مختصر تاريخ ملوك الدولة الصفوية

ناظم عبد الله سعيد

%d9%85%d9%84%d9%88%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%81%d9%88%d9%8a%d8%a9في هذا البحث إلمامة مختصرة لتاريخ دولة ظهرت في إيران على حين غفلة من الناس فاستولت على أصقاع واسعة في العالم الاسلامي وأحدثت تغييرات مهمة وعميقة ليست في إيران فحسب بل في المنطقة بأكملها.

إنها الدولة الصفوية، التي بدأت بفرقة صوفية، وانتهت بامبراطورية صفوية، امتدت من أواسط آسيا الوسطى لتشمل إيران والعراق وقفقاسيا وقسماً من الأناضول، غيرت النسيج الفكري والمذهبي لإيران عن طريق القهر والاستبداد والتوسل بأنواع من التعذيب، وفتكت بأمراء وملوك عديدين واستولت على أقاليم ودول وسقطت أمامها العروش والتيجان، إلا أن قدر الله كان لها بالمرصاد، فتهاوت بعدما أهملت العدل وتجبرت واستبدت، فابتلاها الله من جنس عملها، فهاجمها الأعداء من كل جانب، واستولوا على مدنها بعد عاصمتها، وفتكوا بهم بعد ما فتكوا هم بالآخرين، فتمزقوا شر ممزق وأصبحوا أحاديث.

وأما منهجي في هذا البحث، فإنني وبعد إحساسي بأن المكتبة العربية تفتقد لكتاب يبحث في تاريخ ملوك الدولة الصفوية، وما قاموا به من تطهير مذهبي واسع النطاق لمتبعي مذهب أهل السنة والجماعة، من أجل بث المذهب الشيعي الإثني العشري، فارتكبوا في سبيل ذلك مذابح تشيب لهولها الولدان وتشمئز النفوس من قراءتها بله مشاهدتها، وتكاد تضاهي بل ولربما تتجاوز في فظاعتها ما ارتكب في حق المسلمين في الأندلس الحبيبة، نعم كان لا بد من سبر غور هذا المجال وإظهار ما كان خافياً خشية وقوعها مرة ثانية، إذا وسد الأمر إلى أناس يفكرون مثل الصفوية، ويعتمدون على أناس هم أشبه بجنود القزلباشية في الطاعة العمياء لرؤساء المذهب، وفي هذا المبحث اعتمدت على المصادر الفارسية بشكل أساسي ولم آلو إلى غيرها إلا لمماً، حتى يكون البحث أكثر مصداقية وبعيداً عن التأويل وشبهة الاتهام الجزاف والمبالغة في نقل الحدث.

الشاه إسماعيل الأول :  907 – 930 هـ / 1501 – 1524 م

يصل نسبه إلى الشيخ صفي الدين أردبيلي (650 هـ – 735هـ) الذي كان شخصية صوفية معروفة وكان له الريادة والإرشاد في منطقة أردبيل التي عاش فيها، وبعد وفاته تقلد منصب الإرشاد ابنه صدر الدين (704هـ – 794هـ)، وبعد وفاته وصل منصب الإرشاد إلى أحد أبناء (خواجه علي) وهو الشيخ جنيد الذي استطاع أن يجمع أنصاراً ومريدين كثيرين حوله، فنزع العمامة الصوفية ولبس تيجان الملوك وبدأ بمهاجمة الأراضي والاستيلاء عليها، حيث بدأ بمحاربة الأمير خليل (ملك شيروان) إلا أنه قتل في تلك المواجهة (860هـ –  1455م)، وبعد مقتله احتل منصبه ابنه حيدر الذي كان مصمماً على الثأر لدم أبيه إلا أنه قتل هو الآخر بعد ثلاثة وثلاثين سنة في منطقة شيروان نفسها.

بعد مقتل السلطان حيدر أخذ مريدوه ابنيه إسماعيل ميرزا وإبراهيم ميرزا اللذين بقيا على قيد الحياة إلى منطقة لاهيجان في ولاية جيلان الشمالية، ليعيشا بمأمن من بطش أعدائهم دولة الأق قوينلو الذين بدأوا بالبحث عنهما قرية قرية.

وقد شكلت لاهيجان سابقاً مأوى التجأ إليها الشيخ صفي الدين أردبيلي وهو في مقتبل عمره، حيث لم يكن قد تجاوز الخامسة والعشرين من فتتلمذ على يدي الشيخ زاهد الجيلاني وتزوج بابنته بي بي فاطمة، والمشهور عن الشيخ زاهد جيلاني أنه كان صوفياً شيعياً، وقد أثر في الشيخ صفي الدين تأثيراً كبيراً ولا زال قبره لحد اليوم مقدساً يزار من قبل محبيه، وبعد وفاته سنة 700 هـ تقلد الشيخ صفي الدين أردبيلي مسند الرئاسة والمشيخة.

بقي الأميران إبراهيم ميرزا وإسماعيل ميرزا في كنف الأمير الشيعي الأمير كيا والي جيلان، إلا أن إبراهيم ميرزا قتل بعد أن ترك مخبأه، بينما بقي إسماعيل ميرزا يتلقى التعليم من قبل أساتذة عينهم الأمير كيا لتربيته، وبعد بقائه خمس سنوات متخفياً بلاهيجان، توجه إسماعيل الأول (مؤسس الدولة الصفوية) وهو في سن الثالثة عشرة من عمره مع سبعة من مؤيدي أبيه حيدر إلى أردبيل مدينة جده صفي الدين أردبيلي، وبعد حصوله على مناصرة قبائل مثل (استاجلو، شاملو، افشار) وقبائل محاربة أخرى، بدأ بالثأر لأبيه وهو بعد لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، حيث قام بعد زيارة قبور أجداده في أردبيل بالتوجه إلى جنوب شرق القفقاز حيث مدينة شيروان وحاكمها المسمى شيروان شاه، فتغلب عليه وتوجه بعد ذلك صوب الاصطدام مع قبيلة آق قوينلو التركمانية، حيث انتصر عليهم أوائل سنة 907 هـ، وفي أقل من سنتين استطاع أن يستولي على أذربيجان وقرة باغ وقسماً من آسيا الصغرى، وبعد دحر ابن خاله الوند بيك آق قوينلو جلس على عرش السلطنة في إيران.

في خلال عشر سنوات من حكمه، استولى على جميع ولايات إيران (كرمان، فارس، خراسان، خوزستان)، بالاضافة إلى أفغانستان وآسيا الوسطى والقفقاز وشرق الأناضول ووسط وجنوب العراق، وأسس بذلك دولة قوية مترامية الأطراف.

لقد حاز إسماعيل شاه هذه الانتصارات بفضل تضحيات حرسه القزلباش (ذوي القبعات الحمر)، الذي كانوا قمة في الطاعة العمياء والانقياد التام لملكهم وشعلة من التعصب والحقد على أعدائهم، ويرجع تسميتهم بالقزلباشية[i] إلى عهد الشيخ حيدر، حيث بدؤوا بوضع قبعات حمر على رؤوسهم، وبالإمكان رؤية أشباههم في أتباع حسن الصباح الباطني كذلك.

الإستيلاء على تبريز وإعلان السلطنة

دخل الشاه إسماعيل مدينة تبريز[ii] سنة 907هـ منتصراً بفضل مساعدة قوات القزلباش المتحمسة والمتعطشة للدماء، حيث أعلن هناك نفسه ملكاً على إيران، وعقد العزم على دحر كل الإمارات المحلية، وتأسيس حكومة على أساس المذهب الشيعي في عموم إيران.

“يشكل دخول الشاه إسماعيل لمدينة تبريز نقطة تحول في حياته، حيث بدأ بمذبحة جماعية لأهالي تبريز مع أن أهاليها لم يبدو أية مقاومة تذكر، فقد أخرج أجساد وعظام السلطان يعقوب والكثيرين من أتباعه الذين اشتركوا في قتال والده من قبورهم فأحرقها، وبهذا العمل الوحشي القاسي وعلى رماد أجساد وعظام عظماء ومشاهير السياسة والمذهب (السني) أسس الشاه إسماعيل حكومة أولاد الشيخ صفي الدين – أو ما سمي بالدولة الصفوية – وفي هذا الطريق دمر الأسر المهمة، وهتك هو وجنوده أعراض المعارضين، وبنى لنفسه قمماً من جماجم أعدائه، فغمس الأحياء في التراب وأخرج الأموات من القبور …” [iii].

يروي التاجر البندقي – كاتروينوزينو – عن أعمال الشاه إسماعيل بعد سيطرته على تبريز حيث : “أمر إسماعيل بإخراج عظام الذين كانوا سبباً في مقتل الشيخ حيدر من قبورهم، وإحراقها أمام الملأ العام، بجانب الرؤوس المقطوعة لمجموعة من اللصوص والزانيات!!” [iv].

وفي أوائل جلوسه على عرش السلطنة، أمر بإعادة خطب الأئمة الإثني عشرية وإضافة : “أشهد أن علياً ولي الله” و “حي على خير العمل” في الأذان، بعد منعها من قبل السلطان طغرل بيك بن ميكائيل بن سلجوق، وبعد فرار البساسيري من بغداد، حيث لم يرفع الأذان بهذا الشكل منذ ذلك التاريخ لحد ذلك اليوم.

وبعد مراسيم (تربعه على العرش) توجه مع قواته القزلباش إلى جنوب العراق، وفي طريقه وبالقرب من همدان ألحقَ الهزيمة بمراد بك آق قوينلو، الذي انسحب إلى مدينة شيراز، لذا لم يَرَ الشاه إسماعيل بداً من تعقب غريمه، فوجه عنان فرسه إلى جهة شيراز، حيث دخلها بعد حصاره للمدينة بتاريخ 909 للهجرة، وبهذا النصر يسدل الستار على سلسلة دولة الآق قوينلو في إيران وبصورة نهائية، وألحق بذلك الشاه إسماعيل أراضي فارس وكرمان أيضاً إلى سلطنته.

ولكن على الرغم من اندحار الآق قوينلو في إيران، إلا أنهم كانوا لا يزالون يحكمون سيطرتهم على شمال العراق، حيث فر مراد بك من شيراز إلى العراق بعد سقوط شيراز بيد قوات الشاه إسماعيل.

توجه الشاه إسماعيل صوب ديار بكر بعد تثبيت دعائم سلطنته في إيران، ففتحها وتوجه بعدها إلى بغداد للقضاء على البقية الباقية لقوات الآق قوينلو التركمانية (السنية)، ففي سنة 914 للهجرة (1508م) دخل الشاه إسماعيل بغداد، ووقع العراق في يده، هذا البلد الإسلامي العريق والذي يحمل معالم الحضارة الإسلامية، وتتلهف قلوب المسلمين إليه، ويضم في ترابه رفات أئمة أهل السنة، مثل الإمام أبي حنيفة النعمان، والإمام عبد القادر الكيلاني، والجنيد البغدادي، وغيرهم كثير، هذا بالإضافة إلى أن هذا البلد يعتبر عند الشيعة الإثنا عشرية أيضاً بلداً مقدساً، لوجود قبور كثير من الشخصيات التي تقدسها الشيعة.

الشاه إسماعيل يحتل مدينة بغداد

دخل الشاه إسماعيل إلى بغداد سنة 914 هـ فارتكب أعمالاً وحشية عديدة، ولعل أهم الأعمال البشعة التي بقيت في الأذهان، هو الإهانة لعظام الإمام أبو حنيفة النعمان، فقد أمر بإخراج عظام الإمام أبي حنيفة النعمان من قبره، ومن ثم حرقه على مرآى ومسمع من الناس، ويكتب مؤلف كتاب – عالم آراي صفوي – عن هذه الحادثة وردود الأفعال في الدولة العثمانية : “.. في الذكرى السابعة من جلوس الشاه إسماعيل على مسند السلطنة … وصل إلى بغداد، فسيطر عليها، وأخرج عظام أبو حنيفة فأحرقها، وأمر بوضع  كلب بدلاً عن العظام المحروقة لأبي حنيفة، وعند وصول هذا الخبر إلى السلطان بايزيد وعلماء الروم، اجتمعوا على باب السلطان مغيثين ومستنجدين بالوهن الذي أصاب الإسلام، والظلم والعذاب الذي سلط على المسلمين”[v].

بعد فتوحاته في العراق، توجه الشاه إسماعيل نحو أصفهان، فاحتل في طريقه خوزستان، وفي نفس السنة هجم بقواته على قراباغ ودربند وبادكوبا.

الصراع مع الأوزبك

وبحلول عام 916هـ لم تبقَ منطقة خارج سيطرته سوى خراسان ومرو، حيث كانت هذه المنطقة تحت سيطرة أحفاد تيمور، ولكن مع ازدياد قوة ورقعة المناطق التي دخلت تحت سيطرة الشاه إسماعيل، فإن الأوزبك قاموا بالسيطرة على خراسان، لينهوا بذلك حكم أحفاد تيمورلنك تماماً من منطقة ماوراء النهر، وحلول الأوزبك كحكام جدد على هذه المنطقة.

مؤسس سلسلة الأوزبك هو محمد شاهي بيك، أو مايسمى بـ شيبك خان، والذي أتم السيطرة على خراسان سنة 913هـ (1507م)، وقد كتب شيبك خان رسالة شديدة اللهجة إلى الشاه إسماعيل يحثه على ترك مذهب الشيعة، إلا أن الشاه إسماعيل لم يعر اهتماماً لرسالته، فهاجم الأوزبك إثر ذلك منطقة كرمان.

وفي سنة 916هـ ساق الشاه إسماعيل جيشاً جراراً نحو خراسان، وأدرك الأوزبك قوة الجيش الصفوي فاكتفوا بإبداء مقاومة بسيطة، ثم انسحبوا تاركين وراءهم مدينة مشهد متوجهين نحو مدينة مرو، وقد كانوا يأملون أن تحميهم قلاع وأبراج المدينة، ويستطيعوا بذلك رد هجمة الشاه إسماعيل العنيدة.

في شعبان 916 هـ وقعت حرب ضروس مابين الأوزبك وقوات القزلباشية، اجتاحت على إثرها القوات المهاجمة الصفوية أبراج قلعة المدينة فاحتلتها، وتم قتل عشرة آلاف أوزبك مع قائدهم شيبك خان، وشكلت السيطرة على مدينة مرو نصراً باهراً للدولة الصفوية، ونقطة عطف لأحداث ذلك العصر.

وقد كانت الدولة التيمورية الهندية التي أسسها ظهير الدين بابر تضمر العداء للأوزبك، وبهزيمتهم تنفست الصعداء بعد أن رأوا الإندحار المريع لعدوهم اللدود، الذي كان يهاجم بين آونة وأخرى المناطق الواقعة تحت سيطرة الدولة الهندية، وإثر انكسار الجيش الأوزبكي، أقيمت علاقات صداقة ما بين إيران والهند.

وقد اتفق بابر شاه والشاه إسماعيل على اكتساح منطقة ماوراء النهر وإنهاء حكم الأوزبك إلى الأبد، فتحركت جموع القزلباشية الكبيرة تحت إمرة أميريار أحمد أصفهاني نحو ماوراء النهر، حيث التقوا بالقوات المرسلة من قبل بابر شاه، ولكن القوات الهندية والإيرانية وبعد مرورهم من نهر جيجون وجدوا أنفسهم أمام جيش كبير ومجهز من الأوزبك، وبعد احتدام القتال استطاع الجيش الأوزبكي أن يلحق الهزيمة بالقوات المؤتلفة ويجبرهم على الفرار من أرض المعركة، فاستغل الأوزبك هذا الشرخ والهزيمة التي مني بها الجيشان فهجموا كالسيل العرم على ولايتي خراسان وهرات، حيث اضطر إثر ذلك الشاه إسماعيل أن يخرج بنفسه إلى خراسان وعلى رأس جيش كبير مشكل من القزلباشية والمتطوعين لصد المهاجمين، وما إن سمع الأوزبك بتحرك الشاه إسماعيل على رأس جيش كبير حتى اضطروا  إلى الانسحاب إلى ما وراء النهر، وبذلك تم للإيرانيين استعادة ما فقدوه خلال هذه المدة.

معركة جالدران الحاسمة

منطقة جالدران تقع في أقصى شرق تركيا وغرب مدينة أرومية الإيرانية الحالية، ووقعت هذه المعركة إثر تغلغل الصفويين في منطقة دياربكر واقترابهم من الأناضول، ومن ثم فتكهم بأهل السنة في تلك المناطق ومناطق أخرى داخل إيران، مما أقلق الدولة العثمانية، فجردت جيشاً جراراً قاده السلطان سليم بنفسه، وتزامن ذلك مع صدور فتوى في حق الشيعة الصفوية ووجوب محاربتهم، فالتقى الجيشان في سهل جالديران سنة 920 للهجرة.

جاء الجيش العثماني إلى المعركة برفقة وحدات المدفعية التي كانت القوات الصفوية محرومة منها، حيث شكلت تلك القوة العامل الحاسم في ردع القوات الصفوية ومن ثم هزيمتهم، بالإضافة إلى أن الجيش العثماني كان أكثر تنظيماً وتدريباً من الجيش الصفوي الناشيء، ولا ننسى أن الجيش العثماني كان مجهزاً أيضاً بالبنادق.

يقال إن الجيش الصفوي بقيادة الشاه إسماعيل قد ارتكب خطأ استراتيجياً مهماً، بتغيير ساحة المعركة من شمال مدينة خوي إلى سهل جالديران، وكان هذا الجيش يستطيع أن يهاجم القوات العثمانية مستفيداً من الأراضي الجبلية الوعرة في منطقة خوي، وبذلك كان يستطيع حماية نفسه من نار المدفعية العثمانية.

استطاع الجيش العثماني أن يجر الجيش الصفوي إلى سهل جالديران، فأمطروا القزلباشية بوابل من نار المدفعية والبنادق، وقد انكسر الجيش الصفوي في هذه المعركة التي لم تستمر إلا يوماً واحداً، وفقدت القزلباشية كبار قادتها أمثال خان محمد استاجلو، ساروبيره، مير عبد الباقي، ووقوع زوجة الشاه إسماعيل أسيرة بيد القوات العثمانية، وعندما رأى الشاه إسماعيل بأن الهزيمة باتت واقعة بجيشه لا محالة، انسحب من ساحة المعركة مع 300 من قواته متقهقراً إلى مدينة تبريز.

كتب السلطان سليم رسائل الفتح إلى كل من سلطان مصر، وعبيد الله خان الأوزبك، وكذلك إلى ابنه وولي عهده الامير سليمان، وبعد ذلك تحرك بجيشه العرمرم نحو تبريز، إذ كان يريد أن يتخذ من هذه المدينة التاريخية مركزاً لعملياته داخل الأراضي الإيرانية، ولكنه لم يمكث في تبريز سوى 8 أيام، بسبب قيام القوات الصفوية باتباع سياسة الارض المحروقة، وإضرامها النيران في كل ما يفيد الجيش العثماني في المدينة وفي ما حواليها من القرى.

وأدرك السلطان أنه بحلول فصل الشتاء سيواجه مع جيشه مشكلة قلة المؤن، لذا قرر بعد مشورته لقادة الجيش ترك المدينة والقفول راجعاً عن طريق أرمينيا إلى الأناضول، حيث استولى وهو في طريق الرجوع على مدينة نخجوان وقلعة إيروان.

ويقال إن الشاه إسماعيل بدأ بعد  انهزامه أمام العثمانيين بوضع عمامة سوداء على رأسه، ولم ينزعها حتى سنة (930هـ) حيث مات.

نهاية الشاه إسماعيل

على إثر إصابته بداء الحصبة، لم يستطيع الشاه إسماعيل التغلب على مرضه، ففارق الحياة في مدينة سراب في شهر رجب سنة 930 للهجرة (1524 ميلادية).

في حياة هذا الشاه الشاب حصلت تغييرات جذرية في التكوين المذهبي للناس، وحدثت تغييرات مهمة في التكوين المعماري والفن الإيراني كذلك.

ولقد اتسعت أصفهان معمارياً وزادت الكثافة السكانية فيها، وازدادت البنايات والجسور فيها، وشهدت تبريز أيضاً توسعاً، وأصبحت مركزاً مهماً من مراكز الدولة الصفوية.

حيث كان الحرير يحمل إلى حلب ودمشق عن طريق تبريز، وكانت تباع القلائد الذهبية المنتجة في البصرة وفرش كاشان في أسواق تبريز.

بنيت القصور المتعددة والقبب الزرقاء والحمامات والمساجد المزينة بالنقوش التي حبكتها أيدي الفنانين الإيرانيين، ويروى أن السلطان سليم وبعد سيطرته على مدينة تبريز، أخذ معه 700 عائلة تبريزية كانت أكثريتهم من الفنانين والصناع.

للشاه إسماعيل الصفوي شخصية متناقضة مزدوجة، فمن جهة تراه يسرد الشعر التركي الأنيق، ويسحر الألباب ببلاغته ويشتهر بين الناس بالشاعر خطائي أو شاه خطائي، ويحتل مكاناً مرموقاً بين الشعراء الأذريين القدماء، ومن جهة أخرى تراه شخصية دموية يحب سفك الدماء والفتك بأعدائه، ولا ترقى الشفقة إلى قلبه، بل يتذوق قتل أعدائه كتذوق سرده للشعر فتدبر!!

ولعل هذه الازدواجية التي يعجب منها البعض، نراها تتكرر في شخصيات عديدة في التاريخ الصفوي.

لا نستطيع أن ننكر أن الشاه إسماعيل وبتأسيسه للدولة الصفوية، استطاع أن يشكل دولة واحدة على أنقاض الإمارات المتعددة التي كانت تحكم إيران، ولكن رافقت هذا الانجاز خسائر فادحة للعالم الإسلامي.

استفادت الدول المسيحية في أوروبا من الصراع العثماني الصفوي، واستثمرت هذا الصراع، واستطاعت بذلك إيقاف الاكتساح العثماني للعمق الاوروبي.

وقد تشكلت الحكومة الصفوية في عهد الشاه إسماعيل على أسس أخلاقية وضيعة، ملؤها النفاق والغش والرشاوى والظلم والاستبداد.

وقد استمرت هذه العادات حتى في عهود الذين جاؤوا بعد الشاه إسماعيل على سدة الحكم، وأثرت هذه الطباع السيئة وعملت عملها في طبيعة الشعب الإيراني[vi] والذين ذاقوا الهوان على أيديهم، ولابد من أن نشير لمماً لبعض ما قام به الشاه إسماعيل عندما كان يسيطر على المدن.

اذ أن هذا الشاه كان في حروبه سفاكاً للدماء خشناً في التعامل لا ترقى الرحمة والشفقة إلى قلبه، ففي حربه مع حسين كيا الذي “كان حاكما في فيروزكوه فقد قام بمنع الماء عنهم ليلاقوا مصيرهم الأسود وعندما دخلها لم يبقِ على أحد وأمر الشاه إسماعيل فتم القضاء على الأهالي الساكنين في القلعة و حرق الإناث والذكور والجهلاء والعلماء بنار غضب الزمان”[vii].

وقد استعمل الشاه إسماعيل الحرق ضد أعدائه بشكل واسع، حيث يكتب عبد اللطيف القزويني حادثة  معاقبة الشاه إسماعيل لـ (محمد كره)، والذي ناله غضب الشاه مايلي : “تم جمع حطب كثير في ميدان أصفهان، ثم أضرم فيه النيران، وألقى فيها كلاً من محمد كره وأتباعه مثل حسين كيا وعددا من الثوار الذين آزروه، حيث سقوا ناراً حميماً وصلوا عذاباً أليماً”، وتم إحراق حسين كيا ومحمد كره في حضور رسول السلطان العثماني يلدرم بايزيد، والمخجل في الأمر أن هذا المؤرخ الذي لا يعرف الحياء، يعلق بعد سرده لهذه الحادثة بقوله : “لقد كان المؤلف ضمن القافلة المظفرة المنتصرة وشاهداً على هذه الحوادث”.

يصف الدكتور ذبيح الله صفا هذه الأحداث بقوله : “لقد قام الشاه إسماعيل ومن أجل تحقيق مطامحه الشخصية و نشر مذهب الشيعة في إيران بمذابج عديدة وأراق دماء الكثيرين، حيث قام ولسبب بسيط بالإغارة على أهالي مدينة طبس (شرق إيران) والفتك بسبعة آلاف من أهاليها على حين غفلة ليعلق أحد مؤرخيه بقوله : “وبذلك أطفأ الشاه نار غضبه” [viii].

هذا التعطش للدماء كان يبرز بأشكال مختلفة، فتارة يقومون بهذه الأعمال باسم الدين ونشر الدين، وتارة يلبسونها لباس السياسة فيقومون بها تحت ذريعة الحفاظ على الملك، وحيناً آخر لتسكين نار الحقد والنفاق، وفي هذا المجال كانوا لا يتورعون عن قطع الرؤوس وتمزيق الأشلاء، وإذا لم يسكن غضب الشاه فإن الذبح والقتل كان يشمل أقارب المغضوب عليه بدءاً من عائلته ووصولاً إلى أبناء عمومته، حيث أن صحائف التاريخ الصفوي مليئة بهذه الفضائح.

يقول أحد الرحالة الإيطاليين باسم (أنجلو)، وقد شاهد الشاه إسماعيل وأمدنا بمعلومات مستفيضة عنه وعن طبائعه وسيرته، فكتب يصف ارتكابه مذبحة في جنود الوند ميرزا ونسائه ورجاله وعائلة السلطان يعقوب البايندري وثلاثمائة من أتباعه وكل من كان معه في المدينة : “لا أعتقد أنه قد ظهر منذ عهد نيرون ولحد الآن ظالمٌ مثل هذا”[ix].

السلطان شاه طهماسب الأول

ترك الشاه إسماعيل بعد وفاته 4 أبناء وهم :

  1. طهماسب ولد في 24 رجب سنة 919 هـ 1514م وكان يبلغ عشر سنوات حينما توفي والده.
  2. القاص ميرزا الذي كان أصغر ثلاث سنوات من أخيه طهماسب.
  3. سام ميرزا.
  4. بهرام ميرزا.

بعدما توفي الشاه إسماعيل، دعم الأمراء وأكابر الدولة الصفوية الأمير طهماسب في جلوسه على سدة العرش، ولم يكن السلطان الجديد قد بلغ أكثر من عشر سنوات، فأوكل أمور البلاد إلى جمع من الأمراء وسادة القوم، مما أدى إلى التنافس والنزاع فيما بينهم، في الوقت الذي كان أعداء الدولة الصفوية يترقبون الفرص للإنقضاض عليها، بعد أن أرسى دعائمها وأحكم بنيانها الشاه إسماعيل.

الحرب مع الأوزبك

استغل خان الأوزبك عبيد الله، الهرج والمرج الذي حل بعد وفاة الشاه إسماعيل، فانساحوا إلى ولاية خراسان واحتلوها، وهزموا  الجيش المرسل من قبل الدولة الصفوية على سفوح جبال فيروز كوه بالقرب من هرات سنة 934هـ.

خرج الشاه طهماسب سنة 934هـ بنفسه على رأس جيش قوي متجهاً إلى خراسان، حيث تلاقى مع الجيش الأوزبكي بالقرب من مدينة (جام) في مكان يسمى زورآباد، فالحق الجيش الصفوي هزيمة منكرة بالجيش الأوزبكي، مجبراً إياه على الانسحاب ليس من خراسان فحسب، بل إن الجيش الأوزبكي اضطر أن يترك هرات أيضاً، إلا أن الحرب بقيت فيما بين الدولتين سجالاً بين كر وفر حتى سنة 939 هـ.

الحرب مع العثمانيين

بعد وفاة السلطان العثماني بايزيد الثاني (1512م – 1481م)، جلس على عرش السلطنة السلطان سليم الأول (1520م – 1512م)، وقد أحرز السلطان الجديد فتوحات مهمة في العمق الأوروبي، وزلزل وأرهب كل الدول والإمارات المسيحية في أوروبا.

قام السلطان العثماني بهجوم على أذربيجان سنة (939هـ 1534م)، وتوغل في العمق الإيراني حتى وصل إلى مدينتي ابهر وسلطانية التاريخية، ولكن بسبب هجوم البرد القارص اضطر أن يأمر جيشه بالوقوف وتغيير منحى الهجوم نحو بغداد واحتلالها، ثم قام الشاه طهماسب بعد ذلك بالهجوم على أذربيجان، واسترداد المدن التي دخلت تحت السيطرة التركية العثمانية.

في سنة 940هـ رفع أخو الشاه سام ميرزا علم العصيان في وجه الشاه طهماسب، وقام أخوه الآخر بالثورة ضد الشاه سنة 951هـ، وأما أخوه القاص ميرزا فقد هرب والتجأ إلى السلطان سليمان الأول (1566م – 1520م) وشجع السلطان العثماني على الهجوم على أذربيجان.

قام السلطان العثماني وهو يقود جيشاً جراراً بالهجوم على أذربيجان فاحتل مدينة تبريز، والتي كانت قد خرجت مؤخراً عن السيطرة العثمانية، وقام الأمير الصفوي الثائر القاص ميرزا على رأس جيش قوامه 60,000 ألف جندي بالهجوم على أصفهان لاحتلالها، إلا أنه جوبه بمقاومة شديدة من الجنود التابعين للشاه طهماسب وأجبروه على الإنسحاب والتقهقر نحو بغداد.

وفي نهاية المطاف وقع الخلاف بينه وبين السلطان العثماني، فانفصل الأمير الصفوي متوجهاً إلى منطقة كردستان غرب  إيران، وهناك تم القبض عليه من قبل جنود الشاه طهماسب، فتم تقييده وإرساله إلى أصفهان، حيث سجن ومن ثم توفي إثر ذلك بعد مكوثه سنة واحدة في السجن.

استمرت المصادمات بين الدولة الصفوية والعثمانية في مناطق غرب إيران، أرمينيا، شيروان، جورجيا وفي سنة 966 للهجرة التجأ هذه المرة أمير عثماني باسم بايزيد إلى الشاه طهماسب، فحبسه الشاه أول الأمر، ثم أرسله مخفوراً إلى أبيه وذلك سنة 968 للهجرة.

وقد توفي السلطان سليمان العثماني (974هـ 1566م)، وجلس في مكانه السلطان سليم خان الثاني (1574م – 1566م)، فاختار السلطان الجديد الحل السلمي للصراع الموجود بين الدولتين، وأرسل السلطان العثماني رسولاً إلى الشاه طهماسب دليلاً على حسن العلاقات والجوار، مرض الشاه طهماسب سنة 981هـ وتوفي إثر معاناته مع المرض سنة (984هـ 1576م).

الأوضاع الإجتماعية في إيران

لم يستطيع الشاه طهماسب أن يسبغ على الشعب الرفاهية والترقي الاقتصادي، على الرغم من سلطنته الطويلة، وبالمقابل وعلى نقيض الشعب الذي لم يَرَ إلا البؤس، فإن طبقة (القزلباشية) قد تحولت إلى طبقة محتكرة تملك الأراضي والأموال، ورويداً رويداً بدأ تغيير النظام المالي للدولة الصفوية حسب ما تتطلبه مصلحة هؤلاء القزلباشية، وقد كانت هذه الطبقة تحتكر حتى الحرف والمهن ووظائف الدولة والأمور التجارية المختلفة مما أثقل كاهل الفقراء، وزاد بذلك حالة الفقر والبؤس والحرمان بين الشعب.

العلاقات السياسية والإقتصادية مع دول شرق إيران مثل الصين وغيرها والتي بدأها الشاه إسماعيل كانت مستمرة، وقد وصل المبعوث الإنكليزي عن طريق أردبيل إلى قزوين حاملاً رسالة من الملكة إليزابيث وهدايا إلى الشاه طهماسب، إلا أن الشاه لم يبدِ اهتماماً كبيراً لسفراء الإنكليز، حيث رجعوا بعد ذلك حاملين معهم الحرير والأقمشة الثمينة الأخرى، دون إجراء أي حوار أو عقد أي اتفاق ثنائي.

بدأت حالات الفتن تظهر في المجتمع الصفوي الإيراني، بعد تزايد ثروات الحكام الجدد مثل القزلباشية ورؤساء العوائل والقبائل، وشكلت هذه الشريحة التي كانت تتزايد ثرواتها يوماً بعد يوم نوعاً من الإقطاعية الجديدة، وقد استغلت هذه الشريحة احتكارها للزراعة والحرف المهمة، وعلى سبيل المثال فإن عائلة من هذه العوائل المستغنية وهي عائلة ذو القدران في فارس، كان عدد الخدم والجنود لديها يصل : “إلى 8000 شخص وكانت تحضر لهم 400 ماعون مما لذّ وطاب من المأكولات”، وكان الشاه طهماسب لا يرد مطاليب حاشيته والمقربين منه حيث يقول ويل ديورانت في هذا الصدد : “إن الشاه طهماسب كان جباناً ناقضاً للعهود، ميالاً للترف غير لائقٍ وإن كان فناناً ماهراً ..”، ويوجز ويل ديورانت (وهو المسيحي الديانة) رأيه في هذا السلطان والدولة الصفوية بقوله : “لعل الشاه كان يتمتع بخصائل قد خفيت عن التاريخ، فالدولة الصفوية وان كان هدفها (تقوية دعائم الإسلام)!! إلا أنها كانت السبب في إضعاف الإسلام واندلاع 12 حرباً، وكانت سبباً في تقسيم الشرق الإسلامي من سنة 1508م إلى سنة 1638م إلى معسكرين، وأفادت بذلك المسيحية إذ أن السلطان سليمان القانوني اضطر أن يوقف حملاته على الغرب ليوجه  عنان جيوشه صوب إيران”[x].

ويصف حسن روملو مؤلف كتاب (أحسن التواريخ) السلطان طهماسب، بأنه كان شخصاً يتوجس الخوف من كل شيء، وكان يرمي بقية طعامه إلى الماء أو إلى النار، وكان يخصص يوماً كاملاً لقص أظافره ويوماً آخر لحمامه  فيقضي أوقات يومه من الصباح الباكر حتى المغرب في الحمام[xi].

ويكتب سفير البندقية (فنيزي) والذي ورد إيران من أجل عقد معاهدة اتحاد مع الدولة الصفوية، حول مظالم عمال ومستخدمي الشاه طهماسب حيث يقول : “يجتمع أصحاب المظالم في مقابل مقر الحكومة ليلاً ونهاراً وهم يشجون بالبكاء والعويل ليرد حقوقهم، وقد يصل عددهم بعض المرات إلى الآلاف، وعندما يسمع الشاه بأصوات رعاياه يأمر بتفريق المجتمعين، حيث يقول بأنه (أي الشاه) قد أوكل إلى القضاة وموظفي الدولة الصفوية بالنظر في مظالم الناس ومجازاة المجرمين، ولا يدرك بأن شكاية الناس وصياحهم هو من القضاة والسلاطين الظلمة، وقد رأيت بأم عيني وكذلك شهد الناس كيف أن هذه الطغمة كانوا يقتلون الأبرياء وأن عدد الذين قتلوا بهذا الشكل وخلال ثماني سنوات يصل إلى عشرة آلاف شخص كما هو مدون في سجل الدعاوي القانونية والشكاوي، هذه الخروقات تحصل من قبل القضاة الجدد، إذ أن هؤلاء القضاة لا يعين لهم رواتب ومخصصات مستمرة من سجل الحكومة، لذا يتسلَمون الرشاوى وبما أنهم يرون أن السلطان لا يهتم بأمور البلاد ووضع القضاء، لذا فإنهم يزيدون من قيمة الرشاوي، فتلاحظ أن الطرق في كافة ربوع البلاد غير آمنة، بل إن الشعب يحس بالخوف في عقر داره، ويمكن القول أن جميع القضاة تقريباً قد فسدوا بسبب تغررهم بالمال”.

ومن المؤلم أن نلاحظ أمراً مهماً في عهد الشاه طهماسب، فعلى الرغم من العقل الخرافي والمظالم التي كانت تحصل في عهده، إلا أنه كان هنالك قسم من الشعب يدينون له بالحب، هذه الظاهرة قد أثارت التعجب لدى تاجر البندقية (دلساندري) وقد ذكر هذا السفير الاوروبي : “أنه كان هنالك من كان يمدح الشاه كمدحه للإله، وهذه القدسية كانت نابعة من الاحترام الذي كان يوليه لآل علي، فإن ذكر اسم طهماسب كان له أثر أكبر عند الناس – حسب معتقدهم – في شفاء مرضاهم من اسم الرب، وكان يرسل إلى الشاه النذور بعيد حصول أحدهم على مراده، فمثلاً كنت ترى أحدهم ينذر بتقبيل أبواب الحكومة في قزوين، إذا ما حصل على مراده”[xii].

وكان يعتقد بعضهم بكرامات سيدهم الكبير (الشاه)، ويتبركون بماء وضوئه ويحتفظون بقطع من ملابس (الشاه)، أو (برقع) للوقاية من عين الحسود، هذه الحقائق المؤلمة توحي لنا كيف أن السلاطين الصفوية وبالأخص الشاه طهماسب، كانوا يتخذون الدين وسيلة لخداع الشعب للتستر على مساويء الحكومة وفضائحها.

كان الشاه طهماسب يدعي دائماً أنه كان يرى (صاحب الرسالة محمداً صلى الله عليه وسلم)، والأئمة وأجداده  في المنام وأنه يأخذ الالهام منهم !! ويستفيد من بركات أنفاسهم القدسية، وهو نفسه يبقى لشهور وأيام لا يغادر حريمه وقصره، وإذا وصلت آهات المظلومين إلى سمعه، أمر بتفريقهم بالضرب والعصا وطردهم من أبواب الحكومة.

لقد انتشرت بعض الطرق الدينية المنحرفة في زمن الشاه طهماسب، مثل (النقطوية) التي كانت تؤمن بالحلولية وتبدل الجمادات والأحياء من شكل إلى آخر، وقد انتشرت هذه الفرقة في زمن الشاه طهماسب بشكل كبير، إذ تمتعت هذه الفرقة بالحرية في نشر آرائها وبث فكرها، وقد استطاع أتباع هذه الفرقة التغلغل في المناصب الحكومية المهمة، وقد برز منهم أشخاص مثل أبي القاسم وأبي تراب اللذين احتلا مناصب مهمة في الحكومة الصفوية.

مؤسس هذه الفرقة هو (محمود بسيخاني) من أهالي قرية بسيخان، حيث أسس سنة 800هـ فرقة النقطوية وادعى المهدية بعد فترة وجيزة من ظهوره، هذه الفرقة استطاعت أن تجمع أتباعاً كثيرين ما بين القرنين 9-10 هـ سواء في إيران أو في الهند وفي آسيا الصغرى، وقد شرح (محمود بسيخاني) آراءه في كتابه المسمى (الميزان)، وآراؤه خليط من تعاليم الإسلام والأفكار الخرافية، وقد استطاعت هذه الفرقة تأسيس مراكز لها في مدن كاشان، شيراز، قزوين وأصفهان.

ولقد بدأ الشاه طهماسب بالقبض على المدعوين أبا تراب وأبا القاسم، واللذين تغلغلا في حاشية الشاه فأمر بحرمانهما من نعمة البصر، وبدأ بذلك بمطاردة أتباع النقطوية والقبض على أتباعهم.

وفي أواخر حكم الشاه طهماسب، ظهر شخص من أتباع النقطوية في مدينة كاشان، فادعى الإمامة وبدأ بحركته، وتم القضاء على هذه الحركة في مهدها.

وفي قزوين ظهر درويش باسم (خسروقزوين) وهو أيضاً من أتباع النقطوية، والتحق به أتباع كثيرون، وقد استطاعت النقطوية كسب أناس كثيرين، كان بينهم شعراء وأدباء أمثال سيد أحمد كاشي ومولانا سليمان طيب ساوجى، كمال إقليدي، برياني، تراب وشريف املي، وبسبب احتواء فكر النقطوية على الكثير من البدع والخرافات، لذا فإنها رويداً رويداً فقدت قوتها واضمحلت وانتهت.

وقد قتل (الشاه عباس) كما سنرى فيما بعد الكثير من أتباع النقطوية[xiii] والغريب أنه أجلس أحدهم باسم (يوسف تركش دوز) بدلاً عنه على عرشه لمدة ثلاثة أيام وبعد ذلك أمر بقتله !!.

الشاه إسماعيل الثاني

منذ وفاة الشاه طهماسب إلى اعتلاء (الشاه عباس) لعرش السلطنة سنة 995 للهجرة، حكم إيران اثنان من السلاطين وهما الشاه إسماعيل الثاني، وشاه محمد خدابنده، حيث بدأ حكم الشاه إسماعيل (984-986هـ / 1576-1578م)، حيث حاول أن يقوم ببعض الإصلاحات الاجتماعية، فمنع المذابح التي كانت ترتكب في حق أهل السنة، وأبعد عن العرش رجال الدين الشيعة المتنفذين، وأمر بعدم لعن الخلفاء الراشدين على المنابر، وعدم ترديد الأشعار التي تستهزيء بهم، هذه الإجراءات أثارت حفيظة علماء الدين الشيعة، إلى درجة أنه أشيع عن الشاه بأنه قد بدل مذهبه وأصبح سنّياً، وحول مدى انتشار هذه الشائعة يكتب اسكندر بيك تركمان الكلمات التالية : “برز الجدال المذهبي وأشيع عن الشاه أقوال قالها في الخفاء حول عقائد الشيعة وحسب الناس أنه قد ضعفت عقيدته الشيعية وأصبح سنياً”[xiv].

وقد بدأ الرعب يدب في جسد الشاه بعد سماعه انتشار الشائعات حوله فأمر بإضافة بيت شعر على النقود للبرهنة على إخلاصه لآل بيت علي رضي الله عنه.

“ز مشرق تا مغرب كر امام است       على وآل او ما را تمام است”

وهي تعني بالعربية :

“من المشرق إلى المغرب إذا كان هنالك  إمام يكفي لنا علي وآله إماماً”

توفي الشاه إسماعيل الثاني سنة 986 للهجرة 1578م دون أن يستطيع إنجاز إصلاحاته في إيران.

السلطان محمد خدابنده

بعد انتشار خبر وفاة (الشاه إسماعيل) أعلن أخوه المدعو محمد ميرزا نفسه سلطاناً على إيران وذلك بتاريخ 186 للهجرة، وحظي بالقبول من قبل رؤساء القزلباشية وكبار القوم وسمي بـ محمد خدابنده.

وعلى جبهات القتال وإثر وفاة الشاه إسماعيل الثاني، وجه القائد العثماني عثمان باشا قواته إلى منطقة قراباغ وشيروان واستطاع السيطرة على تلك المناطق، وبالمقابل أرسل الشاه محمد خدابنده ابنه الكبير المسمى بـ حمزة ميرزا لرد الهجوم العثماني، حيث استطاع السيطرة على المناطق المذكورة واسترجاعها من يد العثمانيين، وفي سنة 989هـ رفع رؤساء القزلباشية الذين كانوا حول الامير عباس ميرزا في خراسان علم العصيان ضد الشاه محمد خدابنده، وقد أراد أحدهم المدعو (علي قولي خان) بمناداة الأمير عباس ميرزا سلطاناً وقام بضرب اسمه على السكة.

فأرسل الشاه المدعو محمد حمزة ميرزا على رأس جيش إلى خراسان، إلا أن هذا الجيش لم يوفق في إخماد الثورة، فاضطر الشاه أن يقود حملة بنفسه سنة 991هـ للسيطرة على هرات، التي كان قد سيطر عليها ابنه الأمير عباس، وتعرضت في الوقت نفسه منطقة شيروان إلى هجوم العثمانيين واستطاعوا إحكام السيطرة عليها، مما اضطر السلطان محمد خدابنده أن يرفع الحصار عن هرات ويتوجه إلى دفع العثمانيين في الغرب، بينما بقي حمزة ميرزا محاصراً لهرات، وعندما رأى عباس ميرزا أنه لا يستطيع مقاومة الحصار تقدم بالصلح إلى حمزة ميرزا، فاتفق الأخوان على عدم ادعاء السلطنة ما دام أبوهما على قيد الحياة، واتفق الطرفان على بقاء خراسان وهرات بيد عباس ميرزا، فيما بقيت عراق العجم تحت سيطرة حمزة ميرزا، وبذلك خفت الصراع الدائر بين الأخوين، ورجع حمزة ميرزا إلى قزوين ليساعد أباه في رد عثمان باشا القائد العثماني عن الحدود الغربية، وقد وقعت المعركة الفاصلة بين حمزة وعثمان باشا في تبريز سنة 993هـ، وانجلت الواقعة عن انكسار الجيش العثماني.

وفي سنة 994هـ تآمر عدد من الأمراء التركمان وقبيلة الافشار، واستطاعوا قتل الابن الأكبر للسلطان محمد خدابنده، بالقرب من مدينة كنجة، ورشحوا للسلطنة أخاه أبا طالب ميرزا، وقد تحرك إثر هذه الحادثة الأمير عباس ميرزا من مشهد متوجها صوب قزوين، واستطاع الوصول إلى قزوين قبل أن يقترب أتباع أبي طالب من هدفهم، سارع مرشد قلي خان وعدد من أمراء القزلباشية بإعطائه لقب (الشاه عباس) وأجلسوه على سدة العرش، مما اضطر السلطان محمد خدابنده لقبول الأمر الواقع وتسليم السلطنة لابنه.

العلاقات الإيرانية – الاوروبية

في زمن السلطان محمد خدابنده مدت الدول الاوربية جسور الصداقة مع إيران، وبما أن جيوش الدولة العثمانية كانت تحرز انتصارات باهرة في أغلب المواقع، فإن تمتين العلاقة ما بين الدول الأوروبية والدولة الصفوية كانت تأخذ شكلاً استراتيجياً لكلا الطرفين.

ففي سنة 991 للهجرة 1583م، تم توكيل خرانواماسكارنيا (نائب السلطنة في الهند) بإرسال ممثلٍ عن إسبانيا والعالم المسيحي لتحريك الشاه بالإستمرار في محاربة الدولة العثمانية، ووكل لهذا الوفد أيضاً مطالبة السلطان الإيراني بإعطاء حريات أكثر للمسيحيين في أداء طقوسهم الدينية، وكذلك تمتع التجار المسيحيين لامتيازات أكبر.

نظراً لمعرفة المدعو سيمون دمورال اللغة الفارسية، فقد تم ترشيحه من قبل القس اللكس دومنس قسيس (كوا) من فرقة (كوستن) لإنجاز هذه المهام، فتم الإتفاق على سيمون دومورال للسفر إلى إيران وإيصال رسالة فيليب الثاني ملك إسبانيا إلى شاه إيران محمد خدابنده.

تحرك هذا السفير بتاريخ 15 فبراير سنة 1583م من كرا وبعد شهرين استطاع الوصول إلى قزوين، وقد قام الشاه باستقبال شعبي حار لهذا السفير، ونظراً لمعرفة السفير اللغة الفارسية فإنه استطاع أن يوصل إلى الشاه كافة مطاليبهم دونما الحاجة إلى وسيط أو مترجم، وقد أبدى الشاه اهتماماً خاصاً بالمبعوث المسيحي، وبعد أداء مهام تسليم رسالة ملك إسبانيا، فإن الشاه خدابنده دعاه إلى قصره وطلب منه تعليم ابنه الرياضيات وعلم الفلك !!.

لقد أثمرت جهود الملك الإسباني لدى الدولة الإيرانية بسرعة، إذ قام الشاه بطرد وفد الدولة العثمانية والذين قدموا من أجل عقد اتفاقات تجارية وتقوية العلاقة بين الدولتين، ولم يكتفِ الشاه بذلك بل حاول إرسال سفراء إلى الدول الأوروبية لحثها على محاربة الدولة العثمانية، واختار السفير الإيراني مرافقة السفير الاسباني من أجل الاستفادة منه في حث الدول الأوروبية للتعاون المشترك في محاربة الدولة العثمانية، فانطلق السفيران من جزيرة (كوام) ومع أن السفينة قد انتخب لها اسم (السفرة الآمنة)، إلا أنها غرقت وغرق معها السفيران، وذهبت الرسائل مع أصحابها إلى أعماق البحار.

الشاه عباس الأول الكبير

ولد الشاه عباس في أول رمضان سنة (978هـ – 1570م) في هرات، وعندما جلس في قزوين على سدة العرش بدلاً من أبيه، لم يكن بعد قد تجاوز الثامنة عشرة من عمره، ولم يكد يتولى الشاه عباس مقاليد الحكم حتى هاجم عبد الله خان الثاني خان الأوزبك مدينة هرات، وبعد حصار دام ستة أشهر استطاع السيطرة على المدينة وقتل حاكم الصفويين وهو من أمراء القزلباشية.

وفي خضم هذه الأحداث اضطر الشاه عباس إلى الإنصياع لمطاليب الأتراك العثمانيين، فوافق على ضوء معاهدة سلام عقدها الصفويون مع العثمانيين على إعطائهم عدة مدن مثل تبريز، شيروان، جورجيا، لورستان، ومن الممكن اعتبار هذه المعاهدة مخزية للصفويين، إلا أن الشاه عباس الذي كان يمثله ابن اخته في المفاوضات وافق على مطالب العثمانيين لتردي الأوضاع في كافة أراضي الدولة الصفوية، إذ أن الأوزبك كانوا قد سيطروا على أراضي شاسعة من خراسان، واندلعت الثورات هنا وهناك، وزاد الطين بلة وقوع مدينة مشهد بيد الأوزبك، وقد أمر القائد الأوزبكي عبد المؤمن خان وهو ابن السلطان الأوزبكي عبد الله بإعمال السيف في المدينة، ومن ثم السيطرة على الأشياء الثمينة الموجودة في مرقد الإمام الرضا، وقد استمر هذا القائد بالتقدم فاستطاع السيطرة على مدن نيشابور ودامغان، وعين حكاماً عليها ولكن بعدما سمع بتحرك الشاه عباس تجاهه ترك هذه المواضع ومن ضمنها مدينة مشهد وقفل راجعاً إلى بلاده.

وقد جرت هذه الأحداث والشاه عباس مستغرق في فترة نقاهة بعد تمرضه، إلا أنه وبعد شفائه أخمد ثورة جيلان (كيلان)، وجرجان (كركان)، ويزد، وبعد ذلك اختار الإستراحة في أصفهان، بينما كانت هجمات الأوزبك لا زالت مستمرة على مدن خراسان، ولكن بعدما بلغ السيل الزبى أرسل أهالي مدن خراسان ممثلين عنهم للشاه عباس يشرحون له مدى وخامة الوضع، وكيف ضاقوا ذرعاً بهجمات الأوزبك، ففي عام 1005 للهجرة تحرك الشاه عباس نحو مشهد، ومن ثم توجه تلقاء هرات فدخلها بعد ستة أيام من الحصار، واستطاع إلحاق  الهزيمة بابن أخت عبد الله خان الأوزبك.

ولقد توقفت حملات الأوزبك بعد هذه الهزيمة ولمدة طويلة، نظراً لانشغالهم بسبب وفاة عبد الله خان سلطان الأوزبك، والحوادث التي أعقبت وفاة الأب، إذ تولى عبد المؤمن خان حكم الأوزبك، ولكن لم تمض فترة وجيزة على حكمه حتى اغتاله أمراء الأوزبك.

فتح لار والاستيلاء على البحرين

أسند الشاه عباس ولاية فارس إلى الله ويردى زركرباشى، بينما كانت لار القريبة من شيراز ضمن ولاية فارس محكومة من قبل خانات يدعون أنهم من سلالة (كركين البهلوان) المشهورة، والمذكورة في (شاهنامة الفردوسي)، الملحمة الأسطورية للشاعر الفردوسي، أما ولاية ميناب وكمبرن (منطقة بندر عباس الحالية) فقد كانوا يتبعون حكام الهند البرتغاليين، وبينما ارتبطت البحرين بإيران نتيجة اتفاقية عقدت ما بين إيران والبرتغال إلا أن البرتغال وعلى النقيض من تلك الإتفاقية المنعقدة ما بينهم وبين الشاه إسماعيل سنة 926هـ فإنهم قاموا باحتلال الجزيرة.

لذا فإن أحد قادة الشاه عباس وهو الله ويردي خان، ومن أجل إخراج البرتغاليين، أزاح حكام منطقة لار الذين كانوا يشكلون مانعاً لامتداد سلطة إيران نحو السواحل الإيرانية الجنوبية الشرقية، فقام القائد الإيراني بالهجوم على البحرين، وبعد قتال عنيف استطاعت القوات الإيرانية دخولها بعد طرد البرتغاليين منها.

حروب الشاه عباس مع العثمانيين

في سنة (1011هـ – 1602م) جهز الشاه عباس جيشاً جراراً في أصفهان، وأشاع بين الناس بأنه يريد التوجه نحو شيراز، وقد احتل شخصياً مكانه في مقدمة الجيش، وعندما بدأ الجيش يخرج من أبواب المدينة، غير وجهته نحو قزوين، حينها علم قادة الجيش أنه يريد التحرك نحو أذربيجان لقتال العثمانيين.

هجم الشاه عباس في سنة 1011هـ على تبريز فاحتلها، وتحرك بعد ذلك نحو ايروان، بينما أمر (الله ويردى خان) بالتوجه نحو بغداد عن طريق خوزستان، فتم محاصرة بغداد إلا أن قائد الحملة اضطر لرفع الحصار عن المدينة والتوجه نحو إيروان بعد وصول أوامر الشاه عباس بمحاصرتها، حيث تم لهم فتحها بعد سنتين من الحصار.

قام القائد العثماني (أوزون أحمد) بالتوغل داخل الأراضي الإيرانية بعد انسحاب الجيش الصفوي بقصد محاصرة إيروان إلا أن الجيش العثماني مني بالهزيمة بالقرب من همدان ووقع (أوزون أحمد) مع كثير من رفاقه أسرى بيد القوات الإيرانية.

أمر الشاه عباس قائده الله ويردى بعد استيلائه على إيروان بالتوجه نحو مدينة (وان)، وأمر قائداً آخر بالاستيلاء على مدينة قارص، وبدأ بمحاصرة المدينتين، وفي المقابل أمر السلطان العثماني أحد قادته المشهورين والمدعو (جغال أوغلو) بقيادة حملة كبرى لرد الهجمات الصفوية، حيث تحرك الجيش العثماني صوب المدينتين لفك الحصار عنهما، فاصطدم الجيش الصفوي بقيادة الشاه عباس المتمركز في تبريز بالجيش العثماني القادم بقيادة (جغال أوغلو)، فألحقوا بهم هزيمة منكرة حيث قتل في هذه المعركة نحو عشرين ألف مقاتل عثماني، بينما انسحب قائد الجيش من ساحة المعركة لا يلوي على شيء، حيث مات بعد ذلك كمداً وحزناً على تلك الواقعة المرة.

رجع الشاه عباس إلى العاصمة بعد استيلائه على مدن كنجة، تفليس، باكو، شيروان، شماخي، ديار بكر، الموصل، وأرسل السلطان العثماني أحمد خان الصدر الأعظم مراد باشا على رأس جيش للحرب ضد الإيرانيين، واستطاع مراد باشا دخول تبريز إلا أنه اضطر إلى تركها بعد مواجهته بمقاومة شديدة من الأهالي فرجع القائد العثماني إلى الأراضي العثمانية.

عقدت في (1020هـ – 1611م) معاهدة بين الدولتين أعادت على إثرها الدولة العثمانية الأراضي التي استولت عليها سابقاً من الدولة الإيرانية، وانصاع الشاه عباس إلى قبول إرسال مائتي حمل من الحرير الخام إلى استانبول.

مذبحة جورجيا المريعة

تحتسب مذبحة جورجيا من الحوادث الدموية المثيرة للجدل في حياة الشاه عباس السياسية، والعجيب أن الشاه عباس قام بهذه المذبحة الدموية من أجل إمرأة أحبها دون أن يراها، وتبدأ الحادثة عندما يتزوج الشاه عباس بأختي لوراساب خان وتهمورس خان، من أمراء ولايتي كارتلي وكاختي (ولايات جورجية)، ويبدأ الشاه عباس بتحريض عدد من أمراء الجورجيين لقتل الأمير كنستانتين خان أمير كاختي، لتنصيب الأمير تهمورس (أخو زوجته) حاكماً على الولاية، ويقوم بتنصيب أخو زوجته الأخرى لوراساب أميراً بدلاً من (كركين خان) الذي توفي، ويعين معه أحد أمراء القزلباشية برتبة (حامي القلعة) لقلعة تفليس، وقد تم استدعاء الأمير الإيراني من القزلباش في سنة 1019هـ إلى إيران ليتمتع لوراساب خان من بعد ذلك بالاستقلالية في ولايته.

بقي الأمراء الجورجيون إلى سنة ( 1022هـ) مطيعين لأوامر الشاه عباس، وكانوا يسددون الخراج له، بالإضافة إلى ذلك كانوا يرسلون أو يذهبون شخصياً إلى الشاه لتقديم الهدايا والتحف الثمينة، برفقة عدد من الفتيان والفتيات الجورجيات، وحصل في سنة (1119هـ – 1610م) أن فر أحد قادة الحاكم لوراساب إلى إيران بعد اختلافه مع الحاكم، والتجأ إلى الشاه عباس، الذي كان يخطط لإلحاق جورجيا إلى الأراضي الإيرانية، لذا فإنه اتخذ من هذا الشخص مستشاراً للاستفادة منه في هجومه على جورجيا.

وقد كان هذا الشخص الجورجي ولإطفاء نار حقده على الامير لوراساب خان، يصف للشاه عباس مدى جمال أخت الأمير لوارساب خان، ورويداً رويداً بدأ قلب الشاه عباس يشتعل عشقاً لأخت الأمير لوارساب خان، وبات مغرماً بها، فأرسل سفيراً إلى تفليس طالباً يد خوارشاب، فتعجب لوراساب خان من طلبات الشاه عباس، وذكر للسفير بأن أخته مخطوبة لتهمورس خان أمير (كاختي – Kakheti)، فاستشاط الشاه عباس غضباً من هذا الجواب، وبسبب انشغاله بالحرب مع العثمانيين فإنه لم يبدِ رد فعل قوي تجاههم، باستثناء طلبه منهم أن لا يوالوا العثمانيين في حربهم مع الإيرانيين، فاستجابوا لطلب الشاه ولزموا جانب الحياد.

إلا أن الشاه عباس لم يترك غرامه لخوراشاب، ولم يكن هذا الغرام بطبيعة الحال إلا وسيلة للسيطرة على الأراضي الجورجية، وفي هذا الصدد حبك الشاه عباس قصة خيالية، مدعياً أن خوراشاب كانت تكتب له رسائل غرامية سراً، وقد تم تزويجها – رغم رفضها – من تهمورس خان، وقد أمر بنشر هذه القصة، بالإضافة إلى قصص أخرى تحكي عن خيانة الأميرين لوارساب وتهمورس خان.

في شتاء (1021م) وعندما كان الشاه عباس يقضي فترة راحة في فرح آباد التابعة لولاية مازندران، أرسل شخصاً إلى جورجيا لإيصال رسالة إلى لوراساب خان وتهمورس خان، تتضمن طلبه بأن يلتحقا به في فرح آباد، امتنع الأميران الجورجيان من الذهاب إلى مازندران، فاستشاط الشاه عباس غضباً لعدم تنفيذهما طلبه، فرجع إلى أصفهان ليعد جيشه للهجوم على جورجيا.

وما إن علم الأميران بنية الشاه عباس حتى اتحدا لملاقاة العدو المشترك، إلا أن الأمير تهمورس خان، ومن أجل حقن الدماء، وإطفاء نار غضب الشاه، أرسل والدته كتايون واثنين من أبنائه إلى الشاه، إلا أن الشاه عباس والمولع بشهوته تجاه النساء، اقترح على والدة الامير الزواج منه، وحين رفضت المرأة الزواج منه أمر بإخصاء الولدين.

نقض العهود والاتفاقيات

استمر الشاه عباس بإرسال الرسائل إلى الأميرين لوراساب خان وتهمورس خان بأنهما في حال ذهابهما إليه فإنه سوف يغض الطرف عما اقترفا في حقه لحد الان!! في سنة 1023هـ ذهب لوراساب خان برجليه إلى الشاه عباس لطلب العفو وثنيه عن القيام بهجوم على جورجيا، إلا أن الشاه عباساً وعلى عكس وعوده خلع الأمير لوراساب خان عن الإمارة، ومن ثم أمر بقتله في شيراز بعد نفيه إلى هناك.

هذه الحادثة جعلت من تهمورس خان يزيد من تحضيراته لملاقاة جيش الشاه عباس، الذي أقسم اليمين أن يجتاح بجيشه جورجيا وأن يأسر ما وسعه من نساء جورجيا، إلى درجة أن تباع الفتاة الجورجية الواحدة بـ (عباس واحد – العملة النقدية المضروبة حينذاك)، بدأ الشاه عباس هجومه على جورجيا سنة 1025هـ (1616م) وهو يقود جيشاً جراراً.

استطاع الجيش الصفوي أن يكسر المقاومة التي أبداها الجورجيون، وأن يعمل فيهم السيف والقتل والأسر، حيث تم قتل سبعين ألفاً من الجورجيين (وقيل مائة ألف جورجي)، وأسر حوالي مائة وثلاثين ألفاً من شباب وشابات الجورجيين.

يروى أن أحد الجنود القزلباشية، أتى الشاه عباس طالباً منه بيع إحدى الفتيات الجورجيات بـ (عباس واحد)، ولأن الشاه كان قد أقسم اليمين في بيع الفتيات الجورجيات، فأمر بإخراج إحدى الفتيات الجميلات من بين الأسيرات لإعطائها له.

 كتب (بي يزورلادالا) السائح الإيطالي الذي زار إيران بعد هذه المذبحة الرهيبة، واصفاً تبدل القصور بعد هجوم الشاه عباس إلى خراب، حيث أسر الكثير من الجورجيين ومن أقارب الأمير تهمورس خان، وأرسلوا إلى مناطق مختلفة من إيران، وقد كان الشاه عباس لا يزال يحسب نفسه عاشقاً لتلك المرأة، وكان يعرض رسائل غرامه بتلك المرأة لخواصّه، إلا أن المغامرات وتلك الرسائل لم تكن إلا ذريعة للسيطرة على الأراضي التي كان يسيطر عليها الأمير تهمورس خان وسائر الامراء الجورجيين[xv].

جولة أخرى من الحروب مع الدولة العثمانية

توجه الشاه عباس بعد مذبحة الجورجيين إلى تفليس ليصدّ حملة الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم محمد باشا والذي أرسل من قبل السلطان أحمد خان، وكانت هذه الحملة تحركت بسبب استنجاد الأمير تهمورس خان، حيث استقر الجيش العثماني بالقرب من بحيرة (كوكجة)، وكان محمد باشا قد أحكم سيطرته على مدينة إيروان، دون أن يدري أن الجيش الإيراني الصفوي يقوم بالتفاف حول جيشه ليجد نفسه محاصراً من قبل جنود الشاه عباس.

وقد حاول باديء الأمر أن يجرب القتال ليفك الحصار، ولكنه بعد ذلك رجع عن قراره بعد مقتل أربعة آلاف من جنوده، لذا مد يده للصلح واعداً الشاه عباساً بإقناع السلطان بقبول سلام دائم بين الدولتين، إلا أن الحرب بقيت سجالاً بين الدولتين، وبقيت أذربيجان مسرحاً لها، ففي تاريخ 1227هـ تقدم الجيش العثماني بقيادة خليل باشا وهو يقود ثلاثمائة ألف من الجنود العثمانيين.

بعد سماع قرجغاي خان (القائد العام للقوات الإيرانية) بعدد وعديد الجيش العثماني، أخبر على الفور الشاه عباساً مبيناً بأن الجيش الإيراني لا يستطيع مقاومة جيش بهذه الضخامة، لذا أمر الشاه عباس أهالي تبريز بترك المدينة وأمر جنوده بإحراقها حتى لا تقع غنيمة بيد العدو، وقد فتحت سدود المدينة فغطى الماء أطراف المدينة، فتم فتح سد نهر (آجى) ليغمر الماء قرى تبريز بالماء، وقد تم تخريب وهدم كل ما يستفيد منه الجيش العثماني متبعاً سياسة الأرض المحروقة، وقد انسحب الشاه عباس إلى مدينة أردبيل، في الوقت الذي ترك أهالي تبريز المدينة، حاملين معهم ما استطاعوا حمله متوجهين إلى وسط إيران.

كانت القوات العثمانية تزحف باتجاه العمق الإيراني لتحتل تبريز وماحولها من المدن الصغيرة والقرى، وكان الشاه عباس ينسحب بسرعة تجاه مدينة أردبيل، والتي وصلها يوم الثلاثاء 29 من شهر شعبان 1027هـ، وكانت الأخبار السيئة التي تصل إلى الشاه تزيده قلقاً، يذكر (ثيرولاولا) السائح الإيطالي والذي كان متواجداً خلال هذه المرحلة الحرجة بمعية الشاه عباس في أردبيل : “لقد كان الشاه يعرف أنه لن يستطيع أن يقاوم العثمانيين بالقوات التي كانت بمعيته، لذا أمر بنقل عظام أجداده إلى أماكن بعيدة ومطمئنة خشية أن  تتحول تلك القبور إلى رماد بعد احتلال الترك للمدينة، في البدء تم هذا العمل بشكل سري حتى لا يفشي بين الناس الخوف والهلع، وقد أرسل الشاه من أردبيل إلى أطراف قزوين مقادير من الحرير والأشياء الثمينة، وقد عمل بعض التجار إقتداءً بالشاه العمل نفسه، حيث أرسلوا بضائعهم وممتلكاتهم الثمينة إلى خارج المدينة”.

مع طلوع فجر يوم الخميس 16 اغسطس 1618م  24 شعبان 1027هـ، توجه جمعٌ من أكابر المدينة إلى منطقة تسمى (المصلى)، يضحى فيها بالقرابين يوم عيد الأضحى، ويجتمع فيها الناس للصلاة والدعاء، فدعوا للشاه بالنصر على أعدائه.

في الوقت الذي كان يجري فيه السفير العثماني المباحثات غير المجدية مع الشاه عباس، كان الجيش العثماني يسرع الخطا بعد استيلائه على تبريز من أجل السيطرة على أردبيل، لذا أسرع الشاه فأصدر بتاريخ الثلاثاء 14 رمضان أمراً بإخلاء مدينة أردبيل فوراً، وأن يبتعدوا عن المدينة مع ما يستطيعون حمله من ممتلكاتهم.

الحقيقة أن وضع أهالي أردبيل عقب صدور الفرمان (الأمر السلطاني) كان مبعثاً للشفقة، فقد أشاع اضطراباً كبيراً وأصبح الناس في تخبط لا يدرون أين يولون، إلى درجة كان من الصعب العبور من أزقة المدينة، فقد كان الناس رجالاً ونساءً وأطفالاً يركضون من جهة إلى أخرى، وقد ارتفع عويلهم وبات صياحهم يصم الآذان، وقد بدأت النساء يلعن الشاه لعدم رغبته في السلام مع العدو، ولأنه لم يكن من السهل ترك البيوت للهدم وقد تم إنشاؤها حديثاً، لذا راح كثير من الناس يبيعون ما يمتلكون من أمتعة وأغراض بأبخس الأثمان، وبعضهم كان يخفي أمتعته في حدائق البيوت تحت التراب.

وقد كانت الأخبار غير السارة تأتي الواحدة تلو الأخرى لتزيد من بؤس الأهالي وهلعهم وخوفهم على مستقبلهم، إذ انتشر بين الناس خبر مفاده بأن الجيش العثماني وبعد اكتساحه لتبريز يهدف إلى الاستيلاء على أردبيل وما فيها، وسوف لن يقف الجيش حتى يحتل مركز إيران بمدنها وقراها، وسيحولها كلها إلى الخراب والدمار، ولقد انتشر بين الناس أيضاً بأن طهماسب خان (أمير الجورجيين)، قد انفصل من الجيش العثماني، وهو يتوجه مع اثني عشر ألفاً من جنوده نحو أردبيل.

وقد أثرت هذه الأخبار في الشاه عباس، وأجبرته على إصدار أمر بإحراق المدينة مع القرى الواقعة بين تبريز وأردبيل، بعد أن أخلاها من أهلها، وتم تهجير الأهالي الذين كانوا موجودين في أردبيل وقراها إلى ولاية مازندران، وإلى أماكن بعيدة في ولاية العراق، وتم القضاء على كل من أبى وامتنع عن تنفيذ الأوامر.

وتم إصدار أمر للجيش بالتحضر للحركة برفقة الشاه، وقد أعطي الأمر للجيش بحرق مدينة أردبيل بما فيها من مرقد للشيخ صفي الدين مع القرى الموجودة في أطرافها، وأن يحيلوها كلها إلى رماد، حتى لا تقع سالمة بيد الأعداء.

إلا أن الجيش العثماني وعلى بعد ثلاثة فراسخ دخل في معركة مع الجيش الصفوي بقيادة قرجغاي خان قائد جيوش الدولة الإيرانية في موقع سمي بـ (كدوك شيلى)، والمفاجأة أنها انتهت بانكسار الجيش العثماني، فوقع الكثير منهم أسرى بيد القوات الإيرانية، وقد ساق قرجغاي خان الأسرى إلى مدينة قزوين، لكي يراهم الشاه عباس فكافأه الشاه بأن نصبه حاكماً على ولاية أذربيجان.

احتلال بغداد

بعد خسارة خليل باشا المعركة انعقدت سنة (1029هـ 1618م) معاهدة سلام بين الطرفين، وتم الاتفاق على أن تكون الحدود بين الدولتين هي ما كانت عليه زمن الشاه طهماسب، وأن يؤدي الشاه الإيراني مائة حمل من الحرير كل سنة للسلطان العثماني.

وقعت آخر حروب الشاه عباس مع العثمانيين في سنة 1032هـ، واستمرت إلى سنة 1034هـ، وقد دارت الحروب هذه المرة حول الاستيلاء على مدينة بغداد، وقد تم احتلال بغداد في زمن الشاه إسماعيل، إلا أن السلطان سليمان القانوني العثماني، استطاع السيطرة على بغداد وجعلها ضمن حدود دولته.

سار الشاه عباس سنة (1032هـ 1622م) من أصفهان على رأس جيش كبير إلى العراق، وفي ربيع الأول استطاع السيطرة على المنطقة، ومن ثم توجه إلى مدن النجف وكربلاء وأتم السيطرة عليها، ومن أجل الإيحاء بأنه جاء لخدمة تلك المراقد المقدسة للشيعة، قام بتعمير وزيارة تلك الأماكن.

أوكل السلطان مراد الرابع (حافظ أحمد باشا) من أجل استعادة بغداد وجهزه بجيش قوي، وأمره بالتوجه لاستعادة المدينة، وبالفعل تقدم الجيش وعسكر على أطراف المدينة، وبدأ بضرب طوق الحصار عليها، وبقيت المدينة أشهراً كاملة تحت الحصار العثماني، وفي المقابل أرسل الشاه عباس أحد فرسانه المسمى (زينل بيك شاملو) لعضد المحاصرين من القوات الإيرانية، حيث استطاع هذا القائد من إلحاق الهزيمة بالجيش العثماني، وكسر الطوق المضروب على المدينة.

وفي سنة 1034هـ توجه الشاه عباس بنفسه لملاقاة الحافظ أحمد باشا، حيث استطاع جيشه أن يلحق الهزيمة تلو الهزيمة بالقائد العثماني، ومنذ ذلك التاريخ وإلى نهاية حكم الشاه عباس، لم تقع معركة أو حربٌ بين الدولتين، وإن لم تنقطع الهجمات الإيرانية على جورجيا وأرمينيا.

إن هدف سلاطين إيران في حربهم ضد الدولة العثمانية، واستمدادهم وبالأخص الشاه عباس المساعدة من ملوك أوروبا ضدها، هو محاولة تشتيتها وضربها من الخلف، فلا تستطيع أن تجمع جيوشها في جبهة واحدة وضد طرف واحد، وبذلك يتم تحقيق هدف الطرفين في إضعافها والقضاء عليها.

فقد اتخذ ملوك أوروبا الشاه عباساً وسيلة لتخفيف الحملات التي كانت الدولة العثمانية تقوم بتوجيهها ضدهم، ولم يكن الشاه عباس إلا شخصاً سفاكاً خماراً لا يمتلك في قلبه معنى للرحمة، طالباً للسلطة والقوة، ولم تكن لحروبه أية أهداف دينية، بل كانت وسيلة لإضعاف الدولة العثمانية، من أجل إرضاء المسيحيين، ولم يكن سلاطين الدولة الصفوية بالطبع يرغبون حلول السلام بين الأوربيين والدولة العثمانية، وعند انعقاد أية اتفاقية سلام بين الدول الاوروبية والعثمانية كان الشاه عباس يستشيط غضباً لهذا الأمر.

ففي سنة (1016هـ 1607م) عندما سمع بأن السلطان العثماني أحمد خان قد عقد صلحاً مع رودولف الإمبراطور الألماني اشتعل غضباً، إلى درجة أنه نادى (أنتونيو دوكو) السفير الإسباني طالباً منه التوجه فوراً إلى البابا ليطلب منه إفساد السلام المنعقد بين السلطان العثماني والألمان والإسبان.

يذكر السفير الإسباني هذه الحادثة في مذكراته فيقول، قال لي الشاه عباس : “يجب أن أجعل ملوك أوروبا يفون بتعهداتهم إذ أني قد أنجزت عملاً عظيماً، وإذا اقتضى الأمر أن أحارب لوحدي الدولة العثمانية، فإني لا محالة سوف أمنى بالهزيمة، يجب أن تذهب إلى البابا، وتجبره أن يعاتب الإمبراطور الألماني بسبب إبرامه اتفاقية صلح مع الأتراك العثمانيين، وأن يطلب منه كذلك أن يعلن الحرب على السلطان، إذ لا يكون مقبولاً عند الرب أن يتركوني لوحدي مقيداً، هذا في الوقت الذي يمد البابا وبقية زعماء الفرنج أيديهم إلى الأتراك لإحلال  السلام والصداقة مع الأتراك”.

وبسبب تأثر الشاه فقد سالت قطرات من دموعه[xvi] فقلت له : “كنت أتمنى أن تكون رغبة جميع ملوك الفرنج كرغبتي، حتى أستطيع بسهولة أن أقنعهم بإعلان الحرب على السلطان العثماني، ولكن مع الأسف ليس الأمر هكذا، مع ذلك متى ما أراد (عالي حضرة) فإنني سأكون متأهبا للسفر”، ففرح الشاه، فرجوته أن يحضر رسائله الرسمية، وأن يأذن بمرافقة خليفة الأرامنة في سفري إلى حضور البابا الأعظم.[xvii].

بدون شك فإن القتال والصراع بين الدولتين الإسلاميتين، والتعاون مع الملوك الأوربيين ضد بعضهما البعض، وطلب العون من تلك الدول الأوروبية لقتل المسلمين،  كل ذلك أدى إلى وقوع التفرقة بين الشعوب الإسلامية لقرون، مما أدى إلى تغلغل المستعمرين والأوربيين في أراضي الدول الإسلامية تحت مسميات مختلفة، وبالتالي التدخل في شؤون هذه الدول وقضاياها المصيرية، ومن ثم دفع هذه الدول إلى الإقتتال مع بعضها، وقد أدى ذلك إلى وقوع هذه الدولة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، فريسة للاستعمار، فتم استعباد أهلها ونهب ثرواتها.

هذه النهاية الحزينة دليل كافِ على خيانة الدولة الصفوية، وموالاتها شبه المستمرة للغرب، من أجل إمرار مشاريع الإستعمار في المنطقة، فما إن ضعفت الدولة العثمانية، حتى بدأت الدول الإسلامية والمناطق الغنية منها على وجه الخصوص، تقع الواحدة تلو الأخرى غنيمة سهلة بيد الإستعمار الأوروبي، وتفقد استقلالها لعقود، نهبت خلالها ثرواتها، وانتهكت أعراض نسائها، وباتت أسيرة تحت قبضة ورحمة تلك الدول المستعمرة.

وعند تقصي سيرة وأعمال الشاه عباس، يظهر لنا بوضوح أنه لم يكن يهمه الشعب، ولا استقلال الأوطان، ولا المذهب، إذ لم يكن ملتزماً بالدين ولا بالمذهب، إنما كان يظهر تمسكه بالمذهب وآل البيت لخداع عامة الشعب، فقد كان الشاه عباس مستعداً ومن أجل إلحاق الهزيمة بالدولة العثمانية للتعاون مع أية دولة أوروبية مسيحية، وكانت الدول الفرنجية تعرف توجه الشاه، فكانت تستثمر هذه الفرصة من أجل إضعاف الدولة العثمانية، وقد أرسلوا السفراء والوفود إلى إيران لكسب صداقة ملوكها، وتزويدها بالأسلحة الجديدة.

في سنة 1006هـ وعندما كان الشاه عباس مشغولاً بصد الأوزبك في خراسان، جاء وفد من إنكلترا ضم كل من أنتوني شرلي مع أخيه رابرت شرلي وبرفقة 26 من رفاقهم، كان الهدف من زيارة هذا الوفد هو الحصول على اتفاقيات تجارية، وعقد إتحاد مابين الشاه عباس والملوك المسيحيين ضد الأتراك العثمانيين، واستطاع الوفد الإنكليزي اللقاء مع الشاه عباس في مدينة قزوين وتقديم الهدايا له، فاستقبلهم الشاه بحفاوة وأخذهم معه إلى أصفهان.

وفي أصفهان علم الشاه و (الله ويردي خان) بأن من بين الإخوة شرلي من هو خبير بفنون صنع المدافع والعلوم العسكرية! فطلب منهم الشاه أن يقوموا بتعليم الجيش الإيراني، فقام رفاق شرلي بمحاولة إيجاد تغييرات في الأسس التي بني عليها الجيش الإيراني، وعلموا الكثير من الضباط كيفية استعمال الأسلحة الجديدة.

في أواخر سنة (1007هـ) كان الشاه قد استطاع تأسيس جيش جديد، وأرسل المدعو أنتوني شرلي برفقة السفير حسين على بيك بيات إلى ملوك أوروبا ليقوم بعقود بيع الحرير الإيراني من جهة، ومن جهة أخرى للسعي إلى تقوية التحالف الأوروبي ضد العثمانيين، لكن الخلاف وقع في الطريق ما بين شرلي وحسين علي بيك بيات، فانفصل شرلي عن صاحبه وتوجه نحو إسبانيا للقاء ملكها فيليب الثالث، ولم يرجع إلى إيران بعد ذلك.

وصل حسين علي بيك بيات إسبانيا بعد سفر طويل، ولكنه رجع إلى إيران من هناك بسفينة وضعها تحت تصرفه فيليب الثالث ملك إسبانيا، وفي سنة 1016هـ، أرسل شاه عباس رابرت شرلي سفيراً إلى أوروبا لعدم رجوع أنتوني شرلي منها، وقد كان هذا المدعو خدم الشاه خدمات كبيرة في حربه ضد الدولة العثمانية، والتقى رابرت شرلي بملوك الهند وألمانيا وإيطاليا وروما وإسبانيا وإنكلترا وأجرى مع البابا مباحثات في شأن اتحادهم ضد الدولة العثمانية.

في سنة 1020هـ، ذهب رابرت شرلي للقاء الملك الإنكليزي، وأعطى له مقترحات الشاه عباس باعطاء ميناءين من موانىء إيران للانكليز، وإعطائهم حرية التجارة في أراضي إيران، بالإضافة إلى حرية التحرك لعمال شركة الهند الشرقية، مقابل قطع إنكلترا تجارتها مع الدولة العثمانية، ولقد اعترض بعض التجار الإنكليز والذين لهم علاقات تجارية جيدة مع الدولة العثمانية وخصوصاً في الشام على هذا العرض، ورأوه تهديداً لمصالحهم الاقتصادية، رجع رابرت شرلي بعد تحمله صنوفاً من مشقات السفر إلى إيران سنة 1024هـ.

أرسلت شركة الهند الشرقية سفيراً لها للقاء الشاه عباس لكي يستطيع عرض بضائعها والتي لم تستطع أن تبيعها في الهند، استطاع سفير الشركة استحصال بيع بضائعها في إيران، بالإضافة إلى ذلك وضع الشاه ميناء جاسك في تصرف الشركة، مع حرية البقاء وجعلها سوقاً لهم على الرغم من معارضة رابرت شرلي لذلك.

ذهب رابرت شرلي سنة 1024هـ إلى فيليب الثالث بصفة سفير إيران!! لمحاولة إقناع الملك الإسباني للقيام بمحاولة أخرى لجمع الدول الأوربية في إتحاد عام من أجل كسر ودحر الدولة العثمانية.

الاستيلاء على جزيرتي قشم وهرمز

بعد قيام الجيش الإيراني بالإستيلاء على البحرين ومحاصرة ميناء كمبرون، أرسل فيليب الثالث ملك إسبانيا سفيراً إلى الشاه عباس، طالباً منه أن يضع البحرين في تصرف عمال شركة الهند البرتغالية.

ننقل هنا مقتطفات من رسالة فيليب الثالث والمتعلقة بالبحرين : “… إنه لمبعث سروري ورضائي الكامل، أن تستفيد من الأراضي التابعة لي، وإنه من المناسب أن تقوم بين أتباعنا صداقة حقيقية كما هي الحال بيننا، لقد سمعت أن أمير شيراز والذي استولى على جزيرة البحرين والتابعة لشاه هرمز والذي يستظل بعنايتنا، وهو يشكو دائماً أن الجزيرة لم تعد إليه، بالإضافة إلى أن هنالك قلاعاً قد تم الإستيلاء عليها، تحصل كل هذه الأمور والسلام والصلح منعقد فيما بيننا، يجب أن لا يأذن صاحب الجلالة لهذه الأعمال، وأن يأمروا بإخلاء تلك المواقع…”.

لم يجب الشاه عباس إجابة واضحة على ملك إسبانيا، وبما أن ملك إسبانيا في رسالة أخرى كان قد أصر على مسألة فك الحصار عن ميناء كمبرون، فإن الشاه أمر (الله ويردى خان) أن يرفع الحصار عن الميناء مؤقتاً.

رفع الله ويردي خان الحصار عن ميناء كمبرون ولكنه أرسل سنة 1021هـ إمام قلي خان للاستيلاء على الميناء إلا أنه لم يوفق في ذلك، وبعد أشهر توفي (الله ويردى خان) فأصبح إمام قلي خان والياً على فارس.

هذه المرة قاد إمام قلي خان جيشاً مدرباً للاستيلاء على ميناء كمبرون، فاستطاع إخراج البرتغاليين من الميناء وتم له الاستيلاء على القلعة الحصينة فيها.

أعادت شركة الهند الشرقية التعامل التجاري مع إيران سنة (1025هـ 1616م)، وطلبت من إيران إعطاءها امتيازات جديدة في مجال التجارة، إلا أن هذا التقارب الإنكليزي الإيراني، زاد من هلع واضطراب الإسبانيين والبرتغاليين (اللذان كانا دولة واحدة)، فأرسل فيليب الثالث مرة أخرى سفيراً لتحسين العلاقة بين إسبانيا وإيران.

في الرسالة التي أرسلها فيليب الثالث للشاه عباس، جاء فيها بأنهم حاضرون للهجوم على الدولة العثمانية من الغرب، شريطة إعطاء جزائر البحرين وكمبرون للبرتغاليين، ولانشغال الشاه عباس بالمحادثات بين الممثلين التجاريين لانكلترا، وإعطاء امتيازات جديدة لهم، فإنه لم يعر اهتماماً بالسفير الإسباني، والذي رجع خالي الوفاض.

قامت السفن التابعة لشركة الهند الشرقية سنة (1032هـ – 1622م)، بهجوم كاسح على السفن البرتغالية في ميناء بندر عباس، فاستطاعت إغراق عدة سفن لهم بالقرب من ميناء جاسك الإيرانية، هذه الخسارة أدت بالبرتغاليين إلى إرسال أسطول بحري جديد إلى الخليج العربي (خليج البصرة).

ولصد الهجوم الإسباني عقد الشاه عباس إتفاقية التعاون المشترك مع شركة الهند الشرقية، وبعد هذه الإتفاقية قام إمام قلي خان وبأمر من الشاه عباس بهجوم على جزيرة قشم، وبعد الإستيلاء عليها قام بقطع ماء الشرب عن قلعتها التي بقيت بيد البرتغاليين، وشجع من جهة أخرى حاكم عمان بالثورة ضد البرتغاليين، وقامت القوات الإيرانية والإنكليزية المشتركة بمحاصرة قلعة هرمز، فدارت حرب ضروس بين الطرفين تكبد خلالها البرتغاليون خسارة كبيرة، أدت في نهاية المطاف إلى هزيمتهم.

بالاستيلاء على هرمز فقد البرتغاليون أكبر الحصون مناعة في خليج البصرة (العربي)، وخرجت من أيديهم بعد احتلال دام مائة عام لها، وقد حاول البرتغاليون مرات عديدة الإستيلاء مرة أخرى على هرمز إلا أنهم لم يوفقوا، وعقدوا في نهاية المطاف إتفاقية سلام مع إيران وذلك بتاريخ 1034هـ (1624م، وكان مضمونها يلزم البرتغاليين بالكف عن إدعاء ممتلكاتهم السابقة في الخليج، مقابل الإذن لهم بصيد اللؤلؤ في جزائر البحرين.

سلوك وأخلاق الشاه عباس

من أجل معرفة شخصية الشاه عباس وكيفية تعامله مع الشعب من الأفضل الرجوع إلى حكم المؤرخين المعاصرين له، ففي هذا الصدد يكتب اسكندر بيك (تركمان) وهو من الكتاب المرافقين لشاه عباس عن أخلاقه وسلوكه فيقول : “عندما يريد تنفيذ أمر ما يجب تنفيذه في الحال وبدون أي تأخير، فمثلاً إذا أمر والداً أن يقتل ولده يجب تنفيذ أمره في الحال، وإذا ما تعثر وتباطأ الأب في إنجاز المهام، فإنه يتعامل بالعكس، أي يؤمر الإبن حينذاك بقتل الوالد، وإذا ما تباطأ هو الآخر، فإنه يأمر ثالثاً بقتل الوالد وابنه، لذا فإن تنفيذ أمره هو أهم شيء، ولم يكن أحد يتوانى في تنفيذ أوامره”.

ويكتب نصر الله فلسفي مؤلف كتاب (حياة الشاه عباس) في هذا الصدد : “كان الشاه عباس يمتلك عمالاً خاصين لتنفيذ أوامره في القتل والتعذيب، ومعاقبة المقصرين والمذنبين، حيث كانوا يختارون من أناس أجلاف شداد وقبيحي الوجوه، وكان يصل عددهم إلى 500 شخص، وكان هؤلاء يتميزون بالقبعات الطويلة والملفوفة بالأحمر، وكانوا حليقي اللحى وذوي شوارب طويلة، وكانوا يتنكبون خناجر طويلة في خاصرتهم.

وكان رئيسهم يسمى بمير غضب باشي، وهو شخص قبيح المنظر سيّء الأخلاق لا تجد للرحمة مكاناً في قلبه، هذا الرجل وأتباعه كانوا دوماً حاضرين عند عتبة قصر الشاه، بانتظار إشارة من يده للإنقضاض على المذنبين ومعاقبتهم، فإن أعمالاً مثل ضرب الرقاب وقلع العيون والقتل بركلات الأرجل وقطع الألسن والآذان كانت من الأعمال العادية له ولأتباعه.

وعندما كان الشاه يسخط على ولاية ما، فإنه كان يرسل على أهاليها المدعو شيخ أحمد آغا ورفاقه، حيث تعودوا على سفك الدماء وقتل الناس، فكانوا ينجزون ما أوكل إليهم، ولربما كانوا يسرفون في أعمالهم بعض الشيء!!”[xviii].

المذبحة الكبرى في جيلان

عندما ثار بعض من أمراء جيلان على الشاه عباس سنة 1003 هـ أرسل إليهم المدعو شيخ أحمد آغا (أمير الغضب) ليجازي المقصرين بمساعدة بعض الحكام المحليين، إلا أنهم وبعد مرور شهر من البحث لم يعثروا على الأشخاص الذين كانوا يبحثون عنهم، فغضب الشاه لذلك، فأمر (أمير الغضب) بالقيام بمذبحة عامة وإعمال السيف بالناس.

يذكر محمود بن هدايت الله (وهو من المؤرخين المعاصرين للدولة الصفوية) في كتابه (نقاوة الآثار في ذكر الأخبار) مايلي : “لقد أنجز شيخ أحمد آغا ما وكل إليه من قبل الملك بما كان موجباً لغضبه، وأضاف لفعله ماسولت له نفسه الخبيثة من سفك الدماء في تلك الولاية، إلى درجة أنه قد تم إخراج الأجنة من بطون النساء ووضعها على رؤوس الرماح”، وفي مكان آخر يورد حول نفس المذبحة ما يلي : “استطاع الشيخ أحمد ورفاقه بعد جهد جهيد أن يقضوا على تلك الجماعة، ولم يتركوا منهم حياً سواء كان رجلاً أو إمرأة، طفلاً كان أو شاباً، وأعملوا فيهم السيف جميعاً دون استثناء”.

“وقد شقوا الأطفال في المهد إلى نصفين، وبعد إلقاء القبض على علي بيك (زعيم المعارضة) ومن تبعه، ربطوا إحدى رجليه بجذع شجرة والأخرى بجذع شجرة أخرى، وبعد تقريب الشجرتين تركاهما لتشقا الجسد إلى نصفين …”[xix].

آكلو لحوم البشر

لقد كان الشاه عباس يمتلك فريقاً من الجلادين يسمونهم باسم (جيك يين) أي (آكلي اللحوم النيئة)، وقد كان عملهم أكل لحوم المعارضين للشاه وهم أحياء، وقد وصلت هذه العادة السيئة من عهد المغول ومروراً بعهد تيمورلنك ووصلت إلى الشاه عباس عن طريق الشاه إسماعيل.

يكتب محمد عارف أرضرومي في كتابه (انقلاب الإسلام بين الخاص والعام)[xx] ما يلي : “شوي المذنبين وهم أحياء، وأكل لحوم الأعداء، وشق جسد الضحية بتقريب شجرتين ببعضهما بعد ربط قدمي الشخص بهما ومن ثم ترك الشجرتين لتشق جسد الشخص إلى نصفين، وسلخ الجلود، وإلقاء الشخص في قدر مليء بالماء المغلي، تعليق الشخص في مكان عالٍ بعد ربط حجر كبير في عنقه كل هذه الأعمال قد فعلها الشاه إسماعيل”.

وكان يرأس فرقة آكلي لحوم البشر شخص اسمه ملك علي سلطان (جارجي باشي)، وقد كتب أحد المؤرخين في زمن الشاه عباس حول هذه الثلة من الجلادين ما يلي : “كانت هنالك مجموعة أخرى على نفس الشاكلة تحت طاعة جارجي باشي ويسمون بـ (جيكين) أي (آكلي اللحوم النيئة)، وهذه المجموعة كانوا وسيلة لإنزال العقاب والغضب، فقد كانت مهمة هذه المجموعة هي الهجوم على الذين يحق عليهم (التعزير)، متسابقين مع البعض لقطع أعضاء الشخص من أنف أو أذن وبأسنانهم، وبعد القطع كانوا يأكلونها نيئاً، وهكذا كانت تستمر العملية بأكملها لبقية الأعضاء، حيث كانوا يقطعون جسد الضحية بأسنانهم ومن ثم يأكلونها، حتى تسلب من الضحية الروح، وكانت لهذه الفرقة ملابس خاصة”[xxi].

التظاهر بالرحمة وحب الانسان!

كان الشاه عباس وعلى الرغم من كل هذه الغلظة والقساوة وحب سفك الدماء يتظاهر بالرحمة وحب الناس، فتراه تارة يبكي بشدة للدلالة على استحيائه من الناس، وتارة أخرى تراه يذرف الدموع في العزاء وهو يضرب على رأسه وعلى صدره من شدة التأثر، فقد كان يبدو للناس أنه يعيش حياة بسيطة جداً وبلا تكلف ولا يعنى بالزينة الملوكية ولا يأبه بها.

وفي الأفراح كان يتمالك نفسه فلا يتكبر، فكان يبدو للناس ودوداً غير متكبر، ويقف ليحادث الناس العاديين في الأزقة والأسواق ليظهر عدم اعتنائه بمقام السلطنة، إلا أنه كان يبطن في داخله نفساً تواقة إلى الدم والقتل، إذ كان لا يألو جهداً في فعل أي شيء للحفاظ على عرشه، ولم يكن يتورع عن قتل وتسميل حتى عددٍ من أحفاده وأبنائه، وفي هذا الصدد قتل ابنه الكبير المدعو (صفي ميرزا) لأقل شبهة وسوء ظن، وقام بتسميل عيون اثنين من أبناءه الآخرين بدون أن يراوده التردد أو ينبض قلبه بالرحمة الأبوية!.

وكان يقوم بقتل الناس الأبرياء ودونما سبب لمجرّد أنه كان يريد إطفاء نار غضبه الثائر، يحكى أن أفغانياً أتى من كابل، وبعد وصوله إلى منطقة مازندران، ومن شدة التعب راح في نوم عميق خارج مدينة (أشرف)  مستلقياً على الأرض، ومن سوء حظ هذا الشخص أن الشاه مع حاشيته كانوا يقومون بنزهة صيد في المنطقة نفسها، وما إن اقترب فرس الشاه من الأفغاني النائم حتى قام بتجنبه بصورة مفاجئة، فغضب الشاه لحركة الفرس المفاجئة، فأخرج سهمه وأطلقه مستهدفاً قلب هذا الشخص الفقير، ليرديه قتيلاً، وقد لفظ الشخص المسكين أنفاسه والشاه ينظر إليه ضاحكاً، لأنه قد قام بإرساله إلى نوم طويل لا يقوم من بعده، وقامت حاشيته ومن أجل التملق بإطلاق سهامهم إلى الضحية لإبراز الطاعة العمياء للشاه وإرضائه حيث امتلأ جسد الأفغاني بالسهام.

لم يكن الشاه عباس ليتحمل شخصاً آخر يمتلك القدرة والقوة في البلاد غيره، وإذا ما برز اسم أحد القواد واشتهر بين الناس بالرجولة والقوة، ما يلبث الشاه أن يقضي عليه بعذر أو بغير عذر، وخشية أن يثور عليه أتباع ذلك الشخص، يقوم بالقضاء  عليهم وبقسوة بالغة.

ففي سنة 997هـ قام بقتل مرشد علي خان استاجلو، وخشية أن يثور عليه أقرباء المقتول، قام بقتلهم أيضاً وبدون أي ذنب، وقد قتل إبراهيم خان استاجلو بحكم مشابه بدون أي ذنب، وقتل كلاً من جاوشلو خان وفرهاد بيك خراساني على الرغم من خدماتهما الكبيرة للدولة، دون رحمة أو أي اعتبار لتلك الخدمات.

وقد كان لجلادي الشاه عباس طرق مختلفة للتعذيب منها : تسميل العيون، قص الأذنين واللسان، نزع الجلود، حرق بالماء المغلي، قطع الأطراف، التقطيع، بقر البطون وضرب الرقاب، شيُّ الضحية، تعليق من الحلق، صب الزيت الحار في الفم.

بأمر من الشاه نفسه قام جلاّدوه وذلك بتاريخ 1020هـ بتسميل عيني رئيس المنجمين (جلال الدين محمد) وقطعوا اذنيه ولسانه[xxii]، وفي سنة 1021هـ نزعوا جلد (كرم أسوار) في ميدان مدينة لاهيجان وملؤوا الجلد بالتبن وطافوا به في أرجاء الولاية[xxiii]، وفي ربيع الأول من سنة 999هـ قذف أحد معارضيه في قدر كبير مملوء بالماء المغلي، وكان يجازي أحيانا الكسبة مثل الخبازين وغيرهم بجرم غش المشترين.

ويروي لنا تاورنيه هذه  الحادثة : “ومن ثم أمر ببناء تنور في وسط ميدان أصفهان وأحضروا قضيب حديد كبير وبعد يوم جاؤوا بخباز وبائع كباب فطافوا بهما المدينة، وكان يمشي أمامهما شخص يصيح بأن هذين الشخصين قد غّشا الناس ولذلك فسوف يجازيان بعمل كباب من لحمهما وبعد ذلك جيء بالخباز فرمي داخل التنور ومن ثم جعلوا القضيب داخل الشخص وشوي كالكباب”[xxiv]، وكلما كان الشاه عباس يرغب بقتل شخص ما يأمر جلاديه ويخاطبهم باللغة التركية : “يخشى سخله”، أي : “حافظوا عليه” هذه العبارة تعني إعدام الشخص، وكان الجلادون يبادرون بسرعة لتنفيذ أمر الشاه[xxv].

وقد كان الشاه عباس يجبر ضحاياه المسجونين بأكل قطع من أجسادهم، وكان أقسى ما كان يتعرض له المذنبون هو رميهم أمام الكلاب الوحشية المدربة لهذا العمل، يكتب بي يترودلا واله حول هذه الكلاب الوحشية ما يلي : “كانوا يدربون كلاباً كبيرة الحجم وخاصة لأكل وقطع اللحوم، هذه الوسيلة كانت تستعمل حسب القوانين السارية في البلد مع الأخذ بنظر الإعتبار نوع الذنب والمقام الإجتماعي للمذنبين (الجناة) وكانوا يتوسلون بهذا الأسلوب حين يحكم على المذنب بالإعدام”[xxvi].

وكان الشاه عباس على عكس هذا الهوس والطبع القاسي، كان يتظاهر بالتدين إلى درجة أن يكتب كاتبه  المدعو اسكندر بيك تركمان مايلي : ” كان لا يغفل عن التوجه والإستقرار الروحي، فمثلاً عندما كان يتوجه للحضرة الربانية لعرض حاجاته، كان يغوص في بحر الحضرة الإلهية، في إتمام وتسهيل أعمال الدولة، وفي تمشية أمور السلطنة والمملكة، كان يتوسل إلى الفأل! وكان وقافاً عند كتاب الله !! وكان وقافاً عند المنهيات ولا يتجاوزها !!”[xxvii].

وقد كان الشاه عباس ومن أجل خداع الجنود كان : “يتوضأ ويصلي ويطلب من الله النصر والتمكين”، وقد كان يلبس لباساً خاصاً عند النزول في أرض المعركة مكتوب عليه آيات قرآنية.

الاشتراك في مراسيم عاشوراء الحسين

كان الشاه عباس يذكر عقب كل صلاة أسماء الأئمة والشيخ صفي الدين أردبيلي طالباً منهم المدد في أمور الدولة والسلطنة، فكان يقيم الاحتفالات بمولدهم ويستغرق في الحزن والبكاء في ذكرى وفاتهم، وكان يقيم مجالس العزاء بدءاً من يوم 19 إلى 27 من كل رمضان، وفي العشر الأوائل من شهر محرم، يشارك فيها الشاه وأعيان البلد وكانت تقام مجالس العزاء في العاصمة ومدن البلاد.

وكانت مجموعات المعزين (ضاربي الصدور والسلاسل الحديدية)، تعبر الأزقة والشوارع وخصوصاً في ليالي عاشوراء وليلة 21 رمضان، وبالطبع فإن الشاه عباساً كان لا يبغي من وراء إقامة هذه المجالس والمراسيم مجرد خداع الناس، بل كان يستثمر ويستغل هذه المراسيم من أجل إلهاء الشعب.

يذكر الرحالة بي ييتر دلاواله والذي شهد بنفسه هذه المراسيم وتابعها بدقة وبتفصيل : “كانت المجموعات تتوجه إلى ميدان أصفهان وتدور حوله لتتجمع مقابل قصر (عالي قابو) والمسجد الكبير الذي كان مقابل قصر الشاه حيث كانت هذه المجموعات تقف فترة وجيزة لتفترق بعده” [xxviii].

وزير أصفهان (خازن الشاه)

كان وزير أصفهان (خازن الشاه) يمتطي جواده برفقة عدد من الفرسان للفصل بين جمهور من المشاهدين الذين تجمعوا وبين مجموعات المعزين، وكانت هذه القوة تقوم أيضاً بمنع وقوع التصادمات بين مجموعات المعزين، وطالما وقعت هذه المصادمات مخلفة وراءها قتلى وجرحى أبرياء من الناس، وكان يحدث أن يقف الشاه متفرجاً على المصادمات الواقعة بين تلك المجموعات، وكان يتدخل للفصل بينهم، إلا أنه كان يشجع على المصادمة لينصرف إلى شرفته القريبة ليشاهد المجموعات وهي منشغلة بضرب بعضهم البعض، وكان الشاه عباس لا ينسى أن يقيم مجالس العزاء في رحلاته المريبة، وخلف قلاع الأعداء، وكان يقيم أيضاً تلك المجالس لجيشه الخاص!!.

الذهاب من أصفهان إلى مشهد مشياً على الأقدام

كان الشاه عباس قد نذر في سني حكمه الأولى أن يذهب إلى مشهد ولمرة واحدة مشياً على الأقدام، وفي بداية سنة 1009هـ عزم على الوفاء بنذره ففي يوم الخميس 15 من شهر جمادي الأول تحرك من قصر السلطنة (نقش جهان) في أصفهان مولياً وجهه نحو مشهد، وقد بدأ سفره رسمياً بخروجه من المدينة متوجهاً إلى مسجد طوقجي.

كنس مرقد الامام الرضا

كان الشاه عباس يُشاهد تارة وهو مشغول بكنس مرقد الإمام الرضا، وتارة كان يمسك شموع النذر للرضا، وهو يذرف الدموع، وقد كان الشعراء المتملقون ينشدون الأشعار الطويلة في مدح هذا الشاه السفاك[xxix].

تقرير تاريخي للسفير الاسباني

أساليب وحيل الشاه لخداع الشعب كانت فريدة من نوعها، إذ كان ينسب نفسه إلى آل البيت، ويعبر عن احترامه البالغ لذريتهم، وفي ميدان الحرب كنت تراه قد لبس ملابس عليها آيات قرآنية وأدعية.

وتارة كنت تراه يقوم بأعمال توحي عن توجهاته الحقيقية، ففي رمضان من سنة (1017هـ 1608م) وفي أيام ولادة المسيح ذهب إلى كنيسة الكاثوليك في أصفهان، حيث يصف كل من القس الإسباني (أنتونيو دوكوا) وسفير فيليب الثالث الإسباني هذه الزيارة بقولهم : “سألني الشاه متى سأغادر أصفهان؟ فقلت غداً حيث أعياد ميلاد المسيح قال : عجيب أن تحتفل غداً بولادة عيسى هذا في الوقت الذي أقام الأرمن أعيادهم بمناسبة ولادة المسيح يوم 16 كانون الثاني، ثم سألني الشاه : هل تقيمون احتفالاً في إيران بمثل احتفالكم في بلادكم؟ قلت : نعم باستثناء أمر واحد وهو أن الملوك والأمراء هناك يشتركون في الإحتفالات فيزيدوننا فخراً، فقال الشاه أنا لا أريد أن تحسوا بأي فرق بين مراسيمكم هنا وهناك، غداً سأحضر بعد الغداء إلى كنيستكم”.

“.. وعندما كان الغد حيث احتفالنا بعيد نوئيل، وبعد الظهر بساعتين، حضر الشاه بمعية الأمير صفي ميرزا وعدد من حاشيته، وكذلك الأمير منوجهرخان أمير جورجيا مع مرافقيه”.

“وكان أحد القسس قد ذكر له بأنه من عاداتنا كما هي في البرتغال أن نذبح خنزيراً في هذا اليوم، فأمر الشاه بجلب خنزير أرسله أمير جورجيا، وكان يحتفظ به في قرية قرب أصفهان، وقد أثار هذا الأمر حفيظة علماء أصفهان، إذ أن الشاه قد عمل عملاً خلاف القوانين الإسلامية وفي شهر رمضان”.

“وعندما وصل الشاه إلى كنيستنا، وتعبيراً لاحترامه البالغ نزع حذاءه، وقد كنا قد زينا الكنيسة وملأناها بالعطور وأشعلنا البخور، وقد نالت النظافة والجمال في الكنيسة إعجاب الشاه، وقد وقف الشاه أمام صورة مريم وعيسى ونظر إليهما بمعنى، إذ كان له توجه خاص بأمرهم، وقد أدى أمام كل صورة الإحترام والتعظيم اللازم”.

“ما إن أخذ الشاه مكانه على كرسيه الخاص وافترش حاشيته على الأرض، بدأ القسساوسة والأطفال الذين دربوا بقراءة الأدعية والأناشيد الدينية، بينما كان العازفون للآلات الموسيقية يرافقونهم بالعزف على الموسيقى، وقد نالوا استحسان ورضا الشاه، وقد نهض منوجهر خان الجورجي وانضم إلى جمع المنشدين، وكان يحس نفسه وكأنه في الجنة من شدة التأثر والوجد الحاصل له”.

“ولكي يسمع الشاه ويراهم عن قرب، قام من مجلسه واقترب إلى محراب الكنيسة، ورأى أحد المنشدين وقد أعطى ظهره لصورتي عيسى ومريم، فنبهه الشاه مذكراً إياه بأن ليس حسناً أن يولي ظهره لصورتي عيسى ومريم، فتقبل منه المنشد وبالمقابل أعجب الشاه بصوت المنشد”.

“وبعد ذلك بدأ بتصفح جنبات الكنيسة فوجد كتابة في أعلى المحراب قد كتب على قطعة قماش حروف JHS[xxx] والذي يرمز إلى اسم عيسى فسأل عن معناها، وبعد التوضيح طلب قلماً وورقة وكتب بيده تلك الكلمات ووضعها على قلبه، وكلنا أمل أن تثمر جهودنا ونرى أنه وضع على قلبه الصليب والحروف”.

“.. وبعد أن أمر بإحضار الشراب أمرنا باحتسائه، ولكي يجرب جودة الشراب أمر كل مرافقيه بما فيهم قادة الجيش والمفتي والقاضي بتذوق قليل من ذلك الشراب، وبعد ذلك همس لي قائلاً : عندما تذهب إلى روما وتدخل على البابا أذكر كيف أتيت في شهر رمضان واستطعت أن أجبر كل حاشيتي من القادة والقاضي والمفتي باحتساء الشراب، وقل لهم على الرغم من كوني غير عيسوي، إلا أنني لائق بكل احترام وتقدير ..”.

“.. بقي الشاه لمدة ثلاث ساعات في الكنيسة، وتكلم حول مسائل كثيرة، وذكر أنه لم يكن ممكناً سابقاً دخول أحد الملوك إلى الكنيسة، ناهيك أن بناء الكنائس لم يكن ممكناً، فشكرنا له وقلنا له لربما فتوحاته المتواصلة هي نتيجة أدعيتنا وقرابيننا من أجله”.

“.. وعندما أراد الشاه أن يخرج من الكنيسة خاطبته قائلاً إن هذه الكنيسة بعيدة عن قصر الشاه وعندما نرغب بزيارة قصر الشاه في الشتاء نلاقي الصعوبة، فنادى بمحمد بيك وأمره بأن يخرج معه ويبحث عن بيت أو مكان مناسب ليحوله إلى مسكن لنا..”[xxxi].

أمر قتل ولي العهد

إن القساوة والخشونة التي كان يتعامل بهما الشاه عباس مع أقرب المقربين له مستغلاً أية إشارة للفتك بهم كان مبعثاً للقلق وخوف الجميع منه، فبعد مقتل (أمير الصيد) بسبب تقارير كاذبة من مبغضيه، عزم عدد من القواد الشركس أقارب زوجة الشاه عباس ووالدة صفي ميرزا، وكان منهم أخوال الأمير صفي ميرزا وبالتعاون مع عدد من قادة القزلباشية العمل لإزاحة الشاه عباس وإحلال ابنه صفي ميرزا بدلاً منه، وفي نهاية نفس السنة وعندما كان الشاه متواجداً في منطقة جيلان (شمال إيران) وكان متوجهاً إلى فرح آباد -مازندران- رميت إلى غرفة الأمير صفي ميرزا قصاصة ورق يطالبون فيها الأمير بقبول عرضهم بالبدء بإزاحة الشاه وإحلاله مكان أبيه، وإذا قبل فإنهم يبدؤون على الفور بذلك، ولقد سيطر على الأمير صفي ميرزا الخوف والهلع من هذا الأمر الذي يستوجب قتل والده والقبض على عرش إيران، فتوجه فوراً إلى والده للكشف عما يدور، دون التفكير عما ستحمله الأيام له، وسلم إلى والده الورقة.

تقبل الشاه عباس ظاهراً الأمر باعلان رضائه وحبه لتصرف ابنه، إلا أنه أخفى ما جال في داخله من هواجس جعلته يغير مبيته كل ليلة، في تلك الأيام وعندما كان الشاه عباس متواجداً في جيلان، نقل له أحد ملازمي صفي ميرزا كلاماً قاله ابنه في جمع من أصدقائه وهو يحتسي الخمر : “لقد اقترب الوقت الذي يستظل فيه الناس برايتنا”.

وقد كان مجيء هذا الخبر مرافقاً لحادثة أخرى عندما أخبر منجمه الخاص ملا مظفر كنابادى وهو من المنجمين الكبار في الدولة الصفوية، بأن خطراً بات وشيكاً منه ويجب أن يكون الشاه على حذر منه، وبما أن الشاه عباساً كان يؤمن إيماناً جازماً بالتنجيم، وصل إلى قناعة بأن ابنه ينوي القضاء عليه، لذا رأى من الواجب أن يفتك بابنه قبل أن تحدث فتنة في البلاد!!

لذا بادر بمشورة خواص رجاله منهم اسفنديار والمعروف بأنيس وخواجة محمد رضا والمشهور بـ ساروخواجة ومهتر حاجي، فذكر له اسفنديار بوجوب تسميل عيني الأمير مثل إخوان الشاه، بينما كان ساروخواجة يرى نفيه إلى قلعة بعيدة ونائية، أما مهترحاجي فإنه كان يرى العلاج في قتل الأمير.

لذا مال الشاه للرأي الثالث فأمر (قرجغاي خان) (قائد القوات الإيرانية) بقتل ابنه، إلا أن (قرجغاي خان) عندما سمع بهذا الأمر اقشعر جلده من هوله، فسحب سيفه من غمده ووضعه أمام الشاه عباس متوسلاً إليه : “إن المسألة تتضمن قتل ولي عهدكم ولكن حضرتكم ستندمون يوماً على ذلك ..”.

فقبل الشاه عذره وأمر أحد غلمانه الشركس وهو باسم أوزون بهبود والذي كان معروفاً بالقسوة وإراقة الدماء، فأعلن هذا الشخص استعداده لتنفيذ هذا الأمر وبالفعل قام بتنفيذ مهامه يوم الاثنين الثالث من محرم 1024هـ، حيث استقبل الأمير صفي ميرزا في أحد أزقة مدينة رشت، وقد كان الأمير قد خرج تواً من الحمام وكان يتوجه إلى البيت، فأمسك بعنان فرسه ولم يكن معه أي مرافق، فقال له الشركسي بهبود : “ترجل يا صفي ميرزا خان، قبلة العلم يريد مقتلك”، فاصفر وجه الأمير وارتعش من الخوف وقال : “إلهي ماذا اقترفت حتى أقتل؟ اللهم أنت كفيل بمجازاة الخائنين والأشرار الذين كانوا سبباً في هذا الحظ السيىء، وما دامت هذه هي إرادتك فلا أملك إلا التسليم والرضا إذ لا يمكن الوقوف أمام المشيئة الإلهية وأمر الشاه”.

وقبل أن يكمل كلامه عاجله بهبود بك بضربتين من خنجره فأرداه قتيلاً مضرجاً بدمه، وجروا جسده الميت ورموه في وحل مليء بالماء والطين، وبقي هنالك أربع ساعات حتى قام الشيخ بهاء الدين محمد العاملي باستئذان الشاه لإخراج الجسد من الوحل ودفنه.

بعد فترة ندم الشاه لفعلته، فنادى بقاتل ابنه المدعو بهبود طالباً منه قتل ابنه وجلب رأسه إليه، فلم يلبث الجلاد أن ذهب وأتى برأس ابنه رغم إحساسه بالألم وفداحة العمل الذي قام به، حينذاك قال له الشاه عباس بعد عمله الشنيع : “الآن نستطيع أن نبكي سوياً على أولادنا”[xxxii]!.

شاه عباس وإيمانه بالخرافة!

على الرغم من أن الشاه عباس كان يدير شؤون البلاد بالظلم والإستبداد، وكان يمسك بزمام الأمور بيد من حديد، إلا أنه نفسه كان محكوماً برأي المنجمين والعرافين، فقد كان لا يقوم بعمل كبير إلا بعد الإستئذان من المنجمين، ومنهم ملا جلال الدين محمد يزدي رئيس المنجمين في بداية سلطنة وحكم الشاه عباس، (994هـ) وكان هذا الشخص يحتل مكاناً مقرباً من الشاه فهو مرافقه ومؤنسه الدائم في حله وترحاله.

وكان الشاه عباس شديد الإنقياد لرأي هذا المنجم ورأي المنجمين الآخرين، وحصلت في سنة (1028هـ) حادثة دلت على شدة إيمان هذا الشاه بحكم المنجمين، وذلك عندما رجع من ولاية مازندران قافلاً إلى العاصمة أصفهان، وقبل دخوله المدينة طلب منه المنجم ملا جلال الدين بأن من المناسب أن يمكث خارج المدينة ثلاثة أيام قبل دخوله المدينة، هذا في الوقت الذي كان الأهالي قد تحضروا وزينوا المدينة، وخرج الأهالي ووجهاء المدينة عن بكرة أبيهم لاستقبال الشاه، وقد تمت إنارة ميدان (نقش جيهان) بكامل أسواقه، إلا أن الشاه أبى دخول المدينة بأمر المنجم، وبقي في البساتين في أطراف المدينة، وبعد أن أذن له المنجم دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، وذهب مباشرة إلى مقر حكومته.

ووصل إيمان الشاه بالتنجيم إلى درجة أنه تنازل عن العرش لمدة ثلاثة أيام وأحل محله شخصاً آخر، هذه الحادثة وقعت للشاه سنة 1011هـ عندما ظهر في السماء النجم المذنب، فأعلن المنجمون أن ظهور هذا النجم المذنب في السماء علامة على موت أو تغيير سلطان من سلاطين الزمان، ولكي يبعد المنجم جلال الدين الشاه عباس عن الخطر المحدق، اقترح عليه أن يأتي بسجين محكوم عليه بالموت، ليحل محل الشاه وبعد ثلاثة أيام يقوم الشاه بقتل السجين والجلوس على عرش السلطنة مرة أخرى حتى يقي نفسه بهذه الحيلة من الموت المحدق، وهكذا قام الشاه عباس فجلب من السجن أحد الأفراد التابعين للفرقة النقطوية باسم يوسف تركش دوز، وأجلسه على عرش السلطنة، وطلب من الجميع إطاعته في كل أمر يصدر منه، وبعد ثلاثة أيام جلس الشاه عباس على عرشه، وأصدر أمراً بقتل يوسف تركش دوز..!

موت الشاه عباس

كانت سنة (1038هـ) آخر سنة لحكم الشاه عباس، حيث أصدر في أواخر أيامه أمراً لـ (إمام قلي خان) حاكم ولاية فارس بالهجوم على مدينة البصرة بالتعاون مع أمراء خوزستان، وأن يقتفي طريق دجلة للسيطرة على ذلك الميناء، وأما الشاه نفسه فقد ذهب إلى ولاية مازندران ووقع طريح الفراش هناك، فبذل الأطباء ما في وسعهم إلا أن جهودهم لم تعطِ النتيجة المرجوة، وأخيراً توفي الشاه عباس في 24 جمادى الأول 1038هـ في بلدة (أشرف) مدينة بهشهر الحالية، وبوفاته تخلص الشعب الإيراني من أحد أكبر السلاطين سفكاً للدماء وأكثرهم رياء وخداعاً للشعب.

بعد انتشار خبر وفاة الشاه سحب القائد (إمام قلي خان) عنان فرسه وهو يحاول كسر دفاع البصرة وولى وجهه تجاه أصفهان لكي يصل إلى الشاه الجديد.

يمكن القول أن أهم منجزات الشاه عباس هو تأمين الطرق التجارية وتطهيرها من اللصوص، وبناء الفنادق في الطرق البعيدة وهو ما كان يسمى بـ (كاروانسراي)، وقد كان الماء والعلف متوفراً في تلك الأماكن، بالإضافة إلى ذلك فقد قام الشاه عباس بتبليط الشوارع وخصوصاً في شمال إيران، حيث يكثر هطول الأمطار، وتمنع الأوحال والطين من سير الحيوانات هناك[xxxiii].

الشاه صفي

كان للشاه عباس أربعة أولاد، إلا أن أولاده لم يستطيعوا الوصول إلى سدة الحكم، لأن الإبن الأول المدعو (صفي ميرزا) قتل من قبل الشاه، والإبن الثاني المدعو (طهماسب ميرزا) توفي في حياة الوالد، والثالث والرابع تم تسميل عيونهما.

عندما كان الشاه عباس يحتضر في مازندران أوصى من بعده لسام ميرزا ابن صفي ميرزا والذي كان في السابعة عشرة من عمره، وكان سام ميرزا يقيم في أصفهان عندما جاءه خبر موت جده ووصيته بتوليه العرش خلفاً لجده، حيث تم إعلانه سلطاناً باسم (الشاه صفي) في ليلة 20 من جمادى الثانية لسنة 1038هـ.

مع بداية حكم الشاه صفي بدأ هجوم الأوزبك والعثمانيين الأتراك من جديد، فمن جهة تعرضت مشهد لهجوم الأوزبك إلا أن منوجهر خان حاكم المدينة ردّهم على أعقابهم فرجعوا إلى تركستان وخوارزم، وأما حوادث شمال غرب إيران فإنها استمرت طوال حكم الشاه صفي والتي استمرت أربعة عشر عاماً، وقد ثبت للجميع مدى عجزه وعدم كفاءته.

ففي أولى سنوات حكمه قام السلطان مراد الرابع (1640 – 1623م) بإرسال الصدر الأعظم (خسرو باشا) إلى بغداد، وثار على الشاه أحد القادة العسكريين الجورجيين الذين خدموا الشاه عباساً في حروبه، حيث دفع الجورجيين للقيام بقوة ضد الشاه صفي، ومن ثم ولى وجهه صوب السلطان مراد، وبدأ يحثه للهجوم على إيران، فأرسله السلطان على رأس جيش إلى أطراف الموصل ووان وأذربيجان، حيث صده (رستم بيك ديوان بيكي)، وبالمقابل قام الشاه صفي بإرسال (زينل خان شاملو) قائد القوات الإيرانية على رأس جيش لدفع هجمة (خسرو باشا) على بغداد، فقام بمحاصرتها بينما دفع قسماً من جيشه لفتح المناطق الكردية، فقام (زينل خان) بإيصال نفسه وعلى عجل إلى قلعة مدينة مريوان، إلا أنه مني بهزيمة ساحقة أمام العثمانيين، وبذلك استطاع الأتراك العثمانيون من التقدم حتى همدان، هذا في الوقت الذي بقي الجيش الإيراني المحاصر يدافع عن بغداد بشراسة تحت إمرة (صفي قلي خان)، وكانوا ينتظرون وصول الإمدادات العسكرية، إلا أن هزيمة الجيش الإيراني في مريوان فتح الحدود الغربية لإيران أمام تقدم القوات العثمانية بقيادة (خسرو باشا)، وما إن علم الشاه بمقدم الجيش العثماني حتى ولى هارباً، ومن شدة غضبه من انكسار الجيش الصفوي أمر بقتل (زينل خان شاملو)، وقام الشاه بقيادة جيشه للتوجه إلى العراق، وفك الحصار عن مدينة بغداد والجنود الإيرانيين المحاصرين فيها وذلك سنة  1039هـ.

وما إن سمع (خسرو باشا) بقدوم الشاه رفع الحصار عن بغداد بعد تكبد قواته خسارة كبيرة في الأرواح، فلم يبق أمام الشاه إلا زيارة العتبات الدينية الشيعية في كربلاء والكوفة، فقام بزيارتها ثم قفل راجعاً إلى أصفهان.

وفي سنة  1041هـ رفع (طهمورس خان) ملك جورجيا علم العصيان، فثار على الإيرانيين واتفق مع (داود خان) أخي (إمام قلي خان) في هذا الشأن، فأرسل الشاه صفي قائد قواته (رستم خان) لقمع (طهمورس خان)، وسار هو خلف قائد قواته فاستطاع القائد الإيراني من إلحاق الهزيمة (بطهمورس خان) و (داود خان)، وعين المدعو (خسرو ميرزا) وهو من أمراء الجورجيين ويشغل منصب رئيس الخزانة الصفوية بدلاً من طهمورس ملكاً على جورجيا، فأصبح (خسرو ميرزا) وبأمر من الشاه صفي ملكاً على جورجيا وباسم رستم الأول.

 في سنة 1043هـ اشتعلت الحرب بين إيران والعثمانيين مرة أخرى، وتوجه السلطان مراد بنفسه إلى إيران، إلا أن اندلاع الثورات في سوريا حال دون إكمال السلطان مهامه.

وفي سنة 1048هـ قام (السلطان مراد) مرة أخرى بالحملة على إيران، حيث قام الصدر الأعظم للدولة العثمانية (محمد باشا) بمحاصرة بغداد وبعد مقاومةٍ مستميتة للقوات الإيرانية استسلمت القوة الإيرانية لنفاذ الذخيرة والمخزون من الأكل والشراب، وكان الشاه صفي في طريقه إلى بغداد وعندما وصله وهو في همدان خبر سقوط بغداد، لم يرَ حلا سوى القيام بعقد إتفاقية يترك بموجبها بغداد للعثمانيين.

موت الشاه صفي على أثر الإسراف في الشراب

في صفر 1052هـ قضى الإفراط في شرب الخمر على الشاه صفي فمات، فنقل نعشه من كاشان إلى قم ودفن هناك، هذا الملك الخمار اشتهر في سني حكمه بالإستبداد والعجز عن إدارة دولته، وأراق دم الكثيرين وقام بتسميل عيون آخرين، حيث قام في أول سني حكمه تحت طائلة شبهة الإنقلاب عليه بقتل المدعو إمام قلي ميرزا والذي قام قبل ذلك بتسميل عينه.

السلطان عباس شاه الثاني

بعد وفاة الشاه صفي جلس على عرش السلطنة ابنه الذي لم يبلغ من العمر إلا تسع سنوات وذلك عام 1052هـ، وبسبب صغر سن السلطان فإن رؤساء القزلباشية والأمراء مسكوا زمام الأمور بأيديهم في باديء الأمر، وأصبح ميرزا تقي (اعتماد الدولة) صدراً أعظمَ للشاه وقبض الأمور بيده، فثارت ثائرة بقية الأمراء ورفعوا علم العصيان، وفي نهاية الصراع بين الطرفين اضطر الشاه إلى إصدار أمر بإعدام اعتماد الدولة.

قام هذا الشاه الشاب في بداية حكمه بتخفيف الضرائب المفروضة عن كاهل الفقراء، ومنع شرب الخمر، إلا أن هذا المنع لم يدم طويلاً، لأن الشاه نفسه انغمس في شرب الخمر، إلى درجة أنه كان يقضي معظم أوقاته في الشرب غافلاً عما يدور في البلاد.

الحرب بين إيران والهند

كانت العلاقات بين الدولة الصفوية وسلاطين الكوركانية الهندية حسنة ومبنية على الصداقة والتحالف، وتجمعهما العداوة المشتركة للأوزبك، وانتعشت العلاقة بين الطرفين في زمن الشاه إسماعيل الصفوي وظهير الدين محمد بابر مؤسس السلسلة الكوركانية انتعاشاً جيداً، وأدت في النهاية إلى عقد تحالف مشترك بين الدولتين ضد الأوزبك.

في سنة 951هـ وفي عهد الشاه طهماسب الأول، مني همايون شاه ابن بابر بهزيمة ساحقة من شيرخان أفغان، فحرم من عرشه ملتجئاً إلى إيران، فاستقبله الشاه طهماسب بحفاوة، ونتيجة محاولات الشاه الصفوي استطاع همايون شاه استرجاع ملكه الضائع.

في عهد الشاه عباس الصفوي كانت العلاقة أيضاً جيدة بينه وبين أكبر شاه وابنه جهانكير، وفي أوائل سلطنة الشاه عباس الثاني وصل شاه جهان سنة 1037هـ إلى الحكم خلفاً لجهانكير شاه، وقد قرر السلطان الهندي استعادة مدينة قندهار وهي الولاية المحاذية لإيران، وكانت تابعة منذ عهد الشاه عباس لإيران.

فأرسل الإمبراطور الهندي ابنه لهذه المهمة، حيث تصدى له رستم خان وهو قائد قوات إيران على رأس جيش كبير والذي وكل له أمر الدفاع عن قندهار ضد هجوم الإمبراطور شاهجهان، إلا أنه وبسبب إهمال وتقاعس القائد الإيراني استطاع الأمير الهندي استعادة مدينة قندهار.

في سنة 1057هـ عين الشاه عباس الثاني المدعو مرتضى قلي خان قاجار قائداً للقوات الإيرانية، وأمره باستعادة قندهار وجهزه بجيش قوي، وبعد سنة سافر الشاه عباس الثاني بنفسه إلى مشهد، ليلتحق بعد ذلك بقائده العسكري، وليتوجها على رأس جيش كبير إلى قندهار لمحاصرة المدينة.

أبدى الجيش الهندي مقاومة مستميتة في بادئ الأمر، إلا أن قواته خارت أمام هجمات الجيش الإيراني المستمرة، فدخل الجيش الإيراني مدينة قندهار سنة 1059هـ منتصراً، أوكل شاه جهان ابنه اورنك زيب لاستعادة مدينة قندهار، بينما سار هو إلى كابل، وعلى الرغم من دوام الهجمات الهندية لاستعادة المدينة إلا أن محاولات الوالد والابن لاستعادة قندهار باءت بالفشل، حتى ظهور محمود أفغان وهجومه على إيران واحتلال عاصمتها.

 في سنة 1076هـ مرض الشاه عباس الثاني، واستمرت معاناته مع المرض حتى ليلة 23 ربيع الاول من سنة 1077هـ حيث توفى في مدينة دامغان وهو بعد لم يتجاوز  الرابعة والثلاثين من عمره.

الشاه سليمان صفي الثاني

كان لعباس الثاني ابنان : صفي ميرزا وحمزة ميرزا، وعلى الرغم من أن صفي ميرزا كان أكبر سناً من أخيه، إلا أنه بسبب ما كان يكنه الأب من كراهية له وسجنه إياه في إحدى القصور في أواخر عمره، أدى ذلك إلى انتخاب أخيه الأصغر لخلافة الأب بعد موته.

فقد عُقد في دامغان جلسة حول تعيين خلف للشاه المتوفي، بسبب عدم تعيين الشاه خلفاً له فتم انتخاب حمزة ميرزا، ولم يكن يبلغ من العمر إلا ثماني سنوات، وبسبب صغر سن حمزة ميرزا، أراد رجال الحاشية الذين انتخبوه وهم المنتفعون من تولي شاه صغير السن، توجيه عملهم الخاطىء وعدم انتخاب الأمير صفي ميرزا وهو في سن العشرين، بنشر خبر مفاده بأن الأمير صفي ميرزا قد تم تسميل عينه لهذا فهو غير صالح لتولي السلطنة، فانبرى أحد رجال القصر المهمين وهو خواجه باشي حرم الشاه (آغا مبارك) بالمعارضة وذكر أن الأمير ميرزا صحيح وسالم وأنه الأولى بتولي السلطنة، وهددهم بقتل الأمير حمزة ميرزا إذا لم يوقفوا مؤامراتهم، فاضطر بقية رجالات الحاشية من الانسحاب أمام إصراره، فتم انتخاب صفي ميرزا لتولي سلطنة إيران، ونودي به باديء الأمر بـ (شاه صفي الثاني) ثم نودي به بـاسم (الشاه سليمان).

كان الشاه سليمان شخصاً ضعيف النفس تنقصه الجدارة مولعاً بحب النساء، ويفضل استشارتهن مع خدامي القصور على جيش من القادة العسكريين والمشاورين في حل شؤون البلاد.

من الحوادث المهمة في تاريخ هذا السلطان هو هجوم التركمان سنة 1086هـ بقيادة (آدينه سلطان) على أطراف مدن استرآباد، دامغان، سمنان، واستباحتهم لتلك المدن، فقام قلب علي خان شاملو وعلى رأس جيش كبير لردهم، وبعد سنة من القتال استطاع إخماد ثورتهم.

تكفيني أصفهان فقط !

كان الشاه سليمان غير معتنٍ بأمور بلاده، غافلاً عمّا يجري، لا يحرك ساكناً إذا هاجمه الأعداء، وحتى حينما أُخبر بأن الدولة العثمانية بعدما عقدت الصلح لربما ستُهاجم إيران، فأجابهم وببرودة : “أنا لست قلقاً جداً فإن أصفهان لوحدها تكفيني”.

وقد زار إيران في عهد الشاه سليمان سائحون أجانب كثيرون، وتركوا من بعدهم مذكراتهم القيمة، منهم المدعو شاردن Chardın وهو سائح فرنسي، وقد دون في مذكراته معلومات حول النواحي الاقتصادية والسياسية والإجتماعية لإيران، والسائح الثاني هو تاورنيه Tavernier وهو أيضاً فرنسي، وقد جاء إلى إيران ست مرات منذ عهد الشاه صفي إلى عهد الشاه سليمان، ويُعتبر كتابه عن إيران وثيقة تاريخية مهمة، وبالأخص فيما يخص أحوال الشاه سليمان الشخصية، وكيف كان مولعاً بشرب الخمر، حيث يقول : “لا يصدق ولع الشاه وكثرة شربه للخمر ولا يوجد في سويسرا أو ألمانيا أحد ينافسه في هذا الامر”[xxxiv].

وجاء في مكان آخر من الكتاب : “تقريباً الشاه دائماً في حال سكر، وهو مستبد إلى درجة أنه : أي أمر يصدره حتى ولو كان نائماً فإنه يتم تنفيذه دونما تأخير”.!!

ولقد جلب سكر الشاه وإهماله للبلاد المصائب الكثيرة للشعب، إذ ساد الغلاء والاضطراب، وفتكت الأمراض بالبلاد، وفرغت خزينة الدولة، وانتشرت الرشاوى، وضج الشعب بسبب الضرائب المفروضة عليه، وحول هذه الأوضاع يكتب شاردن فيقول : “دخلت إيران في عهد الشاه عباس الثاني سنة (1656م 1066هـ) وخرجت منها في عهد ابنه الشاه سليمان سنة (1677م 1088هـ)، ولقد لوحظ انخفاض موجودية خزينة الدولة خلال 22 سنة إلى النصف، وتدهورت قيمة الذهب فيها، وأما كبار القوم والتجار فإنهم ومن أجل جمع الثروة والمكانة، بدؤوا ينهشون لحوم الفقراء، ومن أجل ذلك أُبتدعت طرق كثيرة للتحايل في التجارة”.

الشاه حسين

كان للشاه سليمان سبعة أبناء، أكبرهم هو الأمير حسين ميرزا وبعد موت الشاه سليمان سنة 1106هـ  انتخبت حاشيته الفاسدة الأمير حسين ميرزا من أجل المحافظة على سلطتهم والتصرف بالبلد كيفما شاؤوا.

كان الشاه حسين ضعيف النفس خائفاً ومؤمناً بالخرافات، وأول عمل غير عقلاني قام به هذا الشاه هو تعيين المدعو (كركين خان الجورجي) لحكومة قندهار، فعامل الناس بالظلم والاستبداد، وبنى سطوته على الخداع والرياء والكذب، وفرض على الناس الضرائب، وإذا اعترض معترض فكان يُعاقب أشد العقاب، وقام بإلقاء القبض على ميروس، وهو أمير كبير لإحدى القبائل الأفغانية، وأرسله إلى أصفهان وطلب من الشاه حبسه، هذا العمل أدى في نهاية المطاف إلى مجموعة من الأحداث قادت إلى سقوط الدولة الصفوية.

العلاقات الإيرانية الروسية

في أوائل سلطنة الشاه طهماسب قام إيفان الرابع (الامبراطور الروسي 1584هـ – 1533م) بعد الاستيلاء على هشتر خان والوصول إلى سواحل بحر الخزر وحدود داغستان بالتغلغل داخل العمق القفقاسي، إلا أن شعب داغستان استطاع وببسالة أن يقاوم الهجمات الروسية كما قاومها سابقاً وردهم على أعقابهم مخذولين.

بعد ممات الشاه طهماسب أي في عهد الشاه إسماعيل الثاني وعهد السلطان محمد خدابنده، تدخل الروس بشكل سافر بأمور جورجيا الشرقية، وقد أرسل خدابنده سفيراً بهذا الخصوص إلى موسكو للإعتراض على التدخلات الروسية.

في زمان الشاه عباس الثاني أرسل الامبراطور الروسي ألكسيس (1676م – 1645م) وهو والد بطرس الأول وفداً كبيراً تعداده ثمانمائة شخص، من أجل فتح الطريق أمام المبادلات التجارية بين روسيا وإيران، حيث وصل الوفد إلى قزوين، إلا أن الشاه عندما علم أن هذا الوفد يبغي التفلت من دفع الضرائب، ويستعملون العنوان السياسي للخداع، أمر الشاه بإبعادهم وإخراجهم من إيران.

غضب الامبراطور الروسي من هذا العمل، فأرسل السفن إلى سواحل مازندران، وبعد إشعال النار في فرح آباد، نزل الجنود الروس إلى السواحل الإيرانية، وفي منطقة شبه جزيرة ميانكه، وفي مستنقع استر آباد الإيرانية مني الجيش الروسي بهزيمة منكرة، وأسر معظم الجنود الروس المهاجمين.

وجاء دور الامبراطور بطرس الأول، ليحاول إيجاد طريق إلى الخليج العربي والهند، فأرسل باديء الأمر رجلاً أرمنياً واسمه (أورس) على رأس وفد إلى الشاه حسين في أصفهان، ليجرب تحقيق ما يرمون إليه عن طريق السلام والصلح، فاستقبلهم الشاه الإيراني السلطان حسين بحفاوة، وتم إعطاء الوفد الروسي الامتيازات التي أرادوها، إلا أنه وبعد سبع سنوات أرسل الامبراطور الروسي (بطرس الأول) سفيراً آخر إلى إيران، لتقديم شكوى وطلب التعويضات على التجاوزات الحاصلة على التجار الروس بالقرب من بخارى، ونظراً للأسلوب المتعجرف الذي خاطب به السفير الروسي السلطات الإيرانية، فإن المفاوضات لم تثمر وغادر السفير الروسي دون أن يحقق شيئاً.

هذا الأمر كان باعثاً للامبراطور الروسي (بطرس) على التدخل في الشؤون الإيرانية، إذ أنه سير الجيوش الكثيفة نحو الحدود القفقاسية منذ سنة 1134هـ، بحجة إعلان الحرب ضد الشاه حسين تارة، أو لمساعدة الشاه طهماسب الثاني تارة أخرى، واستطاع الجنود الروس المدججون بآخر الأسلحة المتطورة حينذاك، وبالمدفعية الثقيلة، أن يحتلوا ساحل بحر الخزر بأكمله بدءاً من دربند، ووصولاً إلى استر اباد.

ومن المؤسف أن الشاه طهماسب الثاني ارتكب خطأ كبيراً وخيانة في حق الأمة، عندما توسل بالجيش الروسي وطلب منهم العون والمساعدة لطرد الأفغان، من أجل الحفاظ على تاجه وعرشه، ففي سنة 1135هـ عقد الشاه طهماسب معاهدة مع الامبراطور بطرس، وأعطى مدينة دربند وباكو والسواحل الجنوبية لبحر قزوين (الخزر) ووصولا إلى استر اباد لروسيا، أملاً في كسب الامبراطور الروسي بجانبه في حربه ضد الأفغان.

أخلاقيات الشاه

باديء الأمر أعطى الشاه أوامره بكسر قناني الخمر، فتم إخراج 6000 قنينة شراب من مخزن – سرداب – القصر الملكي، وتم إراقتها أمام أعين الناس، إلا أنه وبالتدريح بدأ بمعاقرة الخمر، ومعاشرة النساء، حتى أنه أصدر أمراً بجلب كل فتاة أو امرأة جميلة إلى قصره رغم أنفها وإلحاقها إلى حرمه، حتى أن عدد نسائه زاد إلى درجة أنهن بدأن يشكلن عبئاً ثقيلاً على خزينة الدولة.

إهماله لشؤون البلاد

يصف الكساندر هاميلتون مدى اهتمام السلطان حسين بأمور مملكته في هذه الحادثة التي يرويها : “عندما سمع السلطان حسين بهجوم الأوزبك، كان يلعب بهرته ويداعب إحدى جواريه، حيث جاءه البريد مسرعاً فسلم رسالة إلى الوزير الذي كان يقف بين يدي الشاه، فانتظر الوزير ما يصدر من الشاه من أوامر في هذا الصدد، إلا أن الشاه قال بعد أن أنهى ملاعبته للهرة، أنه سيتشاور حول الأمر، إلا أنه نسي بعد ذلك ما وعد به”.

وأما عن معتقدات الشاه فيكتب كروسينسكي حول هذا الشأن : “في ليلة 12 من شهر كانون الثاني وحينما كان الشاه يتناول العشاء مع حاشيته في قصره المسمى (جهل ستون – قصر ذي الاربعين عموداً)، وبكامل هيبة القصر وفخامته، وفجأة يندلع حريق فتلتهم النار أعمدة القصر الخشبية، وفي مدة قصيرة تسري النار إلى باقي الأطراف ووصلت إلى السقف، يقال أن الشاه حسين لم يأذن لأحد بالتدخل في إخماد النيران قائلا لهم : إن هذه إرادة الله قد اقتضت اندلاع النيران في هذا المكان، صحيح أن البناية قد تضررت بشكل كبير إلا أنه – أي الشاه – أعطى إذنا بعد ذلك بترميم المكان” [xxxv].

ثورة الأفغان

بعد إلقاء القبض على الأمير ميرويس الأفغاني من قبل والي قندهار وإرساله مخفوراً إلى أصفهان، مكث الأمير الأفغاني مدة في العاصمة، ومن ثم استأذن للذهاب إلى الحج فأذن له، وبعد رجوعه من مكة وجد أن الأوضاع في أصفهان قد تدهورت بشكل كبير، فحاشية السلطان مشغولون باللهو واللعب وسرقة أموال الشعب، بينما يقضي السلطان حسين معظم أوقاته إما بين النساء والخدم، أو مستغرقاً في الصلاة والدعاء!!.

استغل الأمير ميرويس الاضطراب الساري في جسد الدولة، فرجع سراً متخفياً إلى قندهار، واستعاد زعامة شعبه، وفي تلك الأثناء طلب كركين خان (الجورجي) والي قندهار ابنة ميرويس لنفسه، فأرسل ميرويس فتاة أخرى باسم ابنته إلى كركين خان، فاستطاع أن ينال رضاه ويكسب وده، دون أن يدرك كركين خان ماقام به ميرويس، في سنة 1113هـ دعا الأمير ميرويس والي قندهار كركين خان إلى بستانه، وهنالك أحاط رجال الأمير ميوريس بالحاكم الصفوي فأردوه قتيلاً، وأعلن على إثر هذه الحادثة الثورة داعياً قومه الأفغان الغلزائيين بالانضمام إليها لإزاحة الصفويين عن حكم البلاد، وقد قام الأمير ميرويس بثورته على ضوء فتوى استحصلها من علماء مكة بوجوب محاربة الشيعة وإزاحة حكمهم، ويقال أن أورنك زيب الامبراطور الهندي كان له أيضاً تحريضات للأمير الافغاني.

بعد أن وصل خبر مقتل كركين خان إلى أصفهان، قام الشاه حسين بإرسال ابن أخيه كيخسرو خان لقمع ميرويس، فحاصر قندهار لمدة سنة، وبعد انقضاء المدة أعلن المحاصرون الإستسلام، إلا أن بلاهة وحمق كيخسرو كانت كبيرة، إلى درجة أنه لم يستجب لدعوة الاستسلام، ولذا لم يرى المقاومون بداً من المقاومة فأظهروا شجاعة كبيرة في الذود عن ديارهم.

قام الأفغان المحاصرون بفتح أبواب القلعة ومهاجمة الجيش الإيراني الصفوي المحاصر للقلعة فأنزلوا هزيمة ساحقة بهم، وتم قتل القائد كيخسرو خان نفسه وأدى هذا الانتصار الباهر بإعلان الأفغان في قندهار حكمهم المستقل، وزادوا حماسة وإقداماً بالهجوم نحو إيران، تحت قيادة الأمير ميرويس، حيث انضم إليه في زحفه نحو إيران بعض القادة العسكريين الإيرانيين أيضاً.

ثورة الأفغان الأبدال

عند توجه كيخسرو خان لمقاومة ميرويس في قندهار، نصب عبد الله خان حاكماً على هرات، وهو من عشيرة الأبدال (إحدى أهم قبيلتين في أفغانستان) والتي كانت لها عداوة قديمة مع قبيلة الغلزائية والتي ثارت على الصفويين، وعندما قتل كيخسرو خان بيد الغلزائيين أعلن عبد الله خان استقلاله عن إيران وتشكيله إمارة مستقلة لنفسه.

فتحرك السلطان حسين وعلى رأس جيش كبير لقمع عبد الله خان إلا أنه لم يستطع أن يتجاوز مدينة طهران، فأرسل من هناك قائداً للقيام بالمهام، إلا أن الأفغان الأبدال استطاعوا قتل القائد الإيراني.

في 1120هـ توفي الأمير ميرويس ليحل محله الأمير محمود، ونظراً للعداوة الموجودة بين الغلزائيين والأبدال، فإن محمود (ابن ميرويس) استطاع قتل عبد الله خان، هذا العمل أدخل السرور في قلب الشاه حسين، وحسبه خدمة مقدمة للبلاط الإيراني الصفوي، فأرسلوا الهدايا الملكية المتكونة من سيف مرصع والإعلان عن نصبه والياً على قندهار، انتشرت الثورة في كل أرجاء أفغانستان، واستطاع العرب أيضاً في عمان من إعلان استقلالهم عن إيران.

بدأ الأمير محمود الأفغاني – والذي أعلن أنه من سلالة السامانيين – هجومه على مدينة مشهد، واستطاع  السيطرة عليها، والإعلان من هناك عن تشكيل حكومة مستقلة.

انتصارات محمود الأفغاني

في سنة 1122هـ شرع محمود الأفغاني بالهجوم على إيران من أجل الإستيلاء عليها، بدءاً من ولاية سيستان، فاستولى على كرمان، إلا أنه لم يصمد طويلاً في المدينة، فسرعان ما هجم حاكم فارس المدعو صفعلي خان على المدينة وأنزل هزيمة قاسية بالأفغان المهاجمين، مما اضطر محموداً أن يتقهقر تاركاً كرمان وراءه، متوجهاً إلى قندهار.

إلا أن حاشية السلطان حسين، بدلاً من إكرام القائد الإيراني الذي استطاع إخراج محمود الأفغاني من المدينة، بدأوا باقناع الشاه بمجازاة صفعلي خان، بحبكهم قصصاً خيالية عن تطلعات الوالي المنتصر غير المحدودة، فقام الشاه السفيه بجلب القائد المنتصر والقيام بتسميل عينيه، وهو الذي كان ينتظر أن يرسل إلى قندهار لإكمال مهامه، هذا العمل شجع محمود الأفغاني، على إعلان الحرب مرة أخرى على إيران.

محاصرة أصفهان

في سنة 1634م هاجم محمود الأفغاني مدينة كرمان مرة أخرى، ماراً من ولاية سيستان، وبعد الاستيلاء عليها تقدم عن طريق يزد نحو أصفهان، تغلب محمود الأفغاني على الجيش الصفوي في موقعة كلون آباد على بعد 4 فراسخ من أصفهان، واستطاع الاستيلاء على مدافع الإيرانيين، وتقدم نحو مدينتي جلفا وفرح آباد فاستولى عليهما، وبدأ محمود الأفغاني بمحاصرة أصفهان، والتي كان يتواجد فيها الشاه وحاشيته، وقد طالت مدة الحصار، ووقعت في تلك المدة حوادث مريرة.

يدون لارني لاكهارت المؤرخ الألماني تحقيقاته التي قام بها حول هذه الأحداث كما يلي : “وصل الأمر بالناس في أواخر أغسطس إلى درجة أن الأغنياء باتوا لايستطيعون أن يشتروا لحم الخروف ولكن اللحم الوحيد الذي كان متوفراً هو لحم الخيل والحمير.

كان الناس يبحثون بولع عن القطط والكلاب ليأكلوها حتى أنهم صاروا لا يمتنعون عن أكل حتى الفئران وبات الميسورون يأكلون أوراق الأشجار ووصل الحال بالناس أن أصبحوا يجمعون الأحذية والجلود القديمة وفضلات الحيوانات فيأكلونها، لذا انتشر المرض بين الناس بسبب انعدام الأكل ورداءته”.

ويكتب القسيس الكساندر عن هذه الأوضاع : “ما إن يموت شخص حتى يهجم عليه اثنان أو ثلاثة فيأكلون لحمه النيء بدون أي تفكير في فداحة عملهم، وكان يتم اختطاف البنت أو الولد من الأزقة ويؤخذ بهم إلى داخل المنزل لذبحه ومن ثم أكله وسد الجوع بل كان لحم الإنسان يباع في الدكاكين بغير مسمياتها” [xxxvi].

حتى إن الشاه اضطر لأكل لحوم الجمال والخيول وبات الأغنياء عاجزين عن سد رمقهم، وكلما زاد طول الحصار زادت معه المصائب والويلات وامتلأت الأزقة بأجساد الموتى الذين عجز أصحابها عن دفنها وبات هواء أصفهان ملوثاً ليسبب موت الكثيرين بسبب تفشي الطاعون.

الأيام الرهيبة لأصفهان

ورويداً رويداً ضاقت على الناس الأرض بما رحبت وتدهورت كلياً أحوال المدينة وفي جميع جوانب الحياة، وقد كشف مؤلف كتاب (زبدة التواريخ) : محمد محسن والذي كان ضمن فرقة تفتيش قاموا “بالدخول إلى إحدى السراديب في بيت أحد الأغنياء فوجدوا 14 كيساً وكل كيس يزن 100 (تبريزي)، فرح محمد محسن من هذا الكشف، فمزقوا الأكياس بسرعة لتلقف ما فيها من مواد غذائية، إلا أنهم فوجئوا بأن الأكياس مليئة بالنقود فرموا الأكياس بغضب وتركوها ليبحثوا عن أماكن أخرى” [xxxvii].

يصف محمد هاشم مؤلف كتاب (رستم التواريخ) عن قلق الشاه وبحثه عن المخرج من هذا المأزق، فكان يأتيه كل يوم العلماء والفقهاء لطمأنته، على أن لا يقلق، وأن مملكته محمية لا يرقى إليها الزوال! وستبقى قائمة حتى قيام آل محمد (المهدي)!! وأن أهالي أصفهان لا يبيتون ليلتهم دون الدعاء لجلالتكم، وسيزول وينهار أعداؤك، كما أزال الله قوم عاد وثمود – وكل هذه الأقاويل تقال نفاقاً وكذباً – بالطبع.

وما إن يدخل الشاه بين حريمه في قصره حتى تجتمع حوله 5000 من نسائه وجواريه وخدمه، يركضن حوله وهن يبادرنه بأقوالهن : يا قبلة العالم لماذا أنت مهموم، ولماذا اصفر لونك، فلا داعي لذلك، ابتهج وافرح لأننا قدمنا النذور، ولعنا أعداءك … كل واحدة منا نذرت أن تطبخ قدراً من الشوربة وضعن فيها 7000 (حمصة)، وكل حبه فيها قرأت عليها 1000 مرة لا إله إلا الله، حيث ستوزع بعدها إلى 40 فقيراً، وسينهزم أعداؤك، وسيتفرق شملهم وجمعهم فلماذا إذاً القلق.

وكان يأتيه المنجمون، ويقولون له أن نجم أصفهان هو المشتري، وقد احترق النجم ووقع في الطامة، وسيخرج منها وسيبهر نوره الأطراف، وسيتفرق أعداؤك تفرق بنات النعش!، “وأما أصحاب الجن فكانوا يأتونه قائلين : نحن نعاهدك على دخول الخلوة مع ملك الجن، وسوف نناديه هو و5000 آلاف من الجن لنصرتك وهزيمة أعدائك، ولن يتركوا أحداً من أعدائك سالماً حتى يفر بجلده!!!” [xxxviii].

سقوط أصفهان المحتوم

في نهاية الأمر قرر السلطان حسين تسليم المدينة للأفغان، فدخلها محمود أفغان منتصراً، لذلك لم يبدِ أي لين في المفاوضات بين الطرفين، بل بدأ يفرض الشروط الصعبة والتي كانت إحداها : “ذهاب الشاه حسين إلى خيمته لتسليم نفسه وتاجه له ..”، مما أغضب الشاه كثيراً، إلا أنه آخر الأمر انصاع لطلب محمود فخرج صباحاً من يوم الجمعة 12 محرم 1135هـ الموافق لـ 24 تشرين الاول 1722م، فجلس على حصانه دونما أي تزيين، لابساً ملابس الفقراء، يائساً من كل شيء، فتحرك بخطوات ثقيلة يائسة بطيئة، بينما كانت هنالك مجموعة يصطحبونه، كأنهم يمشون في تشييع جنازة وعلى رؤوسهم الطير، فخرج من باب القصر قاصداً خيمة محمود أفغان، وما إن وصل الشاه حسين إلى القرب من محمود، حتى نزل من حصانه محتضناً له، وبعد الإحتضان تنازل عن عرشه للثائر الأفغاني، مسدلاً الستار على آخر أيام سلطنته.

الشاه طهماسب الثاني

في سنة 1134هـ أرسل بعض من أمراء الدولة الصفوية الأمير طهماسب إلى قزوين، وكانوا يأملون من وراء هذا العمل أن يستطيع الأمير جمع الجيوش لتسييرها نحو العاصمة لفك الحصار عنها.

بعد أن استولى محمود الأفغاني على أصفهان وجه قسماً من جيشه إلى قزوين، لمحاربة الأمير طهماسب الثاني، وما إن اقترب الأفغان من المدينة، حتى ترك الأمير طهماسب الثاني قزوين متوجهاً إلى تبريز، فدخلها الأفغانيون واستولوا عليها.

ثورة أهالي قزوين ضد الأفغان

بدأ القزوينيون بتشكيل فرق مسلحة للثورة على الأفغان، وفي ساعة معينة خرجوا ليلاً للفتك بالأفغانيين، حيث استطاعوا قتل الكثير بينما فر الباقون متوجهين نحو أصفهان.

عندما سمع محمود الأفغاني بهذه الحادثة ثارت ثائرته وتغيرت طباعه، بعد ما كان ينهج مع الإيرانيين منهج اللين، فأمر بقتل كل رؤساء القزلباشية وبقية العائلة الصفوية، وبعد أن ثارت قزوين حذت حذوها مدن كاشان ويزد وبختياري وبندر عباس وشيراز، فثارت بأهلها ضد الأفغان، فأرسل محمود الأفغاني الجيوش لقمع الثورات، فاستطاع جيشه السيطرة على مدن كاشان وشيراز، إلا أن الجيش عجز عن إعادة السيطرة على بختياري ويزد وبندر عباس، فازداد تغيير طباع محمود الافغاني، فنبذه قادته، فاغتيل بيد ابن عمه أشرف بتهمة قتل والده وحل محله.

الهجمات الروسية والعثمانية

كان الامبراطور الروسي (بطرس الأول) يأمل دائماً أن يوصل حدود بلاده إلى المياه الساخنة، لذلك فإن روسيا كانت تطمح أن تبلغ الأراضي الإيرانية، لتصل في نهاية المطاف إلى هدفها وهي المياه الساخنة للخليج العربي، ولتحقيق هذا الهدف سار الامبراطور الروسي بنفسه على رأس جيش لاحتلال شمال إيران وذلك سنة 1713م.

استطاع الامبراطور احتلال دربند حتى داغستان، مستغلاً الوضع الذي كان تمر به الدولة الصفوية، إلا أن روسيا اصطدمت في داغستان بالدولة العثمانية القوية، فاضطرت للانسحاب من المنطقة.

وبعد ذلك أرسل الأفغان قوة عسكرية لاحتلال مدينة رشت القريبة من بحر الخزر، ولما كان الوالي لا يستطيع أن يقاوم القوة الأفغانية، استنجد بالامبراطور الروسي، فاستغل الروس هذه الفرصة فدخلو المدينة محتلين لها، ثم وسعوا منطقة نفوذهم ليضموا اليها أيضا مدينة باكو.

كان طهماسب الثاني في وضع حرج محتاجاً لمن يساعده في صد الهجوم الأفغاني، لذا فإنه اضطر إلى السكوت أمام التوسعات الروسية في الشمال الإيراني، فاستولى الروس على شمال إيران بدءاً من دربند إلى مازندران، وكانوا يتحينون الفرص للقيام بهجمات أخرى لتوسيع المناطق التي استولوا عليها.

وفي المقابل هجمت القوات العثمانية مستولية على جورجيا، فتحولت قفقاسيا مرة أخرى إلى منطقة صراع بين الامبراطورية الروسية والدولة العثمانية، وفي نهاية الأمر تقاسمت الدولتان شمال وغرب إيران، فكانت المناطق الساحلية لبحر خزر بالاضافة إلى مازندران من حصة روسيا وأصبحت أذربيجان وكرمانشاه وهمدان من حصة الدولة العثمانية، فبدأت الدولة العثمانية بمحاصرة تبريز، إلا أن العثمانيين لم يستطيعوا دخولها والاستيلاء عليها.

وبعد اغتيال محمود الأفغاني، وتولي أشرف زعامة الأفغان في إيران، وجد الجيش العثماني (وهو الجيش السني) نفسه أمام الجيش الأفغاني وهم سنة كذلك، فارتبك الجيش العثماني وامتنع من مقاتلة الجنود الأفغان، لذا أمر السلطان العثماني بعقد معاهدة مع الأفغان، فتم عقد اتفاقية في سنة 1139هـ، وبموجبها ترك أشرف الأفغاني الولايات الغربية لإيران للدولة العثمانية، مع الإقرار بأن السلطان العثماني هو أمير المؤمنين.

وصل الشاه طهماسب الثاني طهران، ومن هناك طلب من رئيس عشيرة قاجار قوانلو موافاته في المدينة، إلا أنه عندما علم بتوجه أشرف الأفغاني إلى طهران، ترك محله متوجهاً إلى مازندران.

خُلع الشاه طهماسب من قبل نادر قلي سنة (1723م)، هذه الشخصية التي ظهرت في أحلك أيام إيران وأقساها، فكان له بالغ الأثر في بقاء إيران كدولة على صفحة التاريخ، وبعدها تم نصب الأمير عباس سلطاناً على البلاد، فبقي على العرش مدة أربع سنوات ليعزل هو الآخر، ويحل محله القائد الذائع الصيت نادر قلي أو (نادر شاه)، والذي أسدل الستار على الدولة الصفوية، وأعلن نفسه شاهاً على البلاد، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من تاريخ إيران المضطرب.

الملاحق

الملحق الأول

نسب الصفويين

في الشجرة التي تم تنظيمها في عهد الدولة الصفوية للعائلة الصفوية ادعوا فيها أن العائلة تصل بعد 20 ظهر إلى الامام حمزة ابن موسى الكاظم.

بالنسبة لانتساب الأسرة الصفوية إلى آل البيت تم الاعتماد بصورة رئيسية على مصادر كتبت كلها بعد تأسيس الدولة الصفوية وأهم هذه المصادر كتاب (صفوة الصفا) لكاتبه درويش توكلي ابن إسماعيل والمعروف بابن البزاز[xxxix]، تم تأليف الكتاب سنة 757 هـ.

وفي زمن الشاه طهماسب الأول (930 – 984م) أمر الشاه بتنقيح أو بالأحرى تغيير محتويات الكتاب، ويقال أن الشاه أمر المنقحين بإثبات أصل انتسابهم إلى آل البيت، حتى يتم تصديق ما ألصق لنفسه من انتساب، حيث كان يحب أن يدعى (طهماسب الصفوي الحسيني الموسوي)، ومن أوائل المحققين الذين أثبتوا وقوع التحريف في هذا الكتاب، المؤرخ والمحقق التركي زكي وليد طوغان، حيث يكتب ويقول : “تم تحريف كتاب صفوة الصفا على الأقل قبل أن يأمر الشاه طهماسب بتنقيحه من قبل أبوالفتح الحسيني”، انظر كتاب غلام رضا مجد، ابن بزاز اردبيلي صفحة 22.

ويلتحق الكاتب والمحقق الإيراني أحمد كسروي إلى قافلة المشككين في نسب الإدعاء الصفوي بانتسابهم إلى آل البيت، ويؤكد بأنه تم تحريف كتاب صفوة الصفا ليلائم ادعائهم، انظر كتابه المسمى (شيخ صفي وتبارش)، أي (الشيخ صفي ونسبه) ص 59 إلى 65.

ويورد ابن البزاز أسماء أجداد الشيخ صفي الدين بالشكل التالي :

“الشيخ صفي الدين أبوالفتح اسحق ابن الشيخ أمين الدين جبرئيل ابن الصالح قطب الدين أبو بكر ابن صلاح الدين رشيد ابن محمد الحافظ لكلام الله ابن عواض ابن بيروز الكردي السنجاني فيروزشاه زرين كلاه ابن محمد شرهشاه …..”

ويشكك المحقق المشهور أحمد كسروي في أصل انتساب العائلة الصفوية إلى آل البيت، معتمداً على وثائق تم تحريرها قبل تأسيس الدولة الصفوية، وفي زمن الشيخ صفي الدين، ولم يذكر في أي سند أو لقب ما يدل على انتساب الشيخ صفي الدين إلى آل البيت، ويؤكد المؤرخ الإيراني المشهور نصر الله فلسفي في سفره الضخم عن (حياة الشاه عباس الأول) بقوله : “بأن أيا من أجداد الصفويين قبل الشيخ حيدر لم يكن يطلق على نفسه لقب السيد، حتى أنه كان يطلق على الشاه إسماعيل بـ (شيخ أوغلو أو شيخ زاده) أي ابن الشيخ، وكان يطلق على نفسه في أشعاره بخطائي و غلام حيدر أو – جاكر – خادم قنبر”. [xl]

ويشاركه الرأي المحقق بتروشفسكي والمؤرخ الإيراني إقبال آشتياني، ويشكك أحمد كسروي في انتساب الشيخ صفي الدين أردبيلي إلى التشيع، ويؤكد بأن الشيخ صفي الدين كان سنياً بلا شك، إلا أن أخلاف الشيخ وبسبب تغيير مذهبهم أرادوا إظهار الشيخ صفي الدين كأنه شيعي مثلهم، ويؤكد بتروشفسكي ذلك بقوله : “الآن نمتلك أدلة موثقة ودالة على أن مذهب أوائل شيوخ الصفوية لم يكن المذهب الشيعي”.

ويكتب الكاتب والخبير في الدراسات الإيرانية (رومر) مؤكداً : “بأنه ليس هنالك أدنى شك بأن الشيخ صفي كان سنياً، ومن اللافت للنظر بأن الشيخ صفي كان شافعياً، وأصول هذا المذهب هو أقرب إلى التشيع من باقي مذاهب أهل السنة الثلاثة – الحنفية والمالكية والحنبلية”.

إلا أنني وبالاستدلال على أدلة أراها قرائن قريبة من تغيير الشيخ صفي الدين أردبيلي لمذهبه السني بعد لقاءه بشيخه ووالد زوجته بعد ذلك ألا وهو الشيخ تاج الدين زاهد كيلاني (لاهيجاني)، فمن هو هذا الشيخ الموسوم بزاهد كيلاني، هو تاج الدين إبراهيم الكردي السنجاني والمعروف بالشیخ زاهد گیلانی (700-615هـ / 1218-1301م)، إذ أن هذا الشيخ ولقاءه بصفي الدين أردبيلي وفي مقتبل عمره وهو بعد لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، شكل مرحلة تحول جذري في حياته، بحيث أن الشيخ زاهد كيلاني رأى فيه تحقيقاً لأحلامه، ومظهراً لتفكراته وآماله!!.

وروي أن الشيخ زاهد كيلاني قد بشر مريديه بقوله : “أيها المريدون، بشرى لكم، فقد عطف بنا شيخ المعصومين، والعارف بعلوم أسرار رب العالمين، بقدوم الشيخ صفي الدين أردبيلي إلى هذه البقعة”، ويذكر لمريديه نظرة مستقبلية لما سيؤول إليه حال أولاد الشيخ صفي الدين أردبيلي!! فيقول في مكان آخر : “أولاد هذا الشيخ سيحكمون العالم، وسيعلوا شأنهم يوماً بعد يوم، حتى ظهور (قائم آل محمد) سيدنا المهدي الهادي عليه السلام، وسيقلع  كاف الكفر من الارض”[xli]، والعجيب أن الشاه إسماعيل كما هو معلوم عندما فر من أعدائه وهو بعد طفل، لجأ هو ومريدي أباه إلى منطقة لاهيجان!! حيث المأوى الأول ومحل اللقاء المثير بين الشيخ زاهد كيلاني والشيخ صفي الدين أردبيلي.

لذا أراني انفرد بكون الشيخ صفي الدين أردبيلي شيعياً، وليس ما شاع ويشاع في كتب المحققين بأن الشيخ صفي الدين أردبيلي كان سنياً.

وأما حول الأصل العرقي للصفويين، فيؤكد المؤرخ والمحقق الإيراني أحمد كسروي بأن الصفويين ينتسبون إلى القومية الكردية، وقد رحلوا من مهبط رأسهم في ناحية سنجار – كردستان – واستقروا في أذربيجان، ويؤكد بتروشفسكي هذا القول بكلامه :  “إن أحمد كسروي المحقق الإيراني ظن بأن العائلة الصفوية كانوا أصلاً من القومية الكردية، وقد أيده المؤرخ التركي زكي وليد طوغان فيما ذهب اليه”.

وللدلاله على عدم كونهم أتراكا ما أورده ابن البزاز القصة التالية للدلالة على احتقار الشيخ صفي الدين للأتراك فيقول : “أنه عندما سأل صدر الدين وهو ابن الشيخ صفي الدين والده عن سبب عدم استخدامه للأقمشة والهدايا التي أرسلها له (قتلغ ملك بنت السلطان كيخاتو) أجابه : …. لأنها تحمل اسم التركي بالإضافة إلى اسم الملك والأمير لذا فإن قلبي لا يرضى بذلك …”!! [xlii].

الملحق الثاني

السلاطين العثمانيين المعاصرين لملوك الدولة الصفوية [xliii]

اسم السلطان العثماني مدة الحكم هجري معاصروهم من الدولة الصفوية
بايزيد خان الثاني 886- 918 الشاه إسماعيل الأول
سليم خان الأول 918-926 الشاه إسماعيل الأول
سليمان خان القانوني 926-974 شاه طهماسب الأول
سليم خان الثاني 974-982 شاه طهماسب الأول
مراد خان الثالث 982-1003 شاه طهماسب – شاه إسماعيل الثاني
محمد خان الثالث 1003-1012 محمد خدابنده – شاه عباس الأول
أحمد خان الأول 1012-1026 شاه عباس الاول
مصطفى خان الأول 1026-1027 شاه عباس الأول
عثمان خان الثاني 1027-1031 شاه عباس الأول
مصطفى خان الأول 1031-1032 شاه عباس الأول
مراد خان الرابع 1032-1049 شاه عباس الأول – شاه صفي
ابراهيم خان 1049-1058 الشاه صفي – الشاه عباس الثاني
محمد خان الرابع 1058-1099 شاه عباس الثاني – الشاه سليمان
سليمان خان الثاني 1099-1102 شاه سليمان الأول
أحمد خان الثاني 1102-1106 شاه سليمان – الشاه سلطان حسين
مصطفى خان الثاني 1106-1115 شاه سلطان حسين – الشاه طهماسب الثاني
محمود خان الأول 1115-1168 شاه طهماسب الثاني – الشاه عباس الثالث
الملحق الثالث

رسالة يوهان الثالث : مللك بولندا وروسيا وبروس وكييف، مخاطباً الشاه سليمان الصفوي

نص الرسالة

أيها الملك العظيم والصديق العزيز

جلالتكم لا شك تعلمون أن كل الحوادث التي تقع على وجه الأرض إنما تقع بتأثير من الكواكب ولهذا تظهر جلياً قدرة تأثير الكواكب في أمور البشر.

وعلى هذا النهج نحن المتحدون (بولندا وألمانيا وفينيسيا) بدأنا حربنا المظفرة منذ ثلاث سنوات ضد الأتراك ونحن على ثقة تامة بأن جلالتكم تؤمنون بتلك الكواكب وستعلمون من حركة النجوم أنها توافقنا في هذه الحرب، لتتوجه من الآن وصاعداً أسلحتكم النارية ضد هذا العدو المجرم الذي يعاني الضعف والخوار.

منذ بداية حربنا أوصلنا إليكم الأخبار إما بطريق الرسائل أو عن طريق الهيئات خبر الانتصارات والغنائم الحاصلة وأكدنا على هذه النقطة أنه قد آن الأوان للقيام بحرب شاملة للانتقام من تلك المظالم الشنيعة وإرجاع كافة الأراضي التي اغتصبها العثمانيون منكم ونحن نعاهدكم من جانبنا على عدم عقد أي صلح ما لم تكونوا على علم به.

إنه ليؤسفنا لعدم استلامنا أي جواب منكم لحد الآن، والسبب على ما نعلم هو تقصير سفرائنا الذين لا يقومون بواجبهم على النحو المطلوب وإلا من المستحيل أنكم تضيعون فرصة سانحة كهذه لو قام هؤلاء (السفراء) بواجبهم!

على كل حال نحن نكرر اقتراحنا لكم وليكن جلالتكم شريكاً لنا في إحراز التوفيقات الدائمة!!

في المدة الأخيرة استطاع الألمان بتأييد من الرب تحرير الامبراطورية المجرية من مخالب الأتراك، ونحن البولنديين كذلك استطعنا من تحرير مناطق واسعة من أوكراين وكافة أراضي بدولي باستثناء قلعة كامينيك.

الفينسيون كذلك حرروا القسم الأكبر من منطقة مورا المشهورة ومنطقة بلو بزي، وبذلك يكون القسم الأعظم من جزائر آيجة محررة، نحن مصممون بالقيام بهجوم كبير في الربيع القادم، وكذلك القيصر الألماني يتحضر بقوات كبيرة للهجوم على الأتراك وقد دحرهم في أرضهم.

الفينيسيون مشغولون في البر والبحر بجمع الجموع ضد الأتراك، وقبل مدة أرسلنا رسلنا إلى أمير موسكو للقيام بالتحضيرات العسكرية، وتم إرسال الرسل إلى البابا والملك الفرنسي لويس الرابع عشر وباقي الأمراء والملوك الذين أعلنوا تأييدهم لنا، والمفروض أن سفراءنا قد بينوا لجلالتكم هذه الأمور.

والآن إذا أردتم تجديد شهرة إيران القديمة، وإعداد العدة وتجميع العساكر لضرب هذا التركي من الخلف، ففي الوقت الذي نشغله نحن في الجبهة الأوروبية تكونون قد أوتيتم الفرصة بالهجوم واسترجاع كافة أراضيكم المغتصبة، حان الوقت لاحتلال العراق!! ولا نعتقد أنه ستسنح لكم فرصة مثالية مثل هذه المرة تسترجعون فيها شهرتكم وتسمعون العالم بها، نعم آن الأوان للحصول على صلح دائم بإرساء دعائمها بقوة الأسلحة!!

لحين استلامنا الجواب العاجل منكم

تقبلوا تحياتنا القلبية والسلامة لجلالتكم وسلطتنكم.

كتبت في مدينة رويسن في قصر ولكيف في الثامنة والعشرون من سنة 1686 بعد ميلاد سيدنا المسيح وفي السنة الثانية عشر من سلطتنا. [xliv]

انتهى

مصادر البحث باللغة الفارسية :
  • إسناد نامه هاي تاريخي واجتماعي دوره صفوية، دار نشر ابن سينا، طهران 1969.
  • انقراض السلسلة الصفوية، لورانس لاكهارت، ترجمة إسماعيل دولتشاهي، دار نشر بنكاه ترجمة 1965 طهران.
  • تاريخ تمدن، محمود حكيمي، سهامي انتشار، طهران 1995 ط 6.
  • تاريخ سياسي اجتماعي إيران از مرك تيمور تا مرك شاه عباس أبو القاسم طاهري.
  • دين ومذهب در عصر صفوي، مريم أحمدي، أمير كبير سنة 1984.
  • زندكاني شاه عباس أول، نصر الله فلسفي، انتشارات علمي 1990 طهران ط 4.
  • سفرنامه برادران شرلي، ترجمه إلى الفارسية آوانس، انتشارات نكاه 1993.
  • سفرنامه كمبفر او “در دربار شاه إيران”، انكلبرت كمبفرت، ترجمه كيكاوس جهانداري طبعة طهران 1983.
  • سياست واقتصاد در عصر صفوي، باستاني باريزي، الطبعة الرابعة طهران.
  • شاه إسماعيل أول، منوجهر بارسا دوست، دار شركت سهامي انتشار طهران.
  • شاه إسماعيل مرشد سرخ كلاهان بناهي سمناني، كتاب نمونه سنة 1992.
  • شناسائي منابع ومآخذ تاريخ إيران، عزيز الله بيات، أمير كبير، طهران 1998 الطعبة الأولى.
  • عالم آراي صفوي، مؤلف مجهول، المصحح يد الله شكري، طبعة مؤسسة اطلاعات طهران 1984.
  • نزهة القلوب، حمد الله مستوفي وتحقيق كاي ليسترنج طبعة دنياي كتاب طهران سنة 1983.

مصادر البحث باللغة العربية :

  • تاريخ هيردوت، هيرودت، ترجمة عبد الإله الملاح طبعة أبو ظبي سنة 2007.
[i] كلمة قزلباش التركية تتكون من مقطعين الأول قزل تعني الأحمر وباش وتعني الرأس يعني الرأس الاحمر أو بالأحرى ذوي القبعات الحمر
[ii] يصف حمد الله مستوفي في كتابه (نزهة القلوب) مدينة تبريز بقوله : أهلها بياض الوجوه مع جمالها ويتصفون بالكبر والنخوة وأكثريتهم على المذهب السني الشافعي وفي المدينة مذاهب وأديان اخرى … ”  ص 77
[iii] انظر ص 126 كتاب (شاه إسماعيل صفوي مرشد سرخ كلاهان) للكاتب بناهي سمناني طبعة كتاب نمونه  طهران 1371
[iv] (تاريخ تمدن إسلام) محمود حكيمي ص 9 وهو نقلا من كتاب (تاريخ سياسي واجتماعي ايران) من تأليف أبوالقاسم طاهري الفصل السابع
[v] ص 260 – 261 من كتاب (شاه إسماعيل صفوي) للمؤلف بناهي سمناني انتشارات نمونه، طهران
[vi] بينما هيردوت يذكر من طبيعة الشعب الإيراني وقبل مئات السنين : “أن الفرس لا يعرفون الأصنام ولا يبنون المعابد ولايقيمون المذابح .. والتعليم يقتصر عندهم على ثلاثة أمور : ركوب الخيل والرمي بالقوس والصدق في الكلام …”  تاريخ هيرودت، ترجمة عبد الإله الملاح طبعة هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث ط2 بتاريخ 2007
[vii]  روضة الصفا المجلد الثامن ص 6
[viii] نصر الله فلسفي  في كتابه (زندكاني شاه عباس  أول) ج 1 ص 7، 8 طبعة إيران دار نشر علمي.
[ix] د. ذبيح الله صفا تاريخ أدبيات إيران المجلد الخامس الفصل الثاني نشر جامعة طهران سنة 1362 ص26.
[x]  تاريخ الحضارة – ول ديورايت، ج20 ص99.
[xi] انظر كتاب (تاريخ سياسي واجتماعي إيران ازمرك تيمور تامرك شاه عباس) للكاتب أبو القاسم طاهري ص 209.
[xii] رحلة تاجر البندقية في إيران نقلا من المصدر السابق ص 211.
[xiii]  للاستزادة حول النقطوية راجع كتاب (نقطويان اوبسيخانيان) من تأليف صادق كيا شهران 1320 وكتاب (دين ومذهب در عصر صفوي) تأليف مريم أحمدي تهران 1363 من ص 93 الى ص 99 وأيضا أنظر كتاب المؤلف الدكتور ثابتيان (إسناد و نامه ‏هاى تاريخى و اجتماعى دوره صفويه) دار نشر ابن ‏سينا، 1965.
8 اسكندر بيك تركمان : عالم اراي عباس المجلد 1 الصفحة 213
[xv] راجع كتاب (زندكاني شاه عباس أول) – نصر الله فلسفي من ص 211 – 222 .
[xvi] للمزيد أنظر كتاب (سفرنامه برادران شرلي) (سفر الاخوة شيرلي) إلى إيران ص 80 –  82 طبعة نكاه 1983 قول (الشاه عباس الأول) للاخوة شيرلي (سفيري الدولة البريطانية) بعد أن تجرع كأسا من الشراب : “إن حذاء رجل عيسوي أفضل عندي من أحسن عثماني !!”.
[xvii] أنظر ص 1497 من كتاب (زندكاني شاه عباس) للكاتب نصر الله فلسفي طبعة انتشارات علمي طهران.
[xviii] انظر كتاب (زندكاني شاه عباس أول) للمؤرخ الايراني نصر الله فلسفي ص 468 وهو نقلا من كتاب روضة الصفوية النسخة الخطية.
[xix] نقلا من كتاب (زندكاني شاه عباس أول) نصر الله فلسفي ص 468.
[xx] نقلا من كتاب (زندكاني شاه عباس أول) للمؤرخ الايراني نصر الله فلسفي ص 469 وهو نقلا من كتاب تاريخ إنقلاب إسلام النسخة الخطية في المكتبة الوطنية الايرانية ص 599.
[xxi] (زندكاني شاه عباس أول) نصر الله فلسفي ص 470.
[xxii] المصدر السابق ص 472
[xxiii] المصدر السابق ص 472
[xxiv] المصدر السابق ص 474
[xxv] المصدر السابق 475
[xxvi] (تاريخ تمدن) محمود حكيمي ص 47
[xxvii] (تاريخ تمدن) محمود حكيمي ص 47
[xxviii] نفس المصدر السابق ص 48
[xxix] للمزيد من التفاصيل حول سفر الشاه عباس إلى مشهد مراجعة كتاب (تاريخ روضة الصفا) من تأليف رضا قليخان هدايت المجلد 8 ص 311
[xxx] JHS مختصر لكلمات Jesus Hominus Slavator وتعني منقذ البر.
[xxxi] زندكاني الشاه عباس الأول، من تأليف نصر الله فلسفي  ص 947 – 949 وهو نقلاً من كتاب رحلة أنتونيو دوكوا.
[xxxii] أنظر كتاب زندكاني شاه عباس أول، نصر الله فلسفي ص530
[xxxiii] تمت الاستفادة بشكل رئيسي حول تفاصيل حياة الشاه عباس من كتاب زندكاني (الشاه عباس الأول) – أي “حياة الشاه عباس الأول) من تأليف المؤرخ الايراني نصر الله فلسفي دار نشر (دانشكاه طهران) باجزائه الثلاثة 1979 ط 2.
[xxxiv] انقراض السلسلة الصفوية من تأليف الدكتور لارنس لاكهاررت وترجمة الدكتور اسماعيل دولتشاهي دار النشر (بنكاه ترجمة ونشر كتاب ايران 1965) الفصل الثاني، علل سقوط الدولة الصفوية ص35.
[xxxv] (تمدن اسلام) محمود حكيمي ص 67
[xxxvi] (تاريخ تمدن) محمود حكيمي ص 70- 71
[xxxvii] نفس المصدر السابق ص 72
[xxxviii] نفس المصدر السابق ص 72
[xxxix] ابن البزاز : دوريش توكل بن إسماعيل توكلي أصله من مدينة أردبيل عاصر الشيخ صدر الدين ابن الشيخ صفي الدين وألف كتابه الضخم باللغة الفارسية في كرامات وعقائد وأخلاقات وصفات الشيخ صفي الدين أردبيلي سنة 759 للهجرة بتشجيع من الشيخ صدر الدين وقد تم طبع الكتاب في بومباي الهند سنة 1329 للهجرة. لمعلومات إضافية حول الكتاب انظر كتاب (شناسائي منابع ومآخذ تاريخ إيران) للدكتور عزيز الله بيات من منشورات دار أمير كبير طهران.
[xl]  انظر كتاب (زندكاني شاه عباس) لمؤلفه المؤرخ نصر الله فلسفي انتشارات علمي ج 1 ص 22 .
[xli]  ص 11 من (عالم آراي صفوي) لمؤرخ مجهول ومعاصر للشاه طهماسب ومن تصحيح يد الله شكري،  وكذلك أنظر ص 48 ، 49 من كتاب (دين ومذهب در عصر صفوي) مريم أحمدي.
[xlii]  تمت الاستفادة بشكل أساسي من كتاب (الشاه إسماعيل الأول) لكاتبه الدكتور منوجهر بارسا دوست ومن مطبوعات (دار شركت سهامي انتشار)
[xliii] نقلا من كتاب (زندكاني شاه عباس أول) للمؤرخ الايراني نصر الله فلسفي ص 249 ج 1 طبعة 1979 طهران دار نشر علمي.
[xliv] منقولة من كتاب (سفرنامه كمبفر) أو (در دربار شاهنشاه إيران) للرحالة الألماني انكلبرت كمبفر ترجمة لكيكاوس جهانداري طبعة طهران سنة 1983. 

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s