ذكرى الخامس من حزيران

عصام العطار

نشرت سنة 1972م

Captureترددنا كثيراً في الكتابة في هذه المناسبة، لأننا لا نريد أن يكون الحديث في فلسطين وما يتعلق بها، وفي الخطر الذي يتهدد العرب والمسلمين الآن، حديث مناسبات يرتبط بها، وينقضي بانقضائها، كما كان يفعل الناس في بلادنا في مناسبة وعد بلفور، وقرار التقسيم، وقيام إسرائيل، وغير ذلك من المناسبات، حيث ينامون عن القضية بانصرام يوم الذكرى، ذكرى اللسان، لا ذكرى القلب والفكر والعبرة والعمل، ليصبحوا بعد ذلك على نكبة جديدة، يعودون بعدها إلى النوم، وإلى تهيئة الأسباب لنكبات أخرى .

إنّ قضية فلسطين والأقصى وبقية أجزاء أرضنا المحتلة هي عندنا قضية عقيدة ومقدسات ووطن، وإن الخطر الصهيوني والاستعماري هو عندنا خطر على وجودنا من حيث الأساس، فلا يجوز أن ننسى هذا الخطر ولا هذه القضية طرفة عين، ولا يجوز أن يكون حديثنا عنها حديث مناسبات عابرات، ولا أن نقف فيها عند حدود الحديث.

يجب أن تكون القضية كلها ماثلة في نفوسنا على الدوام بكل مراحلها ومسارحها ومشاهدها الكبرى وأبعادها المختلفة .

يجب أن يكون لنا معرفتنا الجيدة بالوقائع، وإدراكنا الواضح للحقائق، وتقويمنا الصحيح للأحداث، ورؤيتنا البينة للواجبات والوسائل .

إنّ هذا هو الذي يعصمنا أن نَضِلّ أو نُضَلَّل، وهو الذي يعطينا إمكانات الحكم الصحيح، والموقف الصحيح، والعمل الصحيح، الذي ينبغي أن يستمرّ في سائر الأوقات والأحوال، ليكون من ورائه النصر .

ومن خلال هذه القضية المصيرية الكبرى، سنبصر حياتَنا كلَّها بكل ما فيها من سلبيات وإيجابيات، وسنضع أيدينا على مفاتيح التحول المنشود والخلاص، فنكبة الخامس من حزيران وما سبقها من نكبات، ليست إلاّ ثمرة مُرَّة ومُحَصِّلَة فاجعة لسنوات طويلة من الفساد والانحراف .

لم تولد النكبات في الأيام التي وقعت فيها النكبات، ولكنها انكشفت فيها للعيون.

ولم تكن الهزائم في الأيام التي استعلنت فيها الهزائم، ولكنها انكشفت في هذه الأيام.

وكذلك النصر الإسرائيلي المذهل يوم الخامس من حزيران لم يكن وليد يومه فقد كانت تُعَدّ خطة الهجوم قبل ذلك بوقت طويل .

يقول الجنرال مردخاي هود قائد سلاح الجو الإسرائيلي : “إنّ تخطيط ست عشرة سنة يكمن وراء تلك الدقائق الثمانين الأولى (أي الدقائق التي حصلت فيها الغارات الجوية على مطارات مصر في الخامس من حزيران) لقد عشنا خطتنا .. نمنا معها، أفقنا عليها، هضمناها، تمثلناها، وأدخلنا عليها بالتدريج الإصلاحات المتتالية حتى قاربت الكمال”.

لم يكن نصرهم وليد يومه، ولا هزيمتنا وليدة يومها .. وإن كانت أسباب الهزيمة عندنا هي التي أمكنتهم من النصر بالدرجة الأولى، وجعلت لنصرهم هذا الحجم الهائل الذي أذهلنا، وأذهلهم، وأذهل الجميع .

هذا بعض ما أعدّوه وبذلوه في جانب واحد من جوانب معركتهم المتعددة، فكيف بما أعدّوه وبذلوه في الجوانبِ كُلِّها، ثم كيف بما قدّموه ويقدّمونه للقضية الأساسية على مدى الزمن المتطاول، وعلى صعيد الدنيا كلها، وفي كل مجال من المجالات التي تخطر في البال .

ولا بأس الآن بعد ما قدّمناه في أن نلقي نظرة سريعة على القضية من خلال نكبة الخامس من حزيران .. ما دمنا لا ننقطع عن التفكير فيها والعمل لها في كل وقت من الأوقات .

إنّ من أول ما يروعنا ونحن نلقي هذه النظرة، أن كل أسباب النكبة التي كانت قبل الخامس من حزيران ما تزال قائمة بكلّ بشاعتها وضراوتها بعد خمس سنوات من النكبة الكبيرة التي قلّما شهد تاريخنا مثلها، والتي تُهَدِّد حاضرنا ومستقبلنا في العاجل والآجل .

بعد كل ما كتب عن أسباب النكبة في الكتب، ونشر في المجلات والصحف، وأذيع في الإذاعات، وتحدث به المتحدثون، وخطب به الخطباء في الاجتماعات والندوات والمناسبات ..

وبعد اعترافات المسؤولين الكبار السرية والعلنية، بالأخطاء الكبيرة والعلل العميقة، التي ساقت إلى هذه النتيجة، واعترافات غيرهم ممّن هم في مكان التوجيه والتأثير الرسمي والشعبي .. بعد هذا كله ما تزال أسباب النكبة قائمة نامية تعمل عملها المدمّر .. حتى الأسباب التي اعترف بها الجميع، واتفق عليها الجميع، ولم يكن فيها خلاف .

الكذب والخداع والتضليل ..

كذب الحكام، وكذب أجهزة الإعلام، وكذب المنافقين والمنتفعين، ما يزال كما كان.

يكذبون على الشعب، ويخدعونه، ويضللونه عن الحقائق، ويتكلمون بكلامين ولسانين، واحد للاستهلاك المحلي، وآخر لما وراء الحدود .. بدل أن يصارحوا الشعب بالحقائق التي يعرفها كل من في العالم ما عداه، وبدل أن يتعاونوا معه، ويصدقوا العمل والجهاد، لتغيير الواقع المؤذي، لا لستره عن العيون، أو إظهاره بغير صورته الحقيقية.

وعزل الشعب عن قضية عقيدته ووجوده، بل عزله عن كلّ قضية من قضاياه، وحكمُه بالحديد والنار، وإخضاعُه بالترغيب والترهيب لما يريده الحكام الذين يملكون القوة : (قوة السلاح) .. كل ذلك ما يزال كما كان .. يستوي فيه الحكم الملكي والجمهوري، واليميني واليساري، والرجعي والثوري .. لا فرق إلاّ في المظاهر أو الظروف أو الدرجات ..

كل الأشكال الشورية في بلادنا أشكال صورية وواجهات – مهما اختلفت التسميات – ولا وجود لحقيقة الشورى ..

والحرية الحقيقية مفقودة في بلادنا .. ليس في بلادنا في الغالب إلا استبداد واستعباد من جهة، وخنوع وعبودية من الجهة الأخرى.

ولا ندري كيف يمكن أن نربح معركة التحرير بلا أحرار ؟! وكيف نحرر الأرض بتعبيد النفوس ؟!

ولم يكن للعرب قبل النكبة مخطط مشترك أو غير مشترك! وليس لهم الآن مخطط!!

ولم يكن العرب صفاً واحداً، وليسوا صفاً واحداً الآن، بل إنّ خلافهم فيما بينهم، وصدام بعضهم ببعض، ليزيد أحياناً (بالواقع الفعلي إن لم يكن بالاعتراف اللفظي) على خلافهم وصدامهم مع إسرائيل .

وكان من حكامنا (وما يزال) من لا يفكر إلاّ في نفسه، وسلطته، ومطامعه الشخصية الحقيرة، على حساب أمته وبلاده، ومصيرها في الحاضر والمستقبل .

ومن حكامنا من ألقى نفسه في أحضان الغرب وربط وجوده به ..

ومن حكامنا من ألقى نفسه في أحضان الشرق (الاتحاد السوفييتي) وربط وجوده به ..

ومن حكامنا من أفلت من يده الزمام، وخضع مضطراً لهذه الجهة أو تلك دون خيار ..

ومن حكامنا من يعيش على هامش العصر، كأنه من أشباح الماضي، أو من شخوص قصة خيالية عجيبة ..

ومن حكامنا من نسي القضية الأصلية، قضية فلسطين، وقضية وجودنا المهدد، وانشغل عنها وشغل الناس (بالواقع أو بالواقع والكلام جميعاً) بخوض معركة الرأسمالية ضد الشيوعية أو الشيوعية ضد الرأسمالية، ومعركة الغرب ضد الشرق أو الشرق ضد الغرب، ومعركة الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي أو الاتحاد السوفييتي ضد الولايات المتحدة، كما يقول المثل العربي :  كتاركةٍ بيضَها بالعراء   ومُلحِفَةٍ بيضَ أخرى جناحا

والفريقان اللذان يسخراننا، أو نسخر لهما أنفسنا، يلعبان – إلى حدٍّ كبير – بنا، ويتفقان على حسابنا، ولا ينظران إلينا إلاّ في حدود مصالحهما ومخططاتهما، ولا يباليان بالتضحية بنا وبقضايانا إن قضت هذه المصالح والمخططات؛ بل إنّ الدولتين الكبريين على الخصوص، لتستعينان بالبلد العربي للضغط على بلد عربي، أو لإخضاع بلد عربي .. تستعينان ببعضنا على بعض للهيمنة علينا، واستغلالنا جميعاً إن أمكن .

وحكامنا الذين ينادون بالوحدة، لا تجد الوحدة -غالباً- إلاّ في كلماتهم فقط .. لا تجد الوحدة في سياستهم الخارجية، ولا في مخططاتهم الدفاعية كما يجب أن يكون على الأقل، ولا تجدها في أي مجال من المجالات الحيوية التي تجمع في عالمنا وعصرنا حتى الغرباء، والأعداء القدماء .. هذا ونحن في مرحلة لم يعد بإمكاننا أن نعيش فيها بلا وحدة، وأن نواجه متفرقين مشكلات وجودنا وعالمنا وعصرنا .

وما يزال في بلادنا أيضاً التنكر للإسلام، ومحاربته في ذاته ودعاته، مباشرة أو غير مباشرة، بشتى الأساليب .. والإسلام هو سر وجودنا وصمودنا وبقائنا، والإسلام هو طريقنا إلى الوحدة والقوة والتقدم والخلاص والنصر .. ولا يبلغ أعداؤنا منّا بكل ما يملكون، ما بلغناه -ونبلغه – من أنفسنا بالتنكر للإسلام العظيم.

هذا بعض واقعنا المُرّ .. واقعنا الذي صنع نكبة حزيران وما قبلها من النكبات، والذي ما نزال نعيشه الآن.

واقعنا الشاخص أمامنا الذي تراه الأبصار، وتلمسه الأيدي.

واقعنا الذي يخدعنا أو يضللنا عنه الحكام، ومن يسير في ركب الحكام من المنتفعين والجبناء.

واقعنا الظاهر، الذي لا يشير مع ذلك إلى حقيقته وبشاعته مشير صادق جادّ، إلاّ عرّض نفسه للسجن أو الموت أو التشويه المادي والمعنوي.

هذا بعض الواقع، وليس الواقعَ كلّه، فما أشرنا إلاّ لبعض الخطوط العريضة والملامح.

أيها الإخوة والأخوات

إننا نرفض هذا الواقع البشع الرهيب، وننادي بتغييره تغييراً جذرياً على كل المستويات وفي كل المجالات، وإلاّ فلن يكتب لنا نصر ولا حياة، إلاّ بالآمال الكاذبات، والأحلام الخادعات، والكلمات المضللات.

من الجذور يجب أن يتغير هذا الواقع، ومن الجذور يجب أن يكون العلاج، لا من الظواهر والأعراض.

One thought on “ذكرى الخامس من حزيران

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s