التأثير الصوتي للقرآن الكريم

الدكتور عادل أبو شعر

مقدّمة

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

الحصريفهذا موضوعٌ مختصرٌ أتناول فيه الأثر الصوتيّ للقرآن الكريم على المستمعين له، المتذوّقين للطائفه، الغائصين في بحوره، ولا أبتدع فيه ابتداعاً من خارجه، أو أُحدث فيه ما ليس منه، فما كان لي أن أفعل ذلك، بل هو موضوعٌ ذَوقيٌّ لطيفٌ مستنبطٌ من الكيفية المنقولة إلينا بالتواتر، “فتأمَّل هذه الأسرار بقلبك، والحظها بعناية فكرك، ولا يزهّدنّك فيها نبوّ أكثر طباع الناس عنها، واشتغالُ المعلّمين بظاهر من الحياة الدنيا عن الفكر فيها، والتنبيه عليها، فإني لم أفحص عن هذه الأسرار … إلا قصداً للتفكر والاعتبار، في حكمته من خلق الإنسان، وتعليمه البيان، فإنه الخالق للعبارات، والمقدّر للإشارات، ألا له الخلق والأمر وهو اللطيف الخبير، فمتى لاح لك من هذه الأسرار سرّ، وكُشف لك عن مكنونها فكرٌ، فاشكر الواهب للنعمى، وقل رب زدني علماً”[i].

وقبل البدء لا بد من مقدّمة أساسية للموضوع عناصرها كالتالي :

القرآن الكريم وصلنا من طريقَين : صوتيّ منطوق، ورسميّ مكتوب.

التجويد : هو تلاوة القرآن بالكيفية المتلقاة من النبيّ صلى الله عليه وسلم، التي لقّنها صحابته رضي الله عنهم، فلقّنوها من بعدهم وهكذا إلى عصرنا هذا، وتفخر الأمة الإسلامية على جميع أمم الأرض بهذا النقل الصوتيّ للقرآن المجيد.

الترتيل : هو الترسّل والتبيين، قال تعالى : “وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً” – المزمل/4، أي بيّنه تبييناً، ونسب الله تعالى الترتيلَ إليه في موضع آخر، “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً” – الفرقان/32.

شرَح النبي صلى الله عليه وسلم معنى الترتيل المذكور في الآيتَين، ذكَر الإمام الحافظ أبو العلاء الهمذانيّ (ت 569 هـ) بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما، قال : “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ابن عباس، إذا قرأتَ القرآن فرتّله ترتيلاً، فقلتُ : يا رسول الله، وما الترتيل ؟ قال : بيّنه تبييناً، لا تَنْثُرْه نَثْر الدَّقَل[ii]، ولا تَهُذُّه هذَّ الشعر، قِفُوا عند عجائبه، وحرّكوا به القلوب، ولا يكوننَّ همُّ أحدكم آخرَ السورة”[iii]، والتبيين المذكور في الحديث يقتضي وضوح الحروف وإخراجها من مخارجها الصحيحة ومراعاة أحكام التجويد فيها على الكيفية المتلقاة من الحضرة الأفصحية النبوية صلى الله عليه وسلم.

ظواهر علم التجويد الصوتية مأخوذة من كلام العرب، قال سيبويه : “ولكنّ العباد إنّما كُلّموا بكلامهم، وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يَعْنون”[iv]، وتحدّث سيبويه عن مخارج الحروف وصفاتها وظواهر تجاور الحروف كالإدغام والإظهار بمثل ما يتحدث عنه المجوّدون، بل إن من أهل التجويد من عوّل عليه كالدانيّ في كتابه (التحديد في الإتقان والتجويد)، وعبد الوهاب القرطبي في كتابه (الموضح في التجويد).

عدد أصوات الحروف في العربية تسعة وعشرون صوتاً هي المادة الخام للغة، وهذه الوحدات الصوتية التسعة والعشرون تؤدّي كلّ أنواع النشاط اللُّغويّ شعراً ونثراً وتخاطباً عادياً، وتتشكل لتكوّن اللغة، إذ هي أصواتٌ يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم، كما يقول ابن جنيّ.

الآية هي الوحدة الترتيلية التي يتألّف منها النظم القرآنيّ، صرحُ المعجزة البيانية الإلهية[v].

الآيات القرآنية تستعمل اللُّغة بكلّ طاقتها التأثيرية والتعبيرية والخطية من أجل الوصول إلى المعنى، بمعنى أن القرآن يختار عبارته لسبك تركيبها ووضوح معناها، واتجاهها إلى الصراحة أو التلميح، ولمناسبتها للغرض إيجازاً وإطناباً، وحقيقة ومجازاً، ولحسن جرسها ثم لانسجامها مع أخواتها وبيئتها من السياق وتفضيلها بعض المفردات على بعض بحسب أهميتها، وهذا ما يخص النظم، ويتعلّق بحاسة الإدراك، وبحثنا يتناول الجانب الصوتيّ بشكل أساسيّ، وسيتناول الجانب الكتابيّ للقرآن الكريم في موطنٍ آخر إن شاء الله تعالى، وهكذا تتضافر كل هذه الطاقات لتصل رسالة الله إلى فؤاد المتلقي وسمعه وبصره.

التأثير الصوتيّ للقرآن الكريم :

استمع المشركون لهذا القرآن فسحَرهم بجرسه وفصاحته وبلاغته، وقال قائلهم : إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى.

هناك مؤثرات سمعية انطباعية ذات وقع تأثيريّ على الوجدان، تدركها المعرفة ولا تحيط بها الصفة، أي لا يعرف مصدر تأثيرها، وهذه المؤثّرات هي التي استعملها القرآن، وهي أحد أسباب رشاقة الأسلوب وارتياح النفس، وتتلخّص في : حكاية الصوت، والانسجام الصوتيّ الخاصّ، وفواصل الآيات، والمناسبة الصوتية، والانسجام الصوتيّ العام.

أولاً : حكاية الصوت، والمناسبة الصوتية :

حكاية الصوت : هي اختيار جرس الحرف المناسب للمعنى المطلوب، ومصطلح (الحكاية) قديم استعمله الخليل في العين، قال : “آه : حكاية المتأوّه في صوته، وقد يفعله الإنسان من التوجّع … فأخرج نفَسه بهذا الصوت لينفرج عنه ما به”، والمناسبة الصوتية : هي تجاور الحروف بانسجام صوتيٍّ متلائم وعدم تنافرها.

“وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا” – طه/108، إننا لو نظرنا إلى هذه الآية لوجدناها تحكي ذلك الجوّ المهيب يوم القيامة الذي تخشع فيه الأصوات، ولأجل تصوير هذا المشهد استُعملت حروف الهمس (فحثه شخص سكت) بكثرة في الآية، وهي حروف خفية لا وضوح لها في السّمع، والله أعلم.

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ” – التوبة/38، كلمتا : ” انفِرُوا” و “اثَّاقَلْتُمْ”، نلاحظ أن الكلمة الأولى تتألّف من ثلاثة مقاطع : الأول متحرّك فساكن مخفًى بغنة، والثاني والثالث متحرّكان، وهي في مجموعها تعني السرعة في الانطلاق خاصة مع الفاء والراء، أما الكلمة الثانية فتتألف من أربعة مقاطع صوتية كلٌّ منها متحرّك فساكن، فهي تصوّر معنى التباطؤ وشدة الانجذاب إلى الدنيا ومتاعها، وكان يمكن أن تستعمل كلمة : (تثاقلتم)، لكن هذا التشديد الذي استعمل في الآية قد أعطى ظلالاً أوفى للمعنى المقصود، والله أعلم.

“أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ” – يس/60، كلمة)أَعْهَدْ) اجتمعت في هذه الكلمة حروف ظاهرها التنافر وعدم الائتلاف في كلمة واحدة، وهي الهمزة والعين والهاء، إلا أن اجتماعها هنا مقصود لذاته، فهذا العهد بالابتعاد عن تزيين الشيطان وفتنته فيه ثقل على النفس، فاجتمعت هذه الحروف على ثقلها لتصور المعنى المقصود، كما أن هناك لطيفةً أخرى، وهو أن هذا العهد قديم يذكّرنا بالسبب الذي أخرج أبوينا من الجنة، فجاءت هذه الحروف وهي أعمق الحروف مخرجاً وأبعدها عن الفم لتصوّر ذلك العهد، والله أعلم.

“قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ” – يونس/35، كلمة (يَهْدِي) التشديد في الدال جاء ليبلّغ رسالة خاصة حول ملحظ استعمال الفعل بهذه الصورة هو أن هذا الشخص لا يهتدي بنفسه، وأنه يحتاج إلى من يقوده إلى الهدى، وكان يمكن أن يستعمل كلمة : (يهتدي) من غير تشديد، إلا أنها لن تؤدّي هذا الغرض كما أدّته الكلمة بهذه الصورة، والله أعلم.

“فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ” – الشعراء/94، كلمة : (فكبكبوا) تعني : وقع بعضهم فيها فوق بعض، كبّاً عنيفاً فظيعاً، فاستعمل لهذا المعنى الكافُ والباء مضاعفين، وهما من حروف الشدة التي ينحبس فيها الصوت انحباساً كاملاً مع مراوحة وتوازن بين الحركة والسكون، والله أعلم.

الخلاصة : حكاية الصوت والمناسبة الصوتية تستعملان للوصول إلى أغراض إيحائية تضيف إلى معاني الألفاظ أبعاداً إضافية ما كان لها أن تتحقّق لولا ما تحملانه من طاقة إيحائية تؤثر على وجدان السامعين، وهذه الطاقة الإيحائية تُعادِلُ الأخذ بالوجوه[vi] الذي يستعمله الخطيب لإفهام الحاضرين.

وما يستعمله الخطيب على المنبر من مؤثرات صوتية وحركية لا يجوز استعمالها في القرآن الكريم؛ لأنها من شأن لغة الخطاب، وقد رأيتُ بعض الناس يستعمل حركة اليد أثناء التلاوة، ويرفع صوته في مكان ويخفضه في مكان آخر، ويدعي أن هذه الحركات تزيد المعنى وضوحاً، وهي قراءة تفسيرية للنصّ، فإذا كان ما ادّعاه صحيحاً فلماذا لم يُنقل عنه صلى الله عليه وسلم ولا عن واحد من صحابته أنه استعمله في التلاوة؛ ذلك لأن هذا الاستعمال هو من شأن لغة الخطاب والأساليب التي اعتادها الناس في كلامهم وهذه يصيبها عوامل التغير والتطور اللّغويّ.

وقد نقل الصحابة رضي الله عنهم حديثَ النبيّ اليوميّ صلى الله عليه وسلم كحديث : “أنا وكافل اليتيم كهاتين” وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى، وحديث: “التقوى ههنا”، وأشار إلى صدره ثلاث مرات، لكنهم حين وصفوا تلاوته صلى الله عليه وسلم ذكروا بأنه كان يتخشّع ويتحزّن بها، ولعلّ في الآية الكريمة التالية ما يدلّ على هذا المعنى، “لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ” – الحشر/21.

ثانياً : الانسجام الصوتيّ الخاص :

وينقسم إلى :

انسجام صوتيّ خاصّ متوازن بين الحركات والسواكن غير موزون بأوزان الشعر.

انسجام ترتيليٍّ خاصّ ناشئ من مراعاة أحكام التجويد كالمدود والغنة والإدغام، غير جار على صنعة الغناء.

أمثلة من الانسجام الصوتيّ المتوازن بين الحركات والسكون

“الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ” – الحاقة/1-3.

“فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى” – النازعات/34.

“فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ” – عبس/33.

“الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ” – القارعة/1-3.

لو تأملنا الآيات السابقة لوجدناها تشترك في موضوع واحد هو هول يوم القيامة، فكان من المناسب جداً استعمال حروف التفخيم (القاف والطاء والصاد والخاء)، بخلاف ما لو استعمل غيرها، أضف إلى هذا المدَّ الطويل اللازم الذي يمدّ بمقدار ست حركات عند أهل التجويد؛ ليُعمِل الإنسان فكره في هذا اليوم، لكنّ الروعة تكمن في التوازن بين الحركة الطويلة (المدّ) والسكون المشدّد المفاجئ، ثم التنفيس بحرف الهاء في أواخر الكلمات، والله أعلم.

“وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ” – فاطر/37.

كلمة : “يَصْطَرِخُونَ” استعمال صيغة الافتعال تدلّ على شدة الصراخ والصياح، وكان من المناسب لهذا المعنى استعمال حروف التفخيم الصاد والطاء والخاء، وكذا التوازن المنسجم بين الحركة والسكون في الآية؛ فهذه الكلمة تتألف من خمسة مقاطع صوتية : متحرك فساكن، ثم أربعة متحركات بينهما متحرّك بحركة طويلة، ليدلّ المدّ الطبيعيّ في هذه الآية على الصراخ الممتدّ المتصل من هؤلاء، والله أعلم.

“ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ” – الواقعة/51-52.

تأمّل كلمة : “زَقُّومٍ” كيف جاءت لتصوّر طعام الضالّين المكذّبين، الزاي صوت رخوٌ، والقاف صوت شديدٌ ينحبس فيه الصوت انحباساً كاملاً ومخرجه قريب من البلعوم، والميم صوت شديد في أصله أنفيٌّ يخرج بإطباق الشفتين، ويكمن التأثير بالإضافة إلى جرس الحرف في الانسجام بين المتحرّك الرخو والمشدّد الشديد ثم المدّ، وهي توحي بأن ثمرة هذه الشجرة تستعصي على البلع ويطول استعصاؤها بإيحاء تشديد القاف وطول الواو وإطباق الشفتين في الميم.

وهذا الطعام المستعصي ذُكِرت ماهيّته في آية كريمة أخرى، قال تعالى : “إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا” – المزمل/12-13، والله أعلم.

“مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ” – الناس/4-5.

كلمتا : “الْوَسْوَاسِ” و “يُوَسْوِسُ” يتكرّر فيها حرف السين، وهو من حروف الصفير التي تجري في مجرى ضيّق بين طرف اللسان والأسنان الأمامية، وهو أيضاً من الحروف الخفية المهموسة، وهي توحي بأساليب الشيطان الخفية وخداعه لبني آدم، كما أن التوازن بين المتحرك والساكن في الآيات يوحي بالصراع المستمرّ بين الإنسان والشيطان، لا تنقضي معركة حتى تبدأ معركة أخرى، والله أعلم.

أمثلة من الانسجام الترتيليّ الخاصّ الناشئ من مراعاة أحكام التجويد في التلاوة :

وهي دراسة ذَوقية لطيفة تبحث في أثر مراعاة أحكام التجويد على وضوح معاني الآيات.

“اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ” – الأنبياء/1.

مراعاة قلقلة القاف في كلمة : “اقْتَرَبَ” يوحي بعنصر المفاجأة مع هولها وسرعة الاقتراب، ومراعاة الإدغام بغنة بين التاء المنونة والميم بعدها مع تطويل زمنها في قوله : “غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ” يوحي بأن البشر غافلون لمُدَدٍ وآجال طويلة وليس لمدد قصيرة، والله أعلم.

“وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ” – فاطر/12.

إن استعمال الغنن المخفاة المتكررة مع تطويل زمنها في الماء العذب الفرات السائغ الشراب يوحي بالاستطعام لهذا الماء وتذوق عذوبته، بخلاف الماء المالح الشديد الملوحة التي جاءت فيه الكلمة مظهرة سريعة استعمل فيها حرف الجيم وهو من الحروف الشديدة ليدل على شدة الملوحة وعدم الاستطعام، والله أعلم.

“أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ” – النساء/78.

استعمال الإدغام المتماثل في كلمة : “يُدْرِكُّمْ” بعد المدَّين الطبيعيَّين في كلمة : “تَكُونُوا” توحي بأن الإنسان يكون سائراً في دنياه منشغلاً بأعماله، والموت قريبٌ منه لا ينتظره، فلا يجده إلا أمامه، فجاء إدغام الكافَين موحياً بعنصر المفاجأة، والله أعلم.

“غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ” – الفاتحة/7.

المغضوب عليهم في القرآن هم اليهود، وهم شرذمة قليلة العدد بخلاف الضالّين فهم كثيرون من النصارى والمجوس والكفار ومن ضلَّ من المسلمين، ولذلك جاءت كلمة : “الْمَغْضُوبِ” بمدٍّ طبيعيّ يوحي بقلة عددهم، أما كلمة : “الضَّالِّينَ” فجاءت بمدٍّ لازم مقداره ست حركات ليوحي بكثرة هؤلاء الضالّين ووفرة عددهم، والله أعلم.

“فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ” – القارعة/6-9.

الإخفاء مع تطويل الغنة في : “مَنْ ثَقُلَتْ” توحي بثقل الأعمال الصالحة التي أدّت إلى العيشة الراضية، والإدغام المحض الكامل في : “عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ” يوحي بالتصاق الرضا بالعيشة التي سوف يحياها المتقون، وبأن الرضا لن ينفصل عنهم ولن ينفصلوا عنه، والإظهار في : “مَنْ خَفَّتْ” يوحي بسرعة محاسبته وإلقائه في الهاوية، والميم المشددة مع الغنة في : “فَأُمُّهُ” يوحي بطول العذاب وهوله.

ثالثاً : الفاصلة القرآنية :

الفواصل القرآنية : هي التي تقسّم سياق النصّ إلى وحدات أدائية منفردة، وهي تتفق غالباً مع كمية النفَس لدى الفرد، ونعني بها نهاية الآيات، ومن فوائدها التأثيرية أن لها قيمة صوتية مهمّة تراعى في كثير من آيات القرآن، ولعلّ من مهامّ التقديم والتأخير في الآية الانتفاع بجرس اللفظ.

“فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ” – البقرة/88، “فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً” – النساء/46.

“قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى” – طه/70، “قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ” – الشعراء/47-48.

لو تأملنا المجموعة السابقة من الآيات لوجدنا الفواصل في كلّ آية تتناسب مع ما يجاورها من الآيات في سورتها، فآيات سورة البقرة تنتهي غالباً بالواو والنون أو بالياء والنون “يُنفِقُونَ”، “الْمُفْلِحُونَ”، وآيات سورة النساء تنتهي غالباً بالألف “رَقِيبًا”، “كَبِيرًا”، فكان من المناسب تغيير الفاصلة لتتناسب مع أخواتها، وهكذا الحال بين آيتي طه والشعراء.

ومما يدلّك على العناية بالفاصلة القرآنية، وأنها تجتلب اجتلاباً قوله تعالى : “فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُون” – البقرة/87، فسياق الآية يدل على أنه لما تقدّم قوله : “فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ” كان السياق يقتضي أن يقول : (وفريقاً قتلتم)، إلا أنه استعمل كلمة : “تَقْتُلُون” تقديماً وتأخيراً لينتفع بجرس اللَّفظ وليكون متناسباً مع ما يجاوره.

وهناك سؤالٌ أخير في هذا المقام : هل تعطي الفواصل القرآنية قيمة معنوية إضافة إلى قيمتها الصوتية ؟

نعم رأينا ذلك في قوله تعالى : “مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى” – الضحى/3.

لاحِظ أنه جاء بالفعل والفاعل والمفعول به في قوله : “مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ”، أما في الفعل الثاني فنلاحظ أنه حذف الفاعل والمفعول به، واكتفى بالفعل : “وَمَا قَلَى”، وكان السياق يقتضي أن يقول : (وما قلاك ربك)، فهل مراعاة الفاصلة فقط هو السبب ؟ لا .. إن استعمال الفعل : (ودّع) يأتي للمحبوب، فمن ذلك قول الأعشى :

ودّع هريرة إن الركب مرتحل      وهل تُطيق وداعاً أيها الرجل

فلا بأس من ذكر الفاعل والمفعول به دليلاً على الرّعاية والحبّ، أما الفعل : (قلى) فهو للهجر والبغض، وما واجه الله نبيّه بذلك، يعني : لم يقل له : (وما أبغضك)، لما في هذه الكلمة من جرح المشاعر. وباب الحذف في العربية باب عظيم جعله عبد القاهر الجرجاني كالسّحر، وهكذا تعطي الفاصلة قيمة معنوية إضافة إلى قيمتها الصوتية.

رابعاً : الانسجام الصوتيّ العام :

نعني به الانسجام الصوتيّ العام في آيات السورة، بين كلّ ما تقدّم من حكاية الصوت والانسجام الصوتي الخاص بين الحركة والسكون ومراعاة أحكام التجويد، ورعاية الفاصلة، وكذلك كيفية الانتقالات من موضوع إلى موضوع، وله خصائص نذكرها فيما يلي :

خصائص الانسجام الصوتي العام[vii]

أداة للتنبيه والمفاجأة والإثارة :

“الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ” – الحاقة/1-3

ثلاث موجات متعاقبة تكبر وتتسع متصاعدة في طولها ومدودها، وتتصف كلّ واحدة منها بالتشديد والمدّ في وسطها مع هذه الاستفهامات المتوالية المشوقة لمعرفة الجواب.

التصوير الصوتيّ الموازي والمقارن للتصوير التعبيريّ :

“وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا” – العاديات/1-5.

الآيات الثلاث الأولى قصيرة سريعة متساوية في الطول وفي الوزن والنغمة، وتتألّف كلّ واحدة منها من الكلمة الأولى المشتملة على مدَّين والثانية لا مدّ إلا في آخرها، وفي كلٍّ منها تصوير لارتفاع الخيل ثمّ هبوطها واصطدامها بالأرض، وتأتي الآيتان الأخيرتان لتصوّر بانعدام المدّ فيها وتوالي الحركات سرعة جري الخيل وتتابع حركاتها حتى تصل إلى هدفها “فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا” – العاديات/5.

التناسب مع الموضوع والفكرة شدة وليناً وسرعة ومكثاً :

قاعدة : الجرس القوي والنغمة الشديدة تناسب شدة الصورة والفكرة، والجرس الهادئ والنغمة الناعمة تناسب المشهد الحلو الجميل والصورة المحبّبة.

إذا كان الحديث عن يوم القيامة وهولها وتعاقب أحداثها تقصر الآيات في الغالب وتكثر فيها حروف التفخيم (خُصَّ ضَغْطٍ قِظْ) والحروف التي تمتدّ معها النغمة (رُم نَوَالي)، وتأمل الآيات التالية :

“فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ” – القيامة/7-10.

“إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا” – النبأ/17-20.

إذا كان الكلام دعاء جاءت المدود في الغالب التي تكسب النغمة هدوءاً وطولاً وتُصوِّر التأمّل العميق والنداء المستغيث، وتأمل الآيات التالية، التي تتحدث عن زكريا عليه السلام تجد فيها أعلى درجات الذل والانكسار بأسلوب صوتي تأثيريّ بالغ.

“كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا” – مريم/1-6.

تنوع نغمات الآيات طولاً وإيقاعاً وفاصلة :

فقد تتماثل الآيتان وتتساويان :

“إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ” – الغاشية/25-26.

وقد يكون توازن الآيتين مع اختلاف الفاصلة :

“وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ” – الصافات/ 117-118.

وقد تتوالى الآيات كموجات متساوية متتابعة :

“فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ” – الواقعة/28-30.

وقد تتسع الآيات وتطول في تتابعها :

“وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى” – الضحى/1-4.

وقد تتنوع الآيات طولاً وتتفق فاصلة وتختلف فيتألف من مجموعها قطعة رابعة :

“وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ” – الطور/1-11.

الخلاصة :

الانسجام الصوتيّ في القرآن والجمال الترتيليّ الداخليّ له مع مراعاة التناسب بين نوع النغمة وصفاتها، والفكرة أو الموضوع أو المشهد الذي تعبّر عنه الآيات هو أحد الأسباب في العدول في كثير من الآيات عن طرائق التركيب والتأليف المعتادة في الكلام، وعن الاستعانة بمؤثرات خارجة عن نظامه الصوتيّ حسّية كانت أو حركيّة أو صوتيّة.

مراجع المحاضرة :
إعجاز رسم القرآن وإعجاز التلاوة لمحمد شملول، دار السلام للطباعة والنشر، مصر، ط1، 1427 هـ – 2006 م.
البيان في روائع القرآن لتمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 1413 هـ – 1993م.
دراسة أدبية لنصوص من القرآن لمحمد المبارك، دار الفكر ، ط4، 1392 هـ – 1973م.
الزيادة والإحسان في علوم القرآن لابن عقيلة المكي (ت 1150 هـ)، مركز البحوث والدراسات، جامعة الشارقة، ط1، 1427 هـ – 2006 م .
[i] اقتباس من نتائج الفكر لأبي القاسم السهيليّ ( ت 581 هـ ) .
[ii] الدّقَل : التمر الرديء .
[iii] انظر : التمهيد في معرفة التجويد لأبي العلاء الهمذاني ص 140 ، والدر المنثور 8/ 314 للسيوطي .
[iv] الكتاب 3/ 148 .
[v] محمد المبارك : دراسة أدبية لنصوص من القرآن ص 153 وما بعدها .
[vi] الأخذ بالوجوه : هو مصطلح استعمله الفارابي في الموسيقى الكبير وابن رشد في كتابه تلخيص الخطابة، ويعنيان به ما يستعمله الخطيب من مؤثرات صوتية وحركية لإفهام السامعين كرفع الصوت وخفضه، والإشارة باليد .
[vii] انظر :  دراسة أدبية لنصوص من القرآن للشيخ محمد المبارك ص 153.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s