العمارة الأندلسية

ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال

أمين التازي

احد بوابات المسجد الجامع المواجهة للقصر وكان للخليفة ممر خاص يوصله من القصر للجامع كانت هذه الكلمات آخر الكلمات الأسلأميه الحاكمة الباكية على أرض الأندلس التي نطقت بها عائشه أم أبو عبد الله الصغير آخر أمراء الأندلسين.

لقد شكلت حضاره العرب المسلمين في الأندلس منذ فتح طارق بن زياد القائد البربري لها إلى أن خرج منها آخر أمير أندلسي وهو أبو عبد الله الصغير فناً وحضارة وثقافة وعلماً وتاريخاً تشهد له أرجاء شبه الجزيرة الأيبيرية كلها وتشهد له جوانب أوروبا التي قامت على أكتاف الأندلسيين.

لقد بكوا الأندلس و رثوها .. ترى ما هي الأندلس وما هي الحضارة التي تعاقبت خلأل القرون الثمانية التي حكم المسلمون خلألها.

دعوني أعرض لكم غيضاً من فيض العمارة الأسلأمية في تلك الجنان عسى الله أن يكرمنا وإياكم بزيارتها وقد عادت ديار الأسلأم تنبض بالحياة فيها.

ماذا تعني الأندلس ؟ وأين تقع؟

إن كلمة الأندلس هي تعريب لكلمة الفن القوطي الغربي “لانداهلوتس”، ولم يستلهم المسلمون من اسبانيا اسمها فقط بل أسس فنها أيضا، حيث امتزج وانصهر الفن الأسلأمي المتأثر بفن العمارة في الشام في عهد الأمويين في البداية بالفن القوطي والروماني الإيبيري والروماني والبيزنطي، ونتج عن التقاء ذلك مع عبقرية الفنان المسلم، الفن الأندلسي الفريد و المستقل الذي بدوره ألهم مسار واتجاه الفنانين الأخرين.

اما بالنسبه لموقعها جغرافياً، تقع إسبانيا (الأندلس) في الطرف الجنوبي الغربي من القارة الأوروبية، وتمتد فوق جزء من شبه جزيرة إيبيريا ويحيط بها البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الأطلسي، وبحر كتالونيا، وعلأوة على ذلك تشتمل على جزر الباليار في البحر المتوسط، وجزر الكناري في المحيط الأطلسي، وتفصلها جبال البرانس عن فرنسا من الشمال الشرقي، وعن إفريقيا من جهة الجنوب مضيق جبل طارق، وتبلغ مساحتها الأجمالية (504،788 كيلومتراً مربعاً)، وتعداد سكانها 40 مليون نسمة.

بوابة واسوار سرقسطة التي هزمت كارل الاعظم عندما تأمر مع سليمان الاعرابيشكلت بلاد الأندلس بمآثرها العلمية والعمرانية والفنية، مركز إشعاع مستديم للحضارة الإسلامية منذ أن توطدت دعائم الحكم الإسلامي فيها، وفي عهد عبد الرحمن الداخل بدأ فن العمارة يتلمس طريقه في الأبنية الدينية والمدنية، لتأخذ عناصره المعمارية والزخرفية التي كونت البذور الأولى للفن الأندلسي في الإنتشار في المشرق والمغرب، وهذا العهد الذي يمتد لما يقارب ثمانية قرون يشف عن جوهر واحد من أروع أمثلة فن العمارة الإسلامية التي اشتهرت على نطاق عالمي حتى يومنا هذا.

وسنبدأ بعرض أهم الآثار التاريخية التي تزدهر بها الأندلس وتعلى باسمها وبذكرها والتي ما زالت إلى الأن شاهدة على عظمة التاريخ الأندلسي هناك.

أصبحت قرطبة تحت ظل حكم الأمير عبدالرحمن الداخل (الأول) عاصمة الأندلس في شهر مايو عام 756م، حيث أمر الأمير بإعادة بناء أسوار المدينة وتشييد العديد من الجوامع الصغيرة إلى جانب الجامع الكبير في قرطبة، وفي عامي (784 و785م) بنى قصراً جديداً له سمي (دار الأمارة) وبعد عام بنى إلى شمال غرب قرطبة قصراً صيفياً محاطاً بالحدائق وسماه (قصر الرصافة) تيمناً بقصر بني أمية في تدمر بسوريا.

وقد بني الجامع الكبير في غضون عام واحد فقط وذلك نظراً لتوفر الفنيين واليد العاملة من سكان البلاد وممن استدعاهم من موطنه بالشام، ويعد المسجد من أروع ما خلفته الدولة الأموية، فهو يمثل مرحلة من مراحل النضج المعماري والفني للطراز العربي الإسلامي من حيث التخطيط وأساليب البناء وظهور عدة عناصر معمارية وزخرفية تجمع بين الفن الغربي والشرقي الإسلامي.

والمسجد المربع الشكل بطول (74 مترا)، نصفه مسقوف ونصفه الأخر صحن ممتد، ويتألف النصف المسقوف من تسع بلاطات عمودية على جدار القبلة تمتد على اثني عشر قوسا تقوم على أعمدة من الرخام، والعقود السفلى تشبه تيجان بعض الأعمدة في العمارة القوطية، وذلك لأن أغلبها نقل من أماكن قديمة، وتيجان الأعمدة ذات أصل روماني من النوع الكورنثي المركب، وقد تطورت مع الزمن الى أشكال تجريدية من ابتكار خيال المعماريين الأندلسيين.

البرج الذهبي في اشبيلية قابله برج اخر وربط بينهما سلسلة حديديه لمنع الفايكنج من الغزو عبر النهر،كما كان يحيط بالفناء المكشوف من الجهة الشمالية أروقة ذات عقود، ويوجد في الجهة الجنوبية رواق القبلة الذي يضم تسع بلاطات أيضاً، ويلاحظ أن عقود الأعمدة متعاقدة مع جدار القبلة حيث اتخذت العقد هيئة حدوة الحصان وهي مقتبسة من العمارة القوطية الغربية، ويواجه الداخل إلى المسجد غابة من الأعمدة حيث تقوده الممرات وترشده الى القبلة وينيرها ضوء شاحب يتسلل من الصحن ومن شبكات الواجهات.

ونظراً لضيق مساحة المصلى وعدم تناسب الإرتفاع مع المساحة، فقد طلب الأمير بناء طابق ثان، وذلك من خلال عقد أقواس الأعمدة فيما بينها ومن ثم إقامة أعمدة أخرى فوق الأعمدة الأولى وعقد أقواسها ثانية لإقامة السقف. وهذا الإبتكار لا يخلو من جرأة وحسابات دقيقة لقوة احتمال الأعمدة الأولى ثم أوزان الأعمدة الثانية وأقواسها والسقف فوقها.

قرر عبدالرحمن الثالث عام 936م بناء عاصمة جديدة دعاها مدينة الزهراء، وتبعد خمسة كيلومترات شمال غرب قرطبة، وفي 947م نقل الحكومة من قرطبة الى المدينة الجديدة واستمرت أعمال البناء فيها حتى بعد وفاته في عام 961.

وقد استهلك البناء ما يقارب من ثلث ميزانية العائدات السنوية للحكومة وجهد عشرة آلأف عامل واستغرق زمن البناء 40 عاما، وإلى جانب حفر الأساسات والرصف كان يتم يومياً تصنيع 6000 طابوقه، مع ما مجموعه 4324 عامود رخامي تم استيراد معظمها من تونس، مع أحواض رخامية بيزنطية وسورية، وثماني منحوتات ذهبية مرصعة باللؤلؤ استوردها الأمير من سوريا لغرفة نومه.

مدخل لقصر من قصور المعتمد ابن عبادويحيط بالمدينة جدار بطول 1500 متر وسماكة 5,2 متر، مع أبراج للمراقبة كل 13 و14 مترا، ولكون المدينة بنيت على هضبة فقد كانت مقسمة إلى ثلاثة مستويات منفصلة يبدأ كل مستوى بجدار استنادي للمستوى السابق، وكان مقر إقامة الخليفة يطل على المشهد الكامل للشمال في المستوى الأعلى من المدينة، أما القسم المتوسط فضم مكاتب الحكومة وبيوت كبار الموظفين في البلاط.

أما القسم السفلي فكان للعامة والجيش حيث يقام الجامع العام والأسواق والحمامات، علماً بأن الحدائق وبرك المياه كانت جزءاً رئيسياً في كافة المستويات، ويكفي تقدير مساحتها وعددها من خلال عدد الأرغفة التي كانت تطعم لأسماك بحيرات القصر يومياً والتي تقارب من 18،000 رغيف خبز، وأهم ما ميز تلك المدينة هو توريد المياه اليها من جبال السييرا في الشمال حيث كانت تجمع المياه في برج، ومن هناك تجري الى حوض رخامي ومنه الى أنابيب من الرصاص التي تمثل نظام توزيع المياه في المدينة، إضافة إلى خزانات لتجميع مياه المطر.

وللمدينة أربع بوابات على الأقل، والبوابة الرئيسية في منتصف الجدار الجنوبي وتدعى باب القبة، وفي الجدار الشرقي بوابة الشمس، وبوابة الجبال في الجدار الشمالي، إلى جانب باب الصد داخل المدينة شمال باب القبة الذي يقود مباشرة الى قصر الخليفة.

لوحة منقوشة تمثل جزء من ديكور جداري شامل في قصر الخليفة بمدينة الزهراء.ولمدينة الزهراء أهمية كبيرة في تاريخ الفن، وذلك لكونها تمثل نمطاً أندلسياً فريداً ومتميزاً عن المدن الأخرى، سواء في أسلوب البناء وتداخل المنازل ومساحتها، أو في الحدائق وتقاطعها، أو في صالات الإستقبال والغرف التي بنيت حول ساحة مركزية تتوسطها بركة واسعة تعكس مياهها أشجار الحديقة والأقواس المحيطة من الخارج بالغرف، وقد استخدم في زخرفة وتزيين القاعات الحجر الرملي والرخام والزجاج الملون العربسة، مع زخارف نباتية وأشكال هندسية وكتابات كوفيه، تبدو للناظر كأنها سجادة برسوماتها الكثيفة والمنمقة والدقيقة.

إشبيلية :

وهي عاصمة الأندلس وثالث مدينة إسبانية من حيث الحجم، وتقع على نهر الوادي الكبير وتتمتع بشخصية قوية، خاصة أحياؤها الشعبية مثل حي سانتا كروث، فهي مهمة جداً كآثارها العظيمة، التي يتميز من بينها القصر وهو قلعة عربية قديمة، والجيرالدا، وهي مئذنة المسجد الجامع العربي القديم، الذي بني في القرن الثاني عشر، وتم تحويل مئذنته الى برج لأجراس الكاتدرائية القوطية الكبيرة، وهناك أيضا برج الذهب الذي كان دعامة الأسوار التي بناها الموحدون حول المدينة.

وقد لمع اسمها مقترناً باسم المعتمد ابن عباد، وهي العاصمة الأولى للأندلس الإسلامية حتى اغتيال عبد العزيز بن موسى بن نصير أثناء الصلاة.

غرناطة :

إن البحث عن كنوز الحضارة الإسلامية يقودك إلى غرناطة، هذه المدينة الغنية بتاريخها العريق وجمال الطبيعة فيها، تتخذ المدينة لنفسها مكاناً ممتازاً على سفح جبل الثلج، وقد كانت عاصمة لملوك بني نصر، وتعتبر آخر معاقل الدولة الأسلأمية في إسبانيا، بنى ملوكها في هذه المدينة إبان القرن الرابع عشر (القصر الأحمر) الذي يعرف باسم الحمراء، وهو قصر رائع بالغ الترف ذو جمال خلاب تتخله الباحات الواسعة المحاطة بالأروقة، ويشتمل على أجنحة أنيقة وحدائق غناء تزينها النوافير الجميلة والبحيرات الهادئة.

وقد سميت الحمراء تيمناً بآخر حضاره قامت هناك والتي تعود لبني الأحمر وهناك أقوال أخرى تقول لأن حجارتها كانت مائله للَّون الأحمر.

نبذه عن بني الأحمر وحضارتهم :

مع إنهيار حكم الموحدين، نجح محمد بن يوسف النصري المعروف بابن الأحمر في بسط نفوذه بداية على أرجونا قرب خاين عام 1232م ليهيمن بعدها على إشبيلية وغرناطة ومن بعدهما المرية ومالقا، وليؤسس سلطنته في عام 1238م والتي دامت حتى عام 1429م.

صحن صنع واستعمل ووجد في مدينة الزهراء.عاشت غرناطة عصر ازدهارها في القرن الرابع عشر تحت حكم السلطان يوسف الأول ومحمد السلطان، حيث ساعدت صلات حكامها الجيدة مع كل من ملوك الفرنجة في الجوار والمغرب في التغلب على الإضطرابات الداخلية، كما شهدت ازدهارا في الإقتصاد والزراعة والصناعة مع تجارة واسعة أسست قاعدة متينة للحكم وللشعب، كما بنيت فيها القصور الجميلة، وسبب ضعف السلطنة وانهيارها، أن الحكام الذين تعاقبوا على الحكم انحصر اهتمامهم في العرش والطموحات والنوازع الشخصية، وذلك تزامناً مع تنامي قوة الفرنجة في الجوار.

بنيت مدينة الحمراء على تلة مرتفعة تعلو مدينة غرناطة، وهي عبارة عن قلعة لها شكل سفينة ضخمة رست بين الجبال، وتشغل مساحة بقياس 720 مترا طولاً و220 مترا عرضاً، وتضم جدرانها 23 برجاً وأربع بوابات تغلق على سبعة قصور وبيوت لكافة الفئات مع مكاتب وجوامع خاصة وعامة وورش عمل وحمامات وحدائق مع نظام بناء دفاعي وسكن صيفي، وتضم الحمراء مدينة عليا في الجنوب الشرقي، ومدينة منخفضة في الشمال الغربي، والإثنتان متصلتان بمداخل طولية.

والخطوة الأولى التي قام بها محمد الأول، هي تشييد نظام توريد المياه وبناء جدار نصف دائري للمدينة، وأتم وريثه ابنه محمد الثاني أعمال إنشاء الجدار الخارجي، وبناء برجي القلعة (برج النساء) و (برج المعركة)، كما بنى محمد الثالث الجامع الرئيسي وحمام للعامة.

ومن أهم حكام بني الأحمر محمد الخامس الذي كان مسؤولاً عن تشييد معظم أبنتيها، ومن أشهرها القصر الذي اشتهر بقاعاته وقبابه المزينة بالمقرنصات، وفي مقدمة القصر قاعة البركة وأيضا قاعة السفراء وهي مدخل لقاعة مفتوحة على البلاط الشمالي، ويعرف باسم بلاط البركة، حيث تشغل معظم مساحته بركة مياه طويلة قياسها 7,34 متراً بعرض 5,7 أمتار.

صندوق للحلي من ايام قرطبة والزهراء في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي.الجانب الشرقي حمام يوسف وهو متصل بقصر محمد الخامس، وفي منتصف القصر توجد قاعة الأسود وفيها بركة محروسة باثني عشر أسداً حجرياً وفي كل جانب يقع جناح مع بركته ونوافيره الداخلية التي تجري لتصب جميعها في البركة في الوسط.

وأهم ما في القصر الجناحان الواقعان في الجنوب والشمال، ويدعى الأول (ابن سراج) وله بركة مركزية، ويدعى الثاني (بيت عائشة) وهي مربعة الشكل وتتمركز حول صالة الأختين التي تقود الى غرفة واسعة، والغرف مكسية بالخشب ذي الزخارف النباتية، والسقوف أو القبب مزينة بالمقرنصات المنقوشة المتناهية في الدقة والصغر لدى الوصول الى مركز القبة.

ابريق فخاري مصقول للاستعمال اليومي في قرطبة الاسلامية. من اثار الزهراء.وقد بني القصر الصيفي الخاص على طول مجرى المياه الرئيسي على المنحدر فوق الحمراء، مع حدائق عديدة ومختلفة في تصميمها وعلى جانبي مجرى المياه وبمستويات متفاوتة ساهمت في تصميم شلال مياه، وقد سميت حدائق القصر الصيفي بجنات العريف، وزائر الحدائق لا تطأ قدمه التراب أو العشب مطلقاً، فهناك ممر رخامي خاص على جانبيه العشب الأخضر والمنخفض ليحتفظ بعبق الورود وزهور البرتقال التي لا يمكن أن تطالها اليد.

ويتميز هذا القصر إلى جانب كونه حصناً للدفاع عن المدينة، بالطابع الخاص في الربط بين القاعات من خلال برك المياه، التي معظمها له شكل المستطيل، وغالباً ما تتدفق المياه من صحن دائري مسطح إلى البركة أسفله التي تتوزع بدورها إلى بقية الغرف.

وأتت نهاية الحكم الإسلامي في الأندلس لدى خروج آخر بني الأحمر، السلطان أبو عبد الله محمد من مدينة الحمراء في يناير 1492م، إلا أن فن العمارة المغربي في الأندلس يبقى الأثر الفني الأكبر حتى يومنا هذا.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s