آية الله مازندراني

محمد بن حسن المبارك

%d9%85%d8%a7%d8%b2%d9%86%d8%af%d8%b1%d8%a7%d9%86%d9%8aلا يمكن أن نمر على تاريخ الماسونية في مصر دون أن نعرِّج على سيرة من وُصِف بأنه مؤسس المدرسة الإصلاحية و أستاذها الأول جمال الدين الأفغاني، أو (المازندراني).
– فمن هو الأفغاني ؟
– ولماذا جاء إلى مصر ؟

نسبه :

هو جمال الدين بن صفدر المازندراني المعروف بالأفغاني ولد عام 1254هـ 1838م، و قد اختلف في نسبه و بلدته كما سيأتي.

عقيدته :

يعد جمال الدين الأسد آبادي من الشخصيات التي لايزال الغموض يكتنفها والسرية تحوط معظم تصرفاتها، إذ كان الأفغاني ذا علاقة مريبة باليهود والنصارى والمرتدين، وصلة وثيقة بالمحافل الماسونية، بل رئيساً لأحدها وهو محفل كوكب الشرق في القاهرة، و لذلك لم يعدم الأفغاني من علماء الإسلام من يفتي بكفره و انحلاله، فقد اتهم الأفغاني بالإلحاد و الخروج من ربقة الدين عدة مرات والذي يقرأ مؤلفات الأفغاني ورسائله التي كان يرسلها لتلامذته وأتباعه يرى من خلالها أنه كان صاحب عقيدة غير سوية.

وكذلك رسائل تلامذته إليه مما ينضح بالغلو القبيح و الشرك الصريح، فمن ذلك رسالة الشيخ محمد عبده إلى أستاذه جمال الدين الأفغاني بتاريخ 5 جمادى الأولى سنة 1300هـ، يقول فيها : “ليتني كنت أعلم ماذا أكتب لك، وأنت تعلم ما في نفسي كما تعلم ما في نفسك، صنعتنا بيدك وأفضت على موادنا صورها الكمالية وأنشأتنا في أحسن تقويم، فيك عرفنا أنفسنا، وبك عرفناك، وبك عرفنا العالم أجمعين، فعلمك بنا كما لا يخفاك علم من طريق الموجب، وهو علمك بذاتك، وثقتك بقدرتك وإرادتك، فعنك صدرنا وإليك إليك المآب.

أوتيت من لدنك حكمة أقلب بها القلوب وأعقل العقول، وأتصرف بها في خواطر النفوس، ومنحت منك عزمة أتعتع بها الثواب، وأذل بها شوامخ الصعاب، وأصدع بها حم المشاكل، وأثبت بها في الحق للحق حتى يرضى الحق، وكنت أظن قدرتي بقدرتك غير محدودة، ومكنتي لا مبتوتة، ولا مقدورة، فإذا أنا من الأيام كل يوم في شأن جديد”.

إلى أن يقول : “فصورتك الظاهرة تجلت في قوتي الخيالية وامتد سلطانها على حسي المشترك، وهي رسم الشهامة، وشبح الحكمة وهيكل الكمال، فإليها ردت جميع محسوساتي، وفيها فنيت مجامع مشهوداتي، وروح حكمتك التي أحييت بها مواتنا، وأنرت بها عقولنا،ولطفت بها نفوسنا، بل التي بطنت بها فينا، فظهرت في أشخاصنا، فكنا أعدادك، وأنت الواحد، وغيبك، وأنت الشاهد، ورسمك الفوتوغرافي الذي أقمته في قبلة صلاتي، رقيباً على ما أقدم من أعمالي، ومسيطر علي في أحوالي، وما تحركت حركة ولا تكلمت ولا مضيت إلى غاية ولا انثنيت عن نهاية حتى تطابق في عملي أحكام أرواحك؛ وهي ثلاثة فمضيت على حكمها سعياً في الخير، وإعلاء لكلمة الحق، تأييداً لشوكة الحكمة، وسلطان الفضيلة، ولست في ذلك إلا آلة لتنفيذ الرأي المثلث، ومالي من ذاتي إرادة حتى ينقلب مربعاً غير أن قواي العلية تخلت عني في مكاتبتي إليك، وخلت بيني وبين نفسي التزاماً لحكم أن المعلول لا يعود على علته بالتأثير على أن ما يكون إلى المولى من رقائم عبده ليس إلا نوعاً من التضرع والابتهال لا أحسب فيه ما يكشف خفاء أو يزيد جلاء، ومع ذلك فإني لا أتوسل إليك في العفو عما تجده من قلق العبارة وما تراه مما يخالف سنن البلاغة بشفيع أقوى من عجز العقل عن إحداق نظره إليك وإطرق الفكر خشية منك بين يديك، وأي شفيع أقوى من رحمتك بالضعفاء وحنوك لمغلوبي حياء”.

ثم يقول أيضاً : “أما ما يتعلق بنا فإني على بينة من أمر مولاي، وإن كان في قوة بيانه ما يشكك الملائكة في معبودهم والأنبياء في وحيهم، ولكن ليس في استطاعته أن يشك نفسه في نفسه، ولا أن يقنع عقله إلا على بالمحالات وإن كان في طوعه أن يقنع بها من أراد من الشرقيين والغربيين”، انظر منهج المدرسة العقلية في التفسير للشيخ فهد الرومي، ص155.

قال الشيخ فهد الرومي معلِّقاً على خطاب محمد عبده : “وهي عبارات ولا شك خطيرة توجب إعادة النظر في عقيدة الرجل عند من لا تخدعه الأسماء، وقد استغرب السيد رشيد رضا نفسه هذه الرسالة من أستاذه حيث قال عند سياقه لها : “ومن كتاب له إلى السيد جمال الدين عقب النفي من مصر إلى بيروت، وهو أغرب كتبه، بل هو شاذ فيما يصف به أستاذه السيد مما يشبه كلام صوفية الحقائق والقائلين بوحدة الوجود التي كان ينكرها عليهم بالمعنى المشهور عنهم، وفيه من الإغراق والغلو في السيد ما يستغرب صدوره عنه، وإن كان من قبيل الشعريات وكذا ما يصف به نفسه بالتبع لأستاذه من الدعوى لم تُعهد منه البتة”، انظر منهج المدرسة العقلية في التفسير للشيخ فهد الرومي، ص155.

فمن تلك التهم :

أ- الإلحاد :

إذ قال عنه تلميذه النصراني سليم العنجوري في (شرح ديوان سحر هاروت) عند ترجمته له : “إنه سافر إلى الهند وهناك أخذ عن علماء البراهمة والإسلام أجل العلوم الشرقية والتاريخ، وتبحر في لغة (السانسكريت) أم لغات الشرق.

وبرَّز في علم الأديان حتى أفضى به ذلك إلى الإلحاد والقول بقدمية العالم، زاعماً أن الجراثيم الحيوية المنتشرة في الفضاء هي المكونة، بطرق وتحول طبيعيين، ما نراه من الأجرام التي تشغل الفضاء ويتجاذبها الجو، وأن القول بوجود محرك أول حكيم وهمٌ نشأ من ترقي الإنسان في تنظيم المعبود على حسب ترقيه في المعقولات”، انظر : تاريخ الأستاذ الإمام (1/43 ).

قلتُ : و هذه بالضبط هي عقيدة حكماء مصر القديمة، التي تتبناها الماسونية من وراء حجاب، و تُظهِرها في فترات متباعدة، و في مقاسات متعدِّدة، إذ أن فلسفة الكابالا اليهودية القائمة على إرثٍ فرعوني قديم تقوم على أساس أن الكون تشكَّل بنفسه وتطور تلقائياً بعوامل المصادفات العشوائية.

يقول مؤلفا كتاب (مفتاح حيرام) : “كان المصريون القدماء يؤمنون بأن المادة كانت موجودة منذ الأزل، حيث أن الدنيا وجدت بولادة النظام من رحم الفوضى والعماء و الظلام، وهو نفس ما كان يعتقده السومريون أيضاً، وكان لهذه الهاوية قوة داخلية ثم أمرت هذه القوة الخالقة نفسها ببدء النظام، ولم تكن هذه القدرة السرية الموجودة داخل المادة في هذه الفوضى على وعي بذاتها … كانت هذه القوة احتمالاً من الاحتمالات وقوة ظهرت من رحم الفوضى نتيجة مصادفات عمياء”.

ثمَّ يعلِّق مؤلفا كتاب (مفتاح حيرام) على تلك الفلسفة المصرية الوثنية بالتطرق إلى امتداداتها الحديثة قائلَين : “والغريب أن هذا التعريف للخلق يتطابق تماماً مع النظرة الحالية للعلم الحديث ولا سيما مع (نظرية الفوضى) من ناحية تطور الأنظمة المختلطة والمشوشة رياضياً مكررة نفسها رياضياً ونتيجة للنظام”.

قلتُ : والمذهل في الأمر أن هذه الفلسفة المصرية الوثنية هي الفلسفة المطروحة في أيامنا الحالية من قبل أنصار (نظرية التطور) و(نظرية الفوضى) لا سيما في مجموع طروحات ماركس و دارون مع الفلسفة الهيغلية، إلاَّ أن الأفغاني رجع إلى المصادر القديمة .. فتأمل!

كما اتهمه بعض علماء الأزهر بالإلحاد أيضاً، ومنهم الشيخ عليش مفتي المالكية.

بل حتى المستشرق البريطاني (ايلي كدوري) كان يعتبر الأفغاني ملحداً، ودليله على ذلك عبارةٌ للأفغاني، خلال محاورةٍ له مع المستشرق الفرنسي (رينان)، يقول فيها : “لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين”.

وكذلك كان (كدوري) يعتبر تلميذ الأفغاني (محمد عبده) ملحداً، مستدلاً بقول الشيخ محمد عبده في رسالة لأستاذه بتاريخ 8 شعبان سنة 1300 هـ : “نحن الآن على سنتك القويمة لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين، ولهذا لو رأيتنا لرأيت زهاداً عباداً ركعاً سجداً لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون …)، انظر منهج المدرسة العقلية في التفسير للشيخ فهد الرومي، ص161.

و الحاصل أن تلامذة الأفغاني ساروا على نفس طريقة شيخهم، وهي محاربة الدين باسم الدين، كما قرَّر ذلك الشيخ محمد عبده شخصياً، و بقلمه أيضاً.

وقد اشتهرت عنه هذه التهمة، و لعلَّ ذلك هو ما جعله يكتب رسالته في الرد على الدهريين، مع أنه من أكابرهم، ليدفع عنه هذه التهمة.

يقول شبخ الاسلام مصطفى صبري عن محمد عبده : “فلعله وصديقه أو شيخه جمال الدين أرادا أن يلعبا في الإسلام دور لوثر وكالفين زعيمي البروستانت في المسيحية فلم يتسنَّ لهما الأمر لتأسيس دين حديث للمسلمين، وإنما اقتصر تأثير سعيهما على مساعدة الإلحاد المقنع بالنهوض والتجديد”، (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين) 1/144.

ب- القول بأن النبوة مكتسبة :

وفي بلاد الأناضول رماه علماء الآستانة بالإلحاد و المروق من الدين إثر محاضرة ألقاها في دار الفنون ذكر فيها أن النبوة صناعة مكتسبة.

وحكى عنه شيخ الإسلام في الدولة العثمانية (حسن أفندي فهمي) أنه جعل النبوة صنعة وسوَّى بينها وبين الفسلفة، فأمر شيخ الإسلام الوعاظ وأئمة المساجد أن يهاجموه حتى اضطر لمغادرة الآستانة.

و قال عنه تلميذه النصراني سليم عنجوري : “ارتجل خطبة في الصناعات غالى فيها إلى حد أن أدمج النبوة في عداد الصناعات المعنوية، فشغب عليه طلبة العلم وشددت عليه صحيفة النكير”، تاريخ الأستاذ الإمام 1/44.

ج – وحدة الوجود :

كما وصف الشيخ رشيد رضا (تلميذ تلميذه محمد عبده) الأفغاني بأنه كان يميل إلى وحدة الوجود التي يشتبه فيها كلام الصوفية بكلام الباطنية، يقول رشيد رضا : “كان يميل لوحدة الوجود التي يشتبه فيها كلامه مع كلام الصوفية الباطنية”. انظر : تاريخ الأستاذ الإمام -(1/79).

ويؤيد ما قاله رشيد رضا ما قاله تلميذ آخر للأفغاني وهو أديب إسحاق عندما قال فيه : “كان يميل للتصوف في بدء حياته فانقطع حيناً بمنزله يطلب الخلوة لكشف الطريقة وإدراك الحقيقة ثم خرج من خلوته مستقر الرأي على حكم العقل، وأصول الفلسفة القياسية”.

د – القول بوحدة الأديان :

واشتهر عنه القول بوحدة الأديان، و لا نحتاج كثيراً من الأدلة لاثبات هذه التهمة لكونها من ثمرات الاعتقاد بوحدة الوجود، كما أن صِلاته باليهود والنصارى ودولهم، وكذلك صِلاته بغيرهم من أهل الملل تؤكد هذا الأمر، وكذلك انتسابه وترؤسه للمحافل الماسونية التي تدعو إلى ذلك بكل صراحة ووضوح.

يقول شيخ الاسلام في الدولة العثمانية مصطفي صبري عن دعوة الأفغاني ومحمد عبده : “وأما الدعوة الإصلاحية المنسوبة إلى محمد عبده فخلاصته أنه زعزع الأزهر عن جموده على الدين !! فقرب كثيراً من الأزهريين إلى اللادينيين ولم يقرب اللادينيين إلى الدين خطوة وهو الذي أدخل الماسونية في الأزهر بواسطة شيخه جمال الدين الأفغاني كما أنه شجع قاسم أمين على ترويج السفور في مصر”، 1/133-134.

و يقول تلميذه محمد عبده : “وإنا نرى التوراة والإنجيل والقرآن ستصبح كتباً متوافقة وصحفاً متصادقة يدرسها أبناء الملتين ويوقرها أرباب الدينين فيتم نور الله في أرضه ويظهر دينه الحق على الدين كله”، (الأعمال الكاملة لمحمد عبده جمع محمد عمارة 363ـ 364/2).

هـ – القول بنظرية النشوء و الارتقاء :

واشتهر عنه القول بنظرية النشوء و الارتقاء، و هي تهمة متفرعة عن التهمة الأولى، الإلحاد، يقول الشيخ رشيد رضا عن الأفغاني : “وكلامه في النشوء والترقي يشبه كلام داروين”، انظر : تاريخ الأستاذ الإمام ـ (1/79).

سلوكيات جمال الدين :

قال سليم عنجوري كما في كتاب (لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث) للوردي (3/113) : “كان (الأفغاني) يكره الحلو ويحب المر، ويكثر من الشاي والتبغ، وإذا تعاطى مسكراً، فقليلاً من الكونياك”.

وأكَّد ذلك محمد رشيد رضا الذي يقول : “كان الأفغاني يشرب قليلاً من الكونياك، وهو نوع من الخمر”، تاريخ الأستاذ الامام (1/49).

وكان جمال الدين ممن يشجع على السفور، بل هو باذر نبتته، فقد نقل أحمد أمين عن جمال الدين أنه كان يقول : “وعندي أنه لا مانع من السفور إذا لم يتَّخذ مطيَّة للفجور”، زعماء الإصلاح في العصر الحديث (ص 114).

وقد تبنى هذه الفكرة تلامذته من بعده، و نشروها بكل جد واجتهاد لا يُحمدون عليه، و بالأخص تلميذه محمد عبده.

وذكر الشيخ يوسف النبهاني مفتي بيروت أنه : “اجتمع به – أي بالأفغاني – سنة 1287 هـ في مصر حين كان مجاوراً بالأزهر ولازمه من قبل المغرب إلى قرب العشاء فلم يصل المغرب”، كما ذكر مثل ذلك عن تلميذه محمد عبده فقال : “الذي أعلمه من حال الشيخ محمد عبده، وكل من عرفه يعلمه كذلك، أنه حينما كان في بيروت منفياً كان كثير المخالطة للنصارى والزيارة في بيوتهم والاختلاط مع نسائهم بدون تستر، هذا مما يعلمه كل من عرف حاله في هذه البلاد، فضلاً عن أسفاره المشهورة إلى بلاد أوروبا واختلاطه بنساء الأفرنج وارتكابه المنكرات من شرب الخمر وترك الصلوات، ولم يدَّعِ هو نفسه الصلاح، ولا أحد توهمه فيه، فكيف يكون قدوة وإماماً في دين الإسلام، نعم هو إمام الفسَّـاق والمرّاق مثله، ولذلك تراهم على شاكلته، لا حج ولا صلاة ولا صيام ولا غيرها من شرائع الأسلام”.

وقال بعد ذلك : “دعاني رجل من أهل جبل لبنان سنة 1305 هـ وهي توافق 1888 مـ إلى بيته فتوجهت معه فوجدت هناك الشيخ محمد عبده، فتصاحبنا من الصباح إلى المساء لم أفارقه نهاراً كاملاً، فصليت الظهر والعصر ولم يصل ظهراً ولا عصراً، ولم يكن به علة ولا عذر له، إلاَّ خوفه من أنه إذا صلى بحضوري يقول أولئك الحاضرون الذين كان لا يصلي أمامهم أنه يرائي في هذه الصلاة لأجلي، فغلب عليه شيطانه، وأصر على عدم الصلاة، وإلا فقد بلغني عنه أنه كان يصلي تارة ويترك أكثر”. نقلا عن كتاب (الاسلام والحضارة الغربية) للأستاذ الدكتور محمد محمد حسين.

و قد ذكر النبهاني ذلك أيضاً في رائيته الصغرى، إذ يقول :

و لكنكــــم مع تركــــه الحـج مـــــرةً ………. و حجٍّ لباريس و لندنــــة عشــــــرا

ومع تركــــه فرض الصلاة و لم يكــن ………. يســـــرُّ بذا بل كان يتركها جهـــــرا

و مع كونه شيخ (الماسون) مجاهراً ………. بذلك لا يُخفي أخُوَّتهم ســــــــــــرا

ومع غيـــر هذا من ضلالاتـــــه التي ………. بها سار مثل السهم للجهة الأخرى

تقولون أســـــــــتاذٌ إمام لديننــــــــا ………. فما أكذب الدعوى وما أقبح الأمـــرا

و نحن نراه عندنا شـــــر فاســــــقٍ ………. فيُقتلُ فســــقاً بالشـــريعة أو كفرا

انظر الرائية الصغرى ضمن كتاب العقود اللؤلؤية من المدائح النبوية للشيخ يوسف النبهاني ص 383.

أسفاره و مغامراته :

1- في الهند (المرة الأولى) :

بعد أن تم إعداد جمال الدين إعداداً متقناً من قبل الاستعمار البريطاني، تم إرساله إلى الهند التي كانت تقبع في ذلك الوقت تحت الاحتلال الانجليزي، فارتحل جمال الدين وهو في الثامنة عشر من عمره إلى الهند، حيث احتضنه الاستعمار هناك، وأقام بها سنة وبضعة أشهر يدرس العلوم الحديثة على الطريقة الأوروبية و يتعلم فيها بعض العلوم الحديثة، و هناك رأى أن يؤدي فريضة الحج، فاغتنم هذا الفرصة وقضى سنة ينتقل في البلاد، ويتعرف أحوالها، وعادات أهلها، حتى وافى مكة المكرمة سنة 1273 هـ 1857 م.

2- في أفغانستان :

ثم أرسِل في مهمة استعمارية إلى أفغانستان، و ليكتسب أيضاً النسبة الأفغانية، و هناك كلِّف بكتابة (تتمة البيان في تاريخ أفغانستان) إمعاناً في التمويه.

وقضى جمال الدين ثمان سنوات في بلاد الأفغان كانت حافلة بأنواع الدسائس و المكائد بين أمراء تلك البلاد، مِما أجج الحرب بين كل من محمد أعظم، و شير علي ابني الأمير حاكم أفغانستان دوست محمد خان خلال تلك الفترة.

3- في الهند (المرة الثانية) :

ثم عاد إلى الهند عام 1869م، فلما وصل إلى التخوم الهندية تلقته الحكومة الانجليزية بالحفاوة والإكرام لترسله في مهمة جديدة إلى أرض الكنانة، حيث قدم على ظهر باخرة بريطانية إلى ميناء السويس.

4- في مصر (المرة الأولى) :

في أوائل سنة 1870 م (أواخر سنة 1286 هـ) قدم الأفغاني إلى مصر لأول مرة، و استقبل بكل حفارة وأقام بمصر أربعين يوماً، ومُكَّن من التردد على الأزهر، فاتصل به كثير من الطلبة، وقرأوا عليه شروحاً في المنطق و الفلسفة، في بيته الذي نزل به بخان الخليلي، ثم عزم على السفر إلى الآستانة.

5- في تركيا (المرة الأولى) :

وصل السيد جمال الدين إلى الآستانة، فلقي من جمعية الاتحاد و الترقي حفاوة وإكراماً، فلم تمض ستة أشهر حتى كان عضواً في مجلس المعارف، و بدا واضحاً لأهل العلم غرابة توجهاته وخبثها، مما جعله محل نقمة و سخط علماء الدولة، لا سيما شيخ الإسلام حسن فهمي أفندي.

وإثر محاضرة ألقاها في جمع حاشد في رمضان سنة 1287 هـ (ديسمبر سنة 1870 م) في دار الفنون للحث على الصناعات، قال فيها جمال الدين : أن النبوة صناعة مكتسبة، رماه علماء الآستانة بالإلحاد والمروق من الدين.

و ألَّف الشيخ (خليل فوزي الفيليباوي) إثر ذلك كتاباً باللغة العربية عَنونَه بـ : (السيوف القواطع) للرد على عقيدة الأفغاني، وترجم الكتاب في تلك الفترة إلى اللغة التركية، مما حدا بالدولة العثمانية أن تصدر أمراً بإخراجه من البلاد.

6- في مصر (المرة الثانية) :

الأفغاني و إسماعيل :

و من الأمور التي لم يختلف فيها المؤرخون المحققون أن الأفغاني كان رأساً كبيراً في الماسونية العالمية، ولكونه من كبار الماسون العالميين فقد استقدمه رياض باشا اليهودي الأصل، ورئيس الوزراء في عهد إسماعيل باشا، بأمرٍ من إسماعيل باشا (الماسوني) إلى مصر.

ومع كثرة البلاد التي طاف بها الأفغاني يمكن القول أنه لم يُحدث أثرا في أي من هذه البلاد كما أحدث في مصر التي أقام بها قرابة ثماني سنوات بدأت في مارس 1871م وامتدت حتى أغسطس 1879م.

حيث دخل السيد جمال الدين الأفغاني مصر، للمرة الثانية، في مارس في أول المحرم سنة 1288 هـ (مارس سنة 1871 م)، فأجرت عليه حكومة إسماعيل باشا راتباً مقداره ألف قرش كل شهر، دون عمل، و كان الطلبة يقرأون عليه في بيته في علم الكلام، والحكمة النظرية، من طبيعية وعقلية، وعلوم الفلك، والتصوف كنوع من التضليل.

وتولى رياض باشا رعايته فيها، وأعد له سكناً في حارة اليهود حيث يمكن الأفغاني إنشاء جمعياته السرية، و بمساعدة من رياض باشا ضم الأفغاني إليه عدداً كبيراً من أصحاب النفوذ في مصر.

وكان إسماعيل باشا قد استقدمه لأمرين :

1- أن إسماعيل باشا كان أيضاً ماسونياً، بل و متحمساً للماسونية مع ميل جارف إلى الأوروبيين، فلذلك رحب بأحد أكابر الماسونيين العالميين الذين يسيرون في فلك الماسونية العالمية، لا سيما البريطانية منها.

2- طموحات إسماعيل باشا الانفصالية :

فليس خافياً ما كان يبذله إسماعيل باشا من المساعي للانفصال عن تركيا في ذلك الحين، وظهوره بمظهر العاهل المستقل، كما في المعرض العالمي في باريس سنة 1867م، وفي إغفاله دعوة السلطان إلى حضور حفلات افتتاح القناة سنة 1869م، وعزمه على إعلان استقلال مصر التام في تلك الحفلات، لولا العقبات السياسية التي اعترضته، مما أوجد أنواعاً من مظاهر الفتور والجفاء بين الخديوي والسلطان التي كادت أن تقطع الروابط بينهما، وأخصها فرمان نوفمبر سنة 1869م الذي أصدره السلطان منتقصاً من سلطة الخديوي.

فقد كان إسماعيل يرى في حكمه منافساً لحكومة الآستانة في المكانة والنفوذ السياسي، وينظر إليها بعين الزراية، ولا يرضى لمصر أن تكون تابعة لتركيا، ولا أن يكون هو تابعاً للسلطان العثماني، مستطيلاً بذلك بعلاقاته مع الانجليز، إذ كان يطمح للانضمام إلى أوروبا، وكان كثيراً ما يصرح بأن حلمه الأكبر أن يجعل من مصر قطعة من أوروبا، ولذلك فقد وجد إسماعيل باشا ضالته في الأفغاني الذي كان يناهض الحكم العثماني أينما حل.

الأفغاني و العمل السري :

مما يريب الباحث في شخصية الأفغاني وأهدافه أيضاً أن جلَّ نشاطاته كانت تتم بالخفاء حيث ما حل، وأنَّى ارتحل، واتجه جمال الدين للانخراط في العمل السري بعدة وسائل، فمن ذلك :

أ- الانخراط في الماسونية :

سرعان ما اتصل الأفغاني بالماسونية العالمية بالديار المصرية منذ حل في أرضها، فانضم مباشرةً إلى المحفل الماسوني البريطاني.

وفي كلمة ألقاها في المحفل البريطاني عاب فيها عليهم عدم التدخل في السياسة، يقول فيها : “دعوني أكون عاملاً ماسونياً نزيهاً متجنباً للرذائل، إذا لم يكن حرصاً على شرف شخصي؛ فتخوفاً من أن تعاب الماسونية بي، فيتخذني الأغيار سهماً للطعن بها وهي براء منه، وما ذنب الماسونية إلا أنها قبلتني بين أفرادها دون اختيار صحيح، وأبقت عليّ من غير تبصُّر؟”.

إلاَّ أنه استقال من المحفل الاسكتلندي البريطاني كخطوة سياسية، إذ كيف يكون من سيتصدر الثورة ضد الاحتلال الانجليزي أمام الجماهير عضواً في محفل ماسوني بريطاني.

و التحق بالمحفل الماسوني الفرنسي (كوكب الشرق)، و هو أول محفل اشتغل باللغة العربية، وكان لايؤمه إلا المصريون فحسب أو من هم في حكمهم، وقد ترأسه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وبعض الشوام، و وجه إليهم حينذاك خطاباً يطلب فيه الانضمام إليهم؛ قال فيه : “يقول مدرس العلوم الفلسفية بمصر المحروسة، جمال الدين الكابلي الذي مضى من عمره سبعة وثلاثون سنة : بأني أرجو من إخوان الصفا وأستدعي من خلان الوفا، أعني : أرباب المقدس الماسوني؛ الذي هو عن الخلل والزلل مصون!، أن يمنوا علي ويتفضلوا إلي بقبولي في ذلك المجمع المطهر! وبإدخالي في سلك المنخرطين في ذلك المنتدى المفتخر، ولكم الفضل”.

وبعد ثلاث سنوات أصبح من أهم رجال المحفل الماسوني، بل تم اختياره رئيساً له؛ كما جاء في رسالة المحفل إلى جمال الدين، وهي :

“لوج كوكب الشرق نمرة 1255

في القاهرة بمصر و7 جنايو 1878/5878

إلى الأخ جمال الدين المحترم.

إنه لمعلوم لديكم بأن في جلسة 28 الماضي، وبأغلبية الآراء صار انتخابكم رئيس محترم لهذا اللوج لهذا العام؛ ولذا قد نهنيكم ونهني ذواتنا على هذا الحظ العظيم، وعن أمر الرئيس محترم الحالي أدعو إخوتكم للحضور يوم الجمعة القادم 11 الجاري الساعة 2 عربي بعد الغروب إلى محفل هذا اللوج لأجل استلامكم القادوم بعد إتمام ما يجب من التكريز الاعتيادي، ثم سيصير يوم الخميس 10 الجاري الساعة 6 أفرنجي مساء، تكريز رئيس محترم لوج كونكورديه، فالرجاء حضوركم في اليوم المذكور للاشتراك في الأشغال، وفي الحالتين ملابسكم تكون سوداء، ورباطة الرقبة والكفوف بيضاء، واقبلوا منا العناق الأخوي.

كاتب سر

نقولا سكروج”.

و سواءٌ ترأس الأفغاني المحفل الاسكتلندي البريطاني أو المحفل الفرنسي، فكلا المحفلين كانا يخدمان المخطط الانجليزي الفرنسي لتسليم مصر إلى بريطانيا مقابل إعطاء المغرب لفرنسا.

و استقال الأفغاني من المحفل وأنشأ محفلاً آخر تابعاً للشرق الفرنسي الذي سرعان مابلغ أعضاؤه أكثر من 300 عضواً من نخبة المفكرين والناهضين المصريين، ولما كان هذا المحفل مطلق الحرية، فقد دعاه محفل (كوكب الشرق).

الأفغاني والجمعيات السرية :

وكذلك أنشأ الأفغاني الجمعيات السرية، ومن تلك الجمعيات السرية :

أ‌- الحزب الوطني الحر، والذي لم يمضِ على تأسيسه عام واحد حتى أصبح أعضاؤه 20180 عضواً، و أصبح له رصيد ضخم في المصارف.

ب- جمعية مصر الفتاة وأنشأ جمعية (مصر الفتاة)، وكان معظم أعضائها من شبان اليهود.

وقد تبع تلاميذ الشيخ جمال الدين الأفغاني شيخهم في الانضمام إلى الماسونية والجمعيات السرية، و منهم كثير من الأدباء و المفكرين، و الزعماء السياسيين، ومن أهمهم :

1- تلميذه محمد عبده، و الذي ورث الماسونية الفكرية المتلبسة بلباس الدين.

2- سعد زغلول، و الذي ورث الماسونية السياسية، و الذي اختاره اللورد كرومر وزيراً للمعارف عام 1907م ثم انتخب وكيلاً للجمعية التشريعية المصرية.

وبعد الحرب العالمية الأولى كون سعد وفداً لمفاوضة الإنجليز حول استقلال مصر عن الإمبراطورية البريطانية فأطلق شرارة ثورة 1919م.

ثم كون حزب الوفد المصري وفاز في الانتخابات البرلمانية عام 1924م وكون الوزارة وأصبح أيضاً رئيس البرلمان المصري ثم استقال من منصب رئيس الوزراء ثم انتخب رئيساً للنواب عام 1925م و توفي عام 1927م.

ويعتبر سعد زغلول من أهم دعاة العلمانية، وله الدور العملي الأساسي بحركة السفور بمصر مع صديقه قاسم أمين تلميذ الشيخ محمد عبده و صاحب كتاب (المرأة الجديدة) في الدعوة إلى تحرير المرأة والسفور.

وقد ألف الشيخ محمد عبده أكثر فصول الكتاب، و دافع عنه، و سار بذلك على خطى شيخه الأفغاني الذي صرح بأنه لا يرى تحريم السفور إذا لم يكن مطيةً للفجور يقول محمد عمارة : “والرأي الذي أؤمن به والذي نبع من الدراسة لهذه القضية هو أن هذا الكتاب إنما جاء ثمرة لعمل مشترك بين كل من الشيخ محمد عبده وقاسم أمين … وإن في هذا الكتاب (يعني كتاب تحرير المرأة) عدة فصول قد كتبها الأستاذ الإمام وحده، وعدة فصول كتبها قاسم أمين، ثم صاغ الأستاذ الإمام الكتاب صياغته النهائية، بحيث جاء أسلوبه على نمط واحد هو أقرب إلى أسلوب محمد عبده منه إلى قاسم أمين”، الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده (1/247 – 248).

وقد اتخذ الأفغاني الأعوان والمساعدين من اليهود والنصارى، فقد جعل من معاونيه يعقوب صنوع اليهودي صاحب الأموال، وأبو نظارة النصراني والذي رثاه الأفغاني في (العروة الوثقى)، وسليم عنجوري النصراني الذي تسلم صحيفة (مرآة الشرق).

وكانت سياسة حكومة إسماعيل باشا التي أفضت إلى تدخل الدول في شؤون مصر وامتهانها كرامة البلاد واستقلالها قد ولَّدت الكراهية المطلقة لدى الشعب المصري لنظام حكم إسماعيل باشا.

عند ذلك أنشأ الأفغاني الكثير من الأدوات الماسونية كالأحزاب السياسية و الحركات الوطنية المشبوهة، و المجلات و الجرائد الساخنة التي سخرها لمحاربة البلاط الملكي.

وما أنشأه غير الماسون تمت فيما بعد سرقته ماسونياً من قبل جمال الدين الأفغاني وتلامذته.

في هذه الأثناء زاد خطر الأفغاني لكونه كان على قائمة الهرم الماسوني، والذي ترتبط به كثير من الحركات الوطنية، فأسس الصحف المختلفة و شارك في الكتابة فيها، كما بدأ في بث أطروحات سياسية كالحياة النيابية، و البرلمان، والمشاركة الشعبية، و المجالس الوطنية ممَّا أسهم في تسخين الشارع المصري.

ولم يتجه جمال الدين إلى المشاركة السياسية العلنية ضد الانجليز و القصر الملكي إلا حوالي سنة 1876م بعد تطبيق سياسات التدخل الإنجليزية.

ثم بدأت خطورة جمال الدين تكبر شيئاً فشيئاً، و في سنة 1878م كانت له الكلمة الفصل في الحياة السياسية عبر أدواته الاعلامية و السياسية من خلال تلاميذه الماسون الذين تسنموا المناصب العليا في الدولة.

وهناك من انخدع به كأحمد عرابي باشا، مِمَّا جرَّ على أرض الكنانة الكثير من الويلات، وأنواع المضائق والأزمات.

بل وصل بالأفغاني الأمر أن فكر في اغتيال الخديوي إسماعيل أثناء مروره على كوبري قصر النيل، فقد كان جمال الدين متفقاً على برنامج الحكم مع ابنه توفيق الذي كان الأفغاني قد نجح في ضمه إلى محفله الماسوني.

الوضع السياسي خلال عهد إسماعيل باشا :

الخديوي إسماعيل هو ابن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا المولود عام 1830 م، خامس حكام مصر من أسرة محمد علي باشا، و إسماعيل هو الذي أغرق مصر بالديون و إن كانت تلك الديون قد ابتدأت في عهد سلفه محمد سعيد بن محمد علي من 1854م إلى 1864م، الذي منح امتياز شق قناة السويس لصديقه المهندس الفرنسي (دي ليسابس) بشروط مجحفة جرَّت على بلاد مصر الويلات فيما بعد.

ولد اسماعيل في القاهرة عام 1830م، و أتم دراسته في باريس، و عاد إلى مصر حيث أصبح وريثاً شرعياً للعرش.

وفي 18 يناير 1863م أصبح إسماعيل والي مصر بعد وفاة عمه سعيد باشا، و كان الأمير (حليم) شقيق إسماعيل باشا هو الوريث الشرعي لإسماعيل باشا، بناءً على بروتوكول الوراثة القديمة، إلاَّ أنَّ إسماعيل نجح في أن يجعل الوراثة لابنه توفيق أكبر أبنائه، بعد أن أنفق هدايا ورشاوى للباب العالي للحصول على فرمان 1866م لتحويل الولاية إلى أكبر أبنائه، ثم فرمان 1867م للحصول على لقب الخديوي.

و خلعته إنجلترا عن العرش في 1879م نتيجة لتبذيره الذي جر على البلاد التدخل الأجنبي، بعد أن ضغطت على السلطان العثماني لاستصدار أمر بعزله و تولية ابنه توفيق، وبعد عزله سافر على الفور إلى نابولي بإيطاليا، ثم انتقل بعدها للإقامة في الآستانة، حيث توفي في 2 مارس 1895م.

النشاط الماسوني في عهد إسماعيل :

كان إسماعيل باشا ماسونياً صرفاً كجدِّه محمد علي، وكان متأثراً جداً بالحياة في أوروبا، و ذلك جرَّاء إقامته للدراسة في فرنسا، فكان يحلم بـأن يجعل مصر قطعة من الغرب، و لذلك فقد لجأ إسماعيل باشا إلى استمالة حكام أوروبا له، فكان يهدي كل واحد منهم يزور مصر مسلة فرعونية وهي التي تظهر في ميادين العواصم الأوروبية الآن.

وحين تولى حكم مصر ألقى مقاليد البلاد لليهود والماسونيين الذين كانوا يسيطرون على نظام الحكم في مصر ويتحكمون في شؤون البلاد إقتصادياً وسياسياً.

وزاد النشاط الماسوني في مصر في عهد إسماعيل باشا جدَّاً، واحتل الماسونيون في عهده أعلى المناصب في البلاد، فكان رئيس الوزراء والوزراء والمديرون وكبار الشخصيات في مصر من الماسونيين الذين كانوا قد عادوا من فرنسا، ومنح إسماعيل الماسونيين ألقاب (باشا) و (بك) و (أفندي) دون غيرهم من المواطنين.

والتف اليهود حول إسماعيل باشا وأحسوا بأنه فريسة سهلة يمكن توريطها والزج بها في المستنقع الذي ترسمه له الصهيونية العالمية .. واستغل اليهود حماس إسماعيل باشا في أنه يريد أن تكون القاهرة مثل باريس التي عاش فيها.

ثم فتح إسماعيل باشا الوظائف الحكومية العامة على مصراعيها لليهود، ولاسيما في أقسام وأقلام الحسابات والترجمة، وبدأ اليهود في تحقيق آمالهم في السيطرة على مصادر المال والذهب في مصر.

وكان من أوائل اليهود الذين عملوا في هذه الوظائف (فيكتور هراري) و (إفرايم عاداة) اللذان تدرجا حتى صار الأول مديراً عاماً للخزانة المصرية، وصار الآخر مراقباً بوزارة المالية، و عين (يعقوب منشه) (صراف باشي) للخديوي إسماعيل وهو الذي أسس مع (يعقوب قطاوي) بيتاً للصرافة والتجارة ولاقى نجاحاً وشهرة حتى أنهما فتحا أفرعاً في إنجلترا فيما بعد.

وتمكن اليهود و الماسون من إصدار أول صحيفة يهودية سنة 1877م، وامتلكها اليهودي المعروف (يعقوب صنوع) أحد كبار مريدي الأفغاني والذي أطلق إسم (أبو نظارة) على صحيفته، وتبعه زميله اليهودي (موسي كاستلي) عام 1879م فأصدر صحيفة (الكوكب المصري).

واستغل اليهود الموقف فأصدروا الصحف والمجلات التي تخدم أهدافهم الرئيسية التي تساعدهم على إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، ولما كان محمد علي قد عين من قبل يهودياً ضمن أفراد حاشيته، فإن ابنه عباس الأول قرب إليه (يعقوب قطاوي) وعينه في وظيفة صراف عام.

وكذلك فعل إسماعيل الذي فتح الباب على مصراعيه لأعداد كبيرة من اليهود واستعان بهم في مفاوضات الحصول على القروض الأجنبية من البيوت المالية اليهودية الكبرى في أوروبا مثل بيت (أوبنهايم) وبيت (روتشيلد).

حليم باشا و الماسونية :

عَهِدَ اسماعيل باشا برعاية الماسونية إلى أخيه الأمير حليم (عبدالحليم) شقيق إسماعيل باشا الوريث الشرعي لعرش مصر حسب نظام الوراثة المعمول به منذ عهد محمد علي باشا، وذلك لإلهائه عن المطالبة بالعرش.

و هنالك ركز الماسونيون اهتمامهم بالأمير حليم نظراً لحماسه الشديد للنشاط الماسوني في مصر .. و كان قد أتم تعليمه أيضاً في فرنسا، في كلية (سان سيتر) العسكرية مع إسماعيل باشا وعاد إلى مصر عام 1845م وهو يعتصر ماسونية، واختاره الماسونيون أستاذاً كبيراً لهم في (محفل الشرق الأكبر الماسوني المصري) عام 1867م، وتحول قصره في شبرا إلى محفل ماسوني، بل حضر ولي عهد بريطانيا حفل تنصيبه في ذلك القصر.

وكان معظم أعوان الأمير حليم من الماسونيين الإيطاليين والفرنسييين واليهود، ومن بين اليهود الخطيرين والذين لعبوا دوراً هاماً في نشر الماسونية في مصر تلميذ الأمير حليم المدعو (يعقوب صنوع) و (حسن موسى العقاد) أحد كبار تجار القاهرة.

أوربا تصطاد إسماعيل :

كانت إنجلترا وفرنسا قد وضعتا خطة عام 1852م لخنق مصر إقتصادياً، ليكون هناك سبب لإرسال الحملة البريطانية لتحتل مصر فيما بعد في مقابل احتلال فرنسا للجزائر.

وبدأت أوروبا تتخذ من اليهود وسيلة لإيقاع إسماعيل في فخ الديون، و لكون إسماعيل باشا كان قد بلغ درجة عالية من الماسونية حتى قيل إنه (راعي الماسونية) في مصر، فقد أصدر أمراً بتشكيل وزارة يرأسها الماسوني (نوبار باشا) وهو الذي شارك في إغراق إسماعيل باشا في ديون ضخمة جداً، و نوبار هذا أسهم بشكل كبير في إنشاء المحافل الماسونية في مصر، و كذلك كان هو من أشرف على حفر قناة السويس.

وفرض البيت المصرفي الإنجليزي أول قرض على مصر بمبلغ 3 مليون جنيهاً استرلينياً بفوائد كبيرة، وسلم إسماعيل باشا الأمر لليهود المختصين في وزارة ماليته طوال 12 سنة، ونجحوا مع المصارف البريطانية من فرض 7 قروض أخرى على مصر.

وفي عام 1875م بلغت ديون مصر حوالي 100 مليون جنيه إسترليني، مما أدى إلى خلق حالة من الإفلاس للحكومة المصرية، وكان ذلك بسبب إنشاء دار للأوبرا تشبه ما هو موجود في باريس وروما، وإنشاء 20 قصراً من أعظم قصور العالم منها قصر عابدين وقصر القبة، ورأس التين والمنتزه وغيرها .. ليتوارثها أولاده وأحفاده من بعده.

بالإضافة إلى المصاريف الضخمة التي صرفت على الحفلة الشبه خرافية التي أقامها لافتتاح قناة السويس عام 1869م.

الخطة المشتركة البريطانية الفرنسية لاحتلال مصر :

اتفق اليهودي العالمي ديزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت مع فرنسا أن تعمل على تسليم مصر للاحتلال البريطاني مقابل أن تترك إنجلترا دول المغرب للاستعمار الفرنسي.

واستغل دزرائيلي سيطرة اليهود على شؤون الخديوي إسماعيل وتغلغلهم في داخل الشؤون المالية والاقتصادية في البلاد، وعن طريقهم أقنع الخديوي إسماعيل بضرورة بيع حصته في أسهم قناة السويس مقابل 4 ملايين جنيه إسترليني، ودزرائيلي هذا يهودي متعصب تظاهر باعتناق الدين المسيحي من أجل أن يتولى رئاسة الوزراء حسب الدستور البريطاني.

واتصل دزرائيلي سراً بآل روتشيلد في فرنسا وحصل منهم على قرض ليستغله في إغراق الخديوي إسماعيل في ديونه التي زادت عن حدها، وكانت الخطة قد وضعتها إنجلترا بالاتفاق مع فرنسا على أساس إغراق مصر في ديون تعجز عن سدادها ويكون ذلك سبباً لتقدم القوات البريطانية لاحتلال مصر، وقد ساهم يهودي فرنسي يدعي (ناتانيل) من أقارب (روتشيلد) في إرباك الاقتصاد والشؤون المالية في مصر مما جعله يستحق أن ينال لقب (بارون) على ذلك العمل المجيد.

وأسرفت حكومة إسماعيل بسياساتها الحمقاء في القروض غير المبررة، مما فتح الباب على مصراعيه لانجلترا للتدخل في شؤون البلاد، وبدأت عواقب هذا الإسراف تظهر للعيان رغم ما بذلته الحكومة لإخفائها بمختلف الوسائل.

بداية التدخل الانجليزي

يمكننا أن نحدد أواخر سنة 1875م، وأوائل سنة 1876م كبدايةٍ للتدخل الأوروبي، إذ حدث من مظاهره وقتئذ :

شراء إنجلترا أسهم مصر في القناة بأربعة ملايين جنيه، فقد استغل اليهودي العالمي دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت سيطرة اليهود على شؤون الخديوي إسماعيل وتغلغلهم في داخل الشؤون المالية والاقتصادية في البلاد، وعن طريقهم أقنع الخديوي إسماعيل بضرورة بيع حصته في أسهم قناة السويس مقابل 4 ملايين جنيه إسترليني.

ثم كان قدوم بعثة المستر (كيف) الإنجليزية لفحص مالية مصر.

ثم توقف حكومة إسماعيل عن أداء أقساط ديونها، وما أعقب ذلك من إنشاء صندوق الدين في مايو سنة 1876م.

هذا التدخل كان من الأسباب الجوهرية التي حفزت النفوس إلى التبرم بنظام الحكم، والتخلص من مساوئه، لأن سياسة الحكومة هي التي أفضت إلى تدخل الدول في شؤون مصر وامتهانها كرامة البلاد واستقلالها.

الفرصة الأفغانية :

و هنا كانت الفرصة الذهبية للأفغاني لمهاجمة القصر الملكي، والدعوة إلى الثورة على القصر وحلفائه الانجليز، و من ثم التمهيد للثورة العرابية التي أدت بالبلاد للوقوع في يد المحتل الأجنبي.

وابتدأ الأفغاني هذا الأسلوب منذ عام 1876م، بينما استخدم الأفغاني من أجل ذلك تلاميذه من نواب مجلس الشورى، وعلى رأسهم عبد السلام بك المويلحي باشا والذي يعد من كبار تلامذته.

كما استخدم الأفغاني لذلك الصحف السياسية التي كان يشرف عليها تلامذته مثل سليم نقاش وأديب اسحاق النصرانيين و عبدالله النديم صاحب جريدة (التبكيت و التنكيت)، بل حتى الصحف الهزلية مثل يعقوب صنوع اليهودي، والذي اشتهر باسمه الهزلي (أبو نظارة).

يقول سليم بك العنجوري أحد أدباء سورية و تلميذ الأفغاني حين زار مصر ووصف مكانة السيد : “في خلال سنة 1878م زاد مركزه خطراً وسما مقامه، لأنه تدخل في السياسات وتولى رئاسة جمعية (الماسون العربية) وصار له أصدقاء وأولياء من أصحاب المناصب العالية، مثل محمود سامي البارودي الذي نفي أخيراً مع عرابي إلى جزيرة سيلان، وعبد السلام بك المويلحي النائب المصري في دار الندوة، وأخيه إبراهيم (المويلحي) كاتب الضابطة، وكثر سواد الذين يخدمون أفكاره، ويعلون بين الناس مناره، من أرباب الأقلام، مثل الشيخ محمد عبده، وإبراهيم اللقاني، وعلي بك مظهر، والشاعر الزرقاني، وأبي الوفاء القوني في مصر، وسليم النقاش، وأديب اسحق، وعبد الله النديم في الإسكندرية”.

الأفغاني و توفيق باشا (1879م-1892م) :

عمل جمال الدين الأفغاني من خلال علاقاته الماسونية باستمالة ولي العهد توفيق، إذ كان توفيق ماسونياً من النخبة، إذ ترأس فيما بعد المحفل الماسوني، و قام الإنجليز بدورهم بالاتصال بالسلطان العثماني الذي أصدر فرماناً بعزل إسماعيل باشا في يونيو 1879م وتولية ابنه توفيق حكم مصر.

فلما وُلِّي توفيق باشا بعد ذلك ظهرت المحافل الماسونية الفرنسية والانجليزية والمصرية في جميع أنحاء مصر وانتقل النشاط الماسوني إلى القاهرة، بعد أن كانت المحافل الماسونية منحصرةً في الاسكندرية، و التي كانت مركز الماسونية في مصر حتى عام 1879م.

وحين تولى الخديوي توفيق تلميذ الأفغاني الحكم أحس بخطورة الأفغاني وما يبثه من أفكار، أو هكذا قيل، فأصدر أمره بنفيه من البلاد، أو هكذا كانت الحبكة الحوارية، لطريقة إخراج الأفغاني من مصر، ليستمر في نشاطاته الماسونية، من نسج للمؤامرات وإسقاطٍ للأنظمة، خارج الديار المصرية.

لقد تولى توفيق باشا بناءً على وساطة بريطانية، في عهد التدخل البريطاني، فهو بذلك تحت طائلة الانجليز، ولنا أن نتساءل لماذا يقوم الانجليز بإخراج رجلهم الأول و لاعبهم المفضل في المنطقة؟؟؟، إلا إذا كان ذلك خوفاً عليه من غوائل و نتائج الحركة العرابية، في حين قد لاحت لهم في الأفق مهمات أُخَر.

ومن زاوية أخرى : كانت المهمة الأصعب من الناحية التخطيطية و التجهيزية للمؤامرة قد انتهت، و لم تبقَ إلاَّ النواحي التنفيذية و العسكرية و كان الجيش الانجليزي في الميدان، وسفنه تمخر قناة السويس جيئةً وذهاباً.

لِيُقبَض حينذاك على الأفغاني في ليلة الأحد سادس رمضان سنة 1296هـ – 24 أغسطس سنة 1879م، وهو ذاهب إلى بيته هو وخادمه الأمين (أبو تراب) ليُحمَلَ في الصباح في عربة مقفلة إلى محطة السكة الحديدية، ومنها نقل تحت المراقبة الشديدة إلى السويس، وأنزل منها إلى باخرة أقلته إلى الهند، وسارت به إلى بومباي، و إثر ذلك قامت الحكومة بنشر بلاغ رسمي من إدارة المطبوعات بتاريخ 8 رمضان سنة 1296هـ (26 أغسطس سنة 1879 م) ذكرت فيه نفي السيد بعد أن نسبت إليه السعي في الأرض بالفساد، و أنه “رئيس جمعية سرية من الشبان ذوي الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا”، وحذرت الناس من الاتصال بهذه الجمعية.

وبذلك تم نفيه خارج مصر؛ و لكن بعد أن تمكن تلامذته من البلاد في جميع الأصعدة، وعلى كافة المستويات، بل كان بعض تلامذته أعضاء في مجلس الوزراء، مثل تلميذه محمود سامي البارودي ناظر الأوقاف حينذاك و رئيس الحكومة فيما بعد.

آلية الخطة المشتركة :

كانت الخطة الإنجليزية الفرنسية الأفغانية تقضي بافتعال ثورة وطنية فاشلة ضد حكم إسماعيل الفاسد، ليتم بعد ذلك احتلال بريطانيا لمصر بحجة حماية مصالحها و مواطنيها، وهو ما كان بالضبط من خلال ثورة عرابي الذي أوقعته السياسة الأوروبية في حبائلها عن طريق وكيلها المعتمد الدائم السيد جمال الدين الأفغاني، و الذي غادر إلى الهند، و ترك مخطط (بيع مصر) في أيدٍ (غير أمينة) ليشرف على تنفيذه كل من الانجليز، و تلميذه الخديوي توفيق، و باقي تلامذته من الماسون (الوطنين) و على رأسهم الماسوني العريق الشيخ محمد عبده الذي كان يشرف على تلميذه (المخدوع) أحمد عرابي.

الثورة العرابية :

كانت القشة التي قصمت ظهر البعير و الشرارة التي استوجبت الثورة العرابية هي مظالم عثمان رفقي ناظر الجهادية (وزير الحربية) في عهد توفيق ضد الجنود والضباط المصريين مما دفع بالضباط المصريين بقيادة عرابي للمطالبة برفع الظلم عنهم و إقالة رفقي، فأرسلوا رسالة إلى رياض باشا ناظر النظار (رئيس الوزراء) يطالبونه فيها بعزل عثمان رفقي (وزير الحربية) التركي المتغطرس ويطالبونه فيها بمساواة المصريين بأقرانهم من الأتراك ووقع على الرسالة الزعيم أحمد عرابي وعبد العال حلمي وعلي فهمي فتمَّ لهم ذلك بعد مصاولات.

وفي يوم الجمعة 9 سبتمبر 1881 م حاصر أحمد عرابي مع ضباطه وجنوده قصر عابدين ليطالب الخديوي توفيق بحقوق الأمة المصرية ومساواة المصريين بالأجانب وهو ما جعل الخديوي يرد عليه بقوله : “كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي وما أنتم إلا عبيد إحساننا” في مسرحية ماسونية مكشوفة.

يقول الشيخ سليمان الخراشي حفظه الله في رسالته القيِّمة : (كيف احتل الانجليز مصر) : “كان الإنجليز و الفرنسيون يرقبون الأحداث بغبطة وسرور! وكانوا يوعزون من خلف الستار إلى عرابي أن : امض في طريق (الإصلاح)، ولا تخش أحداً! ومن ذلك ما ذكر محمد عبده في مذكراته عن الثورة العرابية – وهو أحد أقطابها – من أن قنصل فرنسا (أرسل إلى أحمد عرابي وإخوانه يقول لهم : إنه يسره ما يراه من صلابتهم وعزيمتهم، واشتدادهم في المطالبة بالعدل، فعليهم أن يثبتوا في مطالبهم ولا يُضعفهم ما يُهَددون به) ! (الأعمال الكاملة لمحمد عبده، 1/528، 531).

و “أرسل إلى عرابي كتاباً يمدحه فيه على ثباته، ويشجعه على عدم المبالاة بالحكومة”، (مصر المجاهدة في العصر الحديث، عبد الرحمن الرافعي، ص 34).

أما إنجلترا فكانت تفعل الأمر نفسه بل أشد، من خلال جاسوسها المدعو (بلنت) الذي كان يجوس بلاد مصر يؤلب الناس على الحكم، ويراسل عرابي ويستحثه على مواصلة الضغط على الحكومة لعلها تستجيب لمطالب (الإصلاح!)، وهدفه الحقيقي فصل مصر عن الدولة العثمانية تمهيداً لاحتلالها.

يقول الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله عن (بلنت) هذا : “كان لا يفتر عن التنقل بين مضارب الأعراب في مصر، يدعو المصريين إلى الثورة، ويتكلم بعد وقوعها باسم عرابي، ويقدم له صوراً مضللة عن صفته الرسمية، وقدرته السياسية، وقوة الجيوش الإنجليزية..”، (الإسلام والحضارة الغربية، ص 66).

ويقول الأستاذ مصطفى غزال عنه : “كان من أشد الناس تفانياً في مصالح الإنجليز، رغم أنه يتظاهر بصداقته للشرق المتمثل بالشعوب التابعة لتركيا، وبعدائه للحكومات البريطانية، بل كان أحياناً يتظاهر بالدفاع عن قضايا الشعوب الشرقية، ويقف بجانبهم، كما وقف بجانب عرابي، ودافع عنه بعد أسره، كان هذا نوعاً من الدهاء والحنكة الإنجليزية”، (دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام، ص 123).

أحس الخديوي توفيق بالخطر فلجأ إلى الإسكندرية طالباً من الإنجليز المتربصين بسفنهم في البحر حماية عرشه ! مع ضغطه هو والإنجليز على السلطان العثماني لإصدار منشور في عصيان عرابي؛ لكي ينفض الناس عنه.

“افتعل الإنجليز مذبحة للنصارى في الإسكندرية ليتخذوها ذريعة لاحتلالها عام 1882م بدعوى حماية رعاياهم ! قبل أن تتم المصالحة بين عرابي والدولة العثمانية.

تعاون المنافقون الخونة من أبناء مصر مع الإنجليز، ومكنوا لهم من احتلال البلاد بعرض من الدنيا قليل !

لم يستجب عرابي للناصحين الذين حثوه على سد قناة السويس لكي لا يتسلل منها الإنجليز إلى عمق الأراضي المصرية؛ منخدعاً – كما سيأتي – بتطمينات المهندس الفرنسي صاحب امتياز القناة.

قضي على الثورة العرابية بعد أن أوقعت البلاد بيد الاحتلال الإنجليزي، الذي استمر أكثر من 70 عاماً !! (1882م – 1956م)، رغم ادعاءاتهم وتصريحاتهم المتكررة بأنهم سيخرجون حالما يعود الهدوء والأمن للبلاد !!”، انتهى عن رسالة (كيف احتل الانجليز مصر) للشيخ سليمان الخراشي.

وكان من المفاجآت خلال حصار القاهرة وقوف البكباشي محمد عبيد صامداً برجاله الثلاثة آلاف مقاتل من المصريين ببنادقهم العتيقة فى وجه جيش الإمبراطورية الإنجليزية التي لا تغرب عنها الشمس بكل أسلحته ومدافعه ليستشهدوا جميعاً في ساحة المعركة.

يقول الشيخ الخراشي حفظه الله : “بعد أن تمكن الإنجليز من البلاد المصرية عاثوا فيها فساداً في جميع المجالات : السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مستعينين في ذلك كله بالمتعاونين معهم من أفراد الطابور (الخامس)؛ وعلى رأسهم الشيخ محمد عبده الذي كان له ولتلاميذه من بعده الدور الأول في تغريب البلاد وترويضها لقبول مطالب الاحتلال.

استمر الخديوي توفيق في الحكم، ثم جاء بعده ابنه عباس حلمي (1892م – 1914م) ثم حسين كامل ابن إسماعيل (1914م – 1917م) ثم فؤاد بن إسماعيل (1917م – 1936م)، ثم الملك فاروق ابن فؤاد (1936م-1952م)، وجميع هؤلاء الحكام لم يكن لهم عقد ولا حل، إنما كانوا واجهة شكلية أمام الناس، وأما السلطة الحقيقية فكانت بيد الإنجليز”، انتهى عن رسالة (كيف احتل الانجليز مصر) للشيخ سليمان الخراشي.

7- في الهند مرةً أخرى :

ارتحل الأفغاني إلى الهند (مركز الاستعمار الانكليزي في الشرق) و سكن (حيدر آباد) الدكن، حيث استضافته الحكومة البريطانية في الهند إلى حين انتهاء أمر الثورة العرابية.

وبما أن الأفغاني كان حيثما يحل يؤسس الجمعيات السرية وينشرها، فقد أنشأ أثناء إقامته في الهند جمعية (العروة الوثقى) الماسونية السرية التي امتد نشاطها إلى الشام ومصر والسودان وتونس ومن خلال هذه الجمعيات السرية بث الأفغاني روح الثورة على المجتمعات الإسلامية بدعوى إصلاحها من الفساد.

وأخبار تلك الجمعية السرية موجودة عند أخلص تلاميذ الأفغاني وهو الشيخ محمد عبده الذي نشر له الباحث الجاد المرحوم علي شلش في سلسلة الأعمال المجهولة نصاً يقول فيه الشيخ محمد عبده معترفاً بجمعية (حيدر أباد) في رسالة له إلى أستاذه جمال الدين الأفغاني، تحمل تاريخ الرابع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) 1884 ميلادية، كتبها من تونس :

“استطعت أن ألتقي هنا العلماء ورجال الدين، وقد عرَّفتهم بنا، وقلت لهم : إن العروة ليست اسم الصحيفة، وإنما اسم جمعية أسسها السيد في حيدر أباد ولها فروع في كثير من الأقطار لا يدري أحدها عن الآخر شيئاً، ولا يعرف هذه الفروع إلا الرئيس وحده، كما قلت لهم إننا نرغب اليوم بتأسيس فرع جديد في هذا البلد”، (سلسلة الأعمال المجهولة) – علي شلش.

وفي الهند كتب الأفغاني رسالته في (الرد على الدهريين) مع أنه كما يذكر أساطين أهل العلم في عصره كان من كبار الذاهبين إلى الدهرية و الالحاد.

8- في لندن (المرة الأولى) :

بعد أن ثبت اخفاق الثورة العرابية، واحتلال الإنجليز مصر، و نظراً لنجاح الأفغاني في التمهيد للاحتلال الانكليزي لمصر فقد رأت الحكومة البريطانية استدعاء الأفغاني لوضع خطة كبرى للقضاء على الخلافة العثمانية، فغادر الأفغاني الهند إلى لندن، حيث أقام بها أياماً معدودات، كما قامت بريطانيا أيضاً باستدعاء مهندس الثورة العرابية في مصر الجاسوس الشهير المستر بلنت، و الذي كان مقيماً في مصر و مشرفاً على تنظيم الثورة العرابية بالتنسيق مع محمد عبده تلميذ الأفغاني.

و في لندن عقد الأفغاني سلسلة اجتماعات مع الجاسوس الانكليزي الشهير بلنت في وزارة الخارجية الانكليزية و تمخضت تلك الاجتماعات عن خطة مرسومة بكل دقة للقضاء على الخلافة العثمانية عن طريق استثارة الشعوب العربية بإذكاء النعرة القومية لديهم ضد (الحكم التركي).

إلاَّ أن المخابرات العثمانية استطاعت الحصول على أخبار تلك الخطة، فقد ذكر السلطان عبد الحميد في مذكراته ما نصُّه : “وقعت في يدي خطة أعدها في وزارة الخارجية الإنكليزية مهرج اسمه جمال الدين الأفغاني وإنكليزي يُدعى بلنت قالا فيها بإقصاء الخلافة عن الأتراك، واقترحا على الإنكليز إعلان الشريف حسين أمير مكة خليفة على المسلمين”، انظر : مذكرات السلطان عبد الحميد، ص 148.

9- في باريس :

ثم انتقل الأفغاني إلى باريس، فأقام بها ثلاثة أعوام منذ عام 1883م إلى 1885م، وكان الأفغاني، قبل مغادرته مصر، قد أوكل مهمة الاشراف على الثورة العرابية إلى تلميذه الأكبر الشيخ محمد عبده، و الذي أتمها على حسب المخطط، و من ثمَّ وعقب إخماد الثورة، (نفاه) الاستعمار الانكليزي إلى بيروت، ليستدعيَه الأفغاني إلى باريس، فوافاه الشيخ محمد عبده هناك.

وهناك واصلا عملهما السري من خلال جمعيتهما (العروة الوثقى) التي أنشأها الأفغاني في الهند قبل ذلك، و من ثَمَّ أصدر جريدة (العروة الوثقى) عام 1300هـ 1884م، والتي شاركهما في الإشراف عليها تلميذه الميرزا محمد الباقر، و الذي كان من من كبار الماسون، وقد سميت الجريدة باسم الجمعية التي أنشأتها، و التي تقوم بإصدارها.

10- في روسيا القيصرية :

ثم أقام أربع سنوات في روسيا القيصرية منذ 1886م إلى 1889م و ما تزال أخبار إقامته فيها غامضة، و لا ريب أن روسيا القيصرية آنذاك كانت تستعد للوثوب على التركة العثمانية، وتحتاج لرجل في مثل قدرات و معرفة جمال الدين بالأوضاع السياسية في العالم الاسلامي، لا سيما إذا علمنا أن الأفغاني كان يصرح من خلال جريدته العروة الوثقى، و غيرها بأن للروس مصالح حيوية وإستراتيجية في الهند، تدفعهم لاحتلالها، وأنه ليس لديه أي اعتراض على هذا الاحتلال إذا حدث، بل ينصح الروس باتباع أسلم السبل وأسهلها لتنفيذه، وذلك بأن يستعينوا بدولة فارس، وبلاد الأفغان، لفتح أبواب الهند، شريطة أن تسهمهما في الغنيمة وتشركهما في المنفعة.

ثم كان جمال الدين بعد خروجه من روسيا عام 1889م وإلى عام 1892م يتنقل بين المدن التالية : ميونخ وطهران والبصره ولندن.

11- في إيران :

في ميونيخ جرى لقاء بين الشاه ناصر الدين شاه إيران و جمال الدين، حيث عرض الأول على الثاني منصب رئيس الوزراء، فوافق جمال الدين وغادر أوروبا قاصداً طهران سنة 1307هـ (1885م-1886م)، و استلم مهامه، لكن سرعان ما احتدم الصراع بينه و بين الشاه، فاستأذن بالسفر وخرج.

الا أن الشاه طلبه مرة أخرى فعاد عام 1889م، و لكن في هذه المرة تأكدت مخاوف الشاه تجاه الأفغاني، حيث اتضح للشاه أن الأفغاني كان يعمل لمصلحة الانجليز الذين كانت لهم أطماع في ذلك الوقت في إيران، ولعلَّه حينذاك تبينت له نحلة الأفغاني كما سيأتي، مما اضطر جمال الدين إلى الالتجاء إلى (مقام عبد العظيم) وهو من أحفاد الأئمة، ومقامه حرم لدى الرافضة، يرون أنَّ من دخله كان آمناً !!! فمكث هنالك سبعة أشهر، ثم بعدها اقتحمت السلطات هذا المقام و تم القبض على جمال الدين و أخرج من إيران إلى العراق سنة 1309هـ 1891م.

12- في لندن (المرة الثانية) :

مكث جمال الدين بالبصرة ريثما عادت إليه صحته، ثم شخص إلى لندن، فتلقاه الإنجليز بالإكرام، فأنشأ مجلة للتأليب على ناصر شاه سماها (ضياء الخافقين)، وحمل على الشاه وسياسته، ودعا الأمة الفارسية إلى خلعه، بل و خطط لاغتياله، حتى استطاع أن يقنع رجلاً إيرانياً مطروداً مثله من إيران هو (ميرزا رضا الكوماني)، و الذي تقبل فكرة اغتيال ناصر الدين وبالفعل اغتال ميرزا (ناصر الدين) سنة 1314 هـ 1896 م، في الضريح المقدس عند الشيعة، في نفس المكان الذي طرد ناصر الدين منه الأفغاني، وكان يصيح وهو يطلق النار عليه (خذها من يد جمال الدين)، ليتولى بعده ابنه مظفر الدين شاه (1313 هجرية – 1896 ميلادية).

13- في تركيا مرةً أخرى :

في المرة الثانية التي دخل فيها جمال الدين تركيا دخل بمشروع سياسي أجاب به دعوة السلطان عبد الحميد إلى الجامعة الاسلامية، وقدَّمَ بصفته سنِّياًّ مشروعات ترمي إلى توحيد أهل السنة مع الشيعة، انظر : السلطان عبد الحميد الثاني، ص181.

لاعباً حينذاك بورقة طرده من مصر على يد الاحتلال الانجليزي التي تُظهِر فيما قدَّر، صحة (ولائه للدولة العثمانية)، والتي يعلم أنها محل نظر لدى الدولة العليَّة.

إلاَّ أن السلطان عبد الحميد الثاني لم يكنْ ممن ينخدع بتلك السهولة، فلم يكن الأفغاني آنذاك محل ثقة السلطان عبد الحميد، لعدة أسباب :

1- فقد كان السلطان يعلم بتشيع الأفغاني، يقول ميرزا لطف الله خان ابن اخت جمال الدين : “وكان كشف حقيقة جمال الدين أمام السلطان عبد الحميد ضربة قاضية وجَّهها مظفر الدين شاه إلى جمال الدين بوثيقة سلمها علاء الملك سفير إيران في تركيا إلى الحكومة التركية تثبت بالأدلة القاطعة أن جمال الدين إيراني شيعي يختفي في ثياب الأفغاني، ويتّخذ المذهب السني ستاراً يحتمي به”، (جمال الدين الأسد آبادي) ص 34.

2- أن الأفغاني الذي يطرح قضية (وحدة المسلمين) كان من أكبر المؤيدين في نفس الوقت للثوار ضد السلطان عبد الحميد، من القوميين الأتراك والعثمانيين عامة.

3- أن الأفغاني لم يكن صادقاً في عرضه لوحدة الشعوب الإسلامية في مواجهة الدول الأوروبية الرامية إلى تقسيم الدولة العثمانية العاملة على انهيارها، فالسلطان يعلم عنه أنه في نفس الوقت لم يكن يتعرض للاستعمار الفرنسي من قريب أو بعيد، ولو بكلمة تنديد، في وقت كان فيه السلطان عبد الحميد يحتاج الى مقاومة الفرنسيين في شمال أفريقيا، انظر : السلطان عبد الحميد الثاني، ص182

4- حصول المخابرات العثمانية، على خطة أعدت في وزارة الخارجية الانكليزية، واشترك فيها جمال الدين الأفغاني وبلنت الانكليزي وتقضي هذه الخطة بإقصاء الخلافة عن السلطان عبد الحميد وعن العثمانيين عموماً، في الوقت الذي كان فيه جمال الدين يندِّد بالاستعمار الإنكليزي، فقد ذكر السلطان عبد الحميد في مذكراته ما نصُّه : “وقعت في يدي خطة أعدها في وزارة الخارجية الإنكليزية مهرج اسمه جمال الدين الأفغاني وإنكليزي يُدعى بلنت قالا فيها بإقصاء الخلافة عن الأتراك، واقترحا على الانكليز إعلان الشريف حسين أمير مكة خليفة على المسلمين.

كنت أعرف جمال الدين الأفغاني عن قرب، كان في مصر، وكان رجلاً خطيراً، اقترح عليّ ذات مرة – وهو يدّعي المهدية – أن يثير جميع مسلمي آسيا الوسطى، وكنت أعرف أنه غير قادر على هذا، وكان رجل الانكليز، ومن المحتمل جداً أن يكون الانكليز قد أعدوا هذا الرجل لاختباري فرفضت فوراً، فاتحد مع بلنت.

استدعيته إلى استانبول عن طريق أبي الهدى الصيادي الحلبي، الذي كان يلقي الاحترام في كل البلاد العربية.

قام بالتوسط في هذا كل من منيف باشا، حامي الأفغان القديم، والأديب الشاعر عبدالحق حامد، جاء جمال الدين الأفغاني إلى استانبول، ولم أسمح له مرة أخرى بالخروج منها”، انظر : مذكرات السلطان عبد الحميد، ص 148.

5- موقف السيد جمال الدين الأفغاني من مبدأ التوسع الروسي كان غريباً على مفهوم الجامعة الاسلامية الذي يدعو إليه، فبالرغم من الأطماع الروسية والحروب الروسية، ضد الدولة العثمانية واقتطاع الروس لأجزاء من الأراضي العثمانية، فقد كان الأفغاني يصرح من خلال جريدته أن للروس مصالح حيوية وإستراتيجية في الهند، تدفعهم لاحتلالها، وأنه ليس لدى الأفغاني اعتراض على هذا الاحتلال إذا حدث، بل ينصح الروس باتباع أسلم السبل وأسهلها لتنفيذه، وذلك بأن يستعينوا بدولة فارس، وبلاد الأفغان، لفتح أبواب الهند، شريطة أن تسهمهما في الغنيمة وتشركهما في المنفعة، وهنا مع ما مرَّ بنا من صيغة مشروعه، تظهر النزعة الشيعية لجمال الدين الأسد آبادي.

إلاَّ أن السلطان عبد الحميد المعروف بشدة دهائه استطاع الإفادة من الأفغاني في الدعاية إلى الجامعة الاسلامية بما يخدم مصالح دولة الخلافة الإسلامية.

يقول جمال الدين الأفغاني واصفاً شدة دهاء السلطان عبد الحميد : “إن السلطان عبد الحميد لو وزن مع أربعة من نوابغ رجال العصر لرجحهم ذكاء ودهاء وسياسة، خصوصاً في تسخير جليسه، ولا عجب إذا رأيناه يذلل لك مايقام لملكه من الصعاب من دول الغرب، ويخرج المناوئ له من حضرته راضياً عنه وعن سيرته وسيره، مقتنعاً بحجته سواء من ذلك الملك والأمير والوزير والسفير …”، جمال الدين الأفغاني المصلح المفترى عليه، د. محسن عبدالحميد، ص137.

ويقول : “ورأيته يعلم دقائق الأمور السياسية ومرامي الدول الغربية وهو معد لكل هوة تطرأ على الملك، مخرجاً وسلماً، وأعظم ماأدهشني، ما أعده من خفي الوسائل وأمضى العوامل، كي لاتتفق أوروبا على عمل خطير في الممالك العثمانية، ويريها عياناً محسوساً أن تجزئة السلطنة العثمانية لا يمكن إلا بخراب يعم الممالك الأوروبية بأسرها”، جمال الدين الأفغاني المصلح المفترى عليه، د. محسن عبدالحميد، ص137.

ويقول : “أما مارأيته من يقظة السلطان ورشده وحذره وإعداده العدة اللازمة لإبطال مكائد أوروبا وحسن نواياه واستعداده للنهوض بالدولة الذي فيه نهضة المسلمين عموماً، فقد دفعني إلى مد يدي له فبايعته بالخلافة والملك، عالماً علم اليقين، أن الممالك الاسلامية في الشرق لاتسلم من شراك أوروبا، ولا من السعي وراء إضعافها وتجزئتها، وفي الأخير ازدرائها واحدة بعد أخرى، إلا بيقظة وانتباه عمومي وانضواء تحت راية الخليفة الأعظم …”، نفس المرجع ص137.

نهاية الأفغاني (مرضه ووفاته) :

خلال مكوث الأفغاني في الآستانة ظهر مرض السرطان في فكه الأسفل وعملت له ثلاث عمليات جراحية لكنها لم تنجح، وقد قال طبيبه الخاص أن شدة ولع جمال الدين بالسيجار الأفرنجي، وكثرة شربه للشاي وتناوله الطعام مالحاً كان من مسببات السرطان حتى قال بعض تلاميذه :

الملحُ والشاي والدخانُ *** أودت بروحِ شيخنا الأفغاني

فتوفي عام 1897 م.

الأفغاني كان شيعياً :

نسبه الصحيح :

هو جمال الدين بن صفدر المازندراني الشيعي الرافضي المولود بأسد آباد من مازندران في همدان ببلاد إيران عام 1254هـ 1838م،الذي اشتهر بين الناس بالأفغاني.

وقد اختلف المترجمون في نسبه لأنه كان يظهر في كل أرض باسم جديد وشخصية مختلفة،

ومن هذه الأسماء:

جمال الدين الإستانبولي ..

جمال الدين الأسد آبادي ..

جمال الدين الحسيني ..

جمال الدين الأفغاني الكابلي ..

جمال الدين الطوسي ..

جمال الدين الرومي ..

قال علي الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث) (3/313 ) : “وقد اعتاد الأفغاني أن يغيّر لقبه كلما انتقل من بلد إلى آخر، فقد رأيناه في مصر وتركيا يلقِّب نفسه بـ (الأفغاني) بينما هو في إيران يلقِّب نفسه بـ (الحسيني).

وكان الأفغاني يغير زيّه ولباس رأسه مثلما كان يغيّر لقبه، فهو في إيران يلبس العمامة السوداء التي هي شعار الشيعة، فإذا ذهب إلى تركيا ومصر لبس العمامة البيضاء فوق طربوش، أما في الحجاز فقد لبس العقال والكوفية”.

نشأته الشيعية :

لا ريب في كون جمال الدين شيعيا رافضياً، لعدة اثباتات و اعترافات تصل بمجموعها إلى حد العلم اليقيني الاضطراري بتشيعه.

فمن ذلك :

  • ما ذكره مريده و أخص تلاميذه بل صاحبُ سِرِّه الشيخ محمد عبده في فاتحة تعريبه لرسالة الرد على الدهريين : “إن السيد جمال الدين و إن كان في الحقيقة فارسياً، فقد انتسب إلى الأفغان لأمرين :
  • أن يكون من السهل عليه الظهور بمظهر السني لا الشيعي.
  • أن يستطيع الخلاص من رقابة الحكومة الإيرانية لرعاياها في الخارج”، انتهى.
  • كما صدر في برلين عام 1926م كتاب بالفارسية في سيرة الأفغاني بقلم الميرزا لطف الله خان، ويدعي المؤلف أنه ابن أخت الأفغاني، وأنه اجتمع به في طهران عند ذهاب الأفغاني إليها عام 1886م، و يحتوي الكتاب على صور فوتوغرافية واضحة تجمع الأفغاني و الميرزا لطف الله خان مع زمرة من رجال الدين الإيرانيين، و قد ترجم الكتاب إلى العربية في مصر عام 1957م، و لم يظهر أحد من أقارب جمال الدين حتى الآن ليكذب المؤلف ؟؟ أو يتحداه على وجه من الوجوه، لا سيما مع اشتهار الكتاب.
  • يقول عبد المهدي فلاح الأصفهاني معلقاً على رسالة وجهها إليه جمال الدين، وأمره بنشرها بعد موته، فيقول : “إن مشاهير الأحرار الإيرانيين اضطروا في عهد الشاه ناصر الدين و عماله إلى هجر وطنهم و الالتجاء إلى البلاد الشرقية الإسلامية هرباً من الظلم، فلقب بعضهم – كالسيد جمال الدين – بالأفغاني، و هو في الحقيقة إيراني صميم” انتهى.
  • عندما اشتد العداء أخيراً بين الشاه و الأفغاني، أخذ أعوان الشاه يشوهون سمعة الأفغاني، فذكروا عنه أنه بابي، و أنه غير مختون، و لكنهم لم يشيعوا عنه أنه سني أو أفغاني، و كان من السهل عليهم أن يفعلوا ذلك لو كان الأفغاني أفغانياً (حقاًّ).
  • عندما نفِيَ الأفغاني من مصر لم يأت لتوديعه في السويس سوى القنصل الإيراني، و نفر من التجار الإيرانيين الساكنين في مصر .. فما هو السبب الذي جعل أولئك الإيرانيين يفعلون ذلك، إن لم تكن لهم مع الأفغاني رابطة خاصة.
  • اختيار الشاه ناصر الدين للأفغاني ليكون رئيساً لوزراء دولته، و بالطبع فإنه لا يمكن أن يقع اختيار قادة ايران على عالم من علماء السنة من بلاد الأفغان ليكون الرجل الثاني أو الثالث في البلاط، و عندما وقعت الخلافات بينه و بين الشاه لم يقل أحد من رجال البلاط أو من علماء الشيعة أن الأفغاني سني أو عميل من عملاء الخليفة العثماني لاسيما و هم يعرفون إقامته في بلاد أهل السنة، و لكن كان كل ما قيل عنه أنه : بابي مفسد.
  • كما ترجم له الشيعة في كتبهم، مثل آغابزرك الطهراني في كتابه (أعلام طبقات الشيعة)، وغيره.
  • بل خصص مؤرخهم الشهير محسن الأمين كتاباً في سيرته أسماه : (جمال الدين الأفغاني).
  • وحين أصدر جريدة (العروة الوثقى) عام 1300هـ 1884م، شاركه في الاشراف عليها، عدا محمد عبده، تلميذه الميرزا محمد الباقر الشيعي الماسوني، وكان في كل تنقلاته يستصحب معه خادمه الايراني الشيعي أبوتراب ..

هذه بعض الأدلة التي تؤكد أن جمال الدين إيراني و ليس أفغانياً، و أنه شيعي رافضي كما ذكر ذلك كبار تلامذته كمحمد عبده مثلاً، هذا عدا ما تدلُّ عليه مراحل نشأته التي سنسوقها.

مولده :

إذ ولد عام (1254هـ/1838م) في أسد آباد في همدان من أعمال إيران، من أسرة شيعية، ثم انتقل إلى قزوين و هي من مدن الشيعة في إيران فأكمل دراسة المذهب، حيث عُيِّن والده مدرساً في إحدى تلك المدارس.

في طهران :

وحين بلغ الثانية عشر من عمره، و نظراً لألمعية و حدة ذكاء جمال الدين، إذ كانت مخايل الذكاء، وقوة الفطرة، وتوقد القريحة تبدو عليه منذ صباه، فقد رأى والده أن ينتقل به إلى طهران ليجالس كبار علمائها و يأخذ عنهم المذهب، إلاَّ أن الملالي هنالك نصحوا الفتى ووالده أن يولُّوا وجوههم للنجف قبلة علماء المذهب الشيعي.

في النجف :

رحل جمال الدين إلى النجف مع والده فمكث فيه أربع سنوات، درس فيها علوم الرافضة والفلسفة والمنطق و الرياضة و علم النجوم والطب و الكيمياء، وأنهى دراسته و عمره لا يتجاوز ( 16 ) سنة.

و من أشهر أساتذته هناك :

  • آقا خان صادق مرتضى، أحد مراجع الشيعة في النجف.
  • ميرزا محمد المجتهد.
  • الحافظ دراز.
  • حبيب الله القندهاري.
  • القاضي بشر النجفي.

و هؤلاء جميعهم من مراجع الشيعة الكبار وآياتهم المعروفين في تلك الفترة.

كما اعترف جمال الدين أيضاً بأنه انتقل إلى العراق ليتابع دراسته في العتبات المقدسة – أي في النجف – والتي يؤمها طلاب العلم الشيعة من جميع بلدان العالم، و يتحدث جمال الدين عن هذه المرحلة بأنه لبس العباءة والعمامة، و تتلمذ على يد أكبر علماء الشيعة فيها، وتوسَّم فيه ملالي الشيعة حدة الذكاء و شدة الفطنة و قوة الشخصية، فأُعِدَ هنالك من فبل الاستعمار و ملالي الشيعة ليلعب دوراً خطيراً بين أهل السنة في العالم الإسلامي.

لماذا أخفى نسبه ؟

كانت إيران وكراً من أوكار التآمر ضد الخلافة الإسلامية، و كان قادتها – ولا يزالون – يستعينون بأعداء الإسلام من أجل تفتيت وحدة المسلمين، وكان المسلمون السنة يرتابون من نوايا وأهداف كل عالم شيعي إيراني، ولا يثقون به .. و كان لجمال الدين من الخبث و الدهاء بحيث لا تخفى عليه مثل هذه الأمور، و طالما أعد نفسه، أو أعده أعداء الإسلام ليلعب دوراً مشبوهاً في تاريخ أمتنا الحديث، كما لعب ابن سبأ نفس الدور في صدر الإسلام، إذاً لا بد أن يقدم نفسه على أنه عالم من علماء الأفغان، و أنه حنفي المذهب، كما لا ننسى سعي الدولة الصفوية الرافضية في سبيل تقويض الخلافة الإسلامية.

المفاجأة :

بل كان جمال الدين بابياً ؟؟؟

في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، ظهرت في آخر أيام محمد شاه في بلاد فارس حركة دينية شيعية اسمها (البابية)، وهي امتداد للحركة (الشيخية) التي نادى بهاالشيخ أحمد بن زين الدين الإحسائي.

وتوفي محمد شاه عام 1848 م عن عمر يناهز الأربعين عاماً، و خلفه ابنه الأكبر (ناصر الدين) وكان عمره 17 عاماً حينذاك، و الذي اضطلع بمهمة القضاء على تلك النحلة الجديدة.

ماهي البابية :

البابية حركة نبعت من المذهب الشيعي الشيخي سنة 1260ه‍/1844م تحت رعاية الاستعمار الروسي واليهودية العالمية والاستعمار الإنجليزي بهدف إفساد العقيدة الإسلامية وتفكيك وحدة المسلمين وصرفهم عن قضاياهم الأساسية.

وملخص الحركة البابية التي انضم اليها مريدو (الشيخية) بعد وفاة مؤسسها، هو ادعاء (محمد رضا الشيرازي) مؤسس الحركة، بأنه يشكل باباً إلى (الإمام المنتظر) فعلى من يحتاج مخاطبة (الإمام المنتظر) بشيء عليه مخاطبة الباب أولا !، ثم تطورت الأمور مع هذا الدعي حتى ادعى النبوة وقال أنه أفضل من رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وتنكر هذه الفرقة الكثير من ضروريات الدين كالمعاد، ممَّا أدَّى بها أن تُحل كثيراً من المحرمات إن لم يكن كلها، كالربا و الزنا و شرب الخمر.

وقد خرجت البابية، كما تأكد ذلك فيما بعد في نسختها البهائية، بتقرير ما أسمته بوحدة المنبع لجميع الديانات العظمى الموجودة في العالم، كما يعترفون بالزردشتية والهندوسية واليهودية والبوذية والمسيحية والإسلام، مما يجرهم إلى الإيمان بفكرة وحدة الأديان.

من هو الباب :

هو الميرزا علي محمد رضا الشيرازي 1235-1266هـ (1819-1850م)، تلقى تعليمه الأولي و هو في السادسة من عمره على يد دعاة الشيخية من الشيعة ثم انقطع عن الدراسة ومارس التجارة، وفي السابعة عشر من عمره عاد للدراسة واشتغل بدراسة كتب الصوفية والرياضة الروحانية وخاصة كتب الحروفيين وممارسة الأعمال الباطنية المتعبة.

في عام 1259 م ذهب إلى بغداد وبدأ يرتاد مجلس إمام الشيخية في زمانه كاظم الرشتي ويدرس أفكاره وآراء الشيخية، وفي مجالس الرشتي تعرف عليه الجاسوس الروسي كينازد الغوركي والمدعي الإسلام باسم عيسى النكراني والذي بدأ يلقي في روعهم أن الميرزا علي محمد الشيرازي هو المهدي المنتظر والباب الموصل إلى الحقيقة الإلهية والذي  سيظهر بعد وفاة الرشتي وذلك لما وجده مؤهلاً لتحقيق خطته في تمزيق وحدة المسلمين.

في ليلة الخميس 5 جمادى الأولى 1260 ه‍ ـ 23 مارس 1844م أعلن الميرزا أنه الباب نسبة إلى ما يعتقده الشيعة الشيخية من ظهوره بعد وفاة الرشتي المتوفي 1259 ه‍، وأنه رسول كموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، بل وعياذاً بالله أفضل منهم شأناً.

فآمن به تلاميذ الرشتي وانخدع به العامة واختار ثمانية عشرة مبشراً لدعوته أطلق عليهم حروف الحي، و كان للظلم والقهر اللذين كانا يهيمنان على المجتمع الايراني في عصر الحكم الكسروي بزعامة الشاه دور كبير على تقبل الناس هذا الدين الجديد الذي بشرهم بالإنقاذ والخلاص.

كما ساعد على نشوئها غلبة الجهل والسذاجة وغياب الوعي وكثرة الخرافات، لا سيما في ذلك المجتمع المشبَع بالخرافة، حيث لاقت البابية ترحيباً بين البسطاء والسذج، وكذلك دعم الدول الاستعمارية لها خصوصاً روسية القيصرية و بريطانيا.

البهاء :

في سنة 1844م دخل الميرزا حسين علي النوري في دعوة الباب فور إطلاعه على بعض كتابات الباب التي أرسلها له مع أقرب مؤيديه ملا حسين بشروئي وصار من أشهر أتباع الباب وأنصار دينه، وقام بنشر تعاليمه وخاصة في إقليم نور وكانت قد حمته مكانة أسرته وحسن سيرته من الاضطهاد نوعاً ما خلال السنوات الأولى من إيمانه بدعوة الباب.

قرة العين :

كما اتبعته و ساندته قرة العين واسمها الحقيقي أم سلمى ولدت في قزوين سنة 1231 ه‍ أو 1233 ه‍ أو 1235 ه‍ للملا محمد صالح القزويني أحد علماء الشيعة ودرست عليه العلوم ومالت إلى الشيخية بواسطة عمها الأصغر الملا علي الشيخي وتأثرت بأفكارهم ومعتقداتهم.

اتصالها بالباب :

ثم رافقت الباب في الدراسة عند كاظم الرشتي بكربلاء حتى قيل إنها مهندسة أفكاره إذ كانت خطيبة مؤثرة، أديبة فصيحة اللسان فضلاً عن أنها كانت جميلة جذابة، إلا أنها كانت فاجرة، فطلقها زوجها وتبرأ من أولادها، و كانت تلقب بـ زرين تاج، أي صاحبة الشعر الذهبي بالفارسية.

في سنة (1261هـ، 1848م) اجتمع قادة البابية في مدينة (رشت) الايرانية،فقرروا فيه نسخ الشريعة المحمدية بشريعة الباب الميرزا علي محمد الشيرازي، وقامت (زرين تاج) الملقبة بـ (قرة العين) أحد الرموز الفاعلة في هذه الفرقة متبرجة فخطبت خطبة في ذلك المؤتمر كانت سبباً في تقاطر الناس على هذا المذهب الجديد.

ومما جاء في خطبتها :

“مزقوا هذا الحجاب الحاضر بينكم وبين نسائكم بأن تشاركوهن بالأعمال، وتقاسموهن في الأفعال، واصلوهن بعد السلوة، وأخرجوهن من الخلوة إلى الجلوة، فماهن الا زهرة الحياة الدنيا، وإن الزهرة لابد من قطفها وشمّها لأنها خلقت للشم، ولاينبغي أن يعد ولا يحد شاموها بالكيف والكم فالزهرة تجنى وتقطف، وللأحباب تهدى وتتحف”.

واعتقل الباب فاجتمعت قرة العين مع زعماء البابية في رجب 1264ه‍ في مؤتمر بيدشت، ولعب الميرزا حسين علي النوري دوراً رئيسياً في مؤتمر بدشت الذي يعتبر نقطة تحول هامة في تاريخ البابية لأنه تم من خلاله الاعلان عن استقلال الشريعة البابية عن الإسلام واعتبارها شريعة مستقلة بأحكامها ومبادئها، واتخذ حسين علي لنفسه خلال هذا المؤتمر لقب (بهاء الله).

وكانت قرة العين هي خطيبة القوم ومحرضة الأتباع على الخروج في مظاهرات احتجاج على اعتقال الباب، حينما أعلنت نسخ الشريعة الإسلامية، و أفرج عن الباب فهدأت ثائرة البابيين.

وشيد الميرزا حسين علي حصناً منيعاً في جبال مازندران الإيرانية وغاباتها واجتمع حوله خلق كثير من أجل نصرة هذا الدين الجديد، فهال هذا الحال حكومة الشاه فأرسلت بعثة عسكرية لقتالهم ففشلت في دحرهم وعادت تجر أذيال الخيبة والهزيمة.

و في عام 1266ه‍ ادعى الباب حلول الإلهية في شخصه حلولاً مادياً وجسمانياً.

نكبة البابية :

كررت الحكومة هجماتها المتلاحقة وعززت قواتها بالمدافع والمدمرات من كل نوع فقاومها البابيون مقاومة عنيفة مدة أربعة أشهر حتى فني رجالهم ونفدت ذخائرهم فدخل جنود الشاه إلى حصنهم فأسروا (214) شخصاً من البابيين بين رجال و نساء وأطفال ثم فتك فيهم الجنود فتكاً مروعاً فبقروا بطونهم وسلوا ألسنتهم ومثلوا بهم أقبح تمثيل.

واقتيد من تبقى منهم إلى طهران حيث رأى الناس أسراباً من الرجال والنساء والأطفال من البابية مقودين بالحبال، فكان هناك مشهد مرعب في سوق طهران حيث أجسادهم المجروحة وقد وضع الجلادون في كل جرح منها فتيلة ملتهبة، وهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، والجنود خلفهم يضربون من يتأخر أو من يقع منهم بالسياط فاذا مات طفل في الطريق ألقوه تحت أرجل أبويه فكانا يمران عليه غير ملتفتين إليه، ثم رميت الجثث بالأرض تسيل دماؤها والكلاب تنهشها وتأكل من أشلائها.

وحوكم الباب فحاول التظاهر بالتوبة والرجوع، ولم يصدقوه فقد عرف بالجبن والتنصل عند المواجهة، فحكم عليه بالإعدام هو و صاحبه الزنوزي، وذلك في 27 شعبان سنة 1266ه‍ – 8 يوليو 1850م.

العداء و الثأر :

أكنَّت البابية كل مشاعر الكراهية و البغض للشاه ناصر الدين، كما كان هناك مخزون هائل من الحقد يحملونه عليه، و ثأرٌ كامنٌ ينتظرون الفرصة لإيقاعه، فقد أباد البابية إبادة شبه تامة، بل حدثت مجازر تشيب منها الولدان للبابية في مازندران، مما جعل البابية تتستر مرة أخرى تحت مسمَّى الشيخية التي انبثقت منها، أو تمتد إلى نحلة غنوصية سميت فيما بعد بالبهائية نسبة إلى البهاء.

محاولات البابية اغتيال ناصر الدين شاه :

في سنة 1852م اشتركت قرة العين و بهاء الله في مؤامرة قتل الشاه ناصر الدين القاجاري (تولى 1848م توفي 1896م) فقبض عليهما وحكم على قرة العين بأن تحرق حية ولكن الجلاد خنقها قبل أن تحرق في أول ذي القعدة 1268 ه‍ الموافق 1852م، كما زج ببهاء الله في سجن سياه جال (النقرة السوداء) لعدم توفر الأدلة ضده.

الأفغاني و البابية :

يترجح لدى المتأمل في سيرة جمال الدين أنَّه كان بابياً لعدة قرائن :

  • فقد كان يدعو إلى وحدة الأديان، و الذي دعت إليه البابية من قبل، يقول مصطفى غزال في كتابه (دعوة جمال الدين) : “كما يجب ألا يغرب عن ذهننا أن البهائية التي ورثت البابية كانت تجمع في صفوفها مختلف الأصناف والمعتقدات، فلا مانع عندهم من الجمع بين البهائية وبين أي معتقد آخر” انتهى.

و قد جعل الأفغاني لذلك مدخلاً، ألا و هو الدعوة إلى (التقريب بين أهل السنة والرافضة)، و الذي دعا إليه مع تلميذه محمد عبده، في وقت لم يكن فيه ما يبرر تلك الجهود، إذ كانت الصلات مقطوعة تماماً مع العالم الشيعي.

  • أنه مولود في أسد آباد من أعمال مازندران بإيران، وهي منشأ البابية و ربيبتها البهائية، كما أنَّ العجم يسمون البابية بالمازندرانية.
  • كما وصفه أبو الهدى الصيادي الصوفي أنه (مازنداني) أي بابي، من أجلاف الروافض وأنه مارق من الدين. (تاريخ الأستاذ الإمام) لمحمد رشيد رضا 1/90.
  • أن البابية و البهائية لها صلات قوية بالاستعمار الإنجليزي.
  • كان الشيخ محمد عبده قد حرص خلال إحدى زياراته إلى بيروت، سنة 1883م، على الاجتماع برأس البهائية عباس أفندي ابن البهاء، صاحب الباب، ومؤسس نحلة البهائية و التي هي امتداد للبابية، وأبدى إعجابه الشديد به.

فكتب الأمير شكيب أرسلان، الكاتب والأديب المعروف، عن الإمام محمد عبده، فصلاً تحت عنوان (نبذة ثانية من سيرته في بيروت)، وتضمن هذا الفصل الوصف التالي لعلاقة الإمام محمد عبده بعباس أفندي : “لم يكن يطرأ على بيروت أحد من معارفه أو من الأعيان المشهورين إلا وقام بسنّة السلام عليه، وقد يُجله ويحتفي به ولو كان مخالفاً له في العقيدة، ولم أجده احتفل بأحد أكثر من احتفاله بعباس أفندي البهاء، وكان يكرِم في عباس أفندي العلم والفضل والنبل والأخلاق العالية، وكان عباس أفندي يقابله بالمثل …”. (تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده)، تأليف محمد رشيد رضا ص 407.

كما أدلى محمد رشيد رضا، صاحب مجلة المنار الشهيرة، بمثل ذلك في سياق حديثه مع الشيخ محمد عبده عن البهائية قائلا : “ثم سألته عن عباس أفندي وقلت أسمَعُ أنه بارع في العلم والسياسة وأنه عاقل يُرضِي كل مجالس، فقال : (نعم إن عباس أفندي فوق هذا، إنه رجل كبير، هو الرجل الذي يصح إطلاق هذا اللقب –كبير- عليه). (تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده)، تأليف محمد رشيد رضا ص 931.

  • انقلاب الشاه ناصر الدين، شاه إيران و بِحِدَّةٍ شديدة على جمال الدين، بعد أن كان هو من عرض عليه منصب رئيس الوزراء، و لا يمكن تبرير ذلك إلاَّ بكون الشاه كان قد علم أن الأفغاني مازندراني بابي، و لا ننسى أن البابية لهم ثأرٌ قديم لازم مع الشاه ناصر الدين الذي أوقع بهم أنواعاً من المجازر و أصنافاً من الإبادة الجماعية ممَّا جعل الشاه ناصر الدين يقبض على جمال الدين و يخرجه من إيران إلى العراق سنة 1309هـ 1891م.
  • عداء جمال الدين البالغ للشاه ناصر الدين (طُلبة البابية) ودعوته للأمة الفارسية إلى خلعه، و من ثم التخطيط لاغتياله، حتى استطاع ذلك عن طريق (ميرزا رضا الكوماني) الذي تقبل فكرة اغتيال ناصر الدين، ومن ثمَّ اغتاله سنة 1314 هـ 1896 م.
  • أن الاتهام الرسمي الذي أطلقته حكومة ناصر الدين شاه للأفغاني بعد طرده أنه كان بابياً مفسداً !!! و عند جهينة الخبر اليقين.

والله المستعان، و عليه التكلان،

وعلى الله قصد السبيل، هو حسبُنا ونعم الوكيل

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s