إشكاليات الدراسات الشرعية

د. محمد بن صالح العلي

%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d8%b9%d9%8a%d8%a9الدراسات الشرعية في هذا العصر تحوي إشكالات عديدة منها، أنّها تركّز على بيان طريق المؤمنين، وتهمل بيان الطريق الآخر (طريق المجرمين) وأنه لابد من بيان هذا الطريق لقول عمر رضي الله عنه “إنما تنقض عرى الاسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لايعرف الجاهلية”.

تركيز الدراسات الشرعية على الكم المعرفي للطالب فتجعله يحفظ كمّا هائلاً من المسائل الشرعية، ولكنها لاتهتم بالجانب المنهجي والمنطقي للعلوم والمعارف.

ولهذا ينشأ طالب العلوم الشرعية معتقداً أن المسائل مسلمات يجب العمل بها في كلّ زمان ومكان؛ لأنه لايعرف المنطق الذي يبني عليه إذا تغير أحد محددات المسألة، الذي ينبني عليه تغير الحكم إذا تغيّرت أحد محددات المسألة.

إنك لو فحصت الخطط الدراسية للتخصصات الشرعية لوجدت أن ماخصّص من مقررات لبناء عقلية منهجية منطقية لايتجاوز 5% من المقررات الدراسية.

أما الاهتمام ببناء عقلية ناقدة للطالب فهذا غير موجود، بل يوجد عكس ذلك وهو التحذير من التفكير النقدي للأقوال والمسائل.

إننا لن نفلح في تخريج جيل شرعي واعي ومحصن إلا إذا درسنا الفقه والتفسير والحديث مثل الرياضيات والهندسة أي بعقلية منهجية منطقية.

وهذا ما كان عليه سلف الأمة، فعلى سبيل المثال لماذا برز شيخ الإسلام ابن تيمية؟؟ إنما برز لأنه يعالج المسائل بطريقة منهجية منطقية فتقرأ جوابه وكأنك تقرأ حلّ مسألة رياضية بحتة.

إشكالية : الثابت والمتغير، وهي جديدة، ربما من حيث تحرير الصياغة (الفقه والواقع) أو (النص والواقع) أو فقه الواقع : هذا المصطلح كثر طرحه في الآونة الاخيرة في مجال الدراسات الفقهية، كإشكالية يجب التعامل معها بعلم ووعي، حتى لا يترك الناس خارج الحياة النشطة المثمرة، سدىً وهملاً من أحكام الشارع، وحتى تتجسد مقولتنا المبدئية، بأن شريعتنا خاتمة للشرائع كلها، وأنها صالحة لكل زمان ومكان. وحتى يستمر الوحي قائداً وموجهاً للبشرية في كل مواقعها، حتى ولو كانت في حالة غزو للفضاء.

يقول الإمام الشاطبي عليه رحمة الله : “لابد من حدوث وقائع لا تكون منصوصاً على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد، وعند ذلك فإما أن يترك الناس في أهوائهم، أو ينظر فيها بغير اجتهاد شرعي، وهو أيضا إتباع للهوى، وذلك كله فساد، فلا يكون بد من التوقف لا إلى غاية، وهو معنى تعطيل التكاليف لزوماً، وهو مؤد إلى تكليف ما لا يطاق، وإذن، لابد من الاجتهاد في كل زمان، لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان”.

ليس معنى هذا ولا قريباً منه، القيام بعملية جراحية، تؤدي إلى استئصال بعض النصوص، كما لا يمكن تعطيل دلالتها، دون وجه شرعي أو عقلي أو عرفي.

لا يمكن لـيٌّ النصوص حتى تساير الواقع على ما هو عليه، لكن الواقع هو الآخر لا يمكن أن يكون غير واقع؛ فالواقع رفعه محال، والتاريخ لا يعيد نفسه، والتعامل مع الحوادث الواقعية في وقت ما أو في مكان ما، لا يمكن أن يكون بواقع أو أحوال أو شروط غيرها، ولا في ظروف هي منها براء.

مهما كان نشاز الواقع وتفلته وهروبه، فإن الشريعة إنما جاءت لضبطه.

لابد إذاً من استنهاض (التنظير) الذي يوائم بين النص والواقع، بين الثابت نسبياً والمتحول أبداً.

لا نرتكب شططاً، ولا نتحمل إثماً، إذا قلنا أن بين الثابت والمتغير في الثقافة الشرعية من الزمالة والملازمة، ما لا تعرفه الثقافات الأخرى – إذا افترضنا أن لها ثوابتاً – فثوابت العقيدة لم تحل دون الملاسنات داخلها، والمهاترات في محيطها، والجميع لايزال داخل الدائرة الإسلامية، وقطعية النصوص ثبوتاً ودلالة، لم تمنع من وجود الرأي والرأي الآخر.

أما النصوص التشريعية، والقواعد الفقهية والأصولية، والمقاصد العامة، فإنها قابلة دوما : دلالة وفهماً، للتعامل مع وقائع غير محدودة، وحوادث غير محصورة.

الإشكالية إذاً مفهومة : واقع نَفورٌ، شارد، متحرك، مترحل، متطور، تراد ملاحقته، وضبطه بنصوص لها طابع الثبات، إن لم نقل السكون والجمود.

لابد قطعاً – لإخراج الناس من داعية الهوى – من اختراق حواجز التقوقع، إلى جانب كبح جماح (التعولم).

من هنا كان الفقيه الذي يطلب منه القيام بذلك، ليس هو ذلك الذي يحمل آليات الفقه ووسائله فقط، كما قال عليه الصلاة والسلام : “رب حامل فقه غير فقيه”، بل هو ذلك الذي قال فيه جل شأنه : “ولو ردوه إلى الرسول وإلى أُولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم” النساء، وقال فيه : “فـفـهمناها سليمان” – الأنبياء.

لابد إذاً لحل هذه الإشكالية، من التعامل مع الفقه كمنظومة شاملة تستمد أحكامها من نصوص مقدسة، وقوانين استنباطية، وقواعد استقرائية، حتى تلاحق واقعاً مترنحاً، إنما نزلت أصلاً لضبطه، وتحقيق المصالح الجوهرية، والمقاصد العامة فيه.

أشار القرافي وابن القيم أكثر من غيرهما إلى هذا بوضوح، إلى علاقة الواقع والزمن بالحكم الشرعي، حيث سمى الأول الجمود أبداً على النصوص ضلال وإضلال، واعتبر الآخر أن فهم الواقع والواجب فيه لا غنى عنهما للمشتغلين بالموضوع.

فالواقع إذاً مؤثر – قطعاً – في الأحكام الفقهية الشرعية، وأقل ما يؤدي إليه تجاهل الواقع في استنباط أو تحديد الحكم الشرعي، هو إبعاد الشريعة عن الممارسة اليومية، وترك حياة الناس فريسة للهوى والنزوات الشخصية والطقوس الوضعية.

ولن نعدم – لو حاولنا – وجود أمثلة ناطقة، إن لم تكن صارخة من نصوص الشرع، وممارسات القوم دالة على هذا التوجه، وإن كان الحذر من اختراق ما لا يجوز اختراقه، أو إهمال ما لا يجوز إهماله، لابد أن يبقى مسيطراً.

والخلاصة، هي أن التعامل مع الواقع لا بد أن يكون بواحد من الاحتمالات التالية :

الاحتمال الأول : هو أن نترك الواقع وشأنه والنصوص وشأنها، يسيران في خطين متوازيين لا يلتقيان أبداً، وهذا الاحتمال يسقط التكليف، ويجعل الواقع يسير بالأهواء والغرائز.

الاحتمال الثاني : أن نقاوم حركة الواقع، ونحاول تثبيته وتسكينه، ومنعه من التطور والتغيير، وإبقاءه على الصورة والشكل المرسومين في مخيلتنا لمجتمعات خلت، معتقدين أن قراءة النصوص لا تقتضي إلا ذلك.

وهذا أمر مستحيل كونياً وواقعياً، وممنوع شرعياً، لأنه يعارض السنن الإلهية، والقوانين الكونية.

الاحتمال الثالث : أن نفقه الواقع، بعد خطوات ثلاث أولاها : إدْراك الحكم مجرداً، وثانيها : معرفة الواقع منفصلاً، وثالثها : تنزيل الحكم على الواقع المعين، وهذه الأخيرة هي مربض الفرس، وهي أصعب الأمور.

وبعبارة أخرى : أن نعلم فقه النص، وفقه الواقع، وفقه التنزيل.

والآليات الكفيلة بذلك هي المباديء والقواعد والتطبيقات التالية : مبدأ الاستخلاف – مبدأ التعمير – مبدأ رفع الحرج – مبدأ دفع المشقة – مبدأ جلب المصلحة – مبدأ درء المفسدة – مبدأ الاستصلاح – سد الذرائع – مبدأ الـمحافظة على الضروريات والنظر إلى المآلات.

المستند الآخر لهذا التوجه هو : التطبيقات العملية للصحابة والتابعين : سواد العراق – حديث ركُانة – ولاية العهد – هيئة شورى اختيار عثمان رضي الله عنه – حد الخمر – تعليق تطبيق الحد في الغزو والسنوات العجاف (عام الرمادة).

هذه بعض الاشكاليات في الدراسات الشرعية أوضحناها لتكون أمام المسؤولين عن التعليم الشرعي في بلادنا، فنسأل الله لهم التوفيق لعلاجها، حتى يكون التعليم الشرعي مؤدياً دوره في بناء الانسان المسلم والمجتمع المسلم والدولة المسلمة.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s