ومضات من القلب 10

حديقة الحيوان في دمشق

دارا عبد الله

ومضات 1في عام 2008، دخلتُ لأوَّل مرّة في حياتي إلى حديقة الحيوانات في مدينة دمشق، الحيوانات مُعتقلة تقريباً، ووجوهها شاحبة، ومدراءُ الحديقة يشبهون كثيراً عناصر المخابرات، ولكن، المشهد الأكثر غرابة، كان مشهدُ الأسد في القفص، جسد الأسد قد تقلَّص وامتطّ، وتحوَّل تقريباً إلى جسد أفعى، وشعرهُ الكثّ المُزيِّت قد تحوّل إلى تواليت عمومي، على يد الأخوة العصافير (الحساسين والزرازير) التي تأتي لتقضي حاجتها على (ملك الغابة) لطراوته ورخاوته، ورأسه الكبير كأنّه ركِّب تركيباً على هذا الجسد المنهك.

كان (ملك الغابة) منزوياً في حافّة القفص يراقب الناس مُرتعداً، كان المشهد أكبر انتهاكٍ لكرامة الطبيعة، الأسد، الحيوان الذي يحتلُّ مكانةً رمزيَّة، ويحترمه الجميع، من الفيل حتّى الذبابة في الطبيعة، تحوّل في (سوريا الأسد) إلى كائن مهمّش متعب وطفران، ويحاول الأطفال السوريون إطعامه الموز والشيبس والعصير الموجود في علبة هرميَّة تسمّى (المنجوس).

ولكن الإهانة الكبرى، والتحدي الحقيقي لهرميّة السلطة في الطبيعة (وهو أمر بحاجة فعلاً إلى دراسات وأبحاث من علماء الحيوان والطبيعة)، والذي لا يتحقق سوى في حدائق حيوان (سوريا الأسد)، هو أن يعيش كلبٌ في نفس القفص الذي يعيش فيه الأسد، الكلب كان مليئاً بالطاقة والنشاط والسعادة، ينبح 24 ساعة في وجه الأسد، الذي يراقب بألم هذه المهزلة التاريخيَّة.

أثناء وجودي في الحقيقة، قدم أحد العاملين في الحديقة، وهو يلبس كنزة داخليّة قطنيّة بيضاء مع شورت عسكري، حاملاً بيده كاسة شاي خمير، وهو يصور بموبايل (سامسونج) القفص، الأسد الذي كان أسداً، مع الكلب المبسوط، كان يقول : “ليث ولا، قوم وقف ولا”، حال هذا الأسد داخل القفص لحالها، كانت بحاجة إلى تدخل دولي وإنساني عاجل لإنقاذه من (سوريا الأسد).

صراخ بغير صوت

زكريا تامر

وقف أحد الحجاج العرب على جبل عرفات، ورنا إلى السماء متضرعاً إلى الله بصوت خاشع متهدج نابع من قلب يئن تحت جبال من الحزن ..

تضرع إلى الله أن يطيل أعمار الحكام العرب، فهم زينة الحياة الدنيا والربيع والخريف والصيف والشتاء، واختفاؤهم من الحياة يعني اختفاء العدل والحرية والزهد والتواضع الجم واحتقار المال ..

تضرع إلى الله أن يلهم الجيش الأميركي أن يرسل طائراته وصواريخه إلى سماء الأرض العربية لتخلص المدن والقرى من فوضى طرقها وقبح أبنيتها، ولتخلص الناس من حياة دكناء ليس فيها ما يسر ويغري بالبقاء ..

وتضرع إلى الله أن تكف الشمس عن الشروق كل صباح، فالظلمة تستر والنور يفضح ..

وتضرع إلى الله أن يزداد عدد السجون حتى يتاح لكل معوز الحصول على قوته اليومي من غير جهد يحول الصخور غباراً ..

وتضرع إلى الله مطالباً بأن تستمر الصحافة العربية في عدائها المر للنفاق والكذب ..

وتضرع إلى الله أن تصبح صفحات الكتب بيضاً من غير سوء متنكر يسمى بالكلمات ..

وتضرع إلى الله أن تختفي الفواكه واللحوم من الأسواق حتى لا ترى العيون ما يجلب الهم والغم والحسرة ..

وتضرع إلى الله أن يتزايد الحر في الفصول الأربعة حتى لا يضطر أي واحد إلى ارتداء الثياب وشرائها، وتتحقق المساواة في الشكل الخارجي بين الشحاذ والمليونير ..

وتضرع إلى الله أن تسير الأنهار إلى الوراء مقلدة بعض الناس، فلا مسوغ للاختلاف بينهما ما داما يعيشان على أرض واحدة ..

وتضرع إلى الله أن يتخلى التجار في الميادين السياسية عن مقتهم للمال، ويوافقون على بيع أوطانهم بأبخس الأسعار، ويصبح مالكها هو المسؤول الوحيد عن العناية بعقاراته البشرية والحجرية ..

وتضرع إلى الله أن تتابع الحرية انتصاراتها، وتنتقل من حرية التثاؤب إلى حرية التمطي إلى حرية التشاجر مع الزوجات ..

وتضرع إلى الله أن يرحم عباده، فتختطف أرواحهم وهم يشاهدون المسلسلات التلفزيونية المسلية ..

وكان الحاج العربي شديد الإيمان بأن تضرعاته ستحظى بمنصت لها لا يمهل ولا يهمل ..

ضمة، فتحة، كسرة .. وسكون

بسام بللان

أسوأ نصيحة أسداها بعض المعلمين لطلابهم، هي الهروب من جهلهم بحركات إعراب الكلمات، بتسكينها، لتصبح (السكون) لازمة كل حديث، ومنهج حياة.

لست هنا بموقع المدافع عن اللغة، ولا أدعي أنني تلميذ من تلامذة سيبويه أو الجرجاني.

أكثر الذين أخذوا بنصيحة (السكون)، هم المحررون الصحافيون في غرف الأخبار بمحطات التلفزة العربية، لذلك معظم التقارير الإخبارية التي يقرأونها تدخل آذان المشاهدين والمستمعين ساكنة أواخر الكلمات .. وبالتالي بلا وقع أو تأثير، وفي أحيان كثيرة تأتي ملتبسة المعنى والدلالة، لولا الصورة التي تنقذ الموقف أحياناً، عندما تسرق عين المشاهد بدلاً من أذنه، وهذا الأمر لا ينفع بالطبع في التقارير الإذاعية.

حركات الاعراب الأصلية في اللغة العربية معروفة، هي الضم والفتح والجر والسكون، والعلامات الفرعية، هي حروف الواو والألف والياء والنون، التي تستخدم للاستعاضة بها عن الحركات الأصلية في مواقع محددة.

أما لماذا نصيحة (التسكين) هي الأسوأ، ببساطة لأن الحركة هي جوهر الحياة وأساس تطورها على جميع الصعد.

السكون هو رديف الفراغ، والطبيعة لا يمكنها التعايش مع فراغ.

وعلى الصعيد الإنساني، السكون يشيع القلق .. والشخص القَلق هو بالضرورة متوتر، وبالتالي غير منتج، وقبل هذا وذاك هو مريض.

ثمة نقطة أخرى؛ إعتياد السكون إساءة كبرى لفهم الحياة، فالساكن لا يعرف فرقاً بين الناصب والمنصوب والرافع والمرفوع والجار والمجرور، وبالتالي يجهل تحديد موقع نفسه، ومعرفة إن كان فاعلاً أو مفعولاً به .. أو مبتدأ أو خبراً .. أو مضافاً إليه، بعد أن اكتفى بالعيش في فراغ السكون، كما لا يعرف دفء الضمة ولا وجع الكسرة، ويجهل أن الشخص الواحد من المحال أن يكون في جُمَلِ الحياة الكثيرة والمتنوعة في موقع ثابت، فهو تارة فاعل وأخرى مفعول به وثالثة مضاف ورابعة مضاف إليه .. إلخ، وهذا الجهل سيقوده بالضرورة لإساءة تقدير الذات؛ سواءٌ بالتضخيم، أو الانتقاص.

فمعرفة الإعراب وحركاته ليست مهارة لغوية فقط، وإنما مهارة حياتية أيضاً.

أمم وشعوب كثيرة تعيش اليوم تبعات سنين طويلة من الجهل بحركات الإعراب، والوقوع بفخ نصيحة (التسكين)، المشبوهة، وفي مقدمتهم العرب.

انزلوا إلى الشارع؛ أي شارع عربي، وراقبوا ما يجري من حولكم لتتأكدوا، اقرأوا الصحف .. استمعوا للإذاعات .. شاهدوا التلفزيونات .. اسمعوا خُطب الزعماء .. اقرأوا الإعلانات .. ادخلوا المولات .. والبقاليات .. وستجدون في جُلِّ ما ترونه البرهان تلو الآخر.

تعزية ملحد

د. أيمن خليل البلوي

توفي والد أحد الملحدين فأتى أصدقاؤه معزين فقالوا :

للطبيعة ما أعطت وللطبيعة ما أخذت .. وكل شيء عندها بالصُّدف …

لا قيمة لصبرك ولا طائل من جزعك، ولا تنتظر من أحد شيئاً، ولا قيمة لميت أو حي!!

ما نحن إلا حثالة كيميائية – كما قال الملحد ستيفن – زائلة لا محالة!!

كلنا كائنات وجدنا لنهلك .. وبعثنا من العدم وإلى العدم سنعود …

البقاء للأقوى والأصلح، فلو لم يكن أبوك فاسداً وضعيفاً لما مات ميتة القرود …

وستنتخب الطبيعة خيراً منه، ليسود النوع الأفضل …

عظّمت الطبيعة أجرك وشكرت سعيك …

ولتقرأ على أبيك صفحات من كتاب (أصل الأنواع) لداروين عسى أن يتطور بعد الموت …

نيشيكاوا والكلب

عبد الله المغلوث

في أمريكا، أذكر أنني ونحو 15 طالباً أجنبياً تكدسنا في شقة زميل ياباني، ودار بيننا حوار طويل حول العادات والتقاليد المختلفة في كل بلد، وسألنا مضيفنا (نيشيكاوا) قبل أن ننصرف من شقته أن نلقي قصيدة بلغتنا الأم.

وقد تبرع أحد الزملاء العرب بإلقاء قصيدة نيابة عنا نحن معشر الطلاب العرب في تلك الشقة، حيث كان يبلغ عددنا وقتئذ 5 من السعودية، والإمارات، ومصر.

وقد ارتجل صاحبنا بتصرف البيت الأول لقصيدة ابن الرومي التي هجا فيه حاجب الوزير :

وَجهُك يا نيشيكاوا، فيهِ طولُ            وفي وُجوهِ الكلابِ طُول

وحينما سأل نيشيكاوا صاحبنا عن معنى القصيدة .. أجابه بأنها تعني أن وجهك فيه ضوء لا يضاهيه سوى ضوء الشمس!

وقبل أن نفرغ من تقريع صاحبنا على اختياره وسلوكه اتصل به نيشيكاوا، الذي أدرك معنى البيت الحقيقي عن طريق أحد الزملاء، معبراً عن غضبه الهائل الذي طالنا أجمعين، حيث عاهد نفسه ألا يصادق عربياً طوال حياته بسبب قصيدة ابن الرومي التي رماها صاحبنا في وجهه.

الموقف السابق يعكس وجود خلل في سلوكياتنا،  هذا السلوك الذي لم ندرسه ولم نتعلمه، هذا السلوك الذي جعلنا نرتكب حماقات لا تغتفر، ففي دول العالم شرقها وغربها ووسطها يتعلمون السلوكيات أو ما يسمى : (Good manners and Right conduct)، ابتداء من الصف الأول حتى التاسع وفي مرحلة الثانوية يدرسون تعليم القيم، (Values Education)، وفي الجامعة الأخلاق (Ethics)، بينما نتجاهلها نحن.

سألني صديق سنغافوري سمع بقصة ابن جلدتنا مع نيشيكاوا : ألم تدرسوا الخصال الحميدة وحسن الأخلاق، (Good Manners)، في مدارسكم؟ ما قام به زميلكم حتى ولو كان على سبيل الدعابة سلوك غير مقبول خاصة أنه كذب في معنى القصيدة.

الإجابة المرة أننا لم ندرس هذه الأبجديات ولا نألفها.

لا أنسى الإحراجات التي تعرضت لها في بداية انتقالي للدراسة في أمريكا، فكان النادل والسائق والمعلم والسباك يتعاملون معي كطفل، فكلما أسدوا لي خدمة أو طلبت منهم شيئاً ونسيت أن ابتسم وأن أشكرهم كما ينبغي رددوا على مسامعي العبارة الشهيرة : ماذا عن الكلمات السحرية؟،(?What about the magic words) ، يقصدون بها : شكراً، أنا ممتن، من فضلك، أرجوك وغيرها.

هذه الكلمات لم تدخل قاموسنا إلا مؤخراً، لم تدخل إلا بعد أن بلغنا من العمر عتيا، وأرسينا قواعد هشة لعلاقاتنا مع الآخرين.

يجزم لي الطبيب محمد السليماني الذي يعمل في مستشفى خاص أنه يستطيع أن يكتشف الطفل العربي ولو من بين مئة طفل يلعبون في فناء كبير بسبب سلوكياتهم وليس بسبب هيئتهم.

ربما أطفالنا يشبهون أطفال اليابان وماليزيا والأمريكان لكن يختلفون عنهم في سلوكياتهم، يتعاملون مع الممرضات كالخدم، يضربونهن ويرفعون أصواتهم عليهن.

سألت مهندس بترول هولندياً تعرفت عليه خلال زيارة قام بها للسعودية استغرقت شهرين عن أبرز ما استوقفه خلال فترة وجوده بيننا فقال : “تعاملكم مع السائقين، شاهدت فتى يافعاً ربما يبلغ عمره عشر سنوات، يركل السائق بإلحاح، لفتني كهل يصرخ في وجه سائقه، أعتقد أن لديكم مشكلة”.

سيتفاقم الشعور السلبي تجاهنا إذا استمررنا في إهمال تقويم سلوكياتنا وعدم تدريس أدبياتها باكراً.

سينصرف نيشيكاوا ورفاقه عنا وسنبقى وحيدين، معزولين نردد قصائدنا الخوالي ونتهكم على بعضنا البعض !

ختاماً :  قال تعالى عن نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام : “وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ”، وقال عليه الصلاة والسلام : “إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق”،  وقال عليه الصلاة والسلام : “أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقاً”.

أكاد أجزم أننا لدينا أزمة أخلاق .. لا أزمة شهادات ..

أدب – قطوف

أندلسيات, أدب, قطوف, حديقة الحيوان في دمشق, دارا عبد الله, صراخ بغير صوت, زكريا تامر, جبل عرفات, ضمة فتحة كسرة وسكون, بسام بللان, تعزية ملحد, أيمن خليل البلوي, نيشيكاوا والكلب, عبد الله المغلوث,

Andalusiat,

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s