الفرق الدينية اليهودية القديمة والمعاصرة – 3

دراسة شاملة

عبدالوهاب محمد الجبوري

اليهودية المحافظة (المحافظون)

الفرق اليهوديةفرقة دينية يهودية حديثة نشأت في الولايات المتحدة، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كمحاولة من جانب اليهودية للاستجابة لوضع اليهود في العصر الحديث في العالم الجديد وهي أهم وأكبر حركة دينية يهودية في العالم، وأهم مفكريها (سولومون شختر) .. ولكن جذور الحركة تعود إلى ما يُسمَّى (علم اليهودية) وأقطابها هم : (نحمان كروكمال، وزكريا فرانكل، وهنريش جرايتس، وسولومون رابوبورت)، وكلهم من المفكرين اليهود الأوربيين في القرن التاسع عشر.

واليهودية المحافظة جزء من الفكر الرومانسي الغربي، وخصوصاً الألماني .. وهي ليست مدرسة فكرية ولا حتى فرقة دينية محددة المعالم بقدر ما هي اتجاه ديني عام وإطار تنظيمي يضم أبرشيات وحاخامات، يسمون أنفسهم (محافظين)، ويسميهم الآخرون كذلك .. فالمفكرون المحافظون يختلفون فيما بينهم حول أمور مبدئية مثل الوحي وفكرة الإله، كما يختلفون بشأن الأمور الشعائرية، ولم ينجحوا في التوصل إلى برنامج محدَّد موحَّد .. وهم يرفضون ذلك بحجة أنهم ورثة اليهودية الحاخامية ككل، وبالتالي فلابد أن تُترَك الأمور لتتطور بشكل عضوي طبيعي، وفكرة التطور العضوي من الداخل إحدى الأفكار الرومانسية الأساسية.

مع هذا، فإن ثمة أفكاراً أساسية تربط أعضاء هذه الفرقة التي تُشكِّل على مستوى من المستويات، رد فعل لليهودية الإصلاحية أكثر من كونها رد فعل لليهودية الأرثوذكسية .. فقد اكتسحت اليهودية الإصلاحية يهود الولايات المتحدة ابتداءً من منتصف القرن التاسع حتى أنه مع حلول عام (1881)، كانت كل المعابد اليهودية (البالغ عددها مائتي معبد) معابد إصلاحية باستثناء اثني عشر معبداً .. وقد اتخذ مؤتمر بتسبرج عام (1885) قراراته الإصلاحية الشاملة التي أعلن فيها أن كثيراً من الطقوس، ومن ذلك الطقوس الخاصة بالطعام، مسائل نسبية يمكن الاستغناء عنها .. وكان هناك شخصيات كثيرة معارضة للاتجاه الإصلاحي، وخصوصاً في صيغته المتطرفة، بينهم (إسحق ليزر وألكسندر كوهوت).

وقد أعلن الأخير معارضته لقرارات مؤتمر بتسبرج، وهاجم المفكر الإصلاحي (كاوفمان كولر)، وطالب بإنشاء مدرسة حاخامية لدراسة الممارسات التاريخية لليهودية .. وقد قام (ساباتو موريه) بتأسيس كلية اللاهوت اليهودية (عام 1887) التي أصبحت المنبر الأساسي للفكر المحافظ، ويُعَدُّ هذا التاريخ تاريخ ميلاد اليهودية المحافظة، خصوصاً وقد أعاد (شختر) تنظيمها عام (1902) .. ثم تم تأسيس جمعية الحاخامات الأمريكية التي ضمت خريجي المدرسة، وتشكِّل هذه الجمعية، مع معبد أمريكا الموحَّد عام (1913)، وكلية اللاهوت اليهودية، أهم عناصر الهيكل التنظيمي لليهودية المحافظة .. وقد أُضيف إلى كل ذلك كلية اليهودية في لوس أنجلوس .. ومن أهم مؤسسات اليهودية المحافظة الأخرى لجنة الشريعة والمعايير التي يدل اسمها على وظيفتها، فهي التي تحدِّد المعايير لأتباع اليهودية المحافظة وتفسِّر لهم الشريعة، وهي عملية مستمرة لا تتوقف من منظور اليهودية المحافظة .. وترى اليهودية المحافظة أن هدفها الأساسي هو الحفاظ على استمرارية التراث اليهودي، باعتباره الجوهر، أما ما عدا ذلك من العبادات والعقائد فهو يظهر بشكل عضوي وتلقائي متجدد.

من هنا فقد ظهرت اليهودية التجديدية من صلب اليهودية المحافظة، فهي ترى أن اليهودية حضارة يُشكِّل الدين جزءاً منها وحسب، ويبدو أن (حاييم كابلان)، مؤسس المدرسة التجديدية، يمارس في الوقت الحاضر تأثيراً عميقاً في اليهودية المحافظة، ففي عام (1948) أُعيد تنظيم لجنة القانون اليهودي، كما أُعيد تحديد معايير المجلس الحاخامي وبدأ تَبنِّي معايير تختلف كثيراً عن معايير )شختر( مؤسِّس اليهودية المحافظة، حتى أنه يمكن القول بأن توجُّه اليهودية المحافظة في الوقت الحالي يختلف عن التوجه الذي حدده لها مؤسسوها إذ بدأت اليهودية المحافظة تتخذ كثيراً من المواقف التي لا تختلف كثيراً عن مواقف اليهودية الإصلاحية التي تقترب في الوقت نفسه من اليهودية التجديدية.

ولكن احتجاجاً على هذه الاتجاهات المتطرفة ظهرت فرقة جديدة تُسمَّى اتحاد اليهودية التقليدية (1984) تحاول قَدْر استطاعتها أن تحتفظ ببعض الأشكال التقليدية وألا تنجذب نحو اليهودية التجديدية والإصلاحية وأصبح لها مدرستها اللاهوتية الخاصة لتخريج الحاخامات عام 1990 .. وقد صدر عام 1988 كتاب بعنوان إيميت فأموناه (الحقيقة والاعتقاد) : مبادئ اليهودية المحافظة وهو كتاب من 40 صفحة أصدره مؤتمر من مفكري اليهودية المحافظة حاولوا فيه تلخيص مبادئ اليهودية المحافظة ومن أهمها الاعتراف بالغيب (ما وراء الطبيعة) ورفض النسبية، وهو مجرد قول لأن تطوُّر اليهودية المحافظة يبيِّن مدى محاولة تكيفها المستمر مع ما حولها وخضوعها المستمر له، كما أكدت الوثيقة أهمية إسرائيل في حياة الدياسبورا ولكنها أتبعت ذلك بتأكيد تعددية المراكز، أي أهمية الدياسبورا في ذاتها.

وقد تزايد عدد اليهود المحافظين في أنحاء العالم، وخصوصاً في أمريكا اللاتينية، ولكنها مع هذا، تظل أساساً حركة أمريكية، ويبلغ عددهم الآن 33% من كل يهود الولايات المتحدة (مقابل 30% إصلاحيون و9% أرثوذكس و26% لا علاقة لهم بأية فرقة دينية) ومع هذا تذهب إحدى المراجع إلى أن العدد هو 2 مليون ويبلغ عدد الأبراشيات المحافظة 800 أبراشية.

ومعظم اليهود المحافظين يأتون من بين صفوف اليهود الأمريكيين الذين أتوا من خلفيات دينية أرثوذكسية، ولذلك يجدون أن اليهودية الإصلاحية متطرفة .. وبهذا المعنى، فإن اليهودية المحافظة قد تكون محطة على طريق الانتقال من اليهودية الأرثوذكسية إلى اليهودية الإصلاحية أو العلمانية أو حتى الإلحادية .. وهناك عدد كبير من المحافظين من أصل ألماني، ولكن توجد في صفوفهم أعداد كبيرة أيضاً من شرق أوروبا.

ويمكن القول بأن اليهود المحافظين هم يهود ابتعدوا عن أصولهم الإثنية الأوربية وأصبحوا أمريكيين، ولكنهم مع هذا يودون الاحتفاظ بهوية إثنية يهودية (وهذا اتجاه عام في المجتمع الأمريكي) على الأقل لبعض الوقت .. وتقوم اليهودية المحافظة بسد هذه الحاجة، وحسب تعبير أحد الدارسين فإن المسافة الزمنية بين اليهودية المحافظة واليهودية الإصلاحية عشرة أعوام، ثم تلحق الأولى بالثانية .. وقد أخذ الإصلاحيون، في الآونة الأخيرة، في التشدد بشأن بعض الشعائر الدينية في حين أخذ المحافظون في التساهل في كثير منها، فقد عينوا مؤخراً امرأة في وظيفة حاخام.

ولذا فقد بدأت المسافة بين الفريقين في التناقص، واندمج كثير من الأبرشيات المحافظة والإصلاحية .. وقد لاحَظ الحاخام (ملتون بولين – رئيس المجلس الحاخامي في أمريكا) أن ثمة فجوة بين الأرثوذكس من جهة والمحافظين والإصلاحيين من جهة أخرى، وأنها آخذة في التزايد حتى أنهم أصبحوا يشكلون يهوديتين مختلفتين .. ومن أهم مفكري اليهودية المحافظة في الولايات المتحدة : (لويس جنزبرج، ولويس فنكلشتاين، وشاؤول لايبرمان، وجيكوب آجوس، وجرسون كوهين).

ورغم أن اليهودية المحافظة رد فعل لليهودية الإصلاحية، فإن ثمة عنصراً مشتركاً أساسياً بينهما، فهما يهدفان إلى حل إشكالية الحلول الإلهي في الشعب اليهودي ومؤسساته القومية .. والصيغة الحلولية التقليدية تجعل الشعب اليهودي مقدَّساً ومطلقاً يشير إلى ذاته، وهو أمر لا يمكن أن تقبله الدولة القومية الحديثة التي تجعل نفسها موضع الإطلاق والقداسة ولا العصر الحديث الذي جعل العلم موضع الإطلاق.

وتحاول كلٌّ من اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة أن تصل إلى صياغة حديثة لليهودية عن طريق تَبنِّي مُطلَق دنيوي يُسمَّى (الروح) (بالألمانية : جايست) فيضاف اسم لكلمة (روح)، فيُقال في الفكر الأوربي الرومانسي مثلاً : (روح العصر) أو (روح المكان) أو (روح الشعب) أو (روح الأمة) والناتج شيء يعبِّر عن الإله أو يحل محله .. وقد آمن الإصلاحيون بروح العصر (تسايت جاست)، وآمن المحافظون بروح الشعب العضوي (الفولك)، وهي روح تجلت عبر التاريخ في أشكال مختلفة (وهذا الطرح لا يتعارض كثيراً مع العقد الاجتماعي الأمريكي الذي يسمح للأقليات المهاجرة بالاحتفاظ بشيء من هويتها ما دام هذا لا يتعارض مع المطلق الأكبر، مصلحة الولايات المتحدة ومنفعتها) .. ولكن الاختلاف الآنف الذكر، بين اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة، يتبدَّى في الطريقة التي اتبعها كل منهما لتحديث اليهودية.

فبينما قام الإصلاحيون باتباع النموذج الاندماجي، قام المحافظون بتحديث اليهودية عن طريق تَبنِّي النموذج الشعبي، أي تقديس الفولك وتاريخه وتراثه وأرضه (وهذا هو النموذج النازي).

والمحافظون يؤمنون على اختلاف اتجاهاتهم بأن الشعب اليهودي قد تطوَّر عبر تاريخه، وبأن اليهودية لم تتجمد أبداً، وأنها كانت قادرة على التكيف مع اللحظة التاريخية ومع روح العصر، ولهذا فهي ليست مجموعة ثابتة من العقائد وإنما هي تراث آخذ في التطور التاريخي الدائم، ومن هنا كان إطلاق اسم (اليهودية التاريخية) على هذه المدرسة وخصوصاً في أوروبا.

ويرى المحافظون أن دراسة اليهودية بشكل تاريخي ونقدي (علم اليهودية) هو تطوُّر إيجابي يساعد اليهود على فهم أنفسهم، كما يساهم في جعل اليهودية نسقاً دينياً خلاقاً كما كان الحال في الماضي .. ومع هذا، فقد وقفت اليهودية المحافظة ضد التيار اليهودي الإصلاحي، فنادى (زكريا فرانكل)، شأنه في هذا شأن (هيرش الأرثوذكسي) وشأن الصهاينة، بأن يكون أي تغيير أو تطوير لليهودية نابعاً لا من خارج الروح اليهودية وإنما من أعماقها، أي من روح الشعب العضوي (المطلق الجديد).

ورغم أن فرانكل والمحافظين كانوا من المؤمنين بأن التوراة أو الشريعة الشفوية خرافة ابتدعها الحاخامات لكي يضفوا مسحة من الشرعية على ما أقره الإجماع الشعبي، ورغم أنهم رأوا أيضاً أن التراث الديني اليهودي ليس مرسلاً من الإله، فإنهم لم يتخذوا موقفاً نقدياً من التوراة أو التراث اليهودي كما فعل الإصلاحيون، لأنهما كلاهما تعبير عن الشعب اليهودي وعبقريته .. وقد اقترح المحافظون، وبالذات الحاخام الصهيوني (شختر) عدم ترك الأمور في أيدي قلة من رجال الدين يقومون بتفسير الشريعة كيفما شاءوا، ودعا إلى وجوب أن يقوم متكلمون يمثلون الشعب اليهودي وينطقون باسم الجماعة، وتحاول هذه الجماعة التي تمثل كل أو عموم إسرائيل أن تكتشف اليهودية بدراسة التراث والتقاليد والأدب اليهودي.

وتطبيقاً لهذا الموقف الوسط بين اليهودية الإصلاحية والأرثوذكسية، يؤمن المحافظون بأن الأمل في العودة إلى صهيون فكرة أثيرة لدى اليهودي لابد من المحافظة عليها .. ومع هذا، لا يتنافى هذا الأمل بأية حال، مع الولاء للوطن الذي يعيش فيه اليهودي .. وهم لا يؤمنون بالعودة الفعلية والشخصية للماشيَّح، ويطرحون بدلاً منها فكر العصر المشيحاني الذي سيتحقق بالتدريج، ويصبح تأسيس الدولة اليهودية داخل هذا الإطار، خطوةً أولى نحو تحقيق هذا العصر.

ويرى المحافظون أيضا أن تكون الصلوات اليهودية بالعبرية، وإن كانوا لا يمانعون في أن تُتلى باللغة المحلية إذا لزم الأمر، ويؤكدون أن الشريعة ملزمة لليهودي، وبالتالي ضرورية للحفاظ على شعائر اليهودية، فمُثُل اليهودية العليا يتم تفسيرها من خلال الشريعة.

كما أن اليهودية تدور حول الأوامر والنواهي التي تغطي السلوك الإنساني وتحكم العلاقة بين اليهود من جهة، وبينهم وبين الإله من جهة أخرى .. ولكن مع هذا، لابد أن تظل الشريعة مرنة مرونة كافية بحيث تترك مجالاً للتغيير والتعددية الفكرية التي تجعلها قادرة على مواكبة العصر الحديث، وعلى سد حاجة الإنسان اليهودي الحديث .. ولذا لابد أن تتسم عملية تفسير الشريعة بقدر عال من الإبداع، ويتضح هذا الموقف في أنهم لا يمانعون في إدخال بعض التعديلات على الشعائر الدينية (فيقيمون بعض طقوس السبت)، ولكنهم يسمحون باختلاط الجنسين (وأصبحت النساء جزءاً من النصاب المطلوب لإقامة صلاة الجماعة)، بل يسمحون بأن تكون هناك من الإناث حاخامات ومنشدات (حزان) .. وقد أبقوا على الختان وقوانين الطعام، وإن كانوا قد أدخلوا بعض التعديلات عليها، وهم يقيمون الصلوات بشال الصلاة (طاليت) وتمائم الصلاة (تفيلِّين) .

ورغم تماثُل الجذور الفكرية لليهودية الإصلاحية والمحافظة، فإن تشابه اليهودية المحافظة بنيوياً مع اليهودية الأرثوذكسية واضح وقوي، بل إن الفروق بينهما طفيفة وغير جوهرية، فكلتاهما تدور في إطار الحلولية التقليدية دون أن توسع نطاقها لتضم غير اليهود (كما فعلت اليهودية الإصلاحية) .. من هنا فان كلاًّ من اليهودية المحافظة واليهودية الأرثوذكسية تؤمنان بالثالوث الحلولي : الإله (أو التوراة) والشعب والأرض، وفي حين يؤكد الأرثوذكس أهمية الإله والوحي والتوراة، نجد المحافظين يبرزون أهمية الشعب وتراثه وتاريخه، أي أن الاختلاف ينصرف إلى تأكيد أحد عناصر الثالوث الحلولي على حساب عنصر آخر .. ويُضفي كلا الفريقين هالة من القداسة على حياة اليهود وتاريخهم، وهي قداسة يُرجعها الأرثوذكس إلى أصول إلهية ويرجعها المحافظون إلى أصول قومية أو إلى روح الشعب، ويصبح الدين اليهودي فلكلور الشعب اليهودي المعبِّر عن هويته الإثنية وسر بقائه، كما أنه يكتسب أهميته بمقدار مساهمته في الحفاظ على هذا الشعب المقدَّس.

وقد عادت اليهودية المحافظة بتحويلها الشعب إلى مصدر للإطلاق وموضع للقداسة، إلى واحدة من أهم الطبقات في التركيب الجيولوجي اليهودي، وهي الطبقة الحلولية التي أدَّت إلى واقع أن الإله لم يتمتع قط بالمركزية التي يتمتع بها داخل الأنساق الدينية التوحيدية، فهو يمتزج بالشعب والأرض ويتساوى معهما .. و تميل الكفة داخل النسق الحلولي بالتدريج لصالح الشعب على حساب الإله حتى يصبح الشعب وتراثه (لا الإله) مصدر القداسة، وبالتالي يصبح جوهر اليهودية بقاء اليهود، ويظهر داخل اليهودية لاهوت البقاء أو لاهوت ما بعد أوشفيتس .. وقد عَرَّفت اليهودية المحافظة أهدافها بأنها الإصرار على وحدة إسرائيل (الكاثوليكية) العالمية، والإصرار على الحفاظ على استمرار التراث اليهودي والاهتمام بالدراسات اليهودية، فهذا هو الجوهر، أما ما عدا ذلك من عبادات وعقائد، فإنه يظهر بشكل عضوي وتلقائي متجدد.

جدير بالذكر أن هناك مصطلح ماسورتي يستخدم للإشارة إلى اليهود المحافظين وخاصة داخل إسرائيل .. وهذه الكلمة عبرية معناها (محافظ) أو (تقليدي)، وحين ترد هذه الكلمة في أحد النصوص العربية، يظن القارئ العربي أن هذا اليهودي الذي يقال له (تقليدي) يتمسك بالشعائر وبأهداف دينه، ولكنه في الواقع يهودي إثني يتمسك ببعض الشعائر لأنها جزء من ميراث الأجداد ولأنها تعبِّر عن الذات القومية وروح الشعب (فولك).

وهو في هذا مختلف عن اليهود العلمانيين الذي يرفضون كل التقاليد ويرون أنها تعوقهم عن التقدم واللحاق بركاب الحضارة الحديثة، ولكنه رغم اختلافه عن اليهود العلمانيين إلا أن هذا لا يجعله محافظاً أو تقليدياً من المنظور الديني، فالشعائر بالنسبة له ليست جزءاً من نسق ديني أخلاقي يتمسك به مهما كان الثمن، وإنما هي فلكلور يمتع به نفسه .. ورغم أن المعنى المعجمي للفظ (ماسورتي) هو (محافظ) أو (تقليدي)، فإن مجاله الدلالي مختلف تماماً عن هذين المعنيين في أية لغة أخرى أو أي سياق حضاري أو ديني آخر.

اليهودية المحافظة والصهيونية

لابد أن نذكر ابتداءً أن المذهب المسيطر على الحياة الدينية في إسرائيل هو اليهودية الأرثوذكسية، ولكننا رغم ذلك نرى أن الفكر الصهيوني يشبه في كثير من الوجوه فكر اليهودية المحافظة، فكلاهما يتبنى مقولات اليهودية الأرثوذكسية الحلولية بعد أن علمنها كلٌّ منهما على طريقته .. فبينما يؤكد الأرثوذكس الأصول المقدَّسة الربانية للتراث اليهودي، يرى المحافظون أنه تراث مقدَّس، ولا يعنون كثيراً بمصدر القداسة .. وعلى حين يلغي الأرثوذكس التاريخ الزمني كليةً ولا يدورون إلا داخل إطار التاريخ المقدَّس، نجد أن المحافظين يتحدثون عن تاريخ يهودي لا يختلف كثيراً عن التاريخ المقدَّس .. وبينما يصر الأرثوذكس على مقولة أن الدين اليهودي هو القومية اليهودية وعلى أن القومية هي الدين، يحاول المحافظون تمويه هذه الحقيقة والتخفيف من حدتها بعض الشيء بالحديث عن الروح المقدَّسة للشعب، وجعلها مصدر القداسة بدلاً من الإله، وكذلك بالحديث عن اليهودية كخليط من العقيدة الدينية والهوية الإثنية، وهو خليط أخذ يتطور منذ القدم حتى الوقت الحاضر .. وهكذا نجد أن اليهودية المحافظة هي الحلولية اليهودية التقليدية، بعد أن تم ترجيح كفة الجانب البشري على الجانب الإلهي، وهذا هو جوهر الصهيونية أيضاً.

وقد ارتبطت اليهودية المحافظة بالصهيونية منذ البداية، ويمكننا أن نعد الصهيونية الثقافية، التي كان يدعو لها (آحاد هعام)، ضرباً من ضروب اليهودية المحافظة (وكذا تجديدية كابلان وحوارية بوبر)، وبالفعل تبنت اليهودية المحافظة رؤية آحاد هعام للجماعات اليهودية في العالم (الدياسبورا) ورفضت المفهوم الصهيوني الخاص بضرورة نفي الدياسبورا (أي محوها أو استغلالها)، وطالبت باحترامها واحترام تراثها التاريخي، وكل ما يجمع هؤلاء المفكرين هو إيمانهم باختلاف التاريخ اليهودي عن تاريخ بقية الشعوب، فهو تاريخ مقدَّس يتضمن عناصر دينية، فهو موضع الحلول الإلهي، كما أن الدين اليهودي دين تاريخي يتضمن عناصر دنيوية (والواقع أن تداخل المقدَّس والدنيوي هو أساس بنية الفكر الصهيوني).

ولعل ذلك التقابل الواضح بين اليهودية المحافظة والصهيونية واضح تماماً في موقف (زكريا فرانكل وبن جوريون) مما يُسمَّى (التراث اليهودي)، ففرانكل يرى أن الدين اليهودي هو التعبير الديني عن روح الأمة اليهودية، وهو بمنزلة إجماعها الشعبي العام، ولذا يجب ألا تثار مسألة ما إذا كان القانون من أصل سماوي أو أرضي، فما دام القانون يعبِّر عن هذا الإجماع الشعبي العام فيجب أن يبقى ساري المفعول .. ويشبه هذا الموقف في كثير من الوجوه، موقف بن غوريون من أسطورة العهد الذي قطعه الإله على نفسه بمنح اليهود أرض كنعان، فبالنسبة لبن غوريون لا يهم إن كانت هذه الواقعة حقيقةً إلهية أم لا، فالمهم هو أن تظل هذه الأسطورة مغروسةً في الوجدان اليهودي، ولذا يجب أن تبقى سارية المفعول حتى بعد أن ثبت أن الوعد المقطوع مجرد أسطورة شعبية ليس لها أي مصدر إلهي.

وقد بدأت اليهودية المحافظة تلعب دوراً تنظيمياً نشيطاً داخل الحركة الصهيونية، وتأسست منظمة محافظة صهيونية هي منظمة مركاز (ومركاز يمثل الحروف الأولى لاسم المنظمة باللغة الانكليزية) ومعناه (حركة إعادة تأكيد الصهيونية المحافظة) .. وقد أصدرت الجمعية الأمريكية للحاخامات قراراً للمعابد اليهودية المحافظة بالانضمام إلى المنظمة الصهيونية العالمية بشكل جماعي، ويُلاحَظ أن اليهودية المحافظة بدأت تحقق نجاحاً ملحوظاً في إسرائيل في الوقت الحاضر .. وقد أُسِّست أول أبرشية محافظة في فلسطين عام (1936)، ولكن حتى أوائل السبعينيات، لم يكن في إسرائيل سوى عدة معابد يهودية محافظة، ومركز للطلبة اليهود الأمريكيين، (نيفيه شختر) وهو يُعَد الفرع الصيفي لكلية اللاهوت اليهودية.

ولكن بعد ذلك التاريخ بدأت محاولات جادة لتوسيع نطاق الحركة ليشمل التجمع الصهيوني كله، وباءت المحاولات بالفشل حتى أوائل الثمانينيات، حين ظهرت حركة ماسورتي (أي التقليدية) التي أسَّست عام(1984) معاهدها الأساسية ومنها المعهد العالي للدراسات اليهودية الذي يُعد الدارسين الإسرائيليين ليعملوا حاخامات محافظين، وحركة نوام الشبابية ومعسكرات صيفية ومدارس وكيبوتس وموشاف وفرق نحال .. ويتكون هيكل حركة ماسورتي التنظيمي من معبد إسرائيل المتحدة ويضم قيادات الأبرشيات، ومجمع إسرائيل الحاخامي ويضم حوالي 100 حاخامي ماسورتي، ويبلغ عدد أعضاء الحركة حوالي عشرة آلاف، ويوجد الآن نحو أربعين أبرشية محافظة .. كما نجحت الحركة في تأسيس مدارس تالي، وهي مدارس تعكس أيديولوجيا الحركة، ولا تتلقى هذه المدارس أي عون من الحكومة الإسرائيلية بسبب عدم اعتراف المؤسسة الأرثوذكسية بها.

وقد أصدرت حركة ماسورتي بياناً رسمياً عام (1986) يحدد موقفها .. وبعد عامين، أصدر المجلس الحاخامي بياناً أكثر شمولاً يعكس اهتمامات الحركة في الولايات المتحدة، وقد لوحظ وجود اختلافات مهمة بين ما جاء في هذا البيان وموقف حركة الماسورتي، وخصوصاً فيما يتعلق بدور إسرائيل بين يهود العالم .. ولا تعترف المؤسسة الأرثوذكسية المهيمنة في إسرائيل بالحاخامات المحافظين، كما لا تعترف بالزيجات التي يعقدونها أو مراسم الطلاق التي يقيمونها، وعلاوة على ذلك، تحاول المؤسسة الأرثوذكسية أن تعدل قانون العودة فتضيف عبارة (من تهوَّد حسب الشريعة)، أي على يد حاخام أرثوذكسي، وهو ما يعني استبعاد الحاخامات المحافظين، وتوزع دار الحاخامية منشورات تحذر الناس من أن أداء الصلوات في المعابد التابعة لحركة ماسورتي محرم .

اليهودية الأرثوذكسية

يشار إليها باعتبارها (الأصولية اليهودية) حينما تطبق داخل الدولة الصهيونية واليهودية الأرثوذكسية فرقة دينية يهودية حديثة ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر، وجاءت كرد فعل للتيارت التنويرية والإصلاحية بين اليهود .. وتُعتبر الأرثوذكسية الامتداد الحديث لليهودية الحاخامية التلمودية، ومصطلح (أرثوذكس) مصطلح مسيحي يعني (الاعتقاد الصحيح)، وقد استُخدم لأول مرة في إحدى المجلات الألمانية عام (1795)، للإشارة إلى اليهود المتمسكين بالشريعة، وقد تزعَّم الحركة اليهودية الحاخام (سمسون هيرش) .. وثمة اختلاف بين الأرثوذكس في شرق أوروبا، والأرثوذكس في ألمانيا وغرب أوروبا، إذ يعارض الفريق الأول كل البدع والتجديدات، سواء في الزي أو في النظام التعليمي، في حين تَبنَّى الفريق الثاني سياسة الحفاظ على نمط الحياة التقليدية، ولكنه يقبل مع هذا الزي الحديث والتعليم العلماني العام، ولذا يُشار إليهم بـ (الأرثوذكس الجدد) ويُعَدُّ الحسيديون من اليهود الأرثوذكس المتطرفين، كما أن فكرهم يعبِّر عن الحلولية اليهودية بشكل متبلور.

وقد هاجرت اليهودية الأرثوذكسية مع المهاجرين من يهود اليديشية من شرق أوروبا (من شتات روسيا وبولندا) الذين كانوا لا يتحدثون إلا اليديشية، والذين لم يكونوا قد تعرفوا إلى أفكار حركة التنوير والاستنارة .. وحينما حضر هؤلاء إلى أمريكا، وجدوا أن اليهودية السائدة فيها هي اليهودية الإصلاحية نتاج حركة الاستنارة، والتي يسيطر عليها العنصر الألماني المندمج الثري الذي كان يكن الاحتقار ليهود اليديشية، فأسس الأرثوذكس اتحاد الأبرشيات في أمريكا عام (1898)، وأهم مؤسساتها العلمية جامعة يشيفاه.

وقد كانت تتبع الحركة الأرثوذكسية شبكة كبيرة من المدارس، إذ أن اليهودية الأرثوذكسية تولي اهتماماً خاصاً للتعليم يفوق اهتمام الفرق الأخرى .. وتوجد اختلافات داخل الحركة الأرثوذكسية، فهناك اتحاد للحاخامات المغالين في الحفاظ على التقاليد، وهو اتحاد الحاخامات الأرثوذكس في أمريكا وكندا (1902).

أما الحاخامات الذين درسوا في أمريكا، فقد أسسوا مجلس أمريكا الحاخامي عام (1923)، ويحتفظ الحسيديون بقسط كبير من الاستقلال بعد أن أصبحوا من أهم أجنحة الأرثوذكسية، بعد الحرب العالمية الثانية، وهناك أيضاً اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية في أمريكا، ويضم كل المعابد الأرثوذكسية .. ورغم التماسك العقائدي والعائلي للأرثوذكس، ورغم عزلة أعداد كبيرة منهم داخل جيتواتهم الاختيارية، فإنهم يواجهون كثيراً من المشاكل التي يواجهها أعضاء المجتمع الاستهلاكي من انصراف عن القيم الأخلاقية وانتشار ما يُسمَّى الجنس العرضي أو السريع، أي الذي لا يستند إلى حب، ولا ينبع من علاقة دائمة ولا يتبدَّى في شكل علاقة إنسانية تتسم بشيء من الاستمرار والثبات، فضلاً عن تعاطي المخدرات وزيادة نسبة الأطفال غير الشرعيين.

ويُلاحَظ أن عدد اليهود الأرثوذكس في الولايات المتحدة ضئيل للغاية، إذ لا يزيد على 9% من يهود أمريكا (مقابل 65% إصلاحيون ومحافظون وتجديديون، و26% لا علاقة لهم بأية فرقة يهودية) حسب ما جاء في الكتاب اليهودي الأمريكي السنوي لعام (1992)، ومع هذا أوردت إحدى المراجع غير اليهودية أن عددهم هو مليون، وهو رقم مُبالَغ فيه، ويبلغ عدد الأبراشيات اليهودية الأرثوذكسية 1200 أبراشية.

والأرثوذكس لا يؤمنون بالتبشير بين الأغيار، ولكن عددهم مع هذا لا يتناقص (على خلاف الإصلاحيين والمحافظين) بسبب خصوبتهم المرتفعة، وبسبب انخفاض معدلات الزواج المُختلَط بينهم وإقبالهم على الزواج في سن مبكرة .. ينطلق هيرش والأرثوذكس من نقطة ثبات ميتافيزيقية تقع خارج نطاق الطبيعة، وهي أن الإله أوحى إلى موسى التوراة فوق جبل سيناء، وتمثل هذه النقطة بالنسبة إليهم حقيقة لا يمكن مناقشتها أو الجدال فيها، وهي مسألة ثابتة ذات معنى عميق وثابت يلغي أي معنى آخر يختلف عنها، فهي ركيزة النسق الأساسية ومرجعيته المتجاوزة.

والتوراة حسب تصوُّر الأرثوذكس، كلام الإله كتبها حرفاً حرفاً وأوحى بها إلى موسى، وهذه حقيقة يؤمن بها المؤمن إيمانه بأن الله خلق العالم من العدم، والمؤمن لا يعرف كيف خلق الله العالم ولا كيف كتب التوراة وأوحاها، أما كيف تم الوحي فمسألة مبهمة .. وهناك في صفوف الأرثوذكس من يعطي دوراً للعنصر الذاتي في التجربة الدينية ولكنهم جميعاً يؤمنون بعقيدة الوحي الإلهي وأن التوراة منزَّلة من الإله، ولذا فهي وحدها مصدر الشريعة، قيمها خالدة أزلية تنطبق على كل العصور، ولولا التوراة لما تحقَّق وجود جماعة يسرائيل، وعلى الشعب اليهودي اتّباع هذا الكتاب المقدَّس إلى أن يأتي وحي جديد، وقد نادى الأرثوذكس بعدم التغيير أو التبديل أو التطوير، لأن عقل الإنسان ضعيف لا يمكنه أن يعلو على ما أرسله الإله، ولأن التطور سيودي حتماً باليهودية.

ولكنهم مع هذا يختلفون حول تحديد أي أجزاء من التوراة هي التي أوحي بها الإله مباشرةً، وثمة إجماع على أن أسفار موسى الخمسة مرسلة من الإله، وبعضهم يوسع نطاق القداسة لتشمل كتباً أخرى من العهد القديم وهناك من يوسع نطاق القداسة ليشمل كل كتب الشريعة الشفوية .. وهناك من الأرثوذكس من يميل نحو تفسير التوراة تفسيراً حرفياً، ومن يؤمن بأن التاريخ الذي ورد فيها تاريخ حقيقي بالمفهوم المادي، ولكن هناك من يرى أن ما ورد في التوراة ليس حقائق تاريخية، وإنما فلسفة تاريخ (ولذا نجد أن هناك من الأرثوذكس من يصر على أن عمر الأرض هو كما ورد في العهد القديم الحاخام مناحم شنيرسون)، ولكن هناك من لا يجد أية صعوبة في قبول الحقائق العلمية (الحاخام مناحم منديل كاشير).

أما فيما يتصل بالأجزاء القانونية (التشريعية) فهناك من الأرثوذكس من يرى أنها تشريعات أزلية ثابتة، ولكن هناك فريق يشير إلى أن التوراة الشفوية نفسها دليل على أن بعض القوانين الدينية ليس أزلياً .. ولكن الأرثوذكس لا يؤمنون بالتوراة وحدها باعتبارها مستودع الكشف الإلهي، وإنما يؤمنون أيضاً بالتوراة (أو الشريعة) الشفوية وبكل كتب اليهودية الحاخامية، مثل التلمود والشولحان عاروخ بل وكتب القبَّالاه، أو على الأقل التفسيرات القبَّالية، وهي التفسيرات التي همَّشت النص التوراتي باعتبار أن الشريعة الشفوية تجعل الاجتهاد البشري (الحاخامي) أكثر أهمية وإلزاماً من النص الإلهي.

ويعتقد الأرثوذكس اعتقاداً حرفياً بصحة العقائد اليهودية الحلولية، مثل : الإيمان بالعودة الشخصية للماشيَّح، وبالعودة إلى فلسطين، وبأن اليهود هم الشعب المختار الذي يجب أن يعيش منعزلاً عن الناس لتحقيق رسالته .. وبسبب قداسة هذا الشعب، نجد أن الأرثوذكس يعارضون أية أنشطة تبشيرية، فالاختيار هو نتيجة للحلول الإلهي، ومن ثم فهو أمر يُتوارث.

من هنا، تتمسك اليهودية الأرثوذكسية بالتعريف الحاخامي لليهودي باعتبار أنه من وُلد لأم يهودية أو تهوَّد حسب الشريعة أي على يد حاخام أرثوذكسي، وتعبِّر الحلولية عن نفسها دائماً من خلال تَزايُد مفرط في الشعائر التي تفصل الشعب المقدَّس عن الأغيار، واليهودية الأرثوذكسية تؤمن بأن الأوامر والنواهي مُلزمة لليهودي الذي يجب أن يعيد صياغة حياته بحيث تُجسِّد هذه الأوامر والنواهي، وهي في إيمانها هذا لا تقبل أيَّ تمييز بين الشرائع الخاصة بالعقائد وتلك الخاصة بالشعائر.

ومن هنا التزامها الكامل في التمسك بالشعائر، فبعض الأرثوذكس يطالبون بعدم تغيير الطريقة التي يرتدي بها اليهود ملابسهم أو يقصون شعرهم، ولا تزال النساء في بعض الفرق الأرثوذكسية يحلقن شعورهن تماماً عند الزواج ويلبسن شعراً مستعاراً بدلاً منه، وهناك من يستخدمون العبرية في صلواتهم، ولا يسمحون باختلاط الجنسين في العبادات، ويحاول الأرثوذكس (كمجموعة دينية) الانفصال عن بقية الفرق اليهودية الأخرى حتى يمكنهم الحفاظ على جوهر اليهودية الحقيقي دون أن تشوبه شوائب، ولكن هذا الموقف يتفاوت فهناك من يبغض غير الأرثوذكس ولكن هناك من يطالب بحبهم والدفاع عنهم.

ولكن ثمة نقاط التقاء كثيرة بين اليهودية الأرثوذكسية واليهودية المحافظة، فكلتاهما تضفي هالة من القداسة على حياة اليهود وتاريخهم، وإن كانوا يختلفون في مصدر هذه القداسة، ويعود هذا إلى أن كلتيهما تَصدُران عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي اليهودي، وهي طبقة تعادل بين الإله والشعب، ومع هذا يمكن التمييز بين اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة من جهة واليهودية الأرثوذكسية من جهة أخرى، باعتبارهما تعبِّران الروحية (الإله  الأرض  الشعب) بحيث نجد أن الإله يكون في المركز أحياناً وفي الهامش أحياناً أخرى، نجد أن اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة تعبِّران عن مرحلة بداية شحوب الإله ثم موته .. ففي إطار اليهودية المحافظة، نجد أن الإله قد شحب أو تلاشى تماماً وأصبح لا وجود له خارج التاريخ اليهودي، أما اليهودية الإصلاحية فترى أن الإله قد ذاب في التاريخ الإنساني وفي فكرة التقدم، ومن هنا نجد أن الموقف مختلف من التوراة والشريعة الشفوية والشعائر، ومع شحوب الإله واختفائه، يصبح التمسك بالشعائر أمراً لا ضرورة له على الإطلاق أو تكون له قيمة رمزية شكلية محضة.

اليهودية الأرثوذكسية والصهيونية

يمكن تفسير الفكر اليهودي الأرثوذكسي تفسيراً معادياً تماماً للصهيونية .. فالإيمان بالعودة الشخصية للماشيَّح يعني الانتظار في صبر وأناة إلى أن يأذن الإله بالعودة، وعلى المؤمن الحق أن يقبل المنفى، إما عقاباً على ذنوب يسرائيل أو كجزء من التكليف الإلهي، وعليه ألا يحاول التعجيل بالنهاية ( דחיקת הקץ ) (دحيكات هاكتس) .. كانت الفرق الأرثوذكسية معادية للصهيونية في بادئ الأمر، ولكن هذه الأرثوذكسية تمت صهينتها على يد بعض الحاخامات الأرثوذكس، وخصوصاً الحاخام كوك (ومن قبله كاليشر والقالي)، وكانت متتالية الخلاص في الماضي تأخذ الشكل التالي : نفي – انتظار – عودة الشعب .. أما اليوم فإن المتتالية الجديدة المقترحة هي : نفي  عودة أعداد من اليهود للتمهيد لوصول الماشيَّح  عودة الماشيَّح مع بقية الشعب .. من هنا تمت صهينة الأرثوذكسية، ولم يبق سوى فريق الناطوري كارتا الذي يدافع عن الرؤية الأرثوذكسية التقليدية قبل صهينتها، وعملية الصهينة هذه ليست أمراً غريباً، فالرؤية الحلولية في إحدى مراحلها، تخلع القداسة على الشعب وإرادته، ولذا تبهت الإرادة الإلهية وتتراجع ويصبح من حق اليهود أن يعجلوا بالنهاية، وعلى كلٍّ فإن المنظومة القبَّالية التي يؤمن بها الأرثوذكس تجعل تَوحُّد الذات الإلهية واكتمالها مرهوناً بأفعال اليهود ومدى إقامتهم الشعائر.

وتستمدُّ اليهودية الأرثوذكسية قوتها من قوة اليهودية الأرثوذكسية في إسرائيل ومؤسساتها، فهم الفريق الوحيد المُعترَف به في الدولة الصهيونية، ومعظم اليهود الأرثوذكس أعضاء في جمعية أغودات إسرائيل، أو في حركة مزراحي .. والأولى لا تؤيد الصهيونية وغير مُمثَّلة في المنظمة الصهيونية العالمية، ومع هذا فلها أحزابها في إسرائيل، وممثلوها في الكنيست.

أما حركة المزراحي، فقد ساهمت منذ البداية في النشاط الصهيوني، وقد كُشف النقاب مؤخراً عن أن هرتزل (اللاديني) كان وراء تأسيس حركة المزراحي، وأنه دفع نفقات مؤتمر المزراحي الأول من جيبه .. ومن أهم الشخصيات اليهودية الأرثوذكسية : (سولوفايتشيك) رئيس شرف حركة مزراحي، و(إليعازر بركوفيتس) الذي يرى أن إنشاء دولة إسرائيل له دلالات أخروية عميقة.

وتسيطر اليهودية الأرثوذكسية على الحياة الدينية في إسرائيل، فهي تسيطر على دار الحاخامية الرئيسية، وعلى وزارة الشئون الدينية، وعلى الأحزاب الدينية، مثل : مزراحي، وعمال مزراحي، وأغودات إسرائيل، وعمال أغودات إسرائيل، وساش .. وهي أحزاب تمارس سلطة لا تتناسب بأية حال مع أحجامها الحقيقية، وذلك لأن الحزب الحاكم يدخلها الائتلافات الوزارية التي تمكِّنه من البقاء في الحكم، وهو يقدم لها، نظير ذلك، كثيراً من التنازلات التي تطالب بها .. ومن أهم هذه التنازلات، عدم اعتراف الدولة حتى الآن بالزيجات المُختلَطة، أو الزيجات التي لم يشرف على عقدها حاخامات أرثوذكس.

اليهودية الليبرالية

بدأت الحركة اليهودية الليبرالية في إنكلترا في السنوات الأولى من القرن العشرين نتيجة الجهود المشتركة لليلي مونتاجو (1873 – 1963) وكلود مونتيفيوري (1851 – 1938) حين أسسا الاتحاد الديني اليهودي (1902)، وتنطلق اليهودية الليبرالية من أن اليهودية الإصلاحية لم تصل بالإصلاح إلى نتيجته المنطقية ولم تواجه القضايا الحقيقية، وأن اليهودية لابد أن يدخل عليها المزيد من الإصلاحات حتى لا تظل عبئاً على اليهود .. ونقطة الانطلاق بالنسبة لليهودية الليبرالية هي الإنسان (واحتياجاته النفسية) لا العقيدة الدينية (فالعهد القديم في تصوُّرها اجتهاد بشري وليس وحياً إلهياً) ولذا طرحت الليبرالية مفهوم الضمير الشخصي و (الوعي المستنير)، وجعلت من حق كل يهودي أن يدرس العقائد والممارسات اليهودية، ثم يختار ما يحلو له منها، إذ أن من حق كل يهودي أن يقرر شكل اليهودية التي يؤمن بها، ويحدد مكوناتها (ولابد أن الإله سيسدد خطاه بطريقة ما)، أي أنها عملية علمنة من الداخل.

ولذا يذهب الفكر الديني الليبرالي إلى أن الأوامر والنواهي (متسفوت) مسألة اختيارية، قد يحتاج لها بعض الناس ليحققوا تطورهم الأخلاقي، ولكن الآخرين قد لا يحتاجون لها على الإطلاق .. فالطعام المباح شرعاً يعتبر شكلاً من أشكال الانضباط الأخلاقي بالنسبة لمن يرون ذلك، أما من يودون تحقيق هذا الانضباط بطريقة أخرى، فهم في حلٍّ من أمرهم.

وكلاهما له شرعيته من وجهة النظر الليبرالية .. ورغم هذا الانفتاح الكامل (الذي يقترب باليهودية الليبرالية من يهودية عصر ما بعد الحداثة) إلا أن ثمة طقوساً معينة فرضت نفسها على أتباع هذه الفرقة، فالصلاة في المعبد الليبرالي تشبه الصلوات في المعابد الإصلاحية فيجلس الرجال والنساء سوياً، ويجلس الرجال دون غطاء للرأس إن أرادوا .. كما أبقى الليبراليون بعض الطقوس مثل النفخ في البوق (شوفار) في رأس السنة والصيام في يوم الغفران (يوم كيبور) وأكل خبز الماتساه غير المخمر في عيد الفصح.

ويُلاحَظ أن الشعائر التي اختارها اليهود الليبراليون ذات طابع احتفالي، ولا تتطلب مشقة كبيرة، كما يمكن تطويعها لتتفق مع إيقاع العصر، فبالنسبة لشعائر السبت لا يمتنع اليهودي الليبرالي عن العمل ولكنه قد يوقد الشموع، ولكن حتى هذه الشموع يمكنه أن يوقدها بعد غروب الشمس، وليس قبله كما تنص الشريعة، إن وجد أن الالتزام بالشريعة سيسبب له ضيقاً .. وقد أسقط الليبراليون صوم التاسع من آب وغيره من أيام الصوم وهم لا يعتبرون عيد الأسابيع (شفوعوت) عيداً حيث إنهم لا يؤمنون بأن التوراة قد نزلت على موسى في سيناء، وتذهب اليهودية الليبرالية إلى أن اليهودي من وُلد لأم يهودية أو لأب يهودي أو رُبِّي تربية يهودية.

النيولوج

(نيولوج) هو الاسم العرفي (غير الرسمي) الذي كان يُطلَق على أعضاء الجماعة اليهودية في المجر والمنتمين إلى اليهودية الإصلاحية، وقد ظهرت الاتجاهات الإصلاحية بين الجماعات اليهودية في المجر في أوائل القرن التاسع عشر والتي واجهت مساعيها وأنشطتها التنظيمية معارضة المؤسسة الأرثوذكسية .. وبعد أن مُنح يهود المجر حقوقهم المدنية كاملة عام (1867)، قدَّم زعماء طائفة النيولوج في مدينة بست، التي كانت تُعَدُّ مركز أقوى تجمُّع نيولوجي في المجر، مذكرة إلى وزير التعليم والشئون الدينية المجري بشأن الهيكل التنظيمي للجماعة اليهودية المجرية مقترحين عقد مؤتمر لممثلي يهود المجر دون إشراك الحاخامات، وذلك تفادياً لتَفجُّر الجدل حول المسائل العقائدية، وكذلك منعاً لتَدخُّلهم في الشؤون التي تتعدى وظائفهم ومهامهم .. وقد أصبح هذه الاتجاه وهو اتجاه عارضه الأرثوذكس وكذلك بعض النيولوجيين، إحدى الركائز الأساسية في تنظيم الطائفة النيولوجية وتجمعاتها، وقد سُمح للحاخامات فيما بعد بحضور المؤتمر.

وفي الانتخابات التي جرت داخل الجماعة، حقق النيولوجيون أغلبية في الأصوات إذ حصلوا على 57.5% مقابل 42.5% للأرثوذكس. وفي نهاية عام (1868) تم افتتاح المؤتمر اليهودي العام الذي كانت قضيته الأساسية مناقشة الهيكل التنظيمي للجماعة، وقد سادت المؤتمر خلافات حادة وجدل عنيف، وخصوصاً حول تحديد طبيعة أو ماهية الجماعة اليهودية في المجر، إذ أن النيولوجيين قد اعتبروا الجماعة (جماعة تعمل على تلبية الاحتياجات الدينية) في حين أصر الأرثوذكس على اعتبارها (جماعة من أتباع العقيدة الموسوية الحاخامية والأوامر التي تم وضعها وتصنيفها في الشولحان عاروخ).

ومن القضايا الأخرى التي أثارت الخلاف، المدرسة اللاهوتية للحاخامات التي كان من المزمع إقامتها بتمويل صندوق المدارس الذي أسسه الإمبراطور فرانسيس جوزيف الثاني من أموال الغرامة التي فُرضت على يهود المجر في أعقاب ثورة (1848)، وفي النهاية انسحب ثمانية وأربعون مندوباً أرثوذكسياً من المؤتمر، وتم التصديق على قرارات المؤتمر .. وقد نجح الأرثوذكس فيما بعد في تنظيم إطار خاص بهم، وذلك بعد حصولهم على تصريح بذلك من الإمبراطور.

وقد سعى النيولوجيون إلى توحيد الطائفتين النيولوجية والأرثوذكسية ولكن دون جدوى، ومع ذلك، كان لسعيهم في هذا الاتجاه أثر في عدم تطبيقهم أية إصلاحات راديكالية في الطقوس الدينية وتَبنِّيهم توجهاً محافظاً .. وإلى جانب ذلك، ظل هناك خلاف داخل المعسكر النيولوجي نفسه، فمنذ عام (1848) سعى بعض أعضاء الطائفة إلى تأسيس معبد إصلاحي، ولكن المخاوف داخل الطائفة من أن تتسبب هذه الخطوة في إحداث انشقاق نهائي بين الجماعة اليهودية، أدَّت إلى حصولها على أمر من السلطات بتصفية هذه المنظمة الإصلاحية الصغيرة عام (1852)، وفي عام (1884)، حاولت مجموعة أخرى تأسيس جماعة إصلاحية ولكن المكتب القومي للنيولوجيين تَدخَّل مرة أخرى لمنعهم .. أما بعد الحرب العالمية الأولى، فقد شكلت الطائفة النيولوجية نقطة جذب ليهود المجر الذين تباعدوا تماماً عن العقيدة اليهودية ولكنهم لم يجدوا قبولاً بعد داخل المجتمع المجري المحيط، وخلال الفترة التي عاش فيها يهود المجر في عزلة اجتماعية واقتصادية (1938 -1944)، نشطت الطائفة النيولوجية وخصوصاً في المجالات التعليمية والخيرية، كما انضمت إليهم بعض العناصر الصهيونية بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن هذا التطور لم يستمر حيث تم مَنْع النشاط الصهيوني عام (1949)، وفي عام (1950)، تم توحيد الطائفتين النيولوجية والأرثوذكسية بقرار من النظام الشيوعي.

فرقة اليهودية البشرية

وهي من الفرق اليهودية التي ظهرت حديثا، وربما لم يسمع القارئ بها من قبل – كما يقول د.جعفر هادي حسن – ولكون هذه الفرقة غير معروفة للكثيرين فإننا سنتوسع في الحديث عنها قليلا .. كانت هذه الفرقة قد ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية عام (1963) عندما بدأ الحاخام شيروين واين (توفي عام 2007) بإنشاء أحد المعابد في مدينة ديترويت لنشر الدعوة إلى اليهودية البشرية (أو فرقة اليهودية الإنسانية حسب التسمية الانكليزية)، وفي عام (1966) تكونت لجنة خاصة في نفس المعبد لمشاركة الناس العاديين مع الحاخامين في العبادة وفي مجال التربية أيضا، وفي عام (1967) اجتمع عدة زعماء لهذه الحركة في ديترويت أيضاً، وأصدروا بياناً أكدوا فيه على أن اليهودية يجب أن تكون محكومة بالتجربة العقلية والحاجة الإنسانية.

وبعد سنتين أنشئ كنيس، وفي عام (1969) أنشئت جمعية باسم (اليهودية البشرية) من أجل إقامة التعاون والالتقاء بين اليهود البشريين (أو الإنسانيين) وفي عام (1970) عقدت هذه الجمعية مؤتمرها السنوي الأول في ديترويت وبعد عشر سنوات من هذا التاريخ أنشئت كنس عدة في الولايات المتحدة وكندا ثم بعد ذلك أصبحت اليهودية العلمانية البشرية حركة عالمية ولها مؤيدون في أكثر من قارة، وأصبحت لها تسع جمعيات عامة في كندا وأمريكا وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا واستراليا والأرجنتين والأورغواي وإسرائيل، ويضم هذه الجمعيات اتحاد اسمه الرسمي هو (الاتحاد العالمي لليهودية البشرية العلمانية).

في عام (1986) أصدر الاتحاد بياناً حول معتقدات هذه الفرقة وأهدافها جاء فيه : إننا نؤمن بقيمة العقل الإنساني وفي واقعية العالم التي يكشفها العقل، وأن الكون الطبيعي يقف وحده دون تدخل من عالم الميتافيزيقيا ونحن نؤمن بقيمة الوجود الإنساني ونؤمن بقدرة الإنسان على حل المشاكل بشكل فردي وجماعي وأن الحياة يجب أن توجه من أجل إرضاء الحاجات الإنسانية، وكل إنسان له الحق في الحياة والكرامة والحرية، ونحن نؤمن بقيمة الهوية اليهودية ونؤمن كذلك ببقاء الشعب اليهودي، وأن التاريخ اليهودي هو قضية إنسانية، واليهودية كحضارة لليهود هي من خلق البشر، والهوية اليهودية هي حقيقية عرقية، وأن الحياة اليهودية تشمل كل مظاهر الحياة اليهودية ومن ضمنها اللغات اليهودية والأخلاق والذكريات التاريخية والتراث الثقافي خاصة ظهور (دولة إسرائيل) في العصر الحديث، واليهودية كذلك تشمل عدة معتقدات وسلوك حياتي، ولما كانت اليهودية هي من خلق اليهود أنفسهم حسبما يقول هؤلاء فإنها دائماً تتغير، ويقولون نحن نؤمن بقيمة البشرية العلمانية والديمقراطية لإسرائيل ولكل شعوب العالم .. كما أن الدين والدولة يجب أن ينفصلا، ويجب أن يضمن لكل شخص الخصوصية والاستقلالية وكل إنسان مع غض النظر عن جنسه وعرقه ودينه له حقوق متساوية والبشريون (الإنسانيون) لهم معهد كبير في إسرائيل يتخرج منه حاخاميهم ويمنحونهم شهادات منه.

أما نظرة هذه الفرقة إلى التوراة والتلمود والأنبياء والمناسبات الدينية، فهي ترى بأن التوراة تثير الارتباك والتشوش عند الإنسان كما أن النقد العلمي قد كشف أنها لم تكن قد كتبت من قبل موسى (كما يقول الحاخامون) ولكنها في الواقع مكونة من أربع وثائق رئيسة على الأقل وهي وثائق كتبت منفصلة .. فضلا أن الكثير من قصصها متناقضة كما في الإصحاح الأول والثاني من سفر التكوين، (وربما هم يشيرون هنا إلى قضية خلق الإنسان) والكثير من الحوداث إما أنها لم تحدث أو أنها لم تحدث بالطريقة التي تحدثت عنها التوراة، كما أن عدداً كبيراً من هذه القصص كتبت بعد قرون من افتراض حصولها، وترى هذه الفرقة أن التوراة تكشف أشياء أخرى من خلال التناقضات والإدانات وأنها إذا قرئت بتعمق فإنها ستكشف عن وجود آراء يهودية أخرى غير الآراء المعروفة ونحن ليس علينا أن نقبل ما يكتبه محرروا التوراة.

ويرى هؤلاء أيضاً بأن التوراة وثيقة شوفينية، إذ أنها تعتبر اليهود شعباً مختاراً متميزاً حيث لهم حقوق خاصة بهم دون غيرهم، إضافة إلى أنهم مفضلون، لا لأن لهم فضائل فطرية خاصة بهم، بل لأنهم أبناء يهوه المفضلون .. كما أنه ليس هناك دور للناس الآخرين عدا اليهود وكلام كثير عما يعمل يهوه من أجلهم وماذا يتوقع منهم هو، فرب العالم وإلهه يسلك سلوك رب عشائري .. ومن وجهة نظر الفرقة فإن التوراة تعتبر وثيقة رجعية تشجع على إهانة اليهود المعاصرين أخلاقيا، وأن الحياة التي تعرضها التوراة هي حياة العائلة الدكتاتورية وعدم المساواة بين الرجل والمرأة وحكومتها حكومة ثيوقراطية وتركز على الخصوصية العشائرية كما أنها تركز على الأضاحي، وأساطير التوراة تحمل في طياتها إهانة للأنثى وعداء عشائرياً، كما أن ثلثي التوراة هي وثيقة محرجة ولذلك فإنها لا يمكن أن تجعل أساساً لشريعة علمانية من دون أن يكون الإنسان غير صادق مع نفسه.

ويقول أصحاب هذه الفرقة : “إن التوراة لا تناسب وجهة نظرنا، إنها شعار يناسب اليهود الذين يؤمنون بالحاخامين وهي تناسب طموحهم وحياتهم التي يرغبونها ولكنها بالنسبة إلى اليهودية البشرية هي كذب لأنها تتحدث عن تقاليد غير صحيحة، واليهودية البشرية لم تخرج من الوثيقة الرسمية لليهودية الكهنوتية والحاخامية، بل إنها وليدة التجربة اليهودية وأن التاريخ اليهودي من وجهة نظر اليهودية البشرية يختلف عما ينظر إليه الحاخامون والكهنة .. فالشخصية اليهودية هي نتاج التاريخ اليهودي وليس نتاج التوراة”.

ويرى أصحابها أيضا أن محررين من القرن السادس قبل الميلاد قد وضعوا مبادئهم وقناعاتهم على لسان الآباء (أبراهام واسحق ويعقوب) وعلى لسان موسى، وأن التوراة إذا درست بشكل علمي فإنها ستظهر حقيقة الأحداث خلف الأساطير، وأن هؤلاء المحررين نظروا إلى الماضي من خلال أفكارهم السياسية ومعتقداتهم الدينية، كما أن التاريخ اليهودي هو بالضرورة ذلك الذي رآه الحاخامون والكهنة.

وترى هذه الفرقة أن يهوه لم يكتب التوراة ولكن الاعتقاد بأنه هو الذي كتبها يؤثر على الشخص في تعامله مع الأفكار، وأصحابها يعتقدون بأن السلوك العملي لليهود قد جاء من أفكار التوراة وشروحها وأن دراسة هذه الأفكار هي دراسة للتاريخ اليهودي، كما أن دراسة الحالات التي تناقض تلك هي أيضاً جزء من التاريخ اليهودي، وإذا كانت هناك أفكار تتفق بها اليهودية البشرية مع اليهودية الحاخامية، فإن ذلك قد جاء من خلال وعي التجربة الإنسانية – على حد زعمهم – وهي التجربة التي تجعل مثل هذا شيئاً مهماً حتى لو لم يكن ذلك في التوراة .. كما أن التأكيد على أن اليهود يجب أن يتذكروا اعتمادهم على التدخل الإلهي هو مخالف للاعتماد على النفس، وأن السلوك الأخلاقي لليهود لم يأت من الوصايا العشر، ولكنه جاء من التجربة اليهودية.

وخلاصة موقف هذه الفرقة من التوراة، هي أن التوراة كتاب أدبي وحقها أن توضع في مكان مشرف في متحف الكتب اليهودية يتحدث عنها المعلمون وعن أهميتها التاريخية وقوتها ولكن لا يجوز لمن يؤمن باليهودية البشرية أن يعبدها ويعتقد بأن الهوية اليهودية والسلوك الأخلاقي يتوقف عليها .. وبالنسبة للتلمود فإن اليهود البشريين لا يعترفون به لأنهم يرون فيه نتاجا من نتاجات اختلاف الحاخامين، فالحاخامون قالوا بأن تعاليم التوراة هي تعاليم غير كاملة، وأن هناك تعاليم ربانية أخرى بها تكتمل التوراة وهذه التعاليم هي شفوية (ويطلق عليها بين اليهود التوراة الشفوية) وهي مهمة كأهمية التوراة المكتوبة، وقد سميت هذه التعاليم المكتوبة بالتلمود وقد أصبح التلمود هو الأساس لليهود الحاخامية.

وقد جعل الحاخامون يهوه مركز أفكارهم فهم يقولون بأن يهوه قد اختار أبراهام (إبراهيم) الذي اعتبروه جداً لشعب خاص ومختار وهو قد أقام عهداً معه، وإذا ما حاول أحفاد أبراهام وجاهدوا من أجل أن يتبعوا تعاليم يهوه ويصبحوا قريبين إليه فهو سيجازيهم بجزاء خاص وستصبح القدس التي يعتبرها اليهود عاصمة لهم، سكناً خاصاً به، وسيكون لليهود الشرف في السكن قرب قصره وحضوره الأرضي .. وتعتقد هذه الفرقة أنه بعد ظهور المسيح اليهودي المخلص ممثل يهوه سيهزم الأشرار وسيجعل القدس عاصمة العالم، وفي يوم القيامة سيكون اليهود أفضل الشعوب وسيجد اليهود الدخول إلى الجنة أسهل من بقية الشعوب الأخرى وهم سيكونون سعداء برؤية أعدائهم يذلون ويحكمون لكن على اليهود أن يلتزموا بالهالاخاه الشريعة التي عرضت في التلمود والتوراة.

كما أن اليهود عندما يعاقبهم يهوه فهو عقاب خاص إذ هو ليس بغرض الاهانة والإذلال، وإنما هو عبارة عن معاملة خاصة، كما أن الحاخامين جعلوا من هزيمة اليهود وإذلالهم رمزاً لرضا يهوه عنهم، وجعلوه رمزاً للشرف وتخفيفا من الذنوب وجزاءً في المستقبل، ويؤكد الحاخامون على أن يهوه لا يقبل التعددية وإنما اليهودية هي وحدها المقبولة، وترى هذه الفرقة بأن الحاخامين قد جعلوا من قصة يهوه دافعاً قوياً ومحركاً، وقد كانت هذه القصة – قصة يهوه – مقنعة لليهود إلى العصر الحديث، ولكن في الوقت الحاضر فإن أكثر اليهود قد تركوا ما قرره لهم الحاخامون بالنسبة إلى يهوه.

أما نظرتهم إلى الأنبياء، فإن أصحاب هذه الفرقة يقولون إن أنبياء اليهود مثل عاموس واشعيا وميخا يعتبرون شخصيات مهمة في العهد القديم لدفاعهم الشديد عن الفقراء والمحتاجين حتى أصبح هؤلاء نماذج عليا لبعض اليهود في العصر الحاضر، ولكن كان لهؤلاء الأنبياء مشكلات جدية، إذ أنهم كانوا يعرضوا أنفسهم كملتزمين وقديسين، ولكنهم أيضاً في نفس الوقت كانوا ديكتاتوريين ولم يكونوا يسمحون بالرأي الآخر وكانوا دائماً يأمرون بدون مناقشة، ولما كان هؤلاء صوت يهوه فهم كانوا معصومين.

ولا شك أن هناك بعض الفقرات في العهد القديم التي تصل إلى ثلاثين أو أربعين والتي تدين استغلال الفقير ولكن الناس لا يعرفون بأن هناك مئات الأنبياء الذين تنبؤا لتدمير العدو بشكل لا إنساني، ويقولون أنهم عندما يقرأون كتب الأنبياء فإنهم يقرأون كتباً مليئة بصفحات من الدم والقتل قبل أن يعثرون على القليل من الإحساس الإنساني، والواقع أن أنبياء يهوه الذين اختيروا من أجل إشاعة النص المقدس يُظهرون سلوكاً أخلاقياً غير متجانس وأن كلامهم لم يحفظ من أجل سبب أنساني وإنما حفظ من أجل أن يعطي ثقة لليهود بمستقبلهم ولتوضيح لماذا أن الحاضر هو سيئ، ولذلك فإن ما كتبه الأنبياء كان يقرأ في الاجتماعات العامة لإعطاء أمل وتعبير عن التأثر لحالة الضعفاء وعدا عن ذلك فإن كتب الأنبياء مثل التوراة لا يمكن أن تؤخذ على أنها قواعد أخلاقية، ولا يعتقد هؤلاء بأن النبي موسى (عليه السلام) كان قد قاد الإسرائيليين الأوائل.

وعن موقفهم من المناسبات الدينية يصر (البشريون) على أن الأعياد والمناسبات اليهودية تعطيهم كرامة وأن الصلوات والقصص التي تحول التجربة اليهودية إلى شهادة للاعتماد على الغيب ليس لها مكان في احتفال المناسبة، وأن مدح يهوه في الفصح يقلل من جهد الإنسان وإبداعه، ولذلك لا بد أن يكون هناك طريق لتقديم القصص التي تؤكد على العقل الإنساني والكرامة الإنسانية، وأنه ليس هناك خطة غيبية تجعل العبودية ممكنة.

ويدعي (البشريون) (أصحاب هذه الفرقة) بأن مقاربة اليهودية البشرية للتقويم اليهودي لا بد وأن تكون عملية ولذلك فإن التواريخ التي وضعها الحاخامون للمناسبات لا بد من قبولها لأن اليهود متعودون عليها وهم يصبحون أكثر وعياً لهويتهم أثناءها، وإذا كان من الصعب تغيير أوقاتها فلا بد إذن أن تقام بشكل مختلف حتى تتحقق الكرامة مع الهوية، ويقولولون كذلك بأن لهم الحق في وضع مناسبات جديدة كما كان لأجدادهم، فالمناسبات القديمة تربطهم بكل أولئك الذين يشاركونهم بالهوية وإن المناسبة الجديدة التي تنشئها اليهودية البشرية تدعم تفرد فكرتهم الإنسانية فمثلاً الاحتفال في شهر مارس بميلاد اينشتاين يكون مناسبة إضافية ذات معنى حتى لو لم يرد الحاخامون الاحتفال بها، وقد تسقط بعض المناسبات القديمة التي لا تستحق بذل الجهود لإعادة تفسيرها وإعطاءها معنى مثل صوم إستير في (17 تموز) وكذلك صيام (9 آب) (وهو اليوم الذي يفترض فيه أن الهيكل اليهودي قد هدم فيه مرتين)، إذ ليس هناك سبب جيد لاستمرارها، فإن مثل هذه المناسبات تحول طاقتهم – كما يدعون – من مناسبة أكثر أهمية.

فمثلاً تهديم المعبد في أورشليم الذي بسببه يصوم اليهود في التاسع من آب كان كارثة قومية لليهود، ولكن الهولوكست يعطي هذه الفكرة بشكل أوضح، ولذلك فإن قرار اليهودية البشرية لبعث المناسبات القديمة وإعادة تفسير الحالي منها واختراع أخرى هو جزء من خطة لبرنامج واضح جداً لأن المناسبات هي أفضل طريق لتعليم التاريخ اليهودي وأهمية الهوية لبشر مشغولين في الحياة.

وهم يرون أن يهودية الحاخامين تطغي عليها النشاطات الدينية والصلوات وقراءة التوراة، كما أنهم أضافوا قصصاً جديدة لتضفى على المناسبات علاقة وارتباط بيهوه وقد حاول الحاخامون أن يكون الحديث عن موسى والخروج من مصر جزءاً في أكثر المناسبات، وهم يرون بأن هذه المناسبات يجب أن تتخلص من دكتاتورية الحاخامين ويجب أن تعطى لغة علمانية وقصصاً غير دينية وليس من الصحيح إجراء تعديلات شكلية عليها، وأن البشريين يجب أن يكونوا جريئين كجرأة الكهنة والحاخامين الذين نسبوا الكثير من هذه المناسبات إلى موسى ويهوه ولا بد من النظر إلى الجانب الآخر من التاريخ اليهودي في هذه المناسبة.

ولهذه الفرقة مواقف من مسائل أخرى في الديانة والمعتقدات اليهودية كيوم السبت والختان وتعريف من هو اليهودي والزواج المختلط وعلاقة إسرائيل بالشتات.

فهي ترى أن السبت هو من أكثر المناسبات الدينية تكراراً ولكن أصل السبت مجهول ويعود الاحتفال به إلى ما ذكر في سفر التكوين أن الإله يهوه استراح في اليوم السابع ويقول اليهود إننا أيضاً يجب أن نستريح كذلك في اليوم السابع، ولكنهم يفسرون كلمة ( שבת ) (شبت) العبرية ليس بمعنى راحة ولكن بمعنى توقف عن النشاطات، وإن يوماً ليس فيه نشاط هو يوم مختلف عن يوم الراحة.

ويقول هؤلاء إن يوم السبت يتسم بالخوف عندما تكون كل أنواع الحركة محظورة وخطرة، وأن الكهنة نقلوا هذا اليوم إلى اليوم السابع من الأسبوع وأعطوه أهمية قصوى، وأنه يوم خاص ليهوه وأكده أولئك الذين يؤمنون بالرقم 7، وأصبح يوم السبت مع الختان علامتين رئيسيتين للهوية اليهودية وبما أنه مناسبة وضع أساسها الكهنة، فإنه جعل يوماً مخيفاً، فالتوراة قد حددت حركة الناس وجعلتهم يجلسون في بيوتهم كل اليوم وبدون ضياء كل الليل والخوف من السبت وتخويف الحاخامين منه هو انعكاس لخوف الوجود اليهودي، وإن اختيار يوم معين للابتعاد عن كل أنواع اللذات والنشاطات هو أقرب إلى الإرهاب منه إلى الراحة والاستجمام، ولكن الحاخامين فيما بعد خففوا من قساوة هذا اليوم بأن سمحوا بإشعال الشموع وشرب النبيذ واجتماع عام وقراءة التوراة وقد أجازوا للناس الذهاب إلى الكنيس والصلاة فيه ولكنهم في الوقت نفسه يمنعون أكثر النشاطات ومع ذلك ليس من السهولة بأن يوصف بأنه يوم راحة.

ويقول أتباع اليهودية البشرية أنهم يعتبرون يوم السبت رمزا للإنسانية، وهو شاهد على الأواصر والعلاقات الإنسانية والتي هي وحدها تجعل البقاء ممكناً، واجتماع العائلة يوم السبت عند العشاء يمثل القوة الرئيسة للبقاء الإنساني وإذا كان العالم يجعل الإنسان قلقاً، فإن عائلته تعطيه الإسناد والرعاية، ويقولون إن عشاءنا يوم السبت هو اعتراف للعائلة التي تجلس حول المائدة، وإن ما نقدمه في السبت من شعائر هو اعتراف للعائلة اليهودية الكبيرة التي تشترك معنا في التاريخ وفي قدرنا الاجتماعي.

وبالنسبة للختان فإنهم يرون أنه كان يمارس في السابق بين الساميين وغيرهم ولم يكن خاصاً باليهود، ولكن اليهودية الكهنوتية قد عظمت كثيراً من قضية الختان وفسرته على أنه علاقة على كثرة النسل الذي وعد به يهوه أبراهام ونسله وقد نص في التوراة على الختان في سفر التكوين (17-9-14)، ويذكر أفراد الفرقة البشرية بأن الكهنة يقولون للناس إذا لم يقم الأب بعملية الختان في اليوم الثامن، فإن مصائب خطيرة ستصيب الطفل واليهود وما زال الخوف موجوداً إلى هذا اليوم، وأصبح الاحتفال بأداء الختان احتفالاً محكماً للذكر، أما الأنثى فلم يكن نصيبها سوى وضع التمائم وقراءة البركات.

أما اليهودية البشرية فإنها لا توافق على مثل هذا النوع من التفرقة حيث يقام الاحتفال للذكور فقط، كما أن الختان بطبيعته لا يتفق مع قيم اليهودية البشرية وهي وإن كانت لا تمانع في إجراء ذلك بسبب صحي ولكنها لا توافق على أن يكون موضوعاً لاحتفال بين الناس، وهي

تقترح أن يكون هناك احتفال على مستوى العائلة أو الجماعة اليهودية لكل من الذكر والأنثى وبمستوى واحد ويُبرز الاحتفال ارتباط الطفل ذكراً وأنثى بمستقبل العائلة وباليهود وبالإنسانية عامة وإعطاء الطفل الاسم العبري بهذه المناسبة يكون رمزاً للارتباط باليهود.

وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من اليهود يمارسون عملية الختان لأبنائهم، إلا أن بعض المذاهب اليهودية غير الارثوذكسية أخذت تتهاون في قضية الختان للأطفال خاصة إذا كان أحد الأبوين غير يهودي، واليوم برزت بين اليهود ظاهرة عدم ختان الأطفال -وإن كانت على نطاق محدود- وأخذت هذه الظاهرة تتشكل منذ بضع سنوات على اعتبار أن عملية الختان هي عملية وحشية أو بدائية أو مؤذية نفسياً للطفل إلى غير ذلك من أسباب.

وفيما يخص تعريف من هو اليهودي، فقد جاء في بيان للفرقة ما نصه : “إننا نحن أعضاء الاتحاد العالمي لليهودية البشرية العلمانية نعتقد بأن حياة اليهود تتوقف على نظرة أوسع للهوية اليهودية، ونحن نرحب بكل الرجال والنساء من الذين يريدون أن يشاركوا بإخلاص التجربة اليهودية مع غض النظر عن أصلهم أن يدخلوا في الشعب اليهودي، ونحن نرفض الاعتقاد بأن اليهود هم أصلاً بشكل خاص مجتمع ديني، وأن الاعتقاد أو السلوك الديني هو شيء أساسي من أجل أن يكون الإنسان عضواً كاملاً في المجتمع اليهودي .. إن الشعب اليهودي هم أناس عالميون لهم ثقافات متعددة وحضارات متعددة وإن اليهودية كثقافة لليهود هي أكثر من كونها التزام ديني وهي تضم لغات كثيرة وآداب متعددة وتقاليد تاريخية مختلفة وفي وقتنا الحاضر، فإن الهولوكست وظهور إسرائيل مرة أخرى جزء رئيس من الوعي اليهودي، ونحن كيهود علينا مسؤولية أخلاقية كي نرحب بكل الذين يريدون أن ينتموا إلى ثقافتنا وقدرنا وإن الأطفال والزوجات والأزواج من غير اليهود الذين يرغبون أن يكونوا جزءاً من الشعب اليهودي يجب أن لا يرفضوا بسبب أن أمهاتهم لسن يهوديات ولا يريدون أن يخضعوا لطريقة التهود الدينية، وإن مهمة تعريف (من هو اليهودي) تتعلق بكل اليهود ولا يمكن أن تختطف من قبل أي مجموعة من اليهود .. إن الجواب على سؤال من هو اليهودي الذي تدعيه بعض الاتجاهات الارثوذكسية والتي تدعي على أساس من التجربة التاريخية لليهود هو تعريف مؤذ، وإننا نؤكد بأن اليهودي هو ذلك الشخص الذي ينحدر من أصل يهودي أو يعلن عن نفسه أو تعلن عن نفسها بأنه أو أنها يهودية ويشخص نفسه أو تشخص نفسها مع القيم الأخلاقية والثقافة والحضارة والجماعة اليهودية والقدر اليهودي”.

ويقول الحاخام (واين) إن الهوية اليهودية هي التزام مهم ولكنها ليست الالتزام الوحيد والمثل الرئيسي وإن إعطاء الهوية اليهودية الوضع الأكبر والأفضل هو خرق للأخلاق الإنسانية، وإنه انتزاع للهوية الشخصية للأفراد وتضييق مجال الاكتشاف الأوسع لكرامة الإنسان .. أما بالنسبة للزواج المختلط فمعروف أن اليهود الأرثودكس لا يجيزون الزواج من غير اليهودي أو اليهودية لأنهم يعتبرون ذلك مخالفا للشريعة اليهودية، بل إنهم يقيمون عزاء لفترة من الزمن إذا تزوج ابن لهؤلاء من إمرأة غير يهودية، وبقية المذاهب غير الأرثودوكسية تجيز ذلك بصورة عامة.

أما أتباع الفرقة البشرية فيرون أن اليهود الذين يتزوجون من غير اليهود لا يعني أنهم يتخلون عن يهوديتهم ويرفضونها وإنما ذلك هو تعبير عن قوة الحب عند الإنسان لشخص آخر يشاركه في الأفكار والمثل حتى لو كان هؤلاء غير يهود، ويقولون إنه إذا كان الحفاظ على الهوية اليهودية هو أهم شيء فإن منع الزواج المختلط يكون شيئاً عقلانياً تماماً كي يوضع حد له ويكون القول بأن الزواج المختلط منافياً للأخلاق شيئاً منطقياً، ولكن من جانب آخر إذا كان الهدف الرئيس للحياة السماح لليهود بتحقيق سعادتهم وكرامتهم فإن منع الزواج المختلط يكون تدخلاً لا أخلاقيا ويكون رفض الحاخامين للزواج المختلط منافياً للأخلاق لأنهم يضعون الهوية اليهودية فوق الحب الشخصي.

إن اليهودية البشرية – كما يقول أتباعها – تحترم حق الأفراد في اختيار طريق كرامتهم واحترام رغباتهم الشخصية شرط أن لا تؤذي كرامة الآخرين ولذلك فإن اليهودية البشرية تعطي الحق لكل اليهود في الزواج من أي شخص يختارون وهي مستعدة لمساعدتهم، والزواج المختلط لا يصح أن يكون مانعاً ليهودية الشخص الذي تكون أمه أو يكون أبوه من اليهود.

وتعترف اليهودية البشرية بالأطفال سواء أقام الأبوان بعمل شيء نحو الهوية اليهودية أم لم يعملا لأن يهودية الشخص يحكم عليها بعلاقة النسب اليهودية خاصة في عيون غير اليهود، وهم ينتقدون اليهود الارثوذكس وغيرهم من اليهود الآخرين الذين يقولون إن يهودية الأم ضرورية لتحقيق يهودية الشخص ويعتبرون ذلك ضد ممارسة الواقع الاجتماعي، فكما أن الشخص الأسود لا يحدده الأشخاص السود فقط، بل البيض أيضاً، كذلك اليهودي فإنه لا يحدد من قبل اليهود وحدهم ولكنه أيضاً يحدد من قبل الأغراب، ففي نظر أكثر اليهود وفي نظر الأغراب فإن انحدار الشخص من أصل يهودي يكفي في إعطائه الهوية اليهودية.

وهذه الفرقة اليهودية تختلف عن غيرها من الفرق في أنها لا تطلب من غير اليهودي المتزوج من يهودية أن يتحول إلى اليهودية ويقوم بعملية الشهود التي تطلبها بعض الفرق كي يكون رفضاً لمعتقد السابق لأنه في نظر البشرية، فإن الهوية اليهودية هي إضافة وليست سبباً في رفض معتقد آخر، فاليهود البشريون هم أصلاً بشريون وتبني الهوية اليهودية إلى معتقدهم لا ينفي معتقدهم بل إنما تأكيد له، ويقولون كذلك إن الزواج المختلط يجعل الهوية اليهودية أقل حدة وقوة، وفي الوقت نفسه يجعلها أكثر انتشاراً وهي في هذه الحالة تكون أكثر أهمية للعلمانيين في عالم علماني، وهذا التغيير لا بد أن يكون مرحباً به لأن الانفصال الذي يعمل عليه الحاخامون يقود إلى تعصب أعمى وإلى رفض العالم غير اليهودي ولا بد للهوية اليهودية أن تكون خياراً لمن ولد من اليهود الذين يختارون الزواج من غير اليهود ولذلك سوف لا تصبح الهوية اليهودية مقتصرة في المستقبل على أولئك الذين يولدون لأمهات يهوديات وأيضاً فإن يهود المستقبل سيكونون مختلفين عن يهود السابق.

وعن علاقة يهود الشتات بإسرائيل يقول أتباع هذا المذهب بأن إسرائيل مهمة جداً لليهود خارجها وليس هناك ما يثير الحماس والعاطفة لديهم أكثر مما تثيره إسرائيل، فهم يفكرون بها ويقلقون حولها ويعملون من أجلها، إضافة إلى أنهم يعتقدون بأن ذلك يحقق يهوديتهم .. ففي الوقت الحاضر ليس هناك صلاة في الكنيس تقام إلا وتذكر فيها إسرائيل وليس هناك مشروع ثقافي يثير ما تثيره إسرائيل بل حتى برامج الكنس قد جعلت إسرائيل مركزية لبرامجها.

ويقول هؤلاء لقد جعلت الصهيونية إنشاء الدولة حلاً لمشكلة الشتات واعتقدت بأن الشتات سينتهي بإنشائها وأن الهوية الإسرائيلية والهوية اليهودية سيصبحان شيئاً واحداً، ولكن الذي حصل هو أن الشتات لم ينته، وأن الهويتين لم يتحدا وأن قسماً فقط من مجموع يهود العالم يعيشون في إسرائيل وسيبقى أكثر من نصف اليهود يعيش خارج إسرائيل خاصة في أمريكا الشمالية، وأن العلاقة اليوم بين إسرائيل والجماعات اليهودية خارجها هي علاقة مضطربة، لأن إسرائيل هي من صنع الشتات، إذ الحركة القومية اليهودية هي حركة أوروبية وهي رد فعل على المشاكل التي مرّ بها اليهود في أوروبا فأنشأ الشتات إسرائيل.

كما أن هذا الاضطراب يتمثل في أن إسرائيل تمنع هؤلاء اليهود من أن يقدموا أنفسهم على أنهم جماعة دينية مقابل المسيحية في العالم الغربي وهم يرفضون أن يتخلوا عن حالتهم الدينية .. من جانب آخر، فإن اليهود خارج إسرائيل ينظرون إلى الإسرائيليين على أنهم أكثر يهودية منهم لأن لهم ثقافة لغتها العبرية فهم أكثر يهودية ممن يعيش في مجتمع إنكليزي مثلاً، ولكن البشريين يناقشون هذا الرأي ويقولون إن الواقع ليس كذلك، لأن الكثير من سكان إسرائيل الذين هم من غير اليهود يتكلمون العبرية أفضل من اليهودي الذي يزور إسرائيل (ويشير هؤلاء هنا إلى فلسطيني 48 الذين يعيشون داخل إسرائيل بل والأراضي المحتلة) ويقولون مع أن أكثر الشعوب تجعل الإنسان الذي يتكلم لغتها جزءاً منها، لكن إسرائيل ليست كذلك، إذ أن العرب الذين يتكلمون العبرية لم يصبحوا جزءاً منها، والإسرائيلي اليهودي يشعر بعلاقة ارتباط مع يهود الشتات أكثر مما يشعر بعلاقة مع العرب الذين هم مواطنون معه، والحقيقة فإن العلاقة مع العرب تؤكد أن إسرائيل هي دولة ذات قوميتين وهي دولة ذات شعبين ولولا الهجرة المتزايدة إلى إسرائيل لأصبح العرب هم الأغلبية.

ويرى البشريون إن هناك أمراً ملحاً على إسرائيل وهو أن تمنح العرب حقوقاً متساوية، وهذه تحتاج إلى معالجة سريعة، ويرون أن الصهيونية كحركة لتحرير اليهود لم يبدأها مجموعة مضطهدة تعيش في وطنها ورواد الصهيونية قبل أن يحرروا شعبهم كان لا بد عليهم أن يقوموا بصنع البلد وأن القرار لصنع شعب في فلسطين سبق وصول هذا الشعب وأصبح الشتات هو الحافظ لهذا البلد والمخزون له.

كما أن إسرائيل تختلف عن بقية الدول بالنسبة إلى اليهود خارجها عما يتعلق بالجذور .. فالجماعات الاثنية التي هي خارج موطنها الأصلي مثل الايطاليين والايرلنديين والبولنديين لهم جذورهم وذكرياتهم في أوطانهم الأصلية، كما أنهم يتكلمون لغة البلد الأصلي وهذه تجعلهم يتطلعون إلى هذا البلد الذي هاجروا منه أو هاجر منه آباؤهم أو أجدادهم ويرتبطون به، واليهود خارج إسرائيل ليس لهم جذور في إسرائيل فهم لم يهاجروا منها وليس لهم ذكريات فيها ولا يتكلمون لغتها .. فاليهود في أمريكا الشمالية تثير ذكرياتهم روسيا واللغة اليديشية، وإن إسرائيل واللغة العبرية كانتا نوعاً من الفانتازيا لهؤلاء اليهود.

ويضاف إلى ذلك إن الإسرائيليين والصهاينة بصورة عامة ينظرون إلى يهود الشتات نظرة سلبية .. إذ الصهاينة الأوائل (مثل بن غوريون) اعتقدوا بأن اليهود خارج إسرائيل لا مستقبل لهويتهم، وقالوا إنهم سيختفون إما بسبب الاندماج أو بسبب العداء لليهود، ولذلك فإنه فقط بالهجرة إلى إسرائيل يمكن لليهود أن يحفظوا الهوية اليهودية وإن واجب كل شخص يهودي خارجها أن يقوم بالعالياه (الهجرة) إلى إسرائيل، ولذلك فإن اليهودي – خاصة الصهيوني – الذي يعيش خارج إسرائيل عليه دائماً أن يبرر وجوده وإن الشعور بالدونية والذنب يطغى على الحوار بين الاثنين.

ولأن النظرة إلى هؤلاء سلبية، فإن إسرائيل لا تتمكن أن تتعامل مع هؤلاء بشكل صادق وواقعي، وإن الصهيونيين لم يتمكنوا أبداً أن ينظروا إلى الشتات على أنه وطن تاريخي تكونت فيه ثقافتهم وشخصيتهم بصورة عامة .. إن الحقيقة هي أن الشخصية التي وضعت المشروع الصهيوني قد تكونت في الشتات، كما أن وجود اليهود تكون في الشتات، وقد بدأ الإسرائيليون يشعرون بأهمية العلاقة مع الشتات وأنها أبعد من جلب المهاجرين.

كما أن إسرائيل كثيراً ما يطلق عليها مركز العالم اليهودي، ولذلك فإنها مصب المساعدات اليهودية وتحظى بالتأييد السياسي، وعلى الرغم من ذلك، فإنها لا تعتقد بأن عليها أن تستورد شيئاً من ثقافة الشتات أو أن هناك شيئاً يمكن أن تتعلمه من الخارج، لأنها تعتقد أن الثقافة اليهودية تصدر ولا تستورد، وهم يغضون النظر على أن الخارج هو الوطن الأصلي وأن الشخصية اليهودية قد صنعت خارج إسرائيل وليس في مكان آخر، إذ اليهود هم الذين اخترعوا إسرائيل.

كذلك إن العلاقة مع الشتات تمثل للإسرائيليين مشكلة أيديولوجية وعاطفية وهناك أيضاً مشكلة الجذور، فالصهاينة الأوائل ادعوا بأن جذور الدولة اليهودية الحديثة هي في دولة اليهود القديمة دولة داود ودولة المكابيين وإن للعهد القديم موقعاً سياسياً مهماً، كما أن هذا الكتاب يؤكد على علاقة تاريخية لليهود بفلسطين بينما تجاهل الشتات.

إن الجذور الحقيقية للشتات هي في الشتات، كما أن جذور اليهود الإسرائيليين هي أيضاً تضرب في الشتات وهم واعون دائماً إلى أن آباءهم وأجدادهم قد هاجروا من أماكن أخرى وهم ليسوا سكاناً محليين كالفلاحين الايطاليين في إيطاليا أو الدنماركيين .. إن التوتر بين الاشكنازيم والسفارديم والصراع بينهم هو دليل واضح على أنه نموذج للتوتر الذي يحصل في الشتات، وعلى الرغم من آمال الصهيونيين الرواد في أن تصبح إسرائيل دولة عادية تماماً، فإن ذلك لن يكون لأن الشتات لم يكن عادياً ومهما أراد الإسرائيليون أن يصبحوا إسرائيليين دون أن يكونوا يهود، فإنهم يفشلون لأن العالم ينظر إلى إسرائيل على أنها دولة يهودية لها علاقات أساسية ومهمة مع يهود العالم وكذلك الرأي العالمي يربط اليهود في العالم بإسرائيل، والمهاجرون اليهود الذين هم أغلب السكان سيفرضون على العلمانيين التعامل مع حقيقة أن الهوية الإسرائيلية هي ليست نفسها الهوية اليهودية، وقد أخذ العلمانيون الإسرائيليون يشعرون بأن أهمية العلاقة مع الشتات هي أبعد من الحاجة لجلب المهاجرين وكما أن اليهود تعلموا كي يجعلوا إسرائيل مركزا، فكذلك يجب الاعتراف بالشتات على أنه الأصل والجذر.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s