الأماكن الدمشقية في قصائد عدنان مردم بك

محمود أسد

شارع النصر 1889ذُكِرَ للشاعر الدمشقي (عدنان مردم بك) سبعَ عشرة قصيدة دمشقية في هذا الديوان الدمشقي الذي جمعه وشرحَهُ (محمد المصري)، وهي قصائد تتفاوت طولاً ولكنها تتّفق بتناولها مدينة دمشق، وهذا يدلُّ على حبِّ الشاعر لمدينته واهتمامه بجزئيات الأماكن فيها.

والشاعر عدنان مردم بك ولد في دمشق سنة 1917م، وقد عمل محامياً لمدة سبع سنوات، ومارس القضاء واعتلى منصباً هاماً، فأصبح مستشاراً في محكمة النقض والإبرام سنة 1962، وقد صدرت له عدّة داوين وعرف بالمسرحيات الشعرية، من دواوينه (صفحة ذكرى) (نجوى) (عبير من دمشق) نفحات شامية، ومن المسرحيات الشعرية (جميل بثينة) (غادة أفاميا) (العباسة) (الحلاج)، (مصرع غرناطة)، (رابعة العدوية)، توفي بدمشق سنة1981، فهو شاعر غزيرُ الإنتاج، له ديباجة شعرية أنيقة ترفرف بأجنحتها رقة العبارة ونقاء الصورة، وصدق التعبير والموقف.

هناك الكثير من الشعراء الذين وصفوا مدنهم وعبَّروا عن حبِّهم وشوقهم وتعلُّقهم بها، ولكنَّ الشعراء الذين تناوَلوا الجزئيات الطريفة قلّة، وشاعرنا واحدٌ منهم، أطول القصائد الواردة في الديوان الدمشقي (قصيدة دمشق) وأبياتها أربعة وخمسون بيتاً، وأقصرها قصيدة (أزقة دمشق القديمة) وأبياتها أربعة وعشرون بيتاً، وكلُّ القصائِدِ تُعْنى بدمشق بشكل مباشر، ولكنني أحببتُ التوقف عند القصائدِ التي تناولت جوانب طريفة، وصوراً جميلة تحيط بمعالم دمشق.

دمشق المعروفة بأزقتها وأحيائها وآثارها عبر التاريخ شدّت الشاعر إليها بحنان، وعبَّرَ عنها بدفءٍ واعتزاز، تسعفه نفسٌ شفَّافة وشاعريَّة مقتدرة على التصوير والتعبير، لأنه يملك عدسةً قادرة على التقاط الجوانب الخفية، والتي تخفي وراءَها الكثيرَ من الجمالِ والمعاني معاً، ولذلك نراه يسقط عليها من التاريخ ما يجعلها مرتبطة بالحاضر.

هذا شارع النصر المشهور في دمشق، حيث يتوسَّطها وتتمركز فيه أهم الأسواق والدوائر والمرافق العامة و عنه تتفرَّعُ الشوارع الهامة، يصفه الشاعر عبر شريط من الزمان :

تطاوَلَ في شاسعٍ ما بدا                 وحلَّقَ يشمخُ عبر المدى

صحائفُ تنشُرُها الذكرياتُ                فتثمِرُ من دونِهِ  عسجدا

و يُزْهِرُ ماضٍ على جانبيه                 توشَّحَ في سابغٍ وارتدى

ثم يلتفت إلى الحياة الجميلة النابضة في هذا الشارع :

مطافٌ بهِ للهوى والشباب                وما رفَّ من  حُلُمٍ  يُفتدى

تطوفُ الحسانُ بهِ يومَهنَّ                 وللشوقِ ما دبَّ أو ما عدا

ويعبَقُ  ثغرٌ بطيبِ  الوعودِ                فيحلو النداءُ ورجعُ الصدى

يدٌ بيدٍ  تلتقي عن  هوى                 وأخرى   لشوقٍ تهزُّ   يدا

ويستحضر الماضي المجيد لهذه المدينة العريقة :

فيبعث   ما  غابَ   من   غابرٍ            سحيقٍ  يطولُ  السُّها مَحْتدا

وتحسب (مروانَ) دون الحديد           جرَتْ تقنصُ المجدَ والسُّؤدَدا

بنَتْ شامخاً ملء عين الزمان            يُسِرُّ المحبَّ ويشقي العِدى

خيال     الأحبَّة    من   دونِهِ            يشيرُ    بمخْتَضَبٍ    مُنْشِدا

وتبعث   ما فات   من    غابر             سحيق    وتنشر   ما   بدِّدا

فالشارع مفكّرة للذكريات، وملهم لبثّ الأفكار، فيبدو متحرِّكاً في الزمان والمكان كما رآه الشاعر، وعلى مقربة من شارع النصر يبدأ سوق الحميدية، وهو سوق محاذ لحائط قلعة دمشق، ويمتدُّ من غربي الجامع الأموي شرقاً، إلى قرب القصر العدلي غرباً، وهو سوق تجاريٌّ مسقوف، تعرض فيه المصنوعات الدمشقية العريقة، وصفهُ الشاعر بثلاثةٍ وثلاثين بيتاً أحاطت به كما يحيط السّوارُ بالمعتصم، فقدَّمه مشعّاً مضيئاً يعجُّ بالحركة والحياة، وكأنه رئة دمشق ومتنفَّسُ أهلِها والوافدين :

عقدوا له زبرَ الحديد عمائماً              فمضى بقادمةٍ يحلِّق حالما

فهو يشير إلى سقفه ثم يتوقف عنده على مدى التاريخ :

تتقادم الدنيا على شَعَفاتِه               وتراهُ من غير الحوادث باسما

شابَتْ مفارِقُهُ ولم ترزَحْ لَهُ               قدمٌ ولم يطرِقْ برأسٍ  واجما

ثباته واستمرارُه ثبات لمدينة عريقة وشعب عنيد، ثم يصفه:

سوق تطاوَل كالصِّراطِ   ولم يكن                 وهو   الصراطُ  يَروعُ  يوماً  غاشماً

وسِعَ الجميعَ، وكلُّ شخصٍ جاءَه                 عادَ  المعافى   ظافراً   أو  سالما

وجدَتْ  به  زُمَرُ  الكواكبِ  منهلاً                  نَقَعَ الصدى وشفى الفؤاد الجاثما

ويصفه حديثاً وما به من إضاءة جميلة لافتة:

سوقٌ  بنارِ  الكهرُباءِ  تزيَّنَتْ              أطواقُهُ، فأهلَّ  يُشْرِق باسما

سطعَتْ  ثواقبهُ  بنورِ ثواقبٍ              تجلو الدجى، وتزودُ ليلاً قاتما

فُتنَ اللَّبيبُ به فخال  فؤادَهُ              من نشوةٍ  ممَّا  رآها   واهما

ما كان يدري ما يَضُمُّ رحابُهُ              وهي العريضةُ متجراً أم عالمَا

بهذه اللغة البسيطة والجملِ الانسيابية استطاع الشاعر أن ينقلنا معه إلى السوق تاريخاً وحاضراً، نبتاعُ ونشاهدُ وكأنَّنا معه، وهذه مقدرةٌ فنيَّة لا تتوفَّرُ لأيِّ شاعرٍ، ونمضي بصحبة الشاعر إلى أزقَّةِ دمشق القديمة، هذه الأزقِّة التي تروي حكاية تاريخ وشعبٍ، وتلخِّصُ عادات مجتمع، الحجارةُ فيه تسمع وتتكلَّم، تصحبك وتعطيك دفء المكان والذاكرة هذا ما يقوله الشاعر في قصيدته (أزقّة دمشق القديمة) :

للذكرياتِ  هواجسٌ  تَرِدُ                   ولواعجٌ في الصدرِ تحتشِدُ

سيرُ الجدودِ بكلِّ مُنْعَرَجٍ                   تزكو      بأعراف      وتَتَّقِدُ

وبكلِّ    زاويةٍ     مُعَلَّقَةٌ                   لبطولةٍ في السمع  تطَّرِدُ

تلك المعاهِدُ ملؤها عبَرٌ                   عن حصرِها يعيا بها العددُ

ثم يدعونا لصحبتِهِ وهو يتأمَّلُ هذه الأزقّة التي أوحت لَهُ بالكثير :

سَرَّحْتُ طرفي في جوانبها              والليلُ في الآفاقِ مُنْعَقِدُ

والصَّمْتُ  رانَ  بكَلْكَلٍ و خبا               ضوءٌ   نظيمُ  جمانِهِ  بَدَدُ

ثم يقول :

وعلى السماء من الدجى سحبٌ      جيَّاشةٌ  وعلى  الرُّبا زَبدُ

لا نأمةٌ   في   الحيِّ    تسمعها        من سامرٍ أو  واخدٍ  يخدُ

(النأمة : الصوت)، (وخد : أسرع).

ويبدو الانكسار على نفسِهِ وهو يتأمَّلُ من خلال ربطِهِ الماضي بالحاضر :

حتى النسيمُ لوى على ضَجَرٍ           جيداً، ونام الفيء، والبَرَدُ

فإذا    أرى    التاريخَ   قدَّ   يدٍ           ومواكبُ الأجدادِ تحتشد

هذه الأبيات تكشف شيئاً مما يكابده الشاعر وهو الذي أحبَّ دمشق على فطرتِها وطبيعتها دون أن تمسَّها يدُ التغيير المفاجئ الذي التهم كلَّ شيء وأباح للهدمِ أن يفعل ما يشاء وأينما كان.

نبقى بصحبة الشاعر، وهو يجول بنا في أزقّة دمشق القديمة، يلفُّهُ الظلام ويحضنه الليلُ كما حَضَنَ المدينة بعد نهارٍ من الصخب والضجيج الذي يقلق ويبعث فينا الضجر، وكأنه يقول لنا : لكلِّ قصيدة قصَّةٌ وبعدٌ نفسيٌّ وهذا ما أراه فقال :

عصف الليلُ في الفضاءِ البعيدِ           بغواشٍ ملْءَ البسيطة سود

وترامى  في  شاسع  كعُبابٍ            تترامى  أطباقُهُ  عن  وعيدِ

وقتام  الظلامِ  في كلِّ   أفقٍ            يتراءى     كبيرقٍ     معقودِ

واستكانَتْ دمشقُ تحت جناحٍ           لِظلامٍ  على  الورى ممدودِ

بسط الشاعر جناح مفرداته علينا، وهيَّأنا لتقبُّل هذا الظلامِ الذي قدّمته مفردات خاصةٌ، خيَّمتْ على القصيدة، ويميل الشاعر إلى المقارنات التي لا يطرحُها بشكل مجَّاني فلا تؤدِّي الغرض منها.

نَعمَتْ دونَهُ دمشقُ بفيءٍ                من ظلالٍ واستسلَمَتْ للهُجودِ

وتبارَتْ جحافِلٌ من   ظلامٍ                في  نزولٍ،  وتارةً   في   صعودِ

وتراءَتْ دمشقُ خلفَ نِقابٍ               من  جلالٍ   لغابرٍ   من   جدودِ

ويبرز الشاعر جمال دمشق في الليل، وهو ليل منشودٌ ومرغوب للمتعبين من عناء النهار.

تجدُ الليلَ في دمشق طريفاً            يَبْهَرُ العينَ بالطريفِ الجديدِ

فاحَ    طيباً    رداؤه     بأريج             أقاحٍ     وسوسنٍ     وورودِ

تجدُ   الصمتَ  ضارباً  بجرانٍ             دون ليلٍ أطباقُهُ  من حديدِ

ودمشق التاريخُ همسُ نشيدٍ           عبقريٍّ على شِفاهِ الخلودِ

يا بلادي  وما  ترابُكِ   عندي             برخيصٍ   ولم  يكن  بزهيدِ

علينا أن نغوص وراء السطور والقوافي لنرى جمالَ الشعر وعمقَ المعاني والقدرةَ على التخييل، الذي لا يتوارى عنَّا بعيداً، وها هو يأخذنا على ليالي دمشق في عام 1960، يرقِّصُ لنا بردى، ويحيي في نفوسِنا أجمل الذكريات عن الأيّام الخوالي لدمشق الوادعة : ص 96

مدَّ  الظلامُ  يِداً   مُخَضَّبَةً                 من عاصفِ الأشواقِ ترتعدُ

وحَبا يبُثُّ دمشقَ صبوتَهُ                  بلسانِ شوقٍ ليس يقتصدُ

ويقصُّ من أشواقِهِ سِيَراً                  لم  يحكِها  في  غابر  أحدُ

ويقترب منا أكثر ليريَنا دمشق المزدانة والمتوَّجةَ بالجمال والحسنِ:

لَبِسَتْ دمشق غُلالةً عجباً              أفوافُها  من  قاتمِ  زَبَدُ

نُشِرَت  حواشيها   مرفرفةً               وتجمَّعَتْ  وكأنَّها   زَرَدُ

راحت  دمشق به  مُجَلْبَبَة               في زاخرٍ والليلُ  يَطَّرِدُ

كسفينةٍ  بالقار  قد طُلِيَتْ                يرمي بها الأنواءُ والبردُ

وما أجملَ هذه الصورة لدمشق الحالمة الجميلة التي أحسن الشاعر صياغتها، وألبسها رداءً من الصور الحيَّةِ:

ألقَتْ دمشقُ يداً على كتفٍ             للَّيلِ  واشتبكتْ   يدٌ   ويدُ

وغفَتْ بحضن الليل  حالمةً              وكأنَّها   في   حضنِهِ   ولدُ

قلبان شفَّهما  الجوى زمناً               في قلبها الوجدُ الذي يجد

ترنو إلى الماضي فيُطْعِمُها               ماضٍ   أغرُّ   وصارِمٌ    فَرِدُ

والليلُ ضمَّ  يديهِ  في  وَلهٍ               ضمَّ الرؤومِ  لها  جسٍ يفِدُ

شاعِرُنا يشخِّص الليل ودمشق ويبعث فيها نبض الحياة، ويقدر على ربط الماضي بالحاضر مع سبق الإصرار في أغلب قصائده التي وردت في الديوان الدمشقي.

يتفَرَّدُ الشاعر (عدنان مردم بك) عن بقيَّة الشعراء بموضوعاته التي اقتربَ فيها من دمشق، وعايشها وربَّما عاشَرَها بروحِهِ ورؤيته، فهو سبَّاق في وصف دمشق القديمة وأزقّتها ووصف الليل في دمشق، وها هو يصف سور دمشق وقد حملت قصيدته هذا العنوان – سور دمشق – ونظمها عام 1957 وأبياتها اثنان وثلاثون بيتاً، ويقيني أنه يريد أن يقول فكراً ورؤى إلى جانب الشعر، في فترة عصيبة على سوريا وأمَّتنا ودمشق هي عاصمة الأمويين.

جرَّدْتَ مِنْ غِمدِ المروءةِ صارماً           لتصونَ أعراضاً وتدفع ظالما

هذا المطلع القويُّ بصياغته، والعذبُ بإيقاعه، والبعيد في معناه، سيوصلنا إلى ما يريده الشاعر :

لم    تُثْلمِ    الأيَّامُ   في    كرّاتها      لك مضرباً بيد المكارم قائما

قصرتْ حيالَك أذرعُ المطامعِ مُدَّتْ،      وأعيَيْتَ    المغيرَ   الغاشما

فما سور دمشق إلاَّ تاريخٌ لشعب وأمَّةٍ تجلَّى فيها الصمودُ، وتحلَّتْ بالمروءة والإباء عبر مسيرة تاريخها :

طالَتْ ذراكَ وحَلَّقَتْ مُخْتالةً               كالنسرِ  حلَّق  باختيالٍ   حالما

فكأنَّها أنِفَتْ مجاورة الثرى                فسَمَتْ  بأبصارٍ  تجوبُ  معالما

وترفَّعَتْ مختالةً من تيهها                تبغي لها بين السحائب عالما

وامتدَّ ركنُك كالمنارةِ عالياً                يختال من صلفٍ ويومِئ باسما

فالسور سيرةٌ وتاريخ وحكايا أمجادٍ ترويها حجارتُه الظمأى

سِيَرُ  الجدِودِ  صحيفةٌ  مرقومةٌ          بعظائمٍ  عَصَفَتْ  تُثيرُ  عظائما

في  كلِّ  ركنٍ  مِنْ ذراك  لغابرٍ          راوٍ،  على  نُصُبٍ  يحدِّث قائما

وأرى من الماضي البعيد خيالَه          خلفَ الحجارةِ، كالحجارةِ جاثما

ماضٍ  أطلَّ  حِيالَ تُرْبِكَ  سافراً          فأسالَ  دمعاً واستثار سخائما

سِيَرٌ تهيج على الزمانِ لواعجاً          وتثيرُ    أشجاناً   وتوقظ   نائما

البيت الأخير هو بيت القصيد وهو الحامِلُ لمقولة القصيدة التي لم تتخلَّ عن جمالية الشعرِ وبراعةِ استخدامِ مفاتيحه السحرية.

وهناك جانب بارزٌ في قصائد الشاعر، التي تقترب من معالم دمشق الطبيعية فيضفي عليها جمالاً وعبقاً حلالاً، بقدرته على الوصف الذي يلتمس فيه أماكن الجمالِ، ويُعِدُّنا لملامسته بشتى الحواسِ، التي تبسط فيء فتنتها علينا، ها هي دمشق التي سَحَرَت الألباب بمائها وخضرتها يأخذها من جانب آخر، يلتقط لها صورة في الخريف، فيقول في قصيدته (الخريف في دمشق) وهي قصيدة جميلةٌ بإيقاعها :

مُقَلُ الخريفِ على الثرى تجري         بدموعٍ  ثاكلةٍ  على قبرِ

تَنْهَلُّ     ناشجةً،   وليس   بها          داءٌ يُمضُّ  ولوعةٌ  تفري

والريح   تزخَرُ   في    مساربها          كاليمِّ في مدٍّ وفي جزرِ

والشمسُ تومِئ وهْي شاحبةٌ          مِنْ خدرِها بأناملٍ  صُفرِ

ترنو   بمقلةِ    مُوْجَعٍ    كُحِلَتْ          أجفانُهُ  بالسُّهْدِ   والمرِّ

إننا أمامَ براعةٍ في الوصفِ الذي توّجَهُ هذا التشخيص للطبيعة فتبدو إنساناً عليلاً حلَّتْ عليه الشيخوخة، وأحاطت به الهموم:

والنهرُ  في الأحواضِ  مرتعشٌ           يحكي النزيفَ، يدِفُّ من سُكْرِ

والغيمُ   أرخى   من    غلائِلِهِ           طُرَراً   على   الكثبانٍ   والقفرِ

مَلَّ الغمامُ من السُّرى فشكا            برحَ السُّرى، وحنا على  النهرِ

تاهَتْ  دمشق بها   وعاودها            صلفُ   المُدِلِّ   يتيهُ  من  كبرِ

عَصَفَتْ بها الأحداثُ من قِدَمٍ             حَسَداً    لها    بحوادثٍ    نُكرِ

لم  يُطْغِها  تَرَفٌ، وما   وهَنَتْ            قدمٌ   لها   يوماً   على  عُسْرِ

في  كلِّ  منعطفٍ  بها  عِظةٌ             تُروى،   ومَلْحَمَةٌ  من   الشعرِ

فخريف دمشق خريف أمّةٍ، أحبَّ شاعرنا أن يُغْدِق علينا من دُرَرِ العبرِ والعظاتِ، فما الخريف وما فيه بعد شباب ونشاط وعطاءٍ إلاَّ إسقاطٌ لحالاتٍ إنسانية تنتاب الأفرادَ والجماعات، ولذلك تحتاج قصائده إلى أكثر من قراءة، لنصل إلى المتعة والفائدة والجمال معاً، فهذا جبل قاسيون الذي اقترن اسم دمشق به وهو الجبل الذي يطل على دمشق وغوطتها من الشمال، وللدمشقيين ذكريات حلوة، وفيه الكثيرُ من المقامات، ووصفَهُ الشعراء، ولكنَّ الشاعر اختارَ الجانبَ البديعَ والرائع منه، ألا وهو الثلج في قصيدته (قاسيون في الثلج)، في هذه القصيدة ارتقى الفنُّ لدى الشاعر، وبدت قدرتُه في تطويع اللغةِ الواصفِةِ والمصوِّرة، فالنصُّ تحمله لغةٌ تصويرية لها دلالاتها قد نظمها عام / 1974 /، ويبدو نضج تجربته في الحياةِ والأدب.

تَجَلْبَبَ  بالمُطرفِ   الوارفِ                وحلَّقَ  في   الأفقِ  العاصفِ

تطاوَل  من  صلفٍ شامخاً                وما  انفكَّ  في  صلفِ الزائفِ

مطارفٌ   للثلجِ   منشورةٌ                 كأعلامِ ركبِ الضّحى الزاحفِ

كسا (قاسيونُ) بها عُرْيَهُ                 وأمرع    في   فيئها   الوارفِ

وأخفى بها  صلعةً نُزِّهَتْ                 عن  العارِ  من  لُوثَةِ  القاذفِ

وللثلجِ   وثبةُ  مستأسدٍ                  ورقصَةُ      مُحْتَرِفٍ     عازفِ

تناثَرَ  يسقطُ  من  حالقٍ                  وصفَّقَ     يهتزُّ      كالخائفِ

إننا أمام مفردات تدبُّ فيها الحركة المادية والنفسية (رقصة – وثبة – تناثر – أخفى – أمرع – صفّق….) ولا يتخلَّى شاعرنا عن التأمُّلِ وقراءةِ الحالِ الذي شَدَّه بجمالِهِ، ولكنه لم يستطع إبعادَه عن لحظات الصفاء الذهني فيتابع:

وبهذا البيت الأخير يلتحم الإنسانُ مع الأرضِ ليشكّلا المعادلة الأقوى والأمتن، هذه المعادلة التي أرادَها لنا الشاعر دون غيرها فالثلج يذوب، ويبقى قاسيون شامخاً رغم العواصف، ويستمر شريطُ التصوير الذي يحفِلُ بالصورِ الراقية والبهيجة فالشاعر أخذ صوراً ورسم لوحات دمشقية بمختلف الأشكال والأوضاع كحال الرسَّامين التشكيليين، دمشق حاضرة في شعره، في كلِّ الفصول والمناسبات، وتشكِّلُ معلماً أدبيّاً من تجربته الأدبية التي تستحق دراسة أعمق وخاصة تجربة الشعر المسرحي، فالغوطة التي تغنّى بها الشعراء لها حظٌّ من شعرِهِ، فقدَّمَها لوحةً مزهرةً بديعة الألوان والأشكالِ وهذه القصيدة تصلح للغناء لعذوبة مفرداتها ورقَّة قافيتها ورويّها، فيقول :

خطرتْ بمحبوكِ  الربيعِ تصفِّقُ           والفجرُ يعصِفُ  غَرْبُهُ  المتَدفِّقُ

وتبرَّجَتْ بمطارفٍ من سندسٍ           عجبٍ تكادُ من النضارَةِ تُشْرِقُ

للَّهِ  ما  نسجَ  الربيعُ   وزوَّقَتْ            يُمناهُ  من  وشيٍ بطيبٍ يَعْبَقُ

ثم يبدي إعجابه بعد وصفه لكل معالمها من طيرٍ وماءٍ وخضرة فيقول :

عجبي  لها  من   جَنَّةٍ  أبوابُها          للوافدين على المدى لا تُغْلَقُ

أبوابُها       للوافدين    تفتَّحَتْ          فإذا   الجموعُ   ببابها   تَتَدَفَّقُ

يا حُسْنَها والنورُ يعصِفُ  دونَها           كالسيلِ منهمراً جرى يترقرقُ

والروحُ مثلُ غمائمٍ عصفَتْ بها           ريحٌ   فراحَتْ  بالجناحِ  تصفِّقُ

فإذا ذكرت الغوطة، حضر نهر بردى بمائه الرقراق، ونميرِهِ المنساب كنشيد عذبٍ:

بردى   نشيدٌ  خالدٌ  عن  غابرٍ          تاهَ   الزمانُ  به، وعزَّ  المشرِقُ

غنَّى جنانَ  الغوطتينِ   ودمعُهُ          من لاعج الذكرى يسيلُ ويدفُقُ

فإذا الخمائِلُ تنثني من نشوةٍ           عجباً  ويهزجُ   مُطْلَقٌ   ومطوَّقُ

أمام هذه اللوحةِ الفريدة وهذه اللغة الصافيةِ كصفاءِ طبيعتها يطرق الشعر آذاننا في آخر قصيدته ويذكر لنا تاريخها وأمجادَها:

وأرى    أميَّة   بالحديدِ   تقنَّعَتْ         وجرَتْ بمضمارِ المكارِمِ تَعْنَقُ

راياتُها   ملءُ   الفضاء   تقاطرتْ         وكأنَّها السيلُ الذي لا يُلْحَقُ

في الغوطتين ملاحِمٌ مسطورةٌ          فوق الثرى ولكلِّ نصرٍ  فيلقُ

وأهم لقطة تلك التي اصطَحَبَنا بها الشاعر إلى داخل البيتِ الدمشقي، الذي يهتم بالبرك والزرعِ والأزهار، وله جمالياته وسحرُه، ففي قصيدته (برك الماءِ في بيوت دمشق) وقدَّم لها بما يلي:

“كانت تقوم في وسط كلِّ باحة من بيوت دمشق القديمة بركةَ ماء من المرمر، يتدفَّقُ ماؤها هازجاً مثرثراً، وتتحلَّقها أشجارُ الليمون والنارنج والكباد” ونظمها سنة1971. وجاءت القصيدة في اثنين وثلاثين بيتاً :

هَزَجٌ   لها   يعلو   ويطَّرِدُ                  وكأنّهُ    من   رقَّةٍ    غَرِدُ

راحَتْ   نوافِرُها   مُحَلِّقَةً                  بقوادِمٍ    للشوقِ   ترتعدُ

عمدٌ من البلَّوْرِ تحسَبُها                   بمشاعلٍ    تزكو    وتتَّقِدُ

صُقلَتْ عوارِضها كأنَّ يداً                   تغلو    بزخرفةٍ    وتقتصِدُ

وإذا هَوَتْ وانهلَّ عارِضُها                  نُثِرَ الجُمانُ، وأشرقَ الزَّبدُ

أهناك أجمل من هذا الوصفِ البديعِ الذي يلتقط بريشة رسَّام ما يرى، ولكنَّهُ لا يستطيع إغفالَ الحاضرِ الذي يعتصرْ ألماً ومعاناةً فيقول فيها:

قامَتْ       نوافِرُها       مُثَرْثِرَةً           وتَخَلَّجَتْ  شجناً  لما تجدُ

وجَرَتْ تبثُ على المدى سِيَراً           عن  غابرٍ  صفحاتُهُ   الأبدُ

قِيثارةٌ      للماءِ      ما  فَتِئَتْ            أنغامُها في السمعِ  تَطَّرِدُ

إنِّي لأرى نضج تجربة الشاعر ومقدرتَهُ على تقديم نصٍّ متكامِلٍ، حُبِكَ حبكاً متيناً، وغَذَّتْهُ مشاعِرُ فيَّاضةٌ يتحكّمُ بها نبلُ المقصدِ، وتقنيَّة الشعر، ولم أستعرض بقيَّة قصائِده، لأنّ موضوعاتها مطروقةٌ في الديوان الدمشقي، وتصلح لموضوع خاص ودراسةٍ عميقة كوصف المسجد الأموي ونهر بردى ودمَّر والربوة، وتبقى تجربته جديرة بالدراسة المستقلّةِ الوافية على مستوى الخيال والمضمون والصياغة.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s