عليهم بالهلاك وهم على ذلك، والعكس صحيح، فلو أن أمة مسلمة انتشر فيها الفساد وغاب عنها العدل وانتشر الظلم بين أفرادها لجرت عليهم سنة الله تعالى في إنزال العذاب بالشكل الذي يقرره الله تعالى، وجاء في رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لشيخ الإسلام ابن تيمية أن : ” الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام”.

ولابن عاشور رحمه الله في تحريره وتنويره مثال على ذلك فهو يقول : “فلو أن قوماً غير مسلمين عملوا في سيرتهم وشؤون رعيتهم بمثل ما أمر الله به المسلمين من الصالحات بحيث لم يعوزهم إلا الإيمان بالله ورسوله لاجتنوا من سيرتهم صوراً تشبه الحقائق التي يجتنيها المسلمون لأن تلك الأعمال صارت أسباباً وسنناً تترتب عليها آثارها التي جعلها الله سنناً وقوانين عمرانية سوى أنهم لسوء معاملتهم ربهم بجحوده أو بالإشراك به أو بعدم تصديق رسوله يكونون بمنأى عن كفالته وتأييده إياهم ودفع العوادي عنهم، بل يكلهم إلى أعمالهم وجهودهم على حسب المعتاد، ألا ترى أن القادة الأوروبيين بعد أن اقتبسوا من الإسلام قوانينه ونظامه بما مارسوه من شؤون المسلمين في خلال الحروب الصليبية ثم بما اكتسبوه من ممارسة كتب التاريخ الإسلامي والفقه الإسلامي والسيرة النبوية قد نظموا ممالكهم على قواعد العدل والإحسان والمواساة وكراهة البغي والعدوان فعظمت دولهم واستقامت أمورهم وإن كان ذلك على الأقل في الظاهر”.

يقول الألوسي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية : “أي ما صح وما استقام بل استحال في الحكمة أن يهلك القرى التي أهلكها وبلغتك أنباؤها أو ما يعمها وغيرها من القرى الظالم أهلها، والمراد تنزيه الله تعالى عن ذلك على أبلغ وجه وإلا فلا ظلم منه تعالى فيما يفعله بعباده كائناً ما كان لما علم من قاعدة أهل السنة”.

فالله تعالى يفعل ما يشاء، ولا يقع منه ظلم سبحانه، ولا يسأل عما يفعل، ولكنه سبحانه يقرر سنة إلهية ليكون المؤمن في سكون وطمأنينة، وليكون الكافر في خوف ورعب، وتلك سنة الله تعالى.

سيد رحمه الله تعالى يعلق على هذه الآية الكريمة قائلاً : “إنها تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم، فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله، في صورة من صوره، فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير، فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تحق عليها، إما بهلاك الاستئصال، وإما بهلاك الانحلال والاختلال!

فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره، هم صمام الأمان للأمم والشعوب … وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره … إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله، واستحقاق النكال والضياع”.

نعم، إن مهمة المسلمين اليوم أن يبذلوا جهدهم في دفع الظلم والفساد، وليعذروا أنفسهم أمام الله تعالى في قول الحق والجهر به، دون خوف ولا وجل على دنيا تافهة، وعَرَض قاصر، وحتى ينقذوا أمتهم من أن يستحقوا العذاب والنكال والضياع.

وهذه السنة مفيدة في استشراف المستقبل، فعلى المسلمين اليوم أن يدركوا، أكثر من أي وقت مضى، أن للنصر أسباباً يجب عليهم أن يباشروها، وأنهم مؤاخذون إن هم قصروا في امتلاكها، وأن النصر إنما يكون مع الإيمان والعدل، ولا يكون مع الظلم والطغيان والقهر.

سنة الله تعالى في النصر للمؤمن تجعل المؤمن واثقاً بنصر الله تعالى، إن آجلاً أو عاجلاً، وهذا يجعله دائماً متيقظاً متأهباً، آخذاً بالأسباب كلها بحسب قدرته وطاقته، متوكلاً على ربه، واثقاً بنزول النصر، كما أنه يرى نزول القطر.

إن من يحمل مثل هذه الطمأنينة، ومن أهل نفسه للوعد بنصر الله تعالى لا ترهبه كل قوى الدنيا ولو اجتمعت، فهو متصل مع القوة العظمى التي لا تقف أمام قوتها أية قوة، تلك هي قوة الله تعالى، وشعار المسلم الذي يردده أبداً، إن الله لا يخلف الميعاد، وما النصر إلا من عند الله، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ونحن مدعوون، أيضاً اليوم، أكثر من أي وقت مضى لامتلاك أدوات النصر وأسبابه حتى يتغير حالنا ولنعين أنفسنا على تغيير الواقع المرير الذي تمر به أمتنا اليوم.

وكذلك فإن الظلم إذا حل بقوم فإن الهلاك الذي يقع بأهله لا يفرق بين صغير وكبير ولا بين صالح وطالح، بل إن العذاب هذا يكون كالنار التي تأكل ما تجده دون تفريق بين أخضر ويابس، ونحن مدعوون لمحاربة الظلم وأهله بكل ما أوتينا من قوة، لننقذ أنفسنا وأمتنا من أن تستحق غضب الله تعالى عليها بإنزال عذابه وعقابه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المطلب الثالث : سنة الله تعالى في التدافع والصراع بين الحضارات

بعد أن بينا فيما سبق سنة الله تعالى في الأسباب والمسببات، وسنته سبحانه في نصر المؤمنين وإهلاك الظالمين، يجدر بنا أن نركز على سنة ذات علاقة وصلة مباشرة بموضوع دراستنا إلا وهي سنة الله تعالى في التدافع بين الحضارات والصراع الأبدي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بين الحق والباطل، وقد قررنا مسبقاً بتوجيه من النصوص القرآنية أن الغلبة والنصر في النهاية ستكون للمؤمنين الذين استلموا راية خلافة الله تعالى في الأرض وعملوا وفق أوامره وطبقوا تعاليمه، واجتنبوا نواهيه.

إذن فسنة الله تعالى في الصراع، والتدافع ماثلة اليوم، وفي عصرنا، وهي تترتب على ما قبلها، فالتدافع بين الحضارات، وما يتبعه من غزو فكري ثقافي منظم، وما يراد للإسلام في هذا الصراع من أن يكون موجهاً لصالح الفكر الوضعي الجديد المنسلخ عن عقيدة الأمة، وبالتالي إلى تغييب الإسلام كدين حضاري عن عالم اليوم، في مجال الحركة والتطبيق، والاكتفاء بأن يكون على مستوى القناعة والشخصنة.

والتدافع من دفع : “الدال والفاء والعين أصلٌ واحد مشهور، يدلُّ على تنحيَة الشيء، يقال دَفَعْتُ الّشيء أدفعُه دَفْعاً، وَدافع الله عنه السُّوءَ دِفاعاً؛ وَالمدفَّع : الفقير، لأن هذا بدافعه عند سؤالِهِ إلى ذلك”، وفي اللسان : “الدَّفْع : الإِزالة بقوّة، وتَدَافَعُوا الشيءَ : دَفَعَه كلّ واحد منهم عن صاحبه، وتدافَع القومُ أَي دَفَعَ بعضُهم بعضاً”، “والمُدَافَعَةُ : المماطلةُ، واسْتَدْفَعْتُ اللَّهَ الأَسْواءَ، أي طلبتُ منه أن يَدْفَعَها عنِّي، وتَدَافَعَ القومُ، أي دَفَعَ بعضُهم بعضاً”، “وَدَفَعْتُ الْقَوْلَ رَدَدْتُهُ بِالْحُجَّةِ”، “وكل ذلك مشتقٌّ من أنّ بعضَه يدفَعُ بعضاً”.

ويمكن أن يُخلص هنا إلى أن الدفع فيه معنى المغالبة على أمر أو الصراع عليه بين اثنين، سواء كان بين شخص وشخص أو بين أمة وأمة، أو حتى بين حق وباطل، وبين خير وشر ليتقرر أحدهما ولو بالقوة، فهو : “صراع وقتال بين الناس”.

وما نقصده هنا هو الحديث عن هذه السنة الإلهية التي تقرر أن الصراع بين الحق والباطل قائم إلى أن يشاء الله تعالى، وأهل الحق مطالبون وفق هذه السنة أن يدركوا ما عليهم تجاهها فيما يفيدهم في إدارة دفة الصراع لصالح الحق الذي يحملون.

والآيات الكريمة التي تتحدث عن هذا الأمر متوافرة في هذا الباب وهي تشكل بمجموعها منهجاً للتعامل مع الآخر، وتوضح الطريق أمام المسلم ليكون على بينة من صراعه مع أعداء الحق والدين، ومن هذه الآيات :

“أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” – الحج/39- 40.

“تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ” – البقرة/253.

“وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ”-  الأنعام/112.

“وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ” – البقرة/250-251.

“إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ” – آل عمران/140-141.

ومن أقوال المفسرين في توضيح هذه السنة الإلهية، تعقيباً على قوله تعالى:  “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” – الحج/39- 40.

فالسنة الإلهية في التدافع واضحة هنا، أيما وضوح، ذلك أن الله تعالى قضى بأن التدافع سنة إلهية، وأن هذه التدافع لا بد منه ليبقى الصالح ويندثر الطالح، ليحيى من حي عن بينة، ويهلك بالتالي من هلك وخسر عن بينة، فلا ظلم يقع هنا ولا هناك، بل كل يجني حصاد ما اختار إن في صف الفائزين وإن في صف الخاسرين الخائبين.

والناظر في الآية الكريمة يرى ويحس بذلك الشعور الدافئ، وتلك الطمأنينة التي تسري في أعماق المسلم عندما يتلوها، وهي تبدأ بتقرير النصر على الذين ظلموا، وأن الله على هذا الوعد بالنصر لقدير، وتنتهي بتقرير القاعدة الكلية في أن الله تعالى ينصر من ينصره، وينصر من انحاز إلى صف المؤمنين، وسلك دربهم، وأن الله تعالى هو القوي العزيز.

يأتي هذا الوعد بالنصر أولاً، ثم يأتي تعقيباً، يأتي ذلك كله بعد أن قرر الله تعالى بداية أنه سبحانه يدافع عن الذين آمنوا، لتصب جميعها السكون والطمأنينة في قلب المؤمن فلا ترهبه قوة ولا يقف أمام نوره حاجز.

يقول سيد قطب رحمه الله تعالى : “إن قوى الشر والضلال تعمل في هذه الأرض، والمعركة مستمرة بين الخير والشر والهدى والضلال؛ والصراع قائم بين قوى الإيمان وقوى الطغيان منذ أن خلق الله الإنسان”.

ثم يقول : “وقبل أن يأذن لهم بالانطلاق إلى المعركة آذنهم أنه هو سيتولى الدفاع عنهم فهم في حمايته”.

“والصوامع أماكن العبادة المنعزلة للرهبان، والبيع للنصارى عامة وهي أوسع من الصوامع، والصلوات أماكن العبادة لليهود، والمساجد أماكن العبادة للمسلمين، وهي كلها معرضة للهدم على قداستها وتخصيصها لعبادة الله لا يشفع لها في نظر الباطل أن اسم الله يذكر فيها، ولا يحميها إلا دفع الله الناس بعضهم ببعض، أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها، ويعتدون على أهلها، فالباطل متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول”.

ويجيب سيد قطب رحمه الله تعالى عن الحكمة من تقرير الجهاد طالما أن الله تعالى ضمن أنه يدافع عن المؤمنين، وأنه لا محالة ناصرهم، فيقول : “والجواب أن حكمة الله في هذا هي العليا، وأن لله الحجة البالغة … والذي ندركه نحن البشر من تلك الحكمة ويظهر لعقولنا ومداركنا من تجاربنا ومعارفنا أن الله سبحانه لم يرد أن يكون حملة دعوته وحماتها من «التنابلة» الكسالى، الذين يجلسون في استرخاء، ثم يتنزل عليهم نصره سهلاً هيناً بلا عناء، لمجرد أنهم يقيمون الصلاة.

لقد شاء الله تعالى أن يجعل دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم كي يتم نضجهم هم في أثناء المعركة، فالبنية الإنسانية لا تستيقظ كل الطاقات المذخورة فيها كما تستيقظ وهي تواجه الخطر؛ وهي تدفع وتدافع، وهي تستجمع كل قوتها لتواجه القوة المهاجمة، عندئذ تتحفز كل خلية بكل ما أودع فيها من استعداد لتؤدي دورها؛ ولتتساند مع الخلايا الأخرى في العمليات المشتركة؛ ولتؤتي أقصى ما تملكه، وتبذل آخر ما تنطوي عليه؛ وتصل إلى أكمل ما هو مقدور لها وما هي مهيأة له من الكمال.

والأمة التي تقوم على دعوة الله في حاجة إلى استيقاظ كل خلاياها، واحتشاد كل قواها، وتوفر كل استعدادها، وتجمع كل طاقاتها، كي يتم نموها، ويكمل نضجها، وتتهيأ بذلك لحمل الأمانة الضخمة والقيام عليها”.

وفي هذا أيضاً إجابة عن التدافع القائم بين الحق والخير من جهة، وبين الباطل والشر من جهة ثانية، فالمطلوب من الجانب الخيّر أن لا يراهن على إيمان بلا عمل، وأن النصر في تدافعه محكوم بنتيجته لصالحه دون غيره، دون أن يبذل الأسباب، ويقدم كامل الاستحقاقات ليكون مؤهلاً لتنزل الحسم في هذا التدافع لصالحه.

ثم إن الإمام الرازي يذكر أن : “عادة الله جل جلاله أن يحفظ دينه بهذا الأمر”، ويقصد التدافع، وفي بحر العلوم : “أنه لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض بالجهاد و إقامة الحدود وكف الظلم؛ ودفع المشركين بالمؤمنين، لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين”.

ودفع الله بعض الناس ببعض، يكون : “بإظهاره وتسليطه المسلمين منهم على الكافرين بالمجاهدة، ولولا ذلك لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم، وعلى متعبداتهم فهدموها، ولم يتركوا للنصارى بيعاً، ولا لرهبانهم صوامع، ولا لليهود صلوات، ولا للمسلمين مساجد”.

إن أصحاب الحق ودعاة الخير مطالبون بأن يمتلكوا أدوات التدافع التي تضمن لهم أن يديروا دفة الصراع لصالحهم، دون الاعتماد على الكلام المفرغ عن العمل وبذل الجهد.

ويعلق الإمام أبو السعود في تفسيره على وعد الله تعالى بنصر المؤمنين، فيقول : “وعد لهم بالنصر وتأكيد لما مر من العادة الكريمة بالدفعِ، وتصريح بأن المراد به ليس مجرد تخليصهم من أيدي المشركين بل تغليبهم وإظهارهم عليهم، والإخبار بقُدرته تعالى على نصرِهم وارد على سننِ الكبرياء وتأكيده بكلمة التَّحقيقِ واللامِ لمزيد تحقيقِ مضمونِه وزيادة توطينِ نفوسِ المؤمنين”.

وهذا التدافع ضمن سنة الله تعالى يدفع الله به الأذى والخراب عن كل مظاهر الخير، من صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، يقول الشوكاني في تعليقه على هذه الآية : “والمعنى : لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض، وقيل : المعنى : لولا هذا الدفع لهدّمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد المساجد، قال ابن عطية : هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية”.

ولابن الجوزي رحمه الله تعالى في معنى الكلام قولان، أحدهما : أن معناه : “لولا أن الله يدفع بمن أطاعه عمن عصاه، كما دفع عن المتخلفين عن طالوت بمن أطاعه، لهلك العُصاة بسرعة العقوبة، قاله مجاهد، والثاني : أن معناه، لولا دفع الله المشركين بالمسلمين، لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المسلمين، وخربوا المساجد، قاله مقاتل”.

وأخيراً نستحضر قول الإمام النسفي في التدافع فيقول : “ولولا أن الله تعالى يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها من الحرث والنسل، أو ولولا أن الله تعالى ينصر المسلمين على الكافرين لفسدت الأرض بغلبة الكفار وقتل الأبرار وتخريب البلاد وتعذيب العباد”.

وتفيد هذه السنة في استشراف المستقبل، فقد اقتضت سنة الله تعالى أن يبقى الصراع والتدافع قائماً بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وأن الأيام في هذه الصراع وذاك التدافع دول بين الناس، ليميز الله الخبيث من الطيب، وليتقرر أن الزبد بكل عنجهياته وجبروته وما يبدو للعيان من كثرته وسطوته يبقى زبداً سرعان ما يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس وما خلق الناس من أجله، وهو الحق يمكث في الأرض صامداً، متحدياً كل أصناف الطواغيت على مر الزمان والمكان.

إن سنة التدافع والصراع تثير في نفس المؤمن مزيداً من المشاعر والشعور بالمسؤولية تجاه ما ينبغي عليه في واجبه نحو دينه وأمته، فهو مدعو لامتلاك أسباب النجاح والفوز، ومقدرات الحسم في تدافعه مع الباطل، وإلا كانت الغلبة للشيطان وأعوانه، ولفسدت الأرض وانتشر الظلم والطغيان، وهذا ما نرى بوادره في عالمنا اليوم، ويوجب على المسلمين أن ينهضوا من سباتهم الذي طال والذي آن له أن ينكشف، ليستلموا دورهم الذي أراده الله تعالى لهم.

إن النظر في سنة الله تعالى في التدافع وصراع الحضارات من منظور القرآن الكريم يجعل المسلم على بينة من أمره في استشرافه للمستقبل عندما يشعر ويعيش ذلك التدافع وهذا الصراع، ليدرك في المحصلة أنه هو من يملك زمام المبادرة في توجيه دفة الصراع والسير به نحو النصر والحسم، وبالتالي نحو المستقبل المنشود.

المسلم الوحيد في هذا الكون، بما يملك من إيمان بالله تعالى، وخصوصية بتلقيه العلم الرباني الذي لا ينخرم ولا ينثلم، ولا يأتيه الباطل ولا الخلل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيم حميد مجيد عالم قاهر ظاهر، أقول المسلم هو الفائز في النهاية، بما يملك من هذه الأدوات، وقبل ذلك وبعده بما حباه الله من معيته في أنه يدافع عنه، ووعده سبحانه له بالنصر والتمكين.

إن استشراف المستقبل من منظور هذه السنة يبدو واضحاً وجلياً من خلال متابعة نهايات صراعات الحضارات والتدافع الذي سطره القرآن الكريم، والتي اشتركت النهايات فيها جميعاً بأن كانت الغلبة، وكان النصر لمن كان مع الله تعالى.

ونحن مدعوون اليوم إلى أن نرجع إلى القرآن الكريم نستلهم منه الدروس والعبر فيما يخص سنة التدافع لنعرف ما علينا فعله حتى تكون نهاية أمرنا الفوز والنصر والخروج من مستنقع الذل والإهانة الذي يعيشه المسلمون اليوم بسبب ابتعادهم عن مصدر عزتهم وكرامتهم.

والعلماء معنيون، وبشكل أخص في استلام دورهم في إدارة هذا الصراع وتوجيه ذاك التدافع فهم الأقدر على مقابلة الحجة بالحجة، وهم الأنسب في مخاطبة أولي الأمر بالحكمة والبيان والموعظة والإحسان، ليضعوهم أمام مسؤولياتهم أمام الله تعالى أولاً، ثم أمام شعوبهم الذين سيسألونهم أمام الله تعالى عن تفريطهم في صياغة حياة العزة والكرامة لأمتهم، دون أن يكون العلماء بمنأى عن هذا السؤال وتلك المحاسبة.

على أنه يجب أن يكون في عقيدة كل مسلم أن الإسلام بكل مقوماته غالب لا مغلوب، وأن حسم الصراع لا محالة من نصيب هذا الدين، فلقد تعرض الإسلام إلى ضربات وتدافعات كثيرة وقاسية على المدى الضارب في التاريخ، إلا أنه كان يخرج من كل ذلك، وفي كل مرة منتصراً، لا تزيده الأحداث إلا تأكيداً وتقريراً بأنه الدين الخالد، وبالتالي فإن العودة إلى هذا الدين هو الضمانة الأكيدة على البقاء والاستمرار بكل عزة وقوة وفي هذا يقول الإمام سيد رحمه الله تعالى : “إن الإسلام هو الذي حمى الوطن الإٍسلامي في الشرق من هجمات التتار؛ كما حماه من هجمات الصليبيين على السواء، ولو انتصر الصليبيون في الشرق كما انتصروا في الأندلس قديماً، أو كما انتصر الصهاينة في فلسطين حديثاً، ما بقيت قومية عربية، ولا جنس عربي ولا وطن عربي … والأندلس قديماً وفلسطين حديثاً كلاهما شاهد على أنه حين يطرد الإسلام من أرض، فإنه لا تبقى فيها لغة ولا قومية، بعد اقتلاع الجذر الأصيل”.

الخاتمة :

إن استشراف المستقبل يقع على عاتق المسلمين جميعاً كل حسب الدور والجهد الذي يمكن أن يقدمه، وفي مقدمة ذلك العلماء الذي يحملون لواء هذا الدين ويبشرون به بين الناس.

إن المتأمل في آيات الله تعالى وسننه في هذا الكون ليدرك تلك الضرورة القصوى في جعل هذه الآيات الكريمة محلاً للدراسة والبحث، ليأتي جهدنا هذا من باب التنبيه والتذكير على دور السنن الإلهية في القرآن الكريم في استشراف المستقبل.

وكذلك، فإن السنن الإلهية في القرآن الكريم أعظم ما يمكن أن يرجع إليه من ينشد الحقيقة والنجاة، وأصدق ما يمكن أن يكون لمن أراد المصداقية والثبات.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s