المُحكَم و المُتَشَابه

د.أسماء عدنان زرزور

المتشابه من سمات الكلام الإلهي

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d9%83%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%b4%d8%a7%d8%a8%d9%87قال تعالى في الآية السابعة من سورة آل عمران “هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)”.

تدل هذه الآية على نحو صريح على أن وصف بعض آيات الكتاب العزيز بأنها متشابهات، إنما هو بحكم الصياغة (و التأليف) أو بسبب النظم و التركيب، أي أنها نزلت على هذا النحو، و من ثم فإن إلحاق كل ما “غمض و دق” -بحسب عبارة بعض المفسرين- أو كل ما (أشكل) علينا -أو على بعضنا- فهمه .. إلحاقه بالمتشابه ليس صحيحاً .. و من هنا وجدت عشرات التعريفات للمتشابه قال بها المفسرون في مختلف العصور .. و جميعها فيما نعتقد قد جانبت الصواب، كما جانب الصواب في تفسير المتشابه -أو مجرد الإيماء إليه- من دخل إلى تعريفه من باب (التأويل) أو من باب تقسيم الكلام إلى خبر و إنشاء، تمهيدا للحديث عن تأويل الأخبار كيف يكون، و كذلك تأويل الإنشاء، أو الطلب كيف يكون!

نحن إذا أمام طائفة من آيات الكتاب العزيز نزلت بصياغة محتملة، و بخاصة ممن كان في قلبه زيغ، بأن تُصرف عن معناها، أو تُفهم على نحو ليس بسديد، و هذه الطائفة ببساطة شديدة هي الآيات التي تتناول بعض الأمور الغيبية الخارجة من نطاق الأسباب الإنسانية، أو من نطاق السنن والقوانين التي تحكم عالم الشهادة؛ لأن هذه الأمور حين يعبر عنها بلسان العرب -أو بأي لسان آخر- أو حين يعبر عنا بكلمات أو بصيغ لها دلالات من عالم الشهادة، فسوف يكون التعبير عنها على هذا النحو الذي يقرب المعنى الغيبي أو يقرب منه إن صح التعبير، و سمه إن شئت إشاريا أو مجازيا .. أو سائر هذه التسميات (المُنتزعة) من عالم الشهادة !

لم تحمل السيدة مريم العذراء بعيسى عليهما السلام بالطريقة أو السنة المعهودة في عالم الشهادة، أو وفقاً للقوانين التي قدرها الله تعالى لهذا العالم -و هي القوانين التي دعاها بعض الفلاسفة بقوانين العقل الفطرية، أعني قانون الزمان وقانون المكان وقانون السببية أو العليّة- و لكن تم هذا الحمل بالكلمة التي خلق بها آدم من قبل، قال تعالى : “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)”، و من هنا جاء التعبير عن خلق عيسى عليه السلام على هذا النحو الذي لا ندري كنهه، لأنه لا يندرج تحت قوانين عالم الشهادة، و من ثم فلا مثيل له في هذا العالم؛ قال تعالى : “إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ”.

و يمكن أن نلحظ هنا أن الله تعالى قال في شأن خلق عيسى : “و روح منه” و في شأن خلق آدم : “و نفخت فيه من روحي”، ربما لأن المسيح وُلد من أم دون أب، أي أن طرفاً أو شطراً من عالم الشهادة كان قائما في خلقه عليه السلام، و هذا التعبير : “وروح منه” لا يتضمن الإضافة -المباشرة- على نحو ما جاءت في خلق آدم : “من روحي” و كلها في نهاية المطاف أمور غييية، و أمور خارجة من نطاق الأسباب الإنسانية.

و لا ريب في أن التعبير عن المسيح بأنه كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه، يمكن أن يُصرف إلى الباطل، من بنوّته لله تعالى، أو نحو ذلك، مما يتعارض مع التوحيد المطلق الذي لا تشوبه شائبة، و لا يدخله أي احتمال أو مجاز او تأويل، والتي عبرت عنه سورة الإخلاص على نحو (مُحكم) لا يحتمل تأويلاً بالباطل أو صرفاً عن معناه أو دلالته بأي وجه من الوجوه : “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)”، و لهذا نصت آية المتشابه التي أشرنا إليها على (المُحكمات) التي يجب ان تُفسر في ضوئها (المتشابهات) أو ترد إليها أو تُحمل عليها، لأن الله تعالى جعل هذه المحكمات بمنزلة الأم، أي الأصل الواحد الجامع، و لهذا عطف الله تعالى : “الراسخين في العلم” على إسم الجلالة، فقال تعالى : “وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ”، فهؤلاء الراسخون في العلم هم الذين يفسرون المتشابهات على نحو يطابق المحكمات، بلغة عالم الشهادة، أما الدلالة (الغيبية) إن صح التعبير لهذه المتشابهات، أي الجانب المتصل بعالم الغيب فلا يعلمه إلا الله تعالى.

إن من حق الراسخين في العلم، بل قد يكون من واجبهم، أن يقوموا بتفسير المتشابه أو تأويله على نحو يطابق المحكم أو يرده إليه، أما من كان في قلبه زيغ فإنه لا يكون راسخاً بحال لأن الرسوخ في العلم و فساد الطوية أو الاعتقاد ضدان لا يجتمعان.

و من ثم فإنهم إذا اتبعوا المتشابه، و كأنهم لا يلتفتون إلى غيره ولا يتبعون سواه! فإنهم يتبعونه لأحد أمرين : إما ابتغاء الفتنة، أي لإثارة الشكوك والشبهات، كما هو دأبهم في كل العصور، أو ابتغاء تأويله، و ليس لهم في تأويله حق لأنه لن يؤول على أيديهم إلا بباطل، و هذا من معدن الفتنة أو مساو لها، و لهذا فيما يبدو أمر الراسخون أن يدعوا الله تعالى بقولهم : “رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا:، رجاء ألا يخطئوا أو يضلوا في تأويل المتشابهات.

و خلاصة القول :

إن المتشابهات من سمات الكلام الإلهي، لأن الله تعالى وحده هو الذي يحدثنا عن بعض قضايا الغيب بلغة عالم الشهادة. أي أن هذا أمر طبيعي، أو لا بد أن يكون -إن صح التعبير، و نخشى من الافتئات على الله جل وعلا- و هذه القضايا عقائدية بطبيعة الحال، و لهذا لا يوجد متشابه في آيات الأحكام أو في خطاب التكليف، كما قرر ذلك علماء أصول الفقه بحق، لأن التعبير في هذه الآيات وقع خطاباً للمكلفين في عالم الشهادة بلغة عالم الشهادة، و كذلك البشر الذين يتحدثون في عالم الشهادة بلغة عالم الشهادة لا متشابه في كلامهم، على هذا النحو الذي تحدثنا عنه أو أشرنا إليه في هذا الإيجاز، و الله أعلم.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s