العِنَبُ المُرُّ

ربيع عرابي

%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%86%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1أنا الملكُ .. الواقعُ يقولُ ذلكَ .. لا يمكنُ إنكارُ الحقيقةِ الساطعةِ ..

أنا أبيضُ .. شِبهُ شفافٍ .. يكادُ الناظرُ يَلمَحُ بُذوري من بعيدٍ .. دمائي نقيةٌ صافيةٌ .. لم تُعَكِّرها الألوانُ والشوائبُ .. كِسوَتي رقيقةٌ ناعمةٌ .. ومائي حلوٌ لذيذٌ ..

آه .. لو تُدركونَ .. أيها المُهَجَّنُونَ المُلَوَّنُونَ .. يامن تلاعبَت بكم بَهَارِجُ الدنيا وزخارِفُها .. فَبِعتُم بياضَ طَلعَتِكُم .. بزينةِ الحياةِ .. ونقاءَ وُجُوهِكم .. بِبَرِيقِ الألوانِ ..

آه .. لو تُدركونَ .. أصالةَ عُنقُودي .. وشَرَفَ حَسَبِي ونَسَبِي .. وقِيمةَ ما أحملُهُ في حبَّاتي .. من صفاتٍ ومعارفَ .. وَرِثتُها عن أمِّي .. الدَّاليَةُ الوَفِيَّةُ .. وجدَّتِي .. الأرضُ العظيمةُ .. وحَفِظتُها كما أحفظُ بُذوري في دَاخلي ..

أنا الماءُ والحِنطَةُ1 .. أنا الصِحَّةُ والفتوةُ2 .. أنا البَيضاءُ في كَبِدِ السَّمَاءِ3 .. وأنا البِيْضُ4 من ليالي الصائمينَ ..

أنا الطُّهرُ والنَّقَاءُ5 .. والكَرَمُ والعَطَاءُ .. أبيضُ أصيلٌ .. كالربيعِ6 يَتَدَفَّقُ من فَمِ النَّبعِ .. لم تُلَوِّثهُ المشاربُ .. ولم تُعَكِّرهُ الدُّروبُ .. كَنَفْجَةِ قُطْنٍ وَليدةٍ .. لم تُغَبِّرهَا الرِّيَاحُ .. ولم يُغرِقهَا وابلٌ7 ..

أبيضُ .. كشمسِ صباحٍ مُشرقٍ .. قبلَ أن تلتهِبَ حُمرَةً في كَبِدِ السَّماءِ .. أو يَصْفَرَّ وَجهُهَا عندَ المَغِيبِ .. أو يَطمِسَ نُورَهَا سَوادُ الليلِ ..

أبيضُ .. كغيمةِ صيفٍ تَتَمَايسُ في السماءِ .. لا كسحابةٍ سودَاءَ .. أو غيمٍ مُكفَهِرٍ8 ..

أنا السلامُ والوئامُ .. وريشُ حمامةٍ بيضاءَ .. أنا زينةُ الحجَّاجِ النَّاسِكينَ .. حينَ يَخلَعونَ ألوانَ الحياةِ .. ويعودونَ أنقياءَ أتقياءَ ..

أنا الأصلُ والطهرُ .. وما بعدي إلا طِينٌ وكَدَرْ ..

أنا ملكُ العنبِ .. بل ملكُ الفاكهةِ كُلِّها .. رضيتم أم كرهتم .. أقررتم بذلكَ أم أنكرتم ..

أجابَ العنقودُ الأحمرُ مُتهكِّماً :

سيدي .. ملكَ العنبِ الأفَّاكِ9 .. يا فاقدَ السِّمَةِ10 .. عَرِيَّ11 السَّترِ .. يا من عَجَزتَ عنِ اختيارِ لونٍ يُمَيِّزُكَ .. وثيابٍ تُزَيِّنُكَ .. فبقيتَ أجردَ بلا علامةٍ .. أبيضَ بلا وَسَامَةٍ ..

وأيَّ فخرٍ أن تكونَ بِلا خِضَابٍ .. والله سبحانهُ وتعالى .. زَيَّنَ خَلقَهُ بألوانِهم .. وجعلَ ذلكَ مِيزَةً لهم ورفعةً .. وآيةً للتفكرِ والخُشوعِ ..

سماءٌ وبِحارٌ زرقاءُ .. ومروجٌ وغاباتٌ خضراءُ .. وُرودٌ وعصافيرُ حمراءُ .. ونجومٌ زاهرةٌ تَغمِزُ في جَنَباتِ السماءِ .. وعَسلٌ وشرابٌ مُختلفٌ ألوانُهُ .. أناسٌ ودَوابُّ وأنعامٌ .. حِليَتُهَا تَخْلِبُ الألبابَ ..

ثمَّ بَعدَ هذا .. تُبَرِّرُ ضعفكَ وعَجزكَ .. بالحفاظِ على الأصُولِ .. والتَّرَفُّعِ عنِ الأهواءِ .. وهل أنتَ إلا بعضُ هوىً وفِتنةٍ ..

وما فائدةُ الماءِ الصافي القَرَاحِ .. إن لم يتغَلغل في عروقِ العارفينَ .. لِتُشرقَ به بَصِيرَتُهُم .. وتَلمحَ ألوانَ الوجودِ عُيونُهُم .. فتَنبضَ بها قُلوبُهُم .. وتَحيا بها أرواحُهُم ..

ألا تخجلُ من مُهَلْهَلِ12 حِجَابِكَ .. يُجِيزُ13 اللِّحَاظَ14 إلى قَلبكَ .. فتفضحَ ما أخفَيتَ من سرِّكَ .. وما وَارَتْهُ حباتُكَ .. تَتَناوشُكَ نَظَراتُ الفُضُولِ .. وتَفتَرِسُكَ سِهَامُ العُيُونِ .. فلا تَملكُ لَها رَدَّاً ولا صَدَّاً ..

فأنتَ أبيضُ منَ الخارجِ .. أبيضُ منَ الداخلِ .. خَوَاءٌ في خَوَاءٍ .. لم تنتفع بأصلٍ ولا فصلٍ .. بل أدمَنتَ حكاياتِ القُدَمَاءِ .. وأقوالَ السَّالِفِينَ .. كالطبلِ الأجوفِ .. تُكَرِّرُ وتُعِيدُ مُمِلَّ الكَلِمَاتِ .. ونسيتَ أو تَناسيتَ أرضكَ وداليتَكَ وحَديقتَكَ ..

تُحدِّثُنَا عن الأصلِ والنقاءِ .. والمَاضي التَّلِيدِ .. والعِرقِ المَجيدِ .. شِعاراتٌ فارغِةٌ .. قُشورٌ في قُشورٍ .. ومظاهرُ في مَظاهرَ .. لا أثرَ لها في القَلبِ .. ولا جناحَ لها ولا رُوحَ .. عديمةُ الفائدةِ .. خَاويةٌ من الحَقيقةِ ..

أما أنا فأحمرُ .. عنقودٌ أحمرُ .. حِليتي حَمراءُ .. كِسوَتِي حمراءُ .. بَسمَتِي حمراءُ .. وقلبي أحمرُ .. باطِني كظاهري .. حُمرةٌ في حُمرةٍ ..

وَجْنَتِي حمراءُ غوايةٌ للنَّاظرينَ .. لكن جَوهري مستورٌ عن عُيونِ الفاجرينَ ..

قَبَستُ لَقَبي من أمِّي الحُمَيْراءَ عائِشةَ15 .. وحِكمَتي وفِطنَتي من مُضَرَ الحمراءَ16 ..

أنا لبابُ الكونِ .. وجوهرُ العارفِينَ .. لا قُشورُ الفارغينَ التَّافِهينَ .. أنا الحقُّ والحقيقةُ .. وأنا النَّهجُ والطريقةُ ..

أحمرُ .. كخيرِ الإِبِل .. كحُمْرِ النَّعَمِ17 .. كحُمَرَةٍ18 آسرةٍ .. كوَردةِ جوريةٍ وليدةٍ .. تَضُجُّ حَياءً وحَياةً .. كَلونِ الشَّفَقِ .. حينَ تَرتَمي الشَّمسُ في لُجَّةِ اليَمِّ .. تَبثُّ إليها وَجدَها وأشواقَها .. كَمَلِكٍ اعتلى عرشَ قُزَحَ .. وراح يرسمُ قوسَهُ بِبَنَانِه ..

أحمرُ .. كحُمرَةِ عينٍ بَاكِيَةٍ .. وحُمرَةِ خَدٍّ حَيِي .. وحُمرَةِ قلبٍ وَالِهٍ .. تُغَرِّدُ البلابلُ معَ دَفَقَاتِ نَبضِهِ ..

لا أحملُ رُمحَاً .. لا أرفَعُ سَيفاً19 .. سِوى حُمرَةَ خُدُودي .. وتَوَرُّدَ وَجَنَاتي .. وطِيبةَ قلبي .. وجمالَ رُوحي .. فَسَيفي هو الحبُّ .. ورُمحي هو الوُدُّ ..

فأنا الإنعتاقُ من متاهاتِ الدنيا وقَسوتِها .. إلى رحابِ الأرواحِ وصَفائِها.

زَمجَرَ العُنقودُ الأسودُ مخاطباً جِيرانَهُ :

أيُّ هَذرٍ هذا .. وأيُّ أباطيلَ .. أنا العنقودُ الأسودُ .. الجامعُ المانعُ لكلِّ العناقيدِ والألوانِ ..

أنا السَّوَادُ20 وأنا الجماعةُ .. أنا المُسَوَّدُ والسَّيّدُ21 .. أَشرفُ كلِّ شيءٍ وأَرفَعُهُ ..

أنا دَفقُ الحياةِ وبَقَاؤهَا .. فأنا التمرُ والماءُ22 .. من لوني الدواءُ والشِفاءُ23 ..

تَسقُطُ عندَ سَوادي بقيةُ الألوانِ .. ويَذوِي لِرَهبَتي باهتُ الأطيافِ .. فلا لونَ إلا بإذني .. ولا طيفَ إلا بأمري ..

بِسَوادِي أمحُو زُرقَةَ البحرِ والسَّماءِ .. وأطفِيءُ لَمعةَ النجمِ في الدَّهمَاءِ .. وتَختفِي في ظُلمتِي المُروجُ الخضراءُ .. وتَسكنُ من سَطوَتي جميعُ الأحياءِ ..

فلا تُشرِقُ شمسٌ إلا حينَ يَغفُو سَوادِي .. ولا يَصيحُ ديكٌ إلا حينَ أُلَملِمُ عَتمَتِي ..

لا حقَّ بلا سَوادي .. فأنا القوةُ دِرعُ الحقِّ .. وأنا الرَّايةُ .. وأنا الحربُ .. أنا العِزةُ والمجدُ .. وأنا الحزمُ والعزمُ .. لا الميوعةُ والتخنُّثُ والإنحلالُ ..

أنا الفَرَسُ الأحَمُّ الأدْهَمُ24 .. وأنا الحَرَّةُ25 والليلُ .. أنا السَّهمُ الأَسودُ .. الذي إذا رُمِيَ به أَصابَ ..

أنا الأسودُ المُدْلَهِمُّ .. كَلَيْلٍ أطبقَ على نُجومٍ فاسقةٍ .. فأغمضَ فِتنتَها .. ولاحقَ عَشيقَها القَمرَ .. فأغمدَ في فُؤادِه سيفَ حُلكَتِهِ .. وطَهَّرَ السماءَ من صَبوتِهِ .. وأذِنَ بعدَها لشمسِ الحقِّ بالشُّروقِ .. نقيةَ الوجهِ .. طاهرةَ الذيلِ .. بريئةَ المظهرِ .. عفيفةَ المخبرِ ..

أنا الأسودُ الذي يَحسِمُ القضايا والأمورَ .. ويُلغي الشُبَهَ والحِيرَةَ .. والتَّفَرُّقَ والتَّمَرُّدَ ..

أسودُ بهِ تُعرَفُ الألوانُ .. وبهِ تُمَيَّزُ الأطيافُ والأشياءُ ..

فالعنبُ أسودُ .. والأسودُ عنبٌ .. فلا عنبَ بلا سوادٍ .. ولا سوادَ بلا عنبٍ .. فهو الأصلُ .. وهو الفرعُ .. أبو الفاكهةِ وأمُّها .. وأميرُها ومَلكُهَا ..

هَمست ورقةُ العنبِ الخضراءَ قائلةً في دلالٍ :

مالكم أيها الحمقَى المغرورونَ .. نَسيتموني .. وأنا فوقَ رؤوسِكم على الدوامِ .. أنا الورقةُ الخضراءُ التي أحميكم بظلالي .. وأسقيكُم نَدى وَجَناتي .. أمنعُ عنكم لَفحَ الشمسِ .. ودَفقَ المطرِ .. تختبؤون كالأطفالِ تحتَ أجنحتي .. تحتمي كُلُّ ألوانِكم بخُضرَتي ..

أنتم يا من رُحتم تَعُبُّونَ من مَلَذَّاتِ الحَياةِ .. فَصِرتُم ثُقَلاءَ مَنفُوخين .. لا تَقدِرُونَ على حَركةٍ .. ولا تَملِكُونَ دفعَ أذى .. لا تُتقِنُونَ تَفادِيَ المصَائبِ .. أو المُناورةَ في المُلِمَّاتِ والشدائدِ ..

لكنِّي أنا الرَّفِيقَةُ الرَّقِيقَةُ .. الرَّشِيقَةُ الأنِيقَةُ .. أميلُ مع نَسماتِ الهواءِ .. حيثُ مَالت .. وأُلاعبُ سُيوفَ الشمسِ اللاسِعَةِ .. من حيثُ تَسَلَّلت .. أُنَاورُ وأُدَاورُ سُيولَ الأمطارِ .. حينَ تبكي السماءُ .. وأرسمُ ظلي على وجهِ الأرضِ .. حينَ يَعُمُّ الضِّيَاءُ.

أنا السماءُ الخضراءُ .. وَريثةَ جدتي .. الأرضُ الغبراءُ26 .. أنا البركةُ والخيرُ .. وخضراءُ كلِّ شَيءٍ27 .. وبنتُ الماءِ الصَّافي الزُّلالِ ..

أنا النُعمَى والبَهَاءُ .. لكلِّ الخلقِ فوقَ الأرضِ .. وتَحتَها للطائعينَ العابدينَ28 .. و أنا الجنَّتانِ المُدْهَامَّتَانِ29 .. وحِليَتُهُمَا يومَ الجزاءِ ..

أنا عربيةٌ قُحَّةٌ .. لا كالأعاجمِ الحُمرِ .. أو الرُّومِ الصُّفرِ ..

وأنا الدنيا .. حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ30 مَضِرَةٌ .. ناعمةٌ غَضةٌ .. طريةٌ طيبةٌ .. مُونِقَةٌ مُعْجِبَةٌ ..

وأنا فوقَ ذلكَ كلِّهِ مُعفاةٌ من الضَّرَائبِ ليس فيَّ زكاةٌ ولا صَدقةٌ31 ..

أنا أختُكمُ الكُبرَى .. وُلِدتُ قَبلَكم .. وأبقَى بَعدَكم .. أمُّكمُ الثانيةَ بعدَ الدالِيةِ ..

قَولِي هوَ الفَصلُ .. فلا لغوٌ بعدَهُ ولا هَذرُ.

قالَ العنقودُ الأبيضُ مُحتداً بعضَ الشيءِ .. أُختي .. وتَزعُمينَ أُخُوَّتي .. يا للوَقاحَةِ .. ورقةٌ خضراءُ ضعيفةٌ .. تتراقصُ معَ هبَّاتِ الرِّيحِ .. وتَميلُ معَ التيارِ كيفَمَا مَال .. ثُمَّ تَدَّعينَ أُخُوَّتي ..

أنا عنقودُ عنبٍ أيتها الغَبيةُ .. عنقودٌ له حباتٌ مكتَنِزَةٌ مَلأى .. فكيفَ أكونُ أخاً لورقةٍ ..

حَبَتني جدَّتي الأرضُ بأنقَى مائِها .. وتنفستُ في الحديقة أنعشَ هوائِها .. واقتبستُ من وَهجِ الشمسِ بياضَ شُعاعِها .. فجئتُ على قَدَرٍ .. عنباً أبيضَ صافياً بللورياً .. لا تُعكرهُ غَبَرَةٌ .. ولا تُكَدِّرهُ قَتَرَةٌ32 .. فأنا ليسَ لي مَثيلٌ .. لا أنتِ ولا هذانِ العنقودانِ المُتَبَجِّحَانِ ..

لا الأحمرُ .. شعارُ القَحطِ والجَدبِ .. لونُ الدَّمِ والقَتلِ .. لونُ الحرِّ والقَيظِ .. لونُ الشِّدَّةِ والخَوفِ33 .. لونُ الغَدرِ .. كأَحْمَرِ ثَمُودَ قُدارِ بْنِ سالِفٍ عاقِرِ ناقَةِ صالح ..

ولا الأسودُ .. لونُ الضغينةِ والحِقدِ .. وسوءِ الطَّوِيَّةِ .. وسوادِ القلبِ .. لونُ أَخْبثِ الحياتِ وأَعظَمِها .. وأَجْرَئها وأَنكاها .. مَنْ أَمرَ صلى الله عليه وسلم بقَتلِها حتى في الصلاةِ34 ..

فما أنتم سِوى لُقَطاءَ هُجَناءَ .. لا أدري من جاءَ بكم .. فوضَعكم إلى جِواري .. تُنَغِّصُونَ عليَّ عَيشي .. وتَقتَطِعُونَ من طعامي وشرابي .. تتجسَّسُونَ على أحلامي وأُمنياتي .. وتَفيضُ قلوبُكم بالغيرةِ والحسدِ .. على ماحُبيتُ بهِ من نِعَمٍ ..

أنتم يامَنْ لا يُعرفُ لكم أصلٌ ولا فصلٌ .. فأنا وَحدي هُنا السُمُوُّ والفَضلُ .. أنا الماضي والحاضرُ والمستقبلُ .. أنا الأميرُ .. وليدُ الداليةِ الشَّرعيِّ .. وحفيدُ الأرضِ الوحيدِ .. وَوَرِيثُهُمَا في الطيبةِ والنقاءِ .. وعراقةِ المَحتِدِ وعُلُوِّ الصِفاتِ .. فأنا ملكُ العِنَبِ.

ضحكَ العنقودُ الأحمرُ ملءَ فِيه .. ونظرَ إلى الورقةِ الخضراءِ .. والعنقودينِ الأبيضَ والأسودَ .. والسخريةُ تتفجرُ سيولاً من عينيهِ .. وراحَ يقولُ :

أصلٌ وفصلٌ .. وداليةٌ وجدةٌ .. ألا تخجلُ من نفسكَ أيها العنقودُ الأبيضُ .. فتدَّعِي ما ليسَ لكَ .. هل رأيتَ في حياتِك كلِّهَا تُربةً بَيضاءَ .. وهل أمُّك الداليةُ التي تنتسبُ إليها فَخوراً بغيرِ حقٍّ بيضاءَ ..

ألا تدري يا دَعِيَّ العلمِ والفهمِ .. أن الأَرضَ البَيْضاءَ مَنقَصَةٌ ومَذَمَّةٌ .. لا مَحمَدَةٌ ولا مَكرَمَةٌ .. فما هيَ سِوى المَلْساءِ التي لا عَمارةَ فيها ولا نَباتَ ..

ألم تسمع أيها العنقودُ الأبيضُ .. بالموتِ الأَبْيَضِ .. الذي يأْتي فَجْأَةً دون مرضٍ قَبلهُ ..

ألا تعرفُ يا مُدَّعيَ الأمانِ والسلامِ .. والحبِّ والوِئامِ .. أن الأَبْيَضَ هو السيفُ والحُسامُ .. لا الجَعجَعةُ والأوهامُ ..

أنا الأحمرُ .. من جدتي قبستُ حُمرَتي .. في حِضنِها نَهلتُ رِقَّتِي .. من ثَغرِها رشفتُ صَبوتي ..

أنا الأحمرُ .. حفيدُ الأرضِ .. ومُدَلَّلُ الدَّاليةِ .. وَرِثتُ عنهما العِشقَ والهُيَامَ .. وَوَعيتُ منهما رهافةَ الحسِّ .. وأعذبَ الأنغامِ ..

ولا عجَبَ أن تكونَ أنتَ اللقيطَ بيننا .. فجئتَ أبيضَ اللونِ .. فاقدَ السِّمَةِ .. لا لونَ يُمَيزُكَ .. ولا صِبغَ يُزينُكَ .. وربما لم تكن عنباً في الأصلِ .. بل مندسٌ مخادعٌ .. كأختكَ الورقةُ المدَّعِيَةُ الكاذبةُ .. فتشبهتَ بنا في شَكلكَ .. لكنَّ لونكَ أفشى سرَّكَ ..

لا أدري من جاءَ بكَ .. ولِمَ جاءَ بكَ .. فَلَرُبَّمَا كانت مؤامرةً من شجرةٍ أخرى .. حِيكَت بِلَيلٍ .. زَرَعتكَ في داليتي لتسرقَ رزقي .. وتتجسسَ عَلَيَّ .. عَلَّكَ تكشفُ سرَّ كَلَفِي35 .. وتَوَرُّدَ وَجنَتي ..

لَطالما قيلَ لي أن البيضَ حمقى أغبياءَ .. وأنَّ الفِطنةَ والذكاءَ .. من صِفاتِ العناقيدِ الحُمرِ .. فلم أكن أُصَدِّقُ .. حتى رَأتكَ عينايَ .. وسمعتكَ أُذنايَ ..

نظرَ العنقودُ الأسودُ إلى أصحابهِ شزراً وقال :

مَثَلُكُم كَمَثَلِ من قال : خَلاَ لَكِ الجوُّ فَبِيضِي وَأصْفِرِي36 ..

عن أيِّ أصلٍ وفصلٍ تتحدثونَ .. عن ورقةٍ تميلُ مع الريحِ حيثما مَالت .. وتتلقى لَسعاتِ الشمسِ وزخَّاتِ المطرِ .. زاعمةً أنَّ ذلكَ مِنها .. سياسةٌ وكياسةٌ .. ومناورةٌ ومداورةٌ .. حرصاً على مصلحةِ إخوتِها وراحتِهم ..

أم أبيضُ ضائعٌ مائعٌ .. لا يدري وجهَهُ من قَفَاه .. يملأُ الدنيا فلسفةً وتَنطُعاً .. زاعماً أنَّ في ذلكَ وحدَهُ .. الحفاظُ على النقاءِ والصفاءِ ..

أم في هوى الأحمرِ ونَجواهُ .. ورِقَّتِهِ ودَلالِهِ .. وغَنجِ خُدودهِ وشِفَاهِهِ .. زاعماً أنَّهُ إمامُ المحبينَ ..  وسيدُ العارفينَ .. وقدوةُ السالكينَ ..

الأصلُ والفصلُ أيها الحمقى .. في القوةِ وسَوادِها .. لا في السياسةِ وتَقَلُّبِها .. ولا بالوِراثةِ وصِفاتِها .. ولا بالصَّبابَةِ ونيرانِها .. الأسودُ هو الغَلَبَةُ .. فهو الحقُّ وهو الأصلُ .. وما سواهُ ليسَ سِوى لَجلَجةٍ وهَذرَمَةٍ37.

انتفضت الورقةُ غاضبةً في وجهِ إخوتِها :

أنا دَعِيَّةٌ كاذبَةٌ يا قَليلي الأصلِ والأدبِ والذوقِ ..

أنا مُتلونةٌ .. تتلاعبُ بي الأهواءُ والمصالحُ والرغباتُ .. يا من عَدِمتمُ الفهمَ والإدراكَ السليمَ ..

أنا الخضراءُ .. التي كلُّ دُروبِها سَالكةٌ .. وإنْ تَعثرَّتْ يوماً نهضتْ من جديدٍ ..

خُضرتي تفرشُ الأرضَ .. وتُظلِّلُ السماءَ .. وتُسعدُ البصرَ .. وتَجلو البصيرةَ ..

أنتم وشأنكم .. فلم يعدْ هناكَ ما يجمعني بكم بعدَ اليومِ ..

سأظلُّ ما حييتُ .. ورقةً رقيقةً أنيقةً .. كما كنتُ على الدوامِ .. لا عنباً منفوخَ الحباتِ .. جاحداً للفضلِ ..

رُبَّ دفقةِ مطرٍ .. تُسقِطُكُم من داليَتي .. فَتَرميكُم بعيداً عني .. فلا أرى حباتكم بعدَ اليومِ.

صاحَ العنقودُ الأبيضُ بصوتٍ مُتَهَدِّجٍ يكادُ يخنقهُ الغضبُ :

أنا غبيٌ لقيطٌ .. أيها الشاردونَ المتلاعبونَ .. يامن لَوَّثتمْ بياضَ العنبِ وسُمعتَهُ .. بحُمرَتِكُم وخُضرَتِكُم وسَوادِكُم .. فلم يَعدْ يُعرفُ العِنبُ من غيرهِ ..

أنا غبيٌ لقيطٌ .. وأنا الذي حافظتُ على لوني وصَفائي .. فلم تُلَوِنِّي الأهواءُ .. ولم تُعَكِّرنِي الظروفُ .. فلم أرضى أن أكونَ فتنةً وغوايةً .. ولا غضباً ونقمةً .. ولا طريقاً يُسارُ عليهِ ..

آه .. تَنهَّدَ العنقودُ الأبيضُ .. بعدَ أن فاضَ صدرهُ بالألمِ .. ورفعَ ناظِرَيهِ إلى السماءِ مناجياً ..

رُبَّ عاصفةٍ هوجاءَ تَقتَلِعُكُم من داليتي .. فَتَرمِيكُم بعيداً عني .. معَ أقرانِكُم من حُمرِ الكائناتِ وسُودِها وخُضرِها .. فلا يبقى سِوايَ .. ثابتاً على أصولهِ ومنابعهِ.

تَنَهدَّ العنقودُ الأحمرُ .. وقد بلغَ بهِ الضيقُ كلَّ مَبلغٍ .. وراحَ يُرَددُ حزيناً :

قلبي الرقيقُ الموصولُ بالخلقِ .. وخالقِ الخلقِ .. وحُمرَةُ الحبِّ للكونِ .. والناسِ .. وربِّ الناسِ .. ولونيَ الورديُّ .. من إشراقةِ الرُّوحِ .. ورقَّةِ المشاعرِ .. تَدعُونها فتنةً وانحرافاً ..

يامن شغلتموني عن وَجدي وأشواقي .. ومَلأتم بِقَيحكم روحي وجَوانِحي .. ورانت ظُلمةُ أهوائِكُم على قلبي وفؤادي ..

رُبَّ سِربٍ من الطيورِ .. تَفقأُ مناقيرُه حباتِكم .. فتسيلَ دماءكُم .. ويرتاحَ قلبي من أذاكم.

قهقهَ الأسودُ متهكماً وخاطبَ الجمعَ قائلاً :

لا تَتعجلوا مصيرَكم .. أيها السُّذَّجُ الحمقى .. فأنا أيضاً أنفرُ من صُحبةِ الفلاسفةِ المُتَحَذلِقينَ .. ومُيوعةِ المُحبينَ العارفينَ .. وتَذبذبِ اللاعبينَ الماكرينَ ..

رُبَّ سيفٍ صارمٍ يَجزُّ رِقَابَكُم .. عُنقوداً عُنقوداً .. ويَقطعُ دَابِرَكُم .. فلا يبقى لكم بِجواري على هذهِ الداليةِ ذِكرٌ ولا أثَرٌ.

هزَّت نبتةُ الحَنظَلِ القريبةِ رَأسَها .. واستفاضَ المَرارُ في حَبَّاتها .. ورَفعت أشواكَها تُؤمِّنُ على دَعواتِ جِيرانِها .. وتتمنى أن يُصيبَهُم جَميعاً ما أرادوا .. ويَحِلَّ عليهم العذابُ الذي رَغِبوا .. فلا يَبقى سِواها في الحديقةِ .. آمنةً سالمةً .. فهيَ التي لا يُجنَى ثَمرُهَا .. ولا يُستَظَلُّ بِفَيئِها .. وجَلست صامتةً ساكنةً .. بانتظارِ ما يأتي بهِ القَدَرُ.

دخلَ مجموعةٌ من الخَدمِ إلى الحديقةِ .. وسَارعَوا إلى المائدةِ السوداءِ المَنصُوبةِ وسْطها .. يُنَظِّفونَها ويُعَطِّرونَها .. ويُجَلِّلونَها بمِفرَشٍ أبيضَ مُزَركشٍ جميلٍ .. ويَصُفُّونَ حَولها مقاعدَ من المُخملِ الأسودِ المُطَرَّزِ بِخُيوطٍ ذهبيةٍ .. ويَضعونَ عليها أطباقاً بيضاءَ لامِعةً .. طُوِيَت إلى جانبِها مناديلُ خضراءُ أنيقةٌ .. وأمامَها كؤوسٌ شفافةٌ مُشرَبةٌ بالحُمرَةِ.

وفي زاويةِ الحديقةِ وُضِعَت مِنضَدَتانِ أُخرَيانِ صَغيرَتانِ .. تَرَبَّعَ على أُولاهُمَا صندوقٌ أسودُ اللونِ .. يَعلوهُ وِعاءٌ أبيضُ .. وعندَ قدميهِ استلقى وِعاءٌ أحمرُ .. بينما جلسَ إلى جانبهِ قرصٌ أخضرُ .. وبَدَا الجميعُ وكَأنَّ على رُؤوسِهُمُ الطَّيرَ .. بانتظارِ ساعةِ الصِّفرِ .. وبدءِ العملِ.

اقتربَ أحدُ الخدمِ منَ الداليةِ .. وراحَ يَكنِسُ الأرضَ عندَ أقدامِها .. ويرفَعُ عنها الأوراقَ اليابِسةَ .. وحبَّاتِ العِنَبِ التالفةِ .. ويَنكُشُ تُربتَهَا قليلاً .. لِيَتَخَلَّلهَا الهواءُ المُنعِشُ .. ثُمَّ راحَ يَرُشُّهَا بِبَعضِ الماءِ .. يُبَلِّلُ بهِ أغصانَها .. ويَروي بعضاً مِن عَطَشِها.

تَمايلت أوراقُ الداليةِ .. وهزَّت أعطافَها .. معَ رَذاذِ الماءِ المُتَطايرِ حَولَها .. وشَمَخَ الأبيضُ بِرأسهِ .. بينما تَورَّدَت وَجَنَاتُ العنقودِ الأحمرِ .. وظَلَّ الأسودُ مُكفهراً عابساً .. غيرَ عابيءٍ .. بما يدورُ حَولهُ.

دَندَنت الورقةُ الخضراءُ مسمعةً العناقيدَ :

جميلةٌ تلكَ المناديلُ الأنيقَةُ .. رقيقةٌ ناعمةٌ مِثلي .. خضراءُ يَانِعةٌ .. تَكسِرُ رَتَابَةَ الأبيضِ الناصعِ .. وتُهَدِّيءُ من فَورَةِ الأحمرِ القَانِي .. وتُضِيءُ عَتمَةَ الأسودِ القَاتِمِ .. هيَ زينةُ الوَليمَةِ .. يَبدأُ الضيوفُ بها ويَنتهون .. وهل كالأخضرِ بدايةٌ ونهايةٌ في كُلِّ أَمرٍ .. آه .. ياليتَني اختبأتُ في طَيَّاتِهَا الحَريريةِ ..

وَليمة .. صاحَ العنقودُ الأبيضُ فرحاً .. هناكَ وليمة ..

سَيَحضرُ الضيوفُ .. ويُعجَبونَ بِصَفائِي ونَقَائِي .. حتى غِطاءُ المائدةِ .. اختاروهُ أبيضَ لؤلؤياً كحباتي .. مِفرَشٌ أبيضُ واسعٌ .. يُغَطِّي المائدةَ كُلَّهَا .. عليه تُقَامُ الولائِمُ العامِرَةُ .. وتُملَأُ الأطباقُ البيضاءُ بِأطايِبِ الطعامِ ..

ثُمَّ ما ذلكَ العرشُ الأبيضُ الجميلُ .. الذي اعتلى الصندوقَ الأسودَ .. كفارسٍ على صهوةِ جَوادِهِ .. عرشٌ أبيضُ .. لا يليقُ إلا بعنقودٍ أبيضَ مِثلي .. يجلسُ عليهِ .. مُمسِكاً بِصَولجَانِهِ .. يُراقِبُ عبيدَهُ الخُضرَ والحُمرَ والسودَ من علٍ .. ويُشيرُ إليهم بأوامِرِهِ ..

هنا .. هنا .. لو سمحتَ أيها الخادِمُ .. أَزِلْ تلكَ الوُرَيقَاتِ اليابسةِ من أمامي .. فأنا أبيضُ نظيفٌ .. أنفُرُ من التَّشويهِ والتَّحريفِ .. والتَّغييرِ والتَّبدِيلِ ..

قهقهَ العنقودُ الأحمرُ عالياً .. وخاطبَ الأبيضَ قائلاً :

يا أعمى البصرِ والبَصِيرَةِ .. ألمْ يَلمح ناظِرُكَ الكؤوسَ الحمراءَ التي صُفَّتْ فوقَ مِفرَشِكَ الأبيضِ .. ألم تُدرِك بعدُ أنَّنا معشرُ الحُمرِ فوقَ البِيضِ .. مُتَفَوِقونَ عليهم .. فنحنُ السادةُ وهمُ الخدمُ والحَشمُ .. ونحنُ الحقيقةُ وهم قُشورٌ .. نحنُ القلوبُ النَّابِضَةُ .. وهمُ القوالبُ الجامدةُ .. وربُّنا ربُّ القلوبِ الحمراءِ الحيَّةِ .. لا ربُّ الصُّوَرِ البيضاءِ الميتةِ ..

ألم تَلمح ذلكَ السريرَ الأحمرَ القاني .. مستلقياً في دَعَةٍ .. ينظرُ إلى السماءِ .. يتأملُ فسيحَ الكونِ .. ويتفكرُ في بديعِ الخلقِ .. بينما وقفَ الأبيضُ والأخضرُ والأسودُ وقفةَ استعدادٍ .. كالحرسِ بين يدي ملكِهم وقائدِهم ..

سريرٌ أحمرُ دافيءٌ .. لو جلستُ بداخلهِ .. لذابت حباتي في عِشقِهِ ..

هنا هنا أيها الخادمُ .. مزيداً من الماءِ لو سَمحت .. عَلِّي أُبَرِّدُ نيرانَ الشوقِ التي أشعلت حباتي.

يالكم من حمقى .. صِغارِ العقولِ .. صاحَ العنقودُ الأسودُ ..

ما فائدةُ الغطاءِ الأبيضِ .. والكؤوسِ الحمراءِ .. والمناديلِ الخضراءِ .. بلا مائدةٍ ومقاعدَ سوداءَ ..

أينَ ستُوضَعُ .. في الهواءِ .. هه .. أجيبوني .. لماذا عُقدت ألسِنَتكُم ..

جميعُكم بألوانِكم لا قيمةَ لكم بدونِ الأسودِ .. يَحمِلُكم بينَ ذِراعيهِ .. ويرفَعُكم على صدرهِ .. لا وليمةَ بدونِ مائدةٍ سوداءَ .. تُصَفَّفُ فوقَها أصنافُ الطعامِ الشَّهيِّ .. ولا وليمةَ بدونِ مقاعدَ سوداءَ .. يجلسُ عليها الضيوفُ .. سعداءَ مُرتاحينَ ..

ألم تروا ذلكَ العرشَ الأبيضَ كيفَ يتكيءُ على الصندوقِ الأسودِ .. بينما يتمدَّدُ السريرُ الأحمرُ الناعمُ عندَ قدميهِ .. ويستلقي القرصُ الأخضرُ إلى جانبهِ بأمانٍ ..

فالأسودُ هوَ المُرتَكزُ .. هو الأساسُ .. فلا حياةَ ولا بقاءَ بلا سَوادٍ …. فهوَ مِحوَرُ الأشياءِ ورَكيزَتُها .. لا وجودَ لها دونَهُ .. و لا قيمةَ لها في غِيابهِ ..

كفى .. كفى أيها العناقيدُ والأوراقُ .. كفى جهالةً وسُخفاً .. صاحتِ الأمُّ الداليةُ في الجميعِ .. وقد كادت تتميزُ من الغيظِ .. وهي تستمعُ ككلِّ يومٍ .. لذلكَ الحوارِ المُمِلِّ الذي يتبادَلُهُ أبناؤهَا .. يفيضُ عُنجُهِيَةً وغُروراً .. وطَيشاً و قِلَّةَ نَظرٍ.

كفى سفاهةً وقِلَّةَ أدَبٍ .. جَميعكم أولادي .. حَملتكم على أغصاني .. تَتأرجَحونَ عليها .. تلعبونَ وتلهونَ .. حَبَيتُكُم بِكُلِّ ما وَهَبَتنِي جدَّتُكُم الأرضُ من حبٍّ وفهمٍ .. أوصلتُ إليكم ماءَها .. وملأتُ بطونَكُم بطعامِها .. فلم أكتُم عنكم خيراً .. ولم أبخل عليكم بِفَضلٍ ..

حَنوتُ عليكم حينَ كُنتم براعمَ وَليدةً .. لم تتفتح عُيونُها على نضارةِ الدنيا بعدُ .. تحمَّلتُكم لمَّا صِرتُم حُصرُماً .. صغيرَ الحباتِ .. حامضَ المَذاقِ .. لا قيمةَ لكم ولا وزنٌ .. حتى إذا كَبُرتُم وترعرَعتم .. وامتلأت بطونُكم بِحُلوِ الشرابِ .. تَلَوَّنتُم وانتفختم .. وشغلتُم عقولكَم بسفاهاتِ الأمورِ .. ونفوسَكم بالعُجبِ والغرورِ .. وما كنتم إلا تراباً .. وإلى الترابِ ستعودونَ.

جدَّتكم الأرضُ لونُها واحدٌ .. وماؤها واحدٌ .. شربتُ منهُ .. وشَبَبَتُ .. وشِبْتُ عليهِ .. قانِعةً سعيدةً راضيةً .. لم تُغَيِّرنِي الأيامُ كما غَيَّرَتكم .. ولم تُلَوِّنِّي الحياةُ كما لونَتكم .. فأصبحتم بيضاً وحُمراً وسُوداً وخُضراً .. تتفاخَرونَ بما ليسَ لكم فيهِ فَضلٌ .. وتتدابَرونَ وتَتقاتَلونَ على ما ليسَ لهُ قِيمةٌ ولا وزنٌ .. فِعلَ السُّفَهاءِ التافهينَ .. من تَشمَلُهم سُنَّةُ الإستبدالِ38 ولو بعدَ حين.

صمتت الجدةُ الأرضُ .. صمتَ الثكالى .. فلم تَنبِس ببنتِ شَفَةٍ .. وكَتمت أحزانَها في صدرِهَا .. بعدَ أن رأت أحفادَها وقد فرَّقُوا أمرَهَم شِيَعاً وأحزاباً .. فرِحينَ بِبُطُونِهُم المَنفوخةِ39 .. وألوانِهم الزاهيةِ .. فاستحَقُّوا بذلكَ وقوعَ النِّقمَةِ .. جزاءَ كُفرَانِ النِّعمَةِ .. بينما أخفَت الأوراقُ والعناقيدُ ضَحِكاتِها .. هازِئةً بِتَخاريفِ الشيوخِ العُجَّزِ.

ما هيَ إلا بُرهةٌ وَجيزةٌ .. حتى اقتربَ أحدُ الخدمِ منَ الداليةِ .. وراحَ يُقَلِّبُ أوراقَها الخضراءَ .. و يَتلَمَّسُهَا بيدهِ .. يبحثُ عنِ الغضَّةِ النَّاعِمةِ منها .. الخضراءِ الملساءِ .. الأنيقةِ الرَّشِيقَةِ .. لِيُخرِجَ من سَلَّتِهِ على حينِ غِرَّةٍ .. مِقَصاً ذهبياً .. تلمعُ شَفراتهُ في ضوءِ الشمسِ .. فيَحزُّ رقابَها .. الواحدةَ تلوَ الأخرَى.

آه .. أيها الأحمقُ .. ماذا تفعل .. لمَ تقطعُ رقبتي .. ماذا فعلتُ لك .. لمَ تقطفُ عُمري .. وأنا في ريعانِ صِبايَ .. لم أرتوِ من رحيقِ الحياةِ بَعدُ .. يا قاتلَ الأوراقِ الصغيرةِ الناعمةِ .. يا مجرم .. لن تَفلُتَ منَ العقابِ .. ألا تعلم من أنا .. أنا حفيدةُ جدتي الأرضُ .. وابنةُ الداليةِ العظيمةِ .. كيفَ يَتجرأُ  مِقَصُكَ اللعينُ هذا على أصَالتي وتاريخي .. آه .. آه.

كانت الأوراقُ الخضراءُ .. تنتظرُ دورهَا في قطعِ الرِّقابِ .. دونَ أن تملكَ دفعاً ولا منعاً .. ولا هُروباً أو مُناورةً أو مُداورةً .. فأنَّى تُفلِحُ السياسةُ والكياسةُ .. مع مِقَصٍ حاقدٍ .. حادِّ الشَّفراتِ .. نُزِعَت من قلبهِ الشفَقَةُ والرَّحمَةُ .. وامتهنَ الإجرامَ والقتلَ ..

واستمرت المجزرةُ الأليمةُ .. ومقصُّ المجرمِ يعيثُ في الأوراقِ تقطيعاً وقَصاً .. غيرَ آبهٍ لصُرَاخِها وآهاتِها .. حتى امتلأت السَّلةُ .. وانتشى الخادمُ بما فعلت يداهُ .. فمسحَ حباتِ العرقِ التي تساقطت من جَبينهِ .. ومضى بعيداً عن الداليةِ.

كانت نظراتُ الشماتةِ والتَّشَفِّي تفيضُ من العناقيدِ الثلاثةِ .. وهيَ ترى ما حلَّ بالأوراقِ الخضراءِ من مَهانةٍ وذُلٍ .. وما لَحِقَها من قصٍ وقطعٍ .. و رميٍ في السلةِ دُونَ اكتراثٍ.

قالَ الأبيضُ : خضراءَ .. رشيقةً .. يا لَسَماجتِها ووقَاحَتِها .. متى أرتاحُ من البقيةِ .. فأنا ملكُ العنبِ وحدي .. ووريثُ الداليةِ .. من حلَّت فيهِ معارفُهَا وصِفاتُهَا ..

تنفسَ الأحمرُ بعمقٍ وهوَ يقولُ : مؤلمٌ ألاَّ يُستمعَ لنَصَائِحِكَ .. ألوانٌ صَلِفَةٌ جاهِلةٌ .. لا تُحِسُّ الجمالَ .. ولا تَفهمُ لغةَ الأرواحِ والقلوبِ .. لاتَرضَخُ إلا بحدِّ السيفِ .. ولا تَصحو إلا قُبَيلَ الموتِ .. ياربَّ القلوبِ والأرواحِ .. متى أرتاحُ من البقيةِ .. فأبقى وحدي أميراً للحبِّ .. وسَيداً للوجدِ .. وقِبلةً للعاشقين العارفينَ.

قالَ الأسودُ وهوَ يهزُّ رأسهُ مُرتَاحاً لما رآهُ .. ياربُّ .. يا عزيزُ يا قويُّ .. يامن عِزتي من عزَّتكَ .. وقوَّتي من قُوتكَ .. متى أرتاحُ من البقيةِ .. من صحبةِ المُخَنَّثِينَ الضَّالينَ .. أربابِ العقولِ والقلوبِ .. لأظلَّ حارساً وفياً للسيفِ والمجدِ.

تحلَّقَ مجموعةٌ من الخدمِ حولَ إحدى المِنضَدَتينِ الصغيرتينِ .. وَوَضعُوا السلةَ في المُنتصفِ .. ورَاحوا يُخرِجُونَ الأوراقَ الخضراءَ منها .. فيَغسِلونَها ويَملَؤونَها بحباتٍ بيضاءَ صغيرَةٍ .. ثم يَلفُّونَها كما تُلَفُّ الأكفانُ حولَ المَيِّتِ .. ويَضَعُونَها الواحدةَ تِلوَ الأخرى في حلَّةٍ كبيرةٍ .. حتى إذا تجمعت هناكَ .. أُغرِقَت بالماءِ .. ووُضِعَ فوقَها قرصٌ كبيرٌ .. تَنوءُ بحملِهِ الأغصانُ .. لِيُخرِجَ بثِقَلِهِ ما تبقَّى في عُروقِها من أنفاسٍ .. ثمَّ حَمَلَ الخدمُ الحلَّةَ بما فيها .. ووضعوهَا على نارٍ مُشتعلةٍ .. فتصاعدت الأبخرةُ منها .. وملأت رائحةُ الورقِ المسلوقِ الفضاءَ.

جزاءً وفاقاً .. قالَ الأبيضُ ..

بما كسبت أيديها .. قالَ الأحمرُ ..

ذبحٌ .. وإغراقٌ .. و سحقٌ .. ونارٌ .. أربعُ عذاباتٍ معاً .. يالطيف .. قالَ الأسودُ

مالت الشمسُ قليلاً عن كبدِ السماءِ .. وراحَ الخدمُ يرشُّونَ الأرضَ بالماءِ .. وأُديرَتِ المراوحُ لتُرَطِّبَ الأجواءَ .. بينما ألقت الأشجارُ ظلالَها على المائدةِ الكبرى التي توسَّطتِ الحديقةَ .. حيثُ سيجلسُ الضيوفُ المنتظرونَ .. وتسارعت خطَى الخدمِ .. وهم يدخلونَ ويخرجونَ .. ويملؤونَ المائدةَ بالملاعقِ والأدواتِ .. وأطباقِ الطعامِ والحلوى .. ويُدَقِّقونَ في كُلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ .. فكلُّ شيءٍ مهما كان تافهاً وحقيراً .. يجبُ أن يكونَ في موضِعِهِ .. وكلُّ حركةٍ أو سَكنةٍ .. يجبُ أن تُدرسَ بعنايةٍ .. فلا هامشَ للخطأ .. ولا مجالَ للإعتذارِ والتصحيحِ.

تك .. فجأةً ودونَ سابقِ إنذارٍ .. امتدَّ نصلُ المقصِّ الذهبيِّ اللعينِ .. فقطعَ عُنُقَ العنقودِ الأسودِ .. وذبحهُ من الوريدِ إلى الوريدِ .. ففصلَهُ عن أمِّه الداليةَ .. واقتيدَ بعيداً عنهَا .. لحظاتٍ بعدها وراحَ يُغمَسُ في ماءٍ ساخنٍ .. فإذا ما كادَت أنفاسُهُ تنقَطعُ .. أُخرِجَ لِثَوانٍ .. لِيُعادَ إلى العذابِ من جديدٍ .. حتى خارَت قُواهُ .. واستسلمَ لقَدرِهِ .. فأُخِذَ وألقيَ في وعاءٍ مملوءٍ بالثلجِ الباردِ .. تجمدت فيهِ  أوصالهُ .. وارتعدَ قلبهُ وفؤادُه.

ضحكَ العنقودانِ الأبيضُ والأحمرُ ملءَ فِيهِمَا ..

قالْ أسودْ قالْ .. بطلٌ صنديدٌ لايُقارَعُ بالسنانِ .. ولا يَصمدُ لسَوادهِ سيفٌ .. ها هوَ طريحَ حباتِ الثلجِ .. تُعانقُهُ ويُعانقُها .. كليلاً كالخِرقةِ الباليةِ .. سبحانكَ يامن تُمهِلُ ولا تُهمِل.

تك .. مرةً أخرى .. لكنَّها كانت هذهِ المرةَ .. من نصيبِ العنقودِ الأحمرِ .. الذي اقتيدَ إلى نفسِ المصيرِ .. فشربَ من نفسِ الكأسِ .. كما شربَ أخوهُ من قبل.

نظرَ العنقودُ الأبيضُ إليهما شامتاً .. ها قد استجيبَ دعائي .. وتحققَ رجائي .. وبقيتُ وحدي .. ملكاً مُتوجاً على الداليةِ .. كم ذا نصحتكُم فلم تنتصحوا .. كم ذا وعظتكُم فلم تتعظوا .. قلتُ لكم أن البقاءَ للصفاءِ والنقاءِ .. وأن العاقبةَ لملكِ العنبِ دونَ غيرهِ .. فلم تُدركوا .. ولم تَفهموا.

م م ما ما ماذا تفعلُ أيها الغبيُّ .. صاحَ العنقودُ الأبيضُ مُرتعداً .. وقد رأى المِقصَّ الذهبيَّ الأحمقَ يقتربُ من رقبتهِ .. أنا الأبيضُ .. الأبيضُ أيها الأحمقُ .. أنا الملكُ .. ملكُ العنبِ .. ووريثُ الداليةِ .. ارفع يدكَ عن رقبتي .. ألا تفهم .. ألا تدركُ مكانتي وسموَّ أصلي وفَصلي .. ألا ترى صَفائي ونقائي .. يا للوقاحة .. تتجرأُ عليَّ بمقصكِ المجرمِ .. بدلَ أن تنحني أمامَ لوني الأبيضِ العريقِ.

أتم المقصُّ الذهبيُّ عملهُ غيرَ مُكترثٍ بصيحاتِ العنقودِ الأبيضِ .. فسارَ في طريقِ من سبقَهُ .. وسُجِّلَ اسمهُ معهم في صفحاتِ الهالكينَ.

أخرجَ الخدمُ العناقيدَ الثلاثةَ من وعاءِ الثلجِ وقد تجمدت دماؤهُم أو كادت .. وراحوا يَفصِلونَ حباتِها عن عَراجِينِهَا .. الواحدةَ تلوَ الأخرى .. وهم يتضاحكونَ .. بينما كانت أنَّاتُهَا تترددُ في الحديقةِ .. مُتَلَوِّيَةً من الألمِ .. شاكيةً ما حلَّ بها من العذابِ .. طالبةً النجدةَ ولا مُجيب.

عُزلت بعضُ حباتِ العنبِ عن صُوَيحِباتِهَا .. ووُضِعَت جانباً .. لتشهدَ مأساةَ أخواتِها .. بينما رُمِيَ البقيةُ بيضاً وحُمراً وسُوداً .. وهم في الرَّمَقِ الأخيرِ .. جنباً إلى جنبٍ .. في الوعاءِ الأبيضِ الذي يعلو الصندوقَ الأسودَ ..

صاحت الحباتُ البيضاءُ بصوتٍ ضعيفٍ مُتقطعٍ .. ما الذي أتى بكم إلى جانبي .. هذا العرشُ لي .. صُنِعَ من أجلي .. لونُهُ من لوني .. لم تُنَغِّصُونَ عليَّ لحظاتِ المُتعةِ القليلةِ المُتبقيةِ لي في هذهِ الدنيا.

أطبقَ غطاءٌ ثقيلٌ مُحكمٌ على الوعاءِ العُلويِّ .. منعَ الحباتِ من الحركةِ .. وراحَ يضغطُها ويجبِرُها على الهبوطِ إلى المجهولِ .. بينما أخذَ الصندوقُ الأسودُ يهتزُّ ويُصدرُ صوتاً مرعباً .. فتبتلعُ الحباتَ عتمتُهُ .. لتُلاقيَ في جوفِهِ مصيرَها المكتوبَ.

صاحت حباتُ العنبِ الأسودِ .. ابتعدوا أيها الحُمرُ والبيضُ .. هذا صندوقي .. ألا ترونَ أنهُ أسودُ .. مثلي .. لونهُ من لوني .. صُنِعَ خِصيصاً من أجلي ..

لم يعدْ هناكَ فُسحةٌ لجِدالٍ .. أو فُرصةٌ لمِراءٍ أو خصامٍ .. أو مُهلةٌ لخيارٍ أو قرارٍ .. فراحت حباتُ العنبِ تتساقطُ داخلَ الصندوقِ .. جنباً إلى جنبٍ .. بيضُها وحُمرُها وسُودُها .. لا يشفعُ لها لونٌ .. ولا يُنجِيهَا ادِّعَاء .. فقد حُمَّ القضاءُ .. وقُضِيَ الأمرُ .. ونزلَ العقابُ .. وفاتَ وقتُ الرَّجاءِ والنَّدَمِ.

راحت شفراتُ الصندوقِ الأسودِ تتسلَّى بتقطيعِ حباتِ العنبِ .. فتسلخُ جلودَها .. وتقتلعُ بذورَها وجذورَها .. وتعصرُ دماءَها .. لِتَخرُجَ من الصندوقِ .. مُختلطةً مُمتزجةً .. مُرتميةً في الوعاءِ الأحمرِ .. لاروحَ فيها ولا حَياة.

حينَ انتهتِ المجزرةُ بتفاصيلِها .. فتحَ الخدمُ الصندوقَ الأسودَ .. فأخرجوا منهُ .. أشلاءَ العنبِ وقشورهُ وبذورهُ .. فرمَوها في القُمامَةِ .. لتُصبحَ طعاماً للطيورِ والحشراتِ .. ولم يكتفِ المجرمونَ بذلكَ .. بل أتوا بما استبقوهُ من حباتٍ .. بعدَ ما رأت هولَ ما حلَّ بإخوتِهَا من عذابٍ .. لتُقَطَّعَ بالسكينِ أنصافاً وأرباعاً .. فتُزيَّنَ بهَا أطباقُ الحلوَى .. وتُلقَى في الكؤوسِ .. سابحةً في دمِ العنبِ.

تعالت أصواتُ الضيوفِ في الحديقةِ .. وأخذَ كُلٌ منهم مكانَهُ على المائدةِ .. فجلسوا على مقاعدِهُمُ السوداءِ .. يتأملونَ المِفرشَ الأبيضَ الأنيقَ .. والمناديلَ الخضراءَ .. وكؤوسَ العنبِ الورديةِ .. وهم يتبادلونَ التحياتِ والمجاملاتِ .. ويبللونَ ريقَهُم برشفاتٍ من عصيرِ العنبِ الباردِ ..

على الموعدِ المرسومِ أيُّهَا الأصدقاءُ : أوَاخِرُ الصَّيفِ آنَ الكَرمُ يُعتَصَرُ40 ..

جلسَ مستر واين إلى جانبِ إشكول .. وشَرابتوف قربَ بوتاو تسي .. وعِنبشَاه يمينَ إنَبدِينغ .. وراحوا يتبادلونَ الملاحظاتِ والذكرياتِ .. حولَ العنبِ وزراعتهِ .. والتحكمِ فيهِ .. وقطافهِ وتخزينهِ .. وصناعةِ الخمورِ .. وأسرارِها .. ونِسَبِ العنبِ بألوانهِ .. والتي تُعطي مذاقاً أفضلَ .. ويتدارسونَ التوصياتِ .. للبحثِ عن وسائلِ الإستفادةِ من قُشورِ العنبِ وبذورهِ .. وبقايا جُثَثِهِ .. في الصناعاتِ والعلفِ .. بينما كانوا يتسلَّونَ بلفائفِ ورقِ العنبِ المحشوةِ .. فيزدردونَها بِنَهَم.

ذرفتِ الداليةُ دموعاً من دمٍ .. وهيَ ترى ما حلَّ بأفلاذِ أكبادِها .. ووُرَيقاتِها وعناقيدِها المُدللةِ .. تذكرت تشاجُرَهم .. تقاطُعَهم .. تشاحُنَهم .. تدابُرَهم ..

تذكرت خوفَها عليهم .. من نسمةِ هواءٍ لاهيةٍ .. أو منقارِ طيرٍ عابثٍ .. أو شعاعِ شمسٍ لافحٍ ..

لكن القضاءَ حُمَّ .. وفاتَ قدرُ الماضينَ .. وتمَّت سُنَّةُ الإستبدالِ .. فأضحَوا وليمةً سهلةً .. في فم من لا يستحق ..

هزتِ الداليةُ أغصانَها .. حزينةً باكيةً .. تحدثُ نفسهَا .. وتحكي ما يجولُ في خاطرِها :

في المرةِ القادمةِ .. لن أُثمرَ عنباً .. سألدُ وُريقاتٍ خضراءَ ناعمةٍ فحسب .. سأُعَلِّمُها فنونَ السياسةِ والكياسةِ .. سأزرعُ فيها الخبثَ والدهاءَ .. سأُدَرِّبُها على مناورةِ المِقَصَّاتِ .. ومُلاعبةِ الشفراتِ .. وكيفَ تنجو من حدِّهَا الذهبيِّ .. سأجعلُ منها وُرَيقَاتٍ ناعمةَ المظهرِ .. ماكرةَ الطَّوِيَّةِ ..

لا .. لا .. لا .. لا ..

في المرةِ القادمةِ .. سأُثمِرُ عنباً أبيضَ فحسب .. أشدُّ تمسكاً بأصولهِ وماضيهِ .. سأجعلهُ أكثرَ بياضاً وشفافيةً .. لا يلمحهُ سيفٌ ولا مقصٌ .. وسألقنهُ دروساً في الإنطواءِ والإختفاءِ والإنكفاءِ .. وأعلمهُ البعدَ عن المكائدِ والمخاطرِ ..

لا .. لا .. لا .. لا ..

في المرةِ القادمةِ .. سأُثمرُ عنباً أحمرَ فحسب .. سأجعلُ منهُ أكثرَ رِقةً وشاعريةً .. سأُربِّي قلبهُ على التعلقِ أكثرَ بخالقِ السماءِ .. سأعلمهُ كيفَ يواجهُ المقصاتِ .. بالدعاءِ .. وبالصدورِ العاريةِ .. سأجعلُ منهُ مثالاً للحبِّ الذي يغلبُ السيفَ ..

لا .. لا .. لا .. لا ..

في المرةِ القادمةِ .. سأُثمرُ عنباً أسودَ فحسب .. سأجعلُ منهُ مجرماً عتيَّاً .. بل قاطعَ طريقٍ .. سأدربُهُ على مواجهةِ المقصاتِ .. وردِّ الصَّاعِ لها صاعَينِ .. بل سأجعلُ منهُ مِقصاً .. أشدَّ فتكاً .. وأكثرَ إجراماً .. كي ينتقمَ لمن فاتَ .. ويُرهبَ من يعتدي ..

لا .. لا .. لا .. لا .. في المرةِ القادمةِ .. في المرة … في ….

في المرةِ القادمةِ .. سأُثمرُ عنباً مُرَّاً .. سأملأُ حباتَهُ بالعلقمِ .. وسأجعلُهَا أشدَّ مَراراً من حبةِ الحنظلِ .. سأتركُه ملوناً .. أبيضَ .. أحمرَ .. أسودَ .. غوايةً للمجرمينَ .. لكنَّ باطنَه أفتكُ من سمِّ حيةٍ رقطاءَ ..

أجل .. في المرةِ القادمةِ .. سأثمرُ عنباً مراً .. عنباً مراً .. فحسب ..

أقبلَ الربيعُ ..

يحملُ على كتفيهِ غيمةً بيضاءَ ندية ..

تتسللُ من ثناياها خيوطُ شمسٍ رقيقة ..

رسمت على جبينِ الداليةِ المكلومةِ قُبلةَ أمل ..

وربتت على أغصانها المُوهَنة ..

وغسلت أحزانَها بدموعِ السَّحاب ..

فأينعت براعمَ وليدة ..

عناقيدَ عنبٍ صغيرة ..

بيضاءَ وحمراءَ وسوداء ..

ضمت حباتَها في قوسِ قزحٍ متين ..

وأوترته41 بالوريقاتِ الخُضر ..

واتخذت سهامهُ من أغصانِ الدالية ..

تصونُ به حمى الكرم ..

حين تأتي أوَاخِرُ الصَّيفِ من جديد ..

المعاني من لسان العرب لابن منظور وغيره :
  1. الأَبْيضانِ : الماءُ والحنطةُ.
  2. يقال : ذهَبَ أَبْيَضاه شحْمُه وشبابُه.
  3. البَيْضاء : الشمسُ لبياضها.
  4. البِيضُ : ليلةُ ثلاثَ عَشْرةَ وأَرْبَعَ عَشْرةَ وخمسَ عَشْرة من كل شهر قمري.
  5. الأَبيض عند العرب هو الطاهر النقيُّ من العيوب، وليس من بياض اللون، فإِذا قالوا : فلان أَبيض وفلانة بيضاء فمعناه الكرم في الأَخلاق لا لون الخلقة.
  6. الرَّبِيع : الجَدْوَلُ، أو النَّهرُ الصغير.
  7. الوابِلُ : المطر الشديد الضَّخْم القطْرِ.
  8. مُكْفَهِر : الغليظ الأسود المتراكب.
  9. الأفاك : الكذاب الذي يحدث بالباطل.
  10. السمة : الشارة والعلامة.
  11. عَرِيَّ : خالي وفاقد الشيء.
  12. مُهَلْهَل : رقيقٌ خفيفٌ رَديء النَّسْج.
  13. يجيز : يمرر.
  14. اللحاظ : مؤخَر العين مما يلي الصُّدْغَ.
  15. الحُمَيْراءَ : عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : دخل الحبشةُ يلعبونَ، فقال لي النبيُّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ : “يا حميراءُ أتُحبِّينَ أن تنظرينَ إليهم ؟”، فقلتُ : نعم. – فتح الباري لابن حجر العسقلاني.
  16. مضر الحمراء : نسبة إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان، سيد ولد أبيه، كان كريماً حكيماً، أَوْصَى لَهُ أَبُوهُ بِقُبّةِ حَمْرَاءَ فَقِيلَ مُضَرُ الْحَمْرَاءُ، فأخذ مضر ما أشبه القبة الحمراء من مال أبيه، فصار له الذهبُ وحمر الإبل، وينسب إليه أيضاً شهر رجب كما جاء في الحديث “رجب مضر” و ذلك لتعظيمهم إياه أشد من سائر العرب.
  17. تقول العرب : خير الإِبل حُمْرها وصُهْبها، وحمر النعم هي : الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء وأنه ليس هناك أعظم منه.
  18. الحُمَّرَةُ والحُمَرَةُ : طائر من العصافير.
  19. الأَحمر : الذي لا سلاح معه.
  20. سَوادُ القومِ : مُعْظَمُهم وكلُّ عددٍ كثير، وجماعةُ النخلِ والشجرِ.
  21. المسُودُ : الذي ساده غيره، وسيِّد كلِّ شيء : أَشرفُه وأَرفَعُه.
  22. الأَسْوَدان : التمر والماء.
  23. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : “في الحبَّةِ السَّوداءِ شفاءٌ من كلِّ داءٍ، إلَّا السَّامُ” – صحيح البخاري، والسَّامُ هو الموت.
  24. الأحم الأدهم : الأحم الأَسود من كل شيء وهو من صفات الفرس، وكذلك الأدهم فهو الأسود الذي لا شية فيه.
  25. الحَرَّة : أَرض ذات حجارة صُّلبة غليظة سود نَخِراتٍ كأَنها أُحرقت بالنار.
  26. عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ما أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ، ولا أَقَلَّتِ الغَبْرَاءُ، أَصْدَقَ من أبي ذَرٍّ” – سنن الترمذي – حديث حسن.
  27. خَضْرَاءُ كل شيء : أَصلُه، ومنه قولهم أَباد الله خضراءهم أَي شجرتهم التي منها تفرعوا، أو دنياهم، أي قطع عنهم الحياة، وأَذهب الله نعيمهم وخصبهم.
  28. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : “إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ، وتَولى عنهُ أصحابُهُ، إنهُ ليسمعُ قرعَ نعالِهمْ، قال : يَأتيهِ ملكانِ فيُقعدانِهِ فيقولانَ لهُ : ما كنتَ تَقولُ في هذا الرجلِ؟ قال : فأمَّا المؤمنُ فيقولُ : أشهدُ أنهُ عبدُ اللهِ ورسولُهُ، قال : فيُقالُ لهُ : انظرْ إلى مَقعدِكَ مِنَ النارِ، قدْ أبدلَكَ اللهُ بهِ مقعدًا مِنَ الجنةِ”، قال نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : “فيراهُما جميعًا”، قال قتادةُ : وذُكِرَ لنا أنهُ يُفسَحُ لهُ في قبرِهِ سبعونَ ذراعًا، ويُملأُ عليهِ خَضرًا إلى يومِ يُبعثونَ. صحيح مسلم.
  29. “مُدْهَامَّتَانِ ﴿٦٤﴾” – الرحمن، أي خَضْراوَانِ تضربان إِلى السواد من شدّة الرِّيِّ.
  30. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إن الدنيا حلوةٌ خضرةٌ، وإن اللهَ مستخلفُكم فيها، فينظرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساءَ، فإن أولَ فتنةِ بني إسرائيلَ كانت في النساءِ” – صحيح مسلم.
  31. عن عطاء بن السائب قال : أرادَ عبدُ اللهِ بنُ المُغِيرةِ أن يَأْخُذَ مِن أرضِ موسى بنِ طلحةَ مِن الخَضْرَاواتِ صدقةً، فقال له موسى بنُ طلحةَ : ليس لك ذلك، إن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم كان يقولُ : “ليس في ذلك صدقةٌ” أورده الشوكاني في نيل الأوطار وطرقه يقوي بعضها بعضا.
  32. القَتَرة : غَبَرة يعلوها سواد كالدخان.
  33. العرب تطلق الحُمْرَة على الشِّدّة، وحَمْراءُ الظهيرة : شدّتها، والسَّنَةُ الحمراء هي الشديدة الجَدْبِ لأَن آفاق السماء تَحْمَرُّ في سِنِي القحط، والموت الأَحمر هو موت القتل، وذلك لما يسيل فيه من الدم، وربما كَنَوْا به عن الموت الشديد، كأَنه يلْقَى منه ما يلْقَى من الحرب، وقالوا : الحُسْنُ أَحْمرُ أَي شاقٌّ أَي من أَحب الحُسْنَ احتمل المشقة، ووصف البراء النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم : “كنا، واللهِ ! إذا احمرَّ البأسُ نتَّقي بهِ، وإنَّ الشجاعَ منا للذي يُحاذى بهِ، يعني النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ.
  34. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : “أمرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بقتلِ الأسودَيْنِ في الصَّلاةِ : الحَيَّةُ، والعَقْرَبُ” – سنن الترمذي.
  35. الكلَف والكُلْفَةُ : حُمْرة كَدرة تعلو الوجه، والكَلْفاء الخمر التي تشتد حُمرتها حتى تضرب إلى السواد.
  36. ذهب طرفة بن العبد الشاعر مع عمه في سفر وهو صبي، فنزلوا على ماء، فذهب طرفة بفخيخ له فنصبه للقنابر، وبقي عامة يومه فلم يصد شيئاً، ثم حمل فخه ورجع إلى عمه، وتحملوا من ذلك المكان، فرأى القنابر يلقطن ما نثر لهن من الحب فقال :
    يا لك من قنبَرَةٍ بمَعْمَرِ … خَلاَ لَكِ الجوُّ فَبِيضِي وَأصْفِرِي
    وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أن تُنَقِّرِي … قَدْ رَحَلَ الصيادُ عنك فابْشِرِي
    وَرُفِعَ الفَخُّ فمَاذَا تَحْذَرِي … لا بُدَّ من صيدك يوماُ فاصْبِرِي
  37. الهَذْرَمةُ : كثرةُ الكلامِ.
  38. إشارة إلى الآية الكريمة : “وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ﴿٣٨﴾” – محمد.
  39. إشارة إلى الآية الكريمة : “مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿٣٢﴾” – الروم.
  40. من قصيدة لسعيد عقل : شآمُ أهلوكِ أحبابي، وَمَوعِدُنا أواخِرُ الصَّيفِ، آنَ الكَرْمُ يُعتَصَرُ.
  41. أَوْتَرَ القوسَ : جعل لها وَتَراً، وشَدَّ وَتَرَها.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s