أسطورة الفتح العربي لإسبانيا

من مقدمة كتاب الإسلام في الغرب

روجيه جارودي

%d8%b1%d9%88%d8%ac%d9%8a%d9%87-%d8%ac%d8%a7%d8%b1%d9%88%d8%af%d9%8aلقد استوجبت إستمالة بلاد العرب إلى الإٍسلام من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إثنين وعشرين سنة من (610-632)، وتسعة عشر غزوة (البخاري64/89) واستوجب إجتياز إسبانيا بأكملها من المسملين أقل من ثلاث سنين (711-714)، ومعركة واحدة وهي معركة وادي لكّة (Guadalete) نسبة إلى نهر لكّة، قرب وادي آش.

لماذا؟

في بلاد العرب، فيما عدا جُزيرات صغيرة من اليهود والمسيحين، استوجب العمل لإنتصار التوحيد، القتال ضد (عالم لا شريعة له) الجاهلية.

كانت بلاد العرب لما قبل الإسلام أساسياً مشركة، وكانت إسبانيا ماقبل الإسلام مسيحية، وفي شطر كبير منها (آريوسية) مع طوائف يهودية هامة.

وهذا الفارق لا يفسر فحسب سرعة التوسّع بل وشكله كذلك، ففي شبه الجزيرة الآيبرية لم يكن فتحاً عسكرياً بغزاة أجانب، ولكن قبل كل شيء كان حرباً أهلية (بين مسيحيين قابلين بعقيدة الثالوث وألوهية يسوع المعلنة في مجمع نيقية عام 325، ومسيحيين موحدين أعني رافضين للثالوث ولا يرون في يسوع إلهاً وإنما رسولاً موحى له من الله)، ثم حدث تحوّل ثقافي ممتد على ما يقرب من قرن ونصف.

فإنتشار الإسلام في القرن الأول من الهجرة كان خاطف السرعة، وسلمياً على وجه العموم، في كل مكان كانت فيه العقيدة السائدة، إما يهودية وإما مسيحية (مهرطقة – كما كان يُدعى حينئذ المسيحيون الذين اختاروا رفض معتقد نيقية بالـهراطقة)، ولم تكن حالة إسبانيا استثنائية وهذا لأسباب تتعلق بجوهر الإسلام نفسه، فالوحي يعرّف الإسلام ليس كدين جديد، ناشيء عن نبوءة الرسول محمد  ” قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴿٩﴾” – الأحقاف، ولكن كالدين الأساسي والأول منذ أن نفخ الله في الإنسان من روحه.

الإسلام (الذي يعني الخضوع والتسليم لإدراة الله هو القاسم المشترك لكل دين موصى به، يهودي أو مسيحي أو إسلامي) هو العقيدة الوحيدة، وقد ضرب إبراهيم عليه السلام المثل على الـ(خضوع) المطلق لله، فهو يُدعى أبو المؤمنين، ويعتبر موسى ويسوع كنبيين للإسلام أي لهذا الخضوع لله، ووفقاً للقرآن جاء النبي محمد يؤكد رسالتهما ويطهرها من تحريفاتها التاريخية ويتمّمها.

وإن أهم تحريفات الرسالة الأزلية وفقاً للقرآن، هما بالنسبة لليهود الإدعاء القَبلي بإقتصار الرسالة الشاملة على شعب يكون مؤتمناً عليها مختاراً من الله، في حين أن النبي سوف يقول في آخر خطبة له : “لا فضل لعربي على عجميّ إلا بالتقوى”.

فالطائفة الإسلامية هي هكذا منفتحة بلا تمييز في الأصل، لكل شخص يعترف بوحدانية الله وجلاله وبالرسالة الشاملة لجميع الأنبياء من إبراهيم إلى محمد، وعليه أن مجادلة اليهود ليست موجهة ضدّ رسالة موسى والأنبياء ولكن ضد تفسيراتها الحصرية.

وعلى هذا النحو فإن مجادلة المسيحية ليست موجة ضد رسالة يسوع، ولكن ضد (الشرك)،  مجمع نيقية بلغة الفلسفة اليونانية (الغريبة عن الإنجيل) يعلن يسوعاً من نفس ماهيّة الله  (Omousios)، وهو يُعرّف الله كـ(ثالوث) أي من ثلاث أقانيم  (Hypostaseses).

مادام أن الإسلام قد ظهر على هذا النحو، كما كان يوحي به القرآن في شموليته، وليس مرتبطاً بالتقاليد النوعية لشعب، فإنه عرف إشعاعاً خارقاً، ذلك أن القبول به، لم يكن بالنسبة لرجل مؤمن، قطيعة بل وأقل من ذلك أيضاً جحوداً إنكاراً، بل كان كل واحد يتعرف فيه على الرسالة التي تلقاها من أنبيائه في أبسط شكل لها وأكثرها شعبية، وكان تطبيقها في جميع ميادين الحياة يجعل الله حاضراً في كل واحد وفي جميع العلاقات الإجتماعية، الإقتصادية، السياسية، الثقافية.

هذا الإسلام القرآني، قد لقي في الشرق الأدنى صدى عميقاً في جميع الأوساط اليهودية – المسيحية، إن الـ(إِبُـيَونينebionites ) أعني اليهود الذين كان المسيح بالنسبة لهم هو النبي المبشر به من قبل موسى، ولكن ليس الإبن الوحيد لله، كانوا على الأرجح يهوداً (إسِّنيين esseniens) نسّاكاً، أصبحو مسيحين بعد عام 70 وكان عددهم كبيراً في الجزء الآرامي من سوريا، في دمشق وليس الجزء الهيللينستي (أنطاكية)، وكان الـ(كانيوني – clkuites) الذين ظهروا في ظلّ حكم تراجيان (89-117) القريبون جداً من الإيبيونيين، يعتبرون هم أيضاً يسوعاً كإنسان وكنبيّ.

وفي التقليد اليهودي كان يقضي بالختان وإطاعة الشريعة وكانت الـ(مونارشيانيسم) أو النزعة الملوكية في آسيا الصغرى وحتى بيزنطة هي الإستمرار في التوحيد اليهودي الذي كان الإبن والروح القدس بالنسبة له هما تجليان لله الأوحد بمعنى اليهودية، وقد أدان البابا كاليكست (Calixte) في عام 222 الناطق الأهم بإسمها وهو سابليوس (Sabilllius) السيريني الفلسطيني.

في الأندلس، كان التعارض بين الوحدانية والشرك سابقاً جداً، ليس فحسب لدخول الإسلام ولكن قبل المنازعات بين المسحيين الـ(ثالوثيين) المؤمنين بالثالوث المقدسّ والمتقبلّين لعقيدة نيقية حول ألوهية يسوع، وبين الـ(آريوسيين) التوحيديين الرافضين لهذه الوحدة في جوهر الأقاليم الثلاث.

لقد كان الفقهاء من رجال القانون والفقه ومفتو الذمة المدرسيون القادمون من الشرق الأدنى إلى شواطىء شبه الجزيرة الآيبرية يجهلون كل شيء عن هذه الثقافة الممتدة عبر آلاف السنين، كانوا مقتنعين بأن الإسلام ولد فحسب مع النبي محمد، في حين أن القرآن لا ينفك يقول بأن الإسلام الذي يعني الخضوع المطلق لله هو الدين الأساسي والأول المعاصر لأول إنسان، آدم الذي نفخ الله فيه من روحه، وأن إبراهيم أبا المؤمنين، وموسى ويسوع ومحمد جميعهم رسل لنفس الدين الواحد.

فمنذ عشرات القرون تصارعت في الأندلس وحدانية خاصة بجميع الروحيات العليا (وسابقة جداً لأنبياء كنعان)، مع شرك (تعدد الآلهة) القديم جداً كذلك، تعود تجلياته إلى الظهور في جميع العصور ومايزال اليوم يظهر أيضاً في وثنيات المال والأمة والجنس أو الـزعامة.

إن البحث عن (وسائط) بين الله الواحد الأحد والواقع المتعدد يعود إلى الظهور على الدوام، ففي الهند منذ أربعة آلاف سنة قيل أن أسماءه متعدده ولكنه واحد، فثالوث براهما فيشنو شيفا هو ذو مغزى بليغ، وكالـ(مانوية) الإيرانية، أو الـ(خالق) عند أفلاطون في محاورة التيمة.

وليس في وسعنا أن ننسى ثابتة التاريخ الإنساني هذه، عندما تعرض للمحاورات بين المسيحين التثليثيين والمسيحين التوحييدين، أو لأسباب إنتشار الإسلام العميقة وكذلك أيضًا لعوائقه.

هذا التعبير وأشكاله يتعلّق كذلك بظرف شبه الجزيرة الآيبرية الخاصة، ففي شمال ووسط شبه الجزيرة هذه كان التقليد الهندو أوربي مسيطراً، في حين كان الجنوب – ولاسيما التورديتانيا Turdentanie الأندلسي الحالية مع منطقتي مرسية وباداجوز أكثر تشبعاً بعمق بإتجاه توحيدي، بشكله السامي كنتيجة للشتات اليهودي، وبشكله الغنوصي حيث يستبان التيار الاسكندري من مصر من خلال المؤشرات القرطاجية والبربرية المُفضية بسهولة إلى النبوءة القرآنية وتوحيدتها الصارمة.

إن مجمع نيقية عام 325 الذي استدعاه الأمبراطور قسطنطين إلى الإجتماع لإعطاء وحدة آيدولوجية لإمبراطوريته بفرض عقيدة الثالوث ووحدة الجوهر ليسوع والأب، قسّم المسيحية بإدانته لآريوس Arius أسقف الإسكندرية المتهم بعدم قبول تلك المعتقدات.

ومنذ ذلك الحين تكاثرت الـ(هرطقات) بصدد الـ(طبيعة المزدوجة) ليسوع، ففي النسطورية البادئة براهب من إنطاكية، يدعى (نسطوريوس Nestoarius) الذي أصبح أسقف القسطنطينية عام 429 وكان يشدد على صفات إسم (أم الله) والـ(مونوفيزية) الطبيعية الواحدة، التي جاهر بها كذلك في القسطنيطينية الراهب (أوتيشيزEutyches ) حوالي 447-448 حيث كان يعتبر يسوعاً ذا طبيعة إلهية فقط لا غير.

لنقل تبسيطاً إن الـ(نساطرة) المنكرين للـ(طبيعة المزدوجة) للمسيح، كانوا يعتبرونه كإنسان صرف، وأن الـ(مونوفيزيين) المنكرين للطبيعة المزدوجة للمسيح كانوا يعتبرونه إلهياً محضاً، وكان الـ(أريوسيون) يعتبرون المسيح كلمة الله.

جميع هذه الـ(هرطقات) تمت في آسيا، فالنسطورية إنتشرت في بلاد فارس إلى اليمن، والعرب اللخميون الموالون للساسانين كانوا من أنصار الطبيعة الواحدة، وكان الآيبيونيون في سوريا والإلكائيتون في العراق والآريوسيون من الأسكندرية إلى آسيا الصغرى معارضين للكنيسة النيقية المثلثية في روما وبيزنطة ومضطهدين من قبلها.

ولسوف يكون الإنتشار الإسلامي في الشرق الأدنى سريعاً، فبعد عدد من المعارك ضد أباطرة بيزنطة (مثل معركة اليرموك عام 636) أو ضد الأباطرة الساسانين وإقطاعيّ فارس مثل القادسية عام 637 ونهاوند 642 أو في مصر الإسكندرية عام 642 إستقبل الأهالي المسلمين كمحررين.

ففي ست سنوات انتقل الشرق الأدنى كله من فارس إلى مصر إلى الإسلام، في حين أن جيوش (عرب) الحجاز كانت أدنى بكثير من الجيوش البيزنطية والساسانية سواء في العدد أو في التقنية العسكرية.

المقصود حقيقة هو التحرير، إن ميشيل السوري وهو يذكّر بالإضطهادات المرتكبة من قبل البيزنطيين يقدر بهذه العبارات وصول المسلمين : “إن إله الثأر (…) إذ رأى شرور الرومان الذين كانوا حينما يسيطرون، يسلبون بقسوة كنائسنا وأديرتنا ويحكمون علينا بلا شفقة، أتى بأبناء إسماعيل من الجنوب لتخليصنا منهم … ولم تكن مائدة طفيفة بالنسبة لنا أن نتخلص من الفظاظة الرومانية وأن نجد أنفسنا في راحة”.

11, H13) – (Michel Le syrien, Chronique

ولن يكون في وسعنا أن نفهم كيف أن حفنة من الرجال إجتازت إسبانيا في أقل من ثلاث سنوات إذا كنا نتخيل إجتياحاً عسكرياً.

إن المؤرخ دوزي في كتابه تاريخ المسلمين في إسبانيا (ج2، ص43) يقدم لنا تفسيراً عميقاً للحدث بقوله : “كان الفتح العربي خيراً لإسبانيا، لقد أحدث ثورة إجتماعية هامة فعمل على إزالة قسم كبير من الآلام التي كانت تئن تحتها البلاد منذ عصور، كان العرب يحكمون وفقاً للطرائق التالية : أنقصت الضراب تماماً بالنسبة للضرائب التي كانت تجبى من الحكومات السابقة، وانتزع العرب من أيدي الأغنياء، … وزعوها بالتساوي بين أولئك الذين كانوا يعملون بها، وراح المالكون الجدد يشتغلون فيها، يملأهم الحماس ويحصلون منها على أفضل الغلال، وحررت التجارة من قيودهها ومن الرسوم الباهظة التي كانت ترهقها، وكان القرآن يسمح للعبيد أن يشتروا أنفسهم لقاء تعويض عادل، وهذا ما أشرك طاقات جديدة، فكانت هذه الإجراءات جميعها تُحدث حالة من الرضى العام، مما كان سبباً في الإستقبال الحسن لبداية السيطرة العربية”.

ويقدم الكاتب الإسباني الكبير (بلاسكو إيبانيزBlasco Ibanez ) شهادة من أجل بلاده على النحو التالي : “في إسبانيا، لم يأت الإحياء من الشمال، مع الجماعات البربرية، إنه جاء من الجنوب مع العرب الفاتحين، فتلك كانت حملة تمدينية أكثر منها فتحاً، دخلت بها إلى بلادنا تلك الثقافة الفتية القوية المستنفرة بتطوراتها المذهلة بسرعتها، التي ماكادت تولد حتى انتصرت، وتلك الحضارة التي خلقها حماس النبي، تمثّلت أفضل مافي اليهودية والعلم البيزنطي والتي كانت فضلاً عن ذلك تحمل معها التقليد الهندي العظيم، وذخائر فارس، وكثيراً من الأشياء المقتبسة من الصين التي تكتنفها الأسرار، كان الشرق ينفذ إلى أوروبا ليس كما كان شأن دارويس وكزركس عن طريق اليونان التي كانت تصدهم لكي تنقذ حريّتها، ولكن من الطرف الآخر عن طريق إسبانيا التي كانت مستعبدة لملوك لاهوتيين وأساقفة متقشّفين، فاستقبلت بالترحاب غزاتها هؤلاء”.

“ففي عامين استولى هؤلاء على ما انقضى سبع قرون لإسترداده منهم، فلم تكن تلك غزوة تفرض بقوة السلاح، بل كانت مجتمعاً جديداً ينمّي جذوره القوية في جميع الجهات، كان مبدأ حرية العقيدة، الركن الأساسي الذي ترتكز إليه عظمة الأمم الحقيقة غالياً عليهم، ففي المدن التي كانوا أسياداً فيها كانوا يقبلون بكنيسة المسيحي وكنيس اليهودي”.

“من القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر، سوف تنشأ وتنمو أجمل وأغنى حضارة وجدت في أوروبا طيلة العصر الوسيط، فعلى حين كانت شعوب الشمال تبيد بعضها بعضاً بحروب دينية وتسلك سلوك القبائل البربرية، كان سكان إسبانيا يرقون إلى أكثر من 30 مليون نسمة، وهذا الخضم من الناس يمتزج وتضطرب فيه جميع الأجناس وجميع المعتقدات، بتنوّع لا متناهٍ، ينجم عنه أشد النبضات الاجتماعية …، وفي هذا الخليط الغني من الشعوب والأعراق كانت تتعايش جميع الأفكار وكافة العادات، وجميع الإكتشافات الناجزة حتى ذلك الحين على الأرض وجميع الفنون، وجميع العلوم وجميع الصناعات وجيمع المخترعات وجميع المذاهب القديمة، ومن إحتكاك هذه العناصر المختلفة كانت تتدفق إكتشافات جديدة وطاقات خلاقة جديدة، وكان الحرير والقطن والبن والليمون والبرتقال والرمان يأتي من الشرق مع هؤلاء الأغراب كما يأتي كذلك السجاد والمنسوجات من الأقمشة الرقيقة، والمعادن المرصّعة (المدمشقة)، والبارود، ومعهم كذلك العدّ العشري والجبر وعلم تحويل المعادن والكيمياء والطب وعلم الكونيات والشعر المنظوم، وكان الفلاسفة اليونان الذين يوشكون على الضياع في غياهب النسيان يجدون إنقاذهم باللحاق بالعربي في فتوحاته، فكان أرسطو يهيمن على جامعة قرطبة الشهيرة”.

Blasco Jbanez * Dans L’ombre de La Cathedrale. pp201-20H

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s