العمارة العربية الإسلامية

خصائصها وتطورها عبر العصور

د. عبد القادر الريحاوي

من هم بُناةُ الحضارة الإسلامية؟
المدرسة الجقمقية بدمشقظهر الإسلام في جزيرة العرب في بيئة فقيرة حضارياً، ولم تكن الحجاز قد عرفت حتى ذلك التاريخ أعمالاً عمرانية ومعمارية ذاتَ شأن، ولذا فإن الفاتحين العرب الذين قدموا إلى بلاد الشام لم ينقلوا معهم فناً معمارياً، وإنما كان دورهم في نشوء الفن، في البدء، يتجلى في ميلهم للإنشاء والتعمير، وتشجيع الإنتاج الفني، وفي اهتمامهم بتجديد الأساليب القديمة وتطويرها، كي تنسجم مع أذواقهم، وعقيدتهم، وعاداتهم، وتحقق رغباتهم، ولا ننسى أن الفنون قديماً كانت لتلبية رغبات الحكام وخدمة الأديان.

وكان أهل الشام الذين تولوا أعمال البناء، أناساً من ذوي المواهب والخبرات العريقة في الفن والعمارة، وبذلك يعود لهؤلاء ولأولئك من القادمين الجدد الفضلُ في نشأة الفن العربي الإسلامي وازدهاره وتطوره.

وكلنا يعلم بأن هناك قرابةً عريقة بين العرب الفاتحين وبين أهل الشام، وأن هناك تمازجاً سكانياً ولغوياً في المنطقة العربية، التي تتكون من بلاد الشام والجزيرة العربية وبلاد الرافدين منذ ألوف السنين، وهكذا شمل المنطقة، بعد ظهور الإسلام وانتشاره، نظام جديد للحياة، فتوحدت اللغة والعقيدة والحضارة.

ومن هذا المنطلق تأسست الحضارة الإسلامية في العهد الأموي، ولم يكن بُناتُها، كما تصورهم البعض من عرب الصحراء، الحديثي العهد بالإسلام، بل كانوا مزيجاً من هؤلاء وجيرانِهم وأقربائهم سكان بلاد الشام، بينهم العرب الأقدمونَ نسلُ بُناةِ الحضارات، وبينهم المحدثون، المنتشرون في حواضِر وأطراف المدن، كالغساسنة، والقبائل المنتشرة في الجزيرة الفراتية (ربيعةُ وتغلبَ ومضر وتنوخ).

مرحلة النشوء :

نعود إلى الفن العربي الإسلامي لنؤكد أنه لم يبدأ من نقطة الصفر، وإنما أفاد من الفنون السائدة في بلاد الشام، فأخذ عنها وتأثر بها، شأنه في ذلك شأنُ فنون سائر الحضارات.

وهنا نود أن نوضح بأن الاقتباس ظاهرة حضارية بنّاءة، على خلاف التقليد، وإن الإنسان المتحضر هو الذي يأخذ ويعطي.

وهكذا شهد القرن الأول بعد الفتح، عهدُ الدولة الأموية، نتاجاً معمارياً يتجلى فيه الإبداع والأصالة، حيث برزت قُدرة الفنانين على تطوير العناصر المقتبسة وتحويرها واستخدامها بشكل يتفق مع الحاجات، ومع الذوق العربي، والثقافة الجديدة، وقدموا نتاجاً يميزه كل من يراه عما سبقه، فإذا تأملنا جامع دمشق الأموي، لا نجده تقليداً لما شُيد من معابد وكنائس، وكذلك فإن قصورَ الأمويين لا تشبه قصورَ الرومان والبيزنطيين.

خصائص العمارة الإسلامية : الأصالة والتطور

إن عملية الاقتباس والتحوير والتطوير كانت في دَور التأسيس، وخلال القرن الأول، أما بعد ذلك، فقد أخذ النتاج الفني يبتعد شيئاً فشيئاً عن الأصول التي أخذ عنها، وتترسخ عملية التجديد والابتكار، وبذلك تضاءل التشابه بين عناصر العمارة والزخرفة في الفن العربي الإسلامي، وبين مثيلاتها في الفنونِ السابقة للإسلام، بدا ذلك واضحاً في تنوع التصاميم والعناصر المعمارية، كالقباب والسقوف والأبواب، وفي العقود والأعمدة، وفي النقوش والزخرفة جميعها، كما سنرى.

وكانت طبيعة المنشآت ووظيفتها التي جاءت تلبية لحاجات العقيدة الإسلامية والثقافة العربية، من أهم أسباب ظهور الشخصية المتميزة والأصالة.

ومن الخصائص العامة التي اتّصف بها الفن العربي الإسلامي في مجال العمارة والزخرفة : التنويع في العناصر، ومراعاة التناظر، وشمول الزخرفة وتغطيتها للفراغات، وتجنب تصوير الإنسان والكائنات الحية، لاسيما في المباني الدينية، والتعويضُ عن ذلك بالمواضيع الزخرفية الأخرى، النباتية والهندسية، ومشاهد الطبيعة، وشذَّ عن ذلك قصور الأمويين، لأنها كما أرى بُنيت وزُخرفت، دون إشرافٍ من الخلفاء وتوجيهاتهم، فتصرّف الفنان الشامي في سورية والأردن ولبنان حسب التقاليد الموروثة.

إن مثل هذه الخصائص التي أعطت الفن الإسلامي شخصيته المميزة، جعلت لنتاجه طابعاً عاماً ووَحدة، ومما يؤكد هذه الوَحدة أننا نستطيع التعرف على نتاجه بسهولة ويسر، أينما وجدناه، وفي أي زمن كان.

على أنه لا يجوز أن نفهم من هذه الوَحدةِ، التطابقَ التام في الأعمال الفنية، إذ لم تكن المنشآت التي تقام هنا وهناك تقليداً لنموذج معين، مهما بلغ هذا النموذج من الكمال والجمال.

لقد أسهمت الأذواق والرغبات الفردية في تكوين المنشآت المعمارية، وأسهمت معها التقاليد الموروثة ومواد البناء المتوفرة في كل منطقة، وأخيراً فإن التيارات السياسية وما كانت تحمله معها من تأثيرات، كان لها أثر في تغيير ملامح الفن السائد وتوجيهه في خط سير جديد، الأمر الذي أدى إلى وجود مدارسَ فنية عديدة داخل نطاق الفن الإسلامي، المدرسةِ الأم، فكان الفن الأموي والعباسي والفاطمي والسلجوقي والأيوبي والمملوكي والعثماني، بالنسبة للنتاج المعماري في سورية والبلاد العربية.

والملاحظ أن هذه المدارس تتوافق مع العهود التاريخية البارزة لأننا نلحظ مع ظهور كل عهد سياسي، أو لدى تولي أسرة حاكمة ظهورَ اتجاهات وتأثيرات جديدة على ملامح الفنون، لا تلبث أن تتوضَّح شيئاً فشيئاً، لتعطيَ نتاجَ ذلك العهد طابعاً مميّزاً، كما سنرى في الفقرات التالية.

هنا أود أن أذكّرَ بما يقع فيه بعض الباحثين من خطأ حين يقولون الفن المصري أو الفن السوري، إشارة إلى مدرسة فنية قائمة بذاتها، ضمن نطاق الحضارة العربية الإسلامية. والصحيح أن ننسب الفنون إلى مدارسها الأصلية، فنقول مثلاً : الفن الأيوبي في سورية أو الفن المملوكي في مصر، وكذلك الحال بالنسبة للبلدان العربية الأخرى، وسائر الفنون المتفرعة عن المدرسة الأم الكبرى، ألا وهي العمارة العربية الإسلامية.

المدارس المتفرعة عبر العصور وخصائصها :

فيما يلي لمحة سريعة عن خصائص ومزايا المدارس الفرعية التي عرفتها سورية ومعظم البلدان العربية، والتي سبق الإشارة إليها.

أ) العمارة في العهد الأموي (41هـ/661م- 132هـ/750م)

ولد الفن العربي الإسلامي، كما ذكرنا في ظل الدولة الأموية، وفي بلاد الشام التي غدت وقتئذ المركز الأول بين مراكز الحضارة الإسلامية، وكان لانتقال عاصمةِ الخلافة إلى دمشق أثرَه الكبير على الدولة والحضارة الإسلامية، فبلاد الشام بيئةٌ عريقة في الحضارة والعمارة، وأرضٌ صالحة لازدهار الفنون، لاسيما حين يتوفر لها الاستقرارُ السياسي، والنظم القويمة، والنمو الاقتصادي، وإرادةٌ من الحكام للإعمار والبناء، واستعداد لتذوق الفن والجمال، وهذا ما حدث في عهد بني أمية.

وتدل على ذلك آثار قصورهم في البادية السورية، كقصر الحير الغربي وقصر الحير الشرقي وقصر الرصافة وقصر جبل أُسيس، وعدد آخر من القصور في الأردن، وقصر أريحا في فلسطين، وبقايا مدينة وقصر في عنجر بلبنان.

ب) العمارة في العهد العباسي الأول (132هـ/750م – 232هـ/846م)

كان طبيعياً أن يحدث تطور ملحوظ على العمارة الإسلامية في هذا العهد، بسبب اختلاف البيئة الجغرافية ومصادر الاقتباس التي تتمثل بالتراثين الرافدي والفارسي، وإن كنا لا نؤيد مبالغة مؤرخي الفن والمستشرقين في مدى التأثيرات الفارسية.

وهناك في رأينا ما يُبرز التمييز بين العهد العباسي الأول الذي سادت فيه الخلافة ووحدة الدولة، والعهد العباسي الثاني الذي يمثل التجزئة، وظهور الدويلات، ونفوذ الشعوب غير العربية.

وبالنسبة للفن المعماري، فإنه لم يكن للعهد العباسي الأول أيُّ أثر في بلاد الشام، باستثناء منطقة الجزيرة السورية التي تعتبر جغرافيّاً امتداداً لبلاد ما بين النهرين، فلقد وجه العباسيون الأوَل اهتماماً خاصاً بها، لكونها مصدراً للخيرات والمحاصيل، فأنشؤوا فيها مركزين عمرانيين، أولهما في منطقة الرقة التي أحدثوا فيها ضاحية عرفت بالرافقة، فكانت شبه عاصمة في عهد الرشيد، ونجد فيها اليوم تراثاً عمرانياً ومعمارياً عباسياً يتجلى في القصور والأسوار والبوابات الحصينة، ويبدو المركز العمراني الثاني في إنشاء مدينة الرحبة في عهد المأمون، حيث توجد اليوم بلدةُ الميادين.

أما العهد العباسي الثاني الذي يبدأ في القرن الثالث الهجري (التاسع للميلاد) وينتهي بسقوط الخلافة العباسية إثر الغزو المغولي عام 656هـ (1258م)، فإنّا لا نجد فيه فناً معيناً يميزه، بل فنوناً تنتمي للدول التي تتالت على حكم الشام، مستقلة أو شبه مستقلة، وكان أولها دولةُ الفاطميين، ثم دولة السلاجقة، ثم الأيوبيين.

جـ) عمارة العهد الفاطمي (358هـ/968م – 468هـ/1075م)

 حظيت مصر بعناية الفاطميين، فغدت مركزاً حضارياً مرموقاً، وتأسست على أيديهم القاهرة كعاصمة تُنافس بغداد، وحفِلت بالعمائر الشهيرة، من مساجدَ وقصور، تعبّر عن ازدهار وتطور العِمارة العربية الإسلامية، إلا أن الشامَ، رغم خضوعها قُرابة قرن للحكم الفاطمي، خاليةٌ من آثارهم العمرانية والمعمارية، وذلك بسبب رفض أهل الشام الحكم الفاطمي، وقيام الفتن والثورات ضدهم.

وهكذا لم تتخلف عن هذا العهد آثار تُفيد في التعرف على الفن الفاطمي، سوى ما تُحدثنا عنه كتب التاريخ، كقصر الولاة الذي شُيد في سفح قاسيون الغربي، عند نهر يزيد، ومدرسة عرفت بالرشائية، عند باب الجامع الأموي الشمالي وإلى جانبها خانقاه عرف بالسميساطية، وحمام إلى جوار المدرسة الظاهرية يسمى حمام العقيقي، وعرف حديثاً بحمام الملك الظاهر.

وهناك في دمشق محراب غني بالنقوش الجصية في مسجد الرفاعي في محلة الميدان، وضريح ينسب للسيدة فاطمة في مقبرة الباب الصغير، وآثار تحصينات في قلعة بصرى.

د) عمارة العهد السلجوقي (468هـ/1075م – 569هـ/1174م)

أما السلاجقة فقد ظهروا في خراسان، ثم سيطروا على العراق قبل وصولهم إلى الشام، ولذا فقد أدخلوا معهم فنوناً كانت شائعة في المشرق، ولاسيما في فارس والعراق، أخذت تتفاعل شيئاً فشيئاً مع الفنون المحلية التي سادت في العهد الأموي.

وظهرت المدرسة كمؤسسة ثقافية ومعمارية، وشيدت الخانقاهات كمنازل الصوفية وأبناء السبيل، والبيمارستانات كمستشفيات ومعاهد لدراسة الطب، كالبيمارستانات التي أنشأها نور الدين في دمشق وحلب وحماة، كذلك عُني ببناء القلاع وأسوار المدن، ونجد في هذه المباني تصاميم وعناصر جديدة ستصبح شائعة، بعد امتزاجها وتفاعلها مع العناصر الموروثة.

نذكر من هذه العناصر : الأواوين المفتوحة على الفناء الذي تتوسطه غالباً بركةُ ماء، والدركاه أي الدهليز الذي يفصل بين الباب الخارجي والفناء.

ومن العناصر أيضاً الأقباء الطولية والمتقاطعة، والقبة التي تحوي طاسة نادرة الشكل، كقبة البيمارستان النوري في دمشق.

وتنوعت أشكال الأقواس في العقود، وغلب عليها القوس المدبب، المتعدد الأشكال، وظهرت المقرنصات كعنصر جديد، معماري وزخرفي مبتكر، وارتقى فن الزخرفة، المتمثل في النقش على الخشب والجص والحجر والرخام، واستخدم الخط من النوع الكوفي، كعنصر زخرفي تتميز به العمارة الإسلامية دون غيرها.

وبلغت الفنون المعمارية أوج رقيها في أيام السلطان نور الدين محمود بن زنكي.

هـ) عمارة العهد الأيوبي (569هـ/1174م – 658هـ/1259م)

شهدت سورية في العهد الأيوبي حركة عمرانية لا مثيل لها، تجلّت في توسيع المدن، وتجديد أسوارها، وتشييد العديد من الحصون والقلاع، وتزويد الطرق العامة بالخانات وبالفنادق كمحطات للقوافل. وامتلأت المدن بالمباني العامة، كالمساجد والمدارس والخانقاهات والبيمارستانات والحمامات والقيساريات والخانات والترب الفخمة المزودة بالقباب.

وكان لا بد لهذه الحركة العمرانية من أن تُحدث تطوراً ملحوظاً على الفنون المعمارية.

ولئن كان يغلب على المباني الأيوبية طابع البساطة والتقشف من حيث الزخرفة بسبب حالة الحرب، فإنها تميزت بالمتانة والقوة، وإتقان التصميم، والاعتماد على مادة الحجر، وإتقان نحته واستخدامه بمقاييس كبيرة. كذلك حدث تطور ملحوظ على العمارة العسكرية، حيث فاقت الأبراج والأسوار بحجمها وارتفاعها ومتانتها كل ما هو معروف من قبل ومن بعد، نجد ذلك في قلعتي حلب ودمشق بشكل خاص.

وتأصلت في تصاميم المباني العناصر التي شاعت في العهد السلجوقي، وامتزجت بالعناصر المحلية التراثية، فأصبحت فناءاتُها المزودة ببركة مستطيلة أو مضلعة، محاطةً بالأواوين في عدد من الجهات، وتشترك الأروقة معها أحياناً، كما في مدرستي الفردوس والطرنطائية في حلب .

وكان التسقيف يعتمد على الأقباء أو القباب التي غدت عنصراً أساسياً في عمائر العهد الأيوبي، فتطورت عن ذي قبل، حيث ازداد ارتفاعها وتنوعت أشكالها، فزودت برقبة من طابقين مضلعين تتخللهما النوافذ، وجُعلت طاسة القبة محززة أحياناً، كقبة ضريح صلاح الدين، وشاعت عناصر المقرنصات والحنايا الركنية والمثلثات الكروية، كواسطة انتقال بين قاعدةِ القبة ورقبتها، لأنه لا بد من واسطة للانتقال بين الشكل المربع والشكل المضلع.

وزاد ارتفاع بوابات المباني عن ذي قبل، فغدت مزودة بإيوان صغير يعلوه عقد مقرنص، ملون الفقرات ومعشقها، ذي فقرات ملونة بالتناوب ومعشقة أي متداخلة أحياناً.

واستُخدم ما نطلق عليه بالعقد العاتق فوق سواكف الأبواب والشبابيك، بأسلوب جديد مبتكر، كذلك ظهر لأول مرة التاج المقرنص في الأعمدة، نجده في مدرستي الفردوس والطرنطائية (ابن العديم) في حلب.

ورغم طابع التقشف، فقد ارتقت فنون النقش على الخشب والجص، وتخلَّف عنها نماذجُ رائعة، كمحراب المدرسة الحلوية الخشبي في حلب، وكمنبر جامع الحنابلة في دمشق، وكاللوحات الجصية التي تشاهد في العديد من مباني دمشق الأيوبية، وفي قمة الإنجاز الزخرفي محراب مدرسة الفردوس في حلب المصنوع من الرخام الملون المتشابك الأشكال، الذي يعتبر من أندر محاريب العالم الإسلامي.

و) عمارة العهد المملوكي (658هـ/1259م – 922هـ/1516م)

ازدهرت الحركة العمرانية في هذا العهد ونشطت حركة الإعمار في أنحاء البلاد، نلمس في التراث المعماري تطوراً ملحوظاً وتنوعاً وغنىً في العناصر المعمارية والزخرفية، يرجع ذلك إلى عدة أسباب : منها انتهاء حالة الحرب مع الصليبيين، وطول فترة العهد المملوكي، وتغير ظروف الحياة.

وهكذا أخذت العمارة تبتعد عن التقشف، وتميل إلى الإسراف في الزخرفة والتجميل، وبدت المباني غارقةً في الزينة، في الداخل والخارج، من كل نوع وفن، وحل هذا الاتجاه محل الحرص على القوة والضخامة ومراعاة النسب والبساطة، وهي الخصائص التي تكرست في العهد السابق.

ويمكن أن نلخص فيما يلي خصائص ومميزات عمارة العهد المملوكي :

1- من ناحية الهندسة والتصميم المعماري : نلاحظ رغم كثرة المنشآت، نُدرةً في المباني الضخمة والمجمعات المعمارية، كالذي شيد في مصر، مقر السلطنة، وباستثناء جامِعَي تنكز ويلبغا في دمشق، فإن المباني الأخرى كانت صغيرة الحجم، مساجد ومدارس وترب، وأُلغي الفِناء في بعض المباني، أو تحول إلى مكان مسقوف، كما في المدرسة الجقمقية في دمشق.

وشيدت بعض المباني مرتفعة عن مستوى الشارع يصعد إليها بدرج، وعرفت بالمعلَّقة، وذلك من أجل إحداث دكاكين تحتها، كجامع المعلَّق في دمشق، وجامع السكاكيني في حلب.

2- من حيث العناصر المعمارية : نلاحظ تطوراً في بوابات المباني، حيث غدا إيوانُها بالغَ الارتفاع، يتجاوز أحياناً مستوى واجهة البناء، وغدت الواجهات أكثر انفتاحاً على الخارج، حيث زودت بشبابيك واسعة في الأسفل، وطاقات متنوعة الشكل في الأعلى كما في المدرسة الجقمقية في دمشق وجامع الموازيني والأطروش في حلب، وتنوع شكل العقود أي الأقواس المعمارية، وأصبح المدبب المخموس هو السائد، ونقصد بالمخموس الذي يرسم من مركز يحتل خُمس القطر.

ونجد بينها القوسَ الثلاثيَّ الفصوص، أو كثير الفصوص الذي اتخذ شكلاً مبتكراً، نسميه الوسائدي لأن فصوصه تشبه الوسائد أو مجلدات الكتب المرصوصة إلى بعضها وهو مقتبس من عقد ظهر في مباني القاهرة العظيمة، نجد مثلاً له في سبيل الخزنة وفي جامع التيروزي في دمشق، وفي مئذنة الجامع الكبير والعبسي في حماة، وفي خان السبيل الواقع على الطريق بين حلب والمعرة.

وشاع استخدام تيجان الأعمدة المقرنصة التي ظهرت في العهد الأيوبي، نجدها في المدرسة العمرية بدمشق والبيمارستان الأرغوني في حلب.

واستمرت القباب وسيلة التسقيف برقبتها المرتفعة ذات الطابقين، في دمشق بشكل خاص، وكثرت النوافذ فيها لتزويد البناء بمزيد من النور.

وبدأت تظهر السقوف المستوية إلى جانب الأقباء، وتُبطّن بالخشب المدهون، وكثر بناء المآذن، فشملت المدارسَ أيضاً، وتطور شكلها من المربع التقليدي إلى المضلع والأسطواني، وأحياناً تحوي المئذنة مزيجاً من هذه الأشكال.

3- عناصر الزخرفة : ذكرنا أن من مظاهر التطور في هذا العهد، الإسراف في الزخرفة، حيث نجد العديد من عناصر الزخرفة في المبنى الواحد، ولاسيما في الواجهات.

نذكر منها عنصر التلوين المتمثل في تناوب الألوان، في مداميك الجدران والشرفات، وفي الأشرطة الزخرفية، وفي فقرات العقود (أي الحجارة التي يتشكل منها القوس).

ونجد التلوين أيضاً في ترصيع اللوحات الجدارية بالرخام أو الخزف أو باستخدام الفسيفساء المصنوعة من الرخام وعروق الصدف اللماع، أو باستخدام ألواح القاشاني التي تظهر في كسوة الجدران في عهد مبكر، قبل شيوعها في العهد العثماني، كما في جامع التيروزي في دمشق.

وأخيراً هناك عنصر النقش على الحجر لتكوين الزخارف الهندسية والنباتية والمقرنصات والضفائر، نشاهد ذلك بشكل خاص في مباني حلب، كجامِعَي الأطروش والدرج وتربة أوغلوبيك، وأصبح النقش على الخشب يُرصَّع بالعاج الثمين، كما في منبر الجامع الكبير في حلب والجامع الكبير في حماة.

و) عمارة العهد العثماني (922هـ/1516م – 1337هـ/1918م)

عَرَف الفن في القرن الخامس عشر مركزاً جديداً من مراكز الحضارة الإسلامية، ذلك هو استطنبول، عاصمة الدولة العثمانية، وكان الفن في العهد العثماني قبل الاستيلاء على القسطنطينية استمراراً لفن العهد السلجوقي الذي ترسخ في الأناضول على يد العثمانيين الأوائل، وأخذ يظهر الفن العثماني الجديد في سورية، بعد الفتح العثماني لها، في مطلع القرن السادس عشر، ممتزجاً مع التقاليد المحلية التي استمرت تعبر عن ذاتها، ولاسيما في مباني مدينة حلب التي حافظت على عناصر الفن المملوكي.

وتتلخص مظاهر التطور الجديد في النواحي التالية :

1- من حيث الهندسة والتصميم المعماري : تغير تصميم المساجد، وتحولت قاعة الصلاة من صفوف القناطر والبلاطات المتوازية إلى قاعة مربعة مسقوفة بقبة كبيرة ذات رقبة كثيرة النوافذ، وبدلاً من المدارس، شاعت التكايا كمجمع معماري له وظائف عديدة، وحدث تطور في إنشاء الأسواق، نظراً للنمو الاقتصادي والتبادل التجاري مع أقطار الإمبراطورية العثمانية، فأصبح السوق مجموعة معمارية متكاملة، تضم المحلات التجارية والخانات، والمعاهد العلمية، ومسجد وحمام.

وتطور بناء الخانات، فغدا معظمها مسقوفاً بالقباب، كخان أسعد باشا في دمشق، وارتقى بناء الحمامات، وكذلك البيوت والقصور، ووصل البيت الشامي إلى قمة رقيّه، تشهد على ذلك عشرات البيوت التي ما تزال حية في المدن السورية.

2- من حيث العناصر المعمارية : شاع العقد المدبب المتطور المكون من أربعة أقواس كما في قناطر التكية السليمانية في دمشق.

كذلك شاع عقد نسميه المجزوء لأنه يؤلف قِطاعاً من دائرة، نجده غالباً فوق الأبواب والشبابيك، وظهر تاج جديد في الأعمدة متطور عن التاج المقرنص، وأصبح للمآذن شكل مميز، فهي أسطوانية أو كثيرةُ الأضلاع، صغيرةُ القطر، ممشوقةُ القوام، تنتهي في أعلاها بقلنسوة مخروطية تجعلها أشبه بقلم الرصاص.

3- من حيث الزخرفة : أصبح القاشاني عنصراً شائعاً في كسوة الجدران وتجميل الواجهات والبوابات، وذلك إضافة للعناصر القديمة التي استمر الاعتماد عليها في تزيين المباني، وتطورت النوافذ الجصية المعشقة بالزجاج الملون وأصبحت تمثل لوحات فنية، كذلك تطورت الفسيفساء الحجرية، فشاع منها نوع عُرف بالأبلق في دمشق، مكون من المعجونة الملونة.

وشاع في زخرفة الخشب ما يطلق عليه اسم العجمي الذي يشاهد في بواطن السقوف، تغطّيه الرسوم الملونة، المصنوعة من المعجونة البارزة.

المصــادر:

– العمارة العربية الإسلامية – د. عبد القادر الريحاوي – وزارة الثقافة – دمشق 1979م.
– فنون الإسلام : زكي محمد حسن – القاهرة 1948.
– التراث المعماري الإسلامي في مصر – مصطفى صالح لمعي – بيروت 1970.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s