إنقلاب حسني الزعيم

واختراع التسعات الأربع
في ذكرى وقوعه : 29 من شعبان سنة 1368هـ

مصطفى عاشور

%d8%ad%d8%b3%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d8%b9%d9%8a%d9%85يعد الانقلاب الذي قاده العقيد (حسني الزعيم) في سوريا في (29 من شعبان سنة 1368هـ – 30 من مارس 1949م) هو الانقلاب الأول في تاريخ الدولة العربية الحديثة، ورغم مضي أكثر من 55 سنة على هذا الانقلاب فإنه ما زال يلقي بظلاله على الحياة السياسية العربية، حيث أرسى عدداً من السلبيات الكبرى التي ما زالت المعاناة منها مستمرة حتى الآن.

لم تخل معظم البلاد العربية من انقلابات عسكرية؛ ما يجعل الولوج إلى علاقة الجيش بالسلطة في العالم العربي، ومدى شرعية الأنظمة الانقلابية من الموضوعات الحيوية في العالم العربي، ففي عام 1949م حدثت ثلاثة انقلابات عسكرية في سوريا وحدها، وتشير الإحصاءات إلى أنه خلال الفترة من 1952م حتى 1986م حدث حوالي 34 انقلاباً عسكرياً ناجحاً في العالم العربي، تمثل 23% من الانقلابات الناجحة في العالم الثالث، وأن 53% من الانقلابات -ناجحة وفاشلة- كانت من نصيب العرب، وفي سوريا وحدها وقع حوالي 50 محاولة انقلابية، منها 9 انقلابات ناجحة، وهو ما لم يحدث في أي دولة عربية.

شكري القوتلي .. أطاح به انقلاب الزعيم

كانت البدايات الأولى للجيش النظامي السوري في أعقاب الحرب العالمية الأولى، عقب تكون الإدارة العربية الفيصلية في سوريا، والتي تطورت إلى قيام المملكة السورية بقيادة الملك فيصل بن الحسين قائد الثورة العربية الكبرى، وأدى إعلان استقلال سوريا تحت قيادة فيصل إلى معركة ميسلون 1920م، التي انتهت بدخول الفرنسيين دمشق واحتلال سوريا، وتسريح الجيش العربي الوليد، وإلغاء التجنيد.

وعقب الاحتلال قام الفرنسيون بتجنيد الأقليات ضمن وحدات تم إلحاقها بالجيش الفرنسي، وبعد فترة من الصراع السياسي مع الاحتلال الفرنسي تم انتخاب (شكري القوتلي) رئيساً للجمهورية في (16 من شعبان 1362 هـ – 17 من أغسطس 1943م)، وقام هذا النظام الجديد برفض توقيع معاهدة تتمتع فيها فرنسا بامتيازات خاصة داخل سوريا، فقام الفرنسيون بقصف دمشق في (17 من جمادى الآخرة 1364 هـ – 29 من مايو 1945م)، مما شكل ضغطاً دولياً على باريس جعلها توافق على الجلاء من سوريا، وتنفذ ذلك في (16 من جمادى الأولى 1365 هـ – 17 من إبريل 1946م).

وبعد الاستقلال بدأ النفوذ الأمريكي يعرف طريقه إلى سوريا، وبدأت الضغوط الإقليمية والعربية تجد مكانها بين النخبة السورية، وانقسمت هذه النخبة حسب المشاريع المطروحة، وكان أهم مشروعين مطروحين هما :

مشروع (سوريا الكبرى) : حيث سعى الأمير عبد الله بن الحسين بعد استقلال الأردن وتنصيب نفسه ملكاً عليها إلى إحياء هذا المشروع، ووجه في (رمضان 1365هـ – أغسطس 1946م) دعوة إلى سوريا ولبنان للعمل على تنفيذ المشروع، لكن البرلمان السوري استنكر هذه الدعوة، وأعلن رفضه لها.

مشروع (الهلال الخصيب) : ويتلخص في إقامة اتحاد فيدرالي بين الأردن والعراق وسوريا ولبنان، لكن البرلمان السوري رفض هذا المشروع.

كان الجيش السوري في تلك الفترة صغيراً دخل تحت إمرة الحكومة الوطنية منذ وقت لم يتجاوز العام، وتم إنشاء المدرسة العسكرية في حمص، وبدأت أول دورة لها في عام 1946م، وتم الأخذ بنظام التجنيد الإجباري، ومن ثم أصبح الجيش السوري يضم تنويعات اجتماعية وثقافية متعددة.

نتج عن ذلك أن غالبية الرتب الكبيرة في الجيش كانت ممن خدم في الجيش الفرنسي، أما الرتب الصغيرة فكانوا من خريجي المدرسة العسكرية، وكانت الرتب الكبيرة – وكانت تضم أغلب رتب العقيد – تسعى ليكون الجيش السوري محترفاً، أما الشباب فكانت تسيطر على مخيلتهم كثير من الأفكار الثورية، وكانوا يرغبون في أن يلعب الجيش دوراً في الحياة السياسية.

الدور الأمريكي في انقلاب الزعيم

بعد رحيل الفرنسيين عن سوريا كان الأمريكيون يخشون من تنامي التيارات العقائدية داخل البلاد، خاصة الشيوعية واليسارية، ورأى الأمريكيون أن ترك المسرح السوري للقوى السياسية للتفاعل فيه، سيقود حتماً إلى أن يتواجد السوفيت في سوريا، ولذا رأوا ضرورة إحداث انقلاب عسكري للمحافظة على الأوضاع القائمة.

وتشير عدد من الوثائق التي أفرج عنها الأمريكيون إلى أن المفوضية الأمريكية في دمشق شجعت الجيش السوري على القيام بانقلاب، لصد الاختراق السوفيتي لسوريا، خاصة بعد اعتراض البرلمان السوري على مشروع التابلاين الأمريكي الذي كان يهدف للحصول على امتياز من الحكومة السورية لتصدير النفط عبر الموانيء السورية.

وقد رأى الأمريكيون أن حسني الزعيم أفضل الخيارات المطروحة أمامهم، حيث كان يتفق معهم في العداء للسوفيت، ومن ثم عقد الأمريكيون معه عدة لقاءات عام 1948م، وزاد من تمسك الأمريكيين بالزعيم أنه كان يعرض القيام بحلول جريئة في القضية الفلسطينية، ومنها ما أشارت إليه ونشرته مجلة (لوس أنجلوس تايمز) في (شعبان 1403 هـ – مايو 1983) بعد الإفراج عن دفعة من الوثائق الإسرائيلية من أن حسني الزعيم بعدما تولى الرئاسة في سوريا عرض على رئيس الوزراء الإسرائيلي (بن جوريون) أن يبدأ مع الإسرائيليين في مباحثات سلام بين الجانبين، وعرض – أيضاً – أن يقوم بتوطين 300 ألف لاجئ فلسطيني في سوريا – وهو ما يعادل نصف اللاجئين الفلسطينيين آنذاك – لكن (بن جوريون) رفض هذا العرض.

الانقلاب وصاحبه

ولد حسني الزعيم في حلب سنة (1315هـ – 1897م)، وهو كردي الأصل، وكان والده مفتياً في الجيش العثماني استشهد أثناء الحرب العالمية الأولى، درس حسني الزعيم في الآستانة، وأصبح ضابطاً في الجيش العثماني، واعتقله الحلفاء أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم التحق بالجيش الفيصلي، وحارب العثمانيين في دمشق، وتطوع في الجيش الفرنسي أثناء الانتداب على سوريا، ودرس العلوم العسكرية في باريس، وخاض عدداً من المغامرات المشبوبة بالطموح انتهت باعتقال الفرنسيين له، ثم تسريحه بعد ذلك من الجيش، وكان برتبة عقيد.

استطاع أثناء فترة تسريحه من الجيش أن يتعرف على عدد من السياسيين وأعضاء البرلمان، وتوسط بعض هؤلاء في رجوعه إلى الجيش فتم له ذلك.

من الثكنة إلى السلطة

كانت الأوضاع في سوريا قلقة مضطربة خاصة بعد نكبة فلسطين، نظراً لمشاعر الإحباط التي ملأت الشارع العربي، حيث اتهم بعض قيادات الجيش بالفساد وجرى التحقيق مع بعضهم، واتهم بعض السياسيين بسرقة المجهود الحربي للجيش، فاستقال وزير الدفاع، ثم استقالت الوزارة، واحتدمت النقاشات بين السياسيين في البرلمان، حتى إن الشرطة تدخلت أكثر من مرة لفضها، وانهارت الحكومة للمرة الثانية خلال فترة وجيزة، فدعا الرئيس (شكري القوتلي) إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية للخروج بالبلاد من أزمتها.

استغل حسني الزعيم الذي عُين قائداً للجيش في (ذي القعدة 1367 هـ – سبتمبر 1948م)، هذه الظروف للقيام بانقلابه، فقام في (29 من شعبان 1368هـ – 30 من مارس 1949م) بإصدار أوامر إلى وحدات من الجيش بمحاصرة مبنى الرئاسة والبرلمان والوزارات المختلفة، وتم اعتقال الرئيس القوتلي، ورئيس الوزراء، وعدد من القيادات والشخصيات السياسية.

قام الزعيم عقب نجاح انقلابه بحل البرلمان، وشكل لجنة دستورية لوضع دستور جديد وقانون انتخابي جديد، وأعلن أنه سيتم انتخابه من الشعب مباشرة، وبدأ بخوض الانتخابات الرئاسية كمرشح وحيد، وفاز فيها بنسبة 99.99% في (شعبان 1368هـ – يونيو 1949م)، وكانت هذه النسبة من النجاح في الانتخابات مجهولة غير معروفة في نتائج الاقتراعات، وكان الزعيم هو الذي يحمل براءة اختراعها، وتبعه في ذلك بقية الانقلابيين العرب، ونمت في عهده أجهزة المخابرات والأمن بطريقة غير مسبوقة، وتم استخدام أساليب الاعتقال والتعذيب مع المعارضين.

أما أخطر سياساته فهي اتجاهه للتعاون مع الغرب بطريقة مبالغ فيها، فأقر عدداً من المشروعات التي كان البرلمان قد رفضها قبل ذلك، ومنها مشروع التابلاين، ووقع على اتفاقية الهدنة مع إسرائيل في (24 من رمضان 1368هـ – 20 من يوليو 1949م)، وبدأ يعتمد على الأقليات في المخابرات والجيش، وهو ما أثار الاستياء السياسي والشعبي منه بعد أقل من ثلاثة أشهر من استيلائه على الحكم.

وكانت قاصمة الظهر للزعيم هي تخلي الأمريكيين عن مساندته، وسعيهم للتخلص منه، بعدما أبدى قدراً من الرغبة والمساعي للخروج عن الوصاية الأمريكية، والرغبة في العمل والتحرك بمفرده، ولذا قرر الأمريكيون أن يتحركوا للتخلص منه، حيث رأوا أن ما يهدف إليه سوف يؤدي إلى نمو المشاعر القومية والعقائدية بدرجة كبيرة.

ورأى الأمريكيون أنه ما دام الجيش هو المؤسسة التي تملك القوة، وتحتكر أدواتها فعليهم أن يتحركوا من داخله للتخلص من الزعيم وبسرعة، بل بطريقة دموية، وتحقق للأمريكيين ما أرادوا، حيث لم يمض إلا وقت قليل حتى وقع انقلاب مضاد بقيادة العقيد سامي الحناوي في (20 من شوال 1368هـ – 14 من أغسطس 1949م) وتم تشكيل محاكمة سريعة للغاية للزعيم، وأصدرت الحكم عليه بالإعدام، وتم تنفيذ الحكم في اليوم التالي رمياً بالرصاص على عادة العسكريين.

انقلابات وليدة انقلابات

وفي الحالة السورية فإن النمط الانقلابي أخذ في تجديد نفسه في شكل انقلابات متتالية، لأن الانقلاب الناجح يفتح شهية العسكريين للقيام بانقلابات أخرى، ويلاحظ في الانقلابات السورية أن الصراع على السلطة لتحقيق مصالح شخصية وعرقية وأيديولوجية كان أحد الأهداف الرئيسية في الانقلاب، وأن كل انقلاب أدى إلى انقلاب مضاد، وأن البعد الخارجي كان موجوداً في غالبية الانقلابات، وأن معظمها جاء بعد حروب أو أزمات داخلية، وأن الانقلاب كان يعكس في الغالب مشكلة عرقية داخل سوريا.

ورغم أن حياة الزعيم انتهت بطريقة مأساوية فإنه أرسى في السياسة العربية ثقافة الانقلابات التي ذاقت فيها سوريا على وجه الخصوص الكثير من الويلات، كما أنه أرسى سياسة المرشح الواحد للرئاسة، ونسبة التسعات الأربعة في نجاح الرؤساء في الاستفتاءات، ومنهج التعامل العنيف مع المعارضين، ومنهج الإكراه للشعوب للحصول على الشرعية للنظام الانقلابي.

أبرز سلبيات الانقلابات العسكرية

  • اقتران السياسة بالقوة : فمن يمتلك القوة يستطيع أن يمارس السياسة بل ويتحكم فيها، وهو ما أعطى الجيش مكانة كبيرة في السياسة وسمح له بالتدخل في شؤون الحكم والسيطرة على مقاليد السلطة، ولذا فأغلب الأنظمة الجمهورية العربية يحكمها العسكريون الذين جاءوا إلى الحكم من أرحام الانقلابات.
  • اقتران التغيير في العالم العربي بالعنف : وهو ما أعطى الجيش الفرصة للتدخل في السلطة والسيطرة عليها وتغيير قادتها، باعتباره المؤسسة التي تملك عناصر القوة مقارنة بغيرها من مؤسسات الدولة.
  • وكشف أيضاً عن ضعف النخب السياسية العربية التي ترسخ في أعماقها أن التغيير لن يأتي إلا من أعلى إذا أرادت تنفيذ مشروعاتها السياسية، وهو ما جعلها تسعى عقب الاستقلال للامتداد داخل الجيش، وتعقد التحالفات مع العسكريين وتغريهم بالتدخل في السياسة، وتفتح شهيتهم للانقلابات.

ما بعد الانقلاب .. الشرعية المفقودة

تعد المشكلة الأولى التي تواجه الجيش بعد انقلابه هي مشكلة الشرعية، وهذه هي المشكلة الرئيسية في العالم العربي، فالشرعية هي العلاقة التي تربط الحاكم بالمحكوم، والنظام السياسي الذي يتمتع بالشرعية هو النظام القادر على ممارسة الحكم دون اللجوء إلى استعمال أدوات الإكراه ووسائل القمع.

وبالتالي فالشرعية ترتبط بمفهوم العدل والمساواة والسيادة، وتمثيل النظام السياسي لقيم ومصالح المجتمع، وهي صفة ضرورية لممارسة النظام السياسي سلطته، وغيابها يؤدي إلى عدم الاستقرار في المجتمع، ويجعل الأنظمة خائفة من مجتمعاتها لا تثق فيها، ومن ثم يلجأ النظام السياسي إلى وسائل القهر في محاولة لخلق شرعية الخوف والغلبة والقهر بدلا من شرعية الرضا والقبول والعدل لنظامه السياسي.

قهر السلطة للمجتمع ناجم في الأساس عن غياب شرعيتها، كذلك يؤدي غياب الشرعية إلى عدم انفتاح النظام السياسي على مجتمعه، ومن ثم يقوم بتضخيم أجهزة الأمن وتعديدها، وتشعر بعض الأنظمة أن الخطر الذي يتهددها يكمن داخل حدودها وليس من خارجها، وهو ما يؤدي إلى تغيير في وظيفة الجيش ليصبح الجيش رديفا لقوات الأمن الداخلي في حالة تعرض النظام السياسي لأي ثورة أو حركة جماهيرية أو سياسية مضادة.

تساؤلات مشروعة حول الانقلابات

تثور تساؤلات عديدة عند مراجعة الحالات الانقلابية في المنطقة العربية، ومنها : لماذا وقع الانقلاب؟ وهل كان ضرورة لإحداث التغيير في الحياة السياسية وإزالة أسباب اضطرابها؟ وهل استطاع الانقلاب أن يحقق الأهداف التي أعلنها بيانه الأول الذي أشارت العديد من الدراسات إلى أنه كان بياناً متشابهاً في أغلب الانقلابات، حيث يرتدي الانقلاب مسوح الوطنية، والرغبة في محاربة الفساد، وإحداث التنمية وخلق الحرية للشعب ورفع الظلم عن كاهله… إلخ؟

وهل تنجح الانقلابات إذا توافرت العوامل الداخلية لها؟ أم أن العامل الخارجي هو الذي يلعب الدور الرئيس في الانقلاب تخطيطاً ونجاحاً واستمراراً؟

ولماذا تراجعت موجة الانقلابات في عالمنا العربي منذ منتصف السبعينيات وحتى الآن؟ ولماذا لا تحدث انقلابات عسكرية في الدول الديمقراطية الغربية رغم ما تمر به من أزمات سياسية؟

والواقع أن الانتقال الطبيعي للسلطة يعد مؤشراً جيداً على حالة الاستقرار السياسي، وأحد مقاييس التطور الديمقراطي، لأنه يؤسس للعملية الديمقراطية من خلال قواعد مؤسسية يحكمها الدستور، كما أنه يعد أحد الأدوات لاختبار قدرة النظام السياسي على الأداء الجيد، كما أنه يحدد حدود ممارسة الحاكم للسلطة، وطبيعة العلاقات بين مؤسسات النظام السياسي، وطبيعة التوازن بينها، وموقع السلطة التنفيذية في النظام السياسي، وموقع الرئيس في السلطة التنفيذية.

أما الانقلاب فهو تغيير قيادة الدولة وربما السياسات، أي إنه تغيير للشريحة الحاكمة في قمة السلطة، ولذا يسعى الانقلابيون عقب الاستيلاء على السلطة إلى تعطيل الدستور القائم وإصدار دستور جديد، وممارسة السلطة بأنفسهم أو من خلال مدنيين يخضعون لهم، ثم يسعون لأن يتحولوا من الحالة الانقلابية إلى أن يكونوا نظاماً سياسياً حتى ينسجموا مع المحيط الدولي والإقليمي، أي إنهم يخلعون ملابسهم العسكرية ليرتدوا الملابس المدنية، دون أن يتخلوا عن عقليتهم العسكرية التي لا تجيد العمل السياسي في الغالب، وترى السياسة من منظور إصدار الأوامر.

إشكالية العلاقة بين الجيش والسلطة

إن محاولة الاقتراب من هذه الإشكاليات يقتضي محاولة تفسير العلاقة بين الجيش والسلطة، فالجيش في الحالة العربية لم يكتف بدوره الطبيعي في حماية السيادة، وإنما انتقل من حدود الوطن إلى حدود السياسة والسلطة.

فالدول المتحضرة تعتبر الجيش أحد مؤسسات الوطن وليس أداة السلطة، فهو مؤسسة تملكها الأمة ولا تملكها النخبة الحاكمة، وهو ما يفترض معه أن يتمتع الجيش بقدر من البعد عن المسألة السياسية الداخلية، وأن تكون مهمته حماية الوطن من أي عدو أو عدوان خارجي، ومن هنا فإن الأمر اقتضى الفصل بين السياسة والسيادة، لأنهما لا يعبران عن شيء واحد.

ولعل هذا التفريق ما جعل الجيش في الدول الغربية الديمقراطية بعيداً بدرجة كبيرة عن العملية السياسية الداخلية، لأن مهمته حددها الدستور الذي يلتزم به الجميع وهي حماية الحدود، كما أن عملية التغيير السياسي في تلك الدول تأتي عبر الطرق السلمية نظراً لتوافر الديمقراطية وإمكانية أي حزب سياسي من الوصول إلى السلطة ما دام يمتلك الشرعية في ذلك وتتمثل في الحصول على الأصوات التي تؤهله لذلك في عملية اقتراع نزيهة.

ولعل ما جعل الجيش بعيداً عن الشؤون السياسية الداخلية – أيضاً – هو أن المجتمعات في تلك البلاد قوية وترفض أن يلعب الجيش مثل هذا الدور، إذ إن إسقاط العنف من الحياة السياسية كان يحمل وجهاً آخر هو قوة الأحزاب السياسية في تلك البلاد، وتمتع النخب السياسية بقدر كبير من القوة تجعلها في غير حاجة إلى بناء تحالفات مع العسكريين وإغرائهم بالتدخل السافر في العملية السياسية.

أما في العالم العربي فإن السلطة اعتبرت أن الجيش ملكية خاصة لها، تستخدمه لحماية نفسها من المعارضة السياسية، ورأت أن هناك تماهياً بين السياسة والسيادة وبين الوطن والنظام السياسي، وقاد هذا الشعور السلطوي الخطير بدور ووظيفة الجيش إلى أن الجيش نفسه أصبح يخلط في مخيلته بين الولاء للنظام والولاء للوطن.

غير أن حالة التماهي هذه بين السلطة والدولة فتحت شهية الجيش في الرغبة في أن يستحوذ هو بنفسه على السلطة، لأنه يمتلك القوة التي لا تمتلكها أي مؤسسة في المجتمع، كما أن النخب السياسية والمجتمعات ليست على المستوى الذي يجعل الجيش يحاذر من الولوج إلى حلبة السياسة الداخلية، ومن ثم انتقل جيش السلطة للسيطرة على السلطة، لتكون هناك سلطة الجيش من خلال الانقلاب على النظام القائم وتغيير من يجلسون على قمته.

لماذا تراجعت الانقلابات؟

شهد العقدان الماضيان انقلابين فقط في العالم العربي، أحدهما عسكري أبيض (غير دموي) في السودان عام 1986م جاء بالفريق عمر البشير إلى السلطة في إطار تحالف بين العسكريين والإسلاميين، والثاني انقلاب طبي في تونس، جاء بوزير الداخلية زين العابدين بن علي عام 1987م إلى السلطة بعد إصدار عدد من كبار الأطباء التونسيين تقريراً طبياً يفيد أن الرئيس الحبيب بورقيبة لم يعد قادراً على ممارسة الحكم لتأثير الشيخوخة على قدراته العقلية.

لكن تراجع الانقلابات لا يعني اختفاء العلاقة المضطربة بين الجيش والسلطة، أو حسم المسألة لصالح السلطة مقابل العسكر، ولكن هذا التراجع يعود إلى عدة عوامل، منها : تضخم أجهزة وصلاحيات ودور أجهزة الأمن العسكرية داخل الجيوش، ما جعل العسكريين ينأون عن ممارسة أي دور مناوئ للسلطة داخل المؤسسة العسكرية، أو أي دور تآمري، وتحول المؤسسة العسكرية في البلاد العربية – نظراً لأنها لم تخض أي حرب منذ أكثر من عشرين عاما – إلى ما يشبه البيروقراطية الوظيفية البعيدة عن الاحتراف العسكري وروح المغامرة، وإتقان السلطة القائمة لفن البقاء والاستمرار، ولجوء هذه السلطة إلى مركبي الفساد والامتيازات في تعاملها مع العسكريين لصرفهم عن فكرة الانقلاب، والغياب النسبي لدور العامل الخارجي في إحداث الانقلابات، نظرا لأن الأنظمة القائمة استطاعت تسوية كثير من أمورها مع الغرب رغم الضجيج المبالغ فيه من بعض الأنظمة الحالية، كما أن الأنظمة الحالية لا تمثل أي خطر على المشروع والمصالح الغربية في المنطقة، ما يلغي الحاجة إلى التدخل للقيام بانقلابات.

ورغم ذلك فإن دور العسكريين لم يتراجع، فما زالت النخبة العسكرية هي المسيطر الحقيقي على مقاليد الأمور في غالبية البلاد العربية ذات الأنظمة الجمهورية، وما زالت ميزانية الجيش تبتلع ميزانية الدولة تحت ستار الدفاع عن الأوطان، وما زال العسكريون المتقاعدون هم الذين يسيطرون على الكثير من مؤسسات الدولة المدنية.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s