الأمير الثائر

حاكم بن مهيد

محمد فاروق الإمام

حاكم بن مهيدولد الشيخ حاكم بن فاضل بن صالح بن خثعم بن مهيد عام 1869م وهو شيخ الفدعان من قبيلة عنزة، زعيم بدوي، قاوم الغزو والاحتلال الفرنسي لسورية، وكان أحد قادة الثورة على المستعمر الفرنسي.

نشأ حاكم يتيما بعد وفاة والده وهو صغير وترعرع في بيت ابن عمه وزعيم عشيرته الشيخ تركي بن جدعان، ولا شك أن هاجس اليتم قد أرّقه ولكن نشأته في بيت تركي عوضته كثيرا عن هذا الحرمان، فاستفاد كثيرا من خبراته ومواهبه ونصائحه، فحرص حاكم منذ صغره على التحلي بصفات الرجال الكاملة وقد رزقه الله عقلا حصيفا فاعتمد على نفسه وكسب احترام الجميع وتقديرهم.

بعد رحيل عمه اجتمعت الأسرة واتفق الجميع على تنصيب حاكم شيخا وزعيما لهم يتولى أمور العشيرة ويدير شؤونها، كان حاكم في التاسعة عشر من عمره حين تم هذا التنصيب، والذي صدقت عليه الحكومة القائمة آنذاك في سوريا.

بعد تولي حاكم إدارة القبيلة وبعدها، ازداد مع مرور الأيام حنكة وتجربة وخبرة حتى أصبح زعيما عشائريا يشار إليه بالبنان، محبوبا ومحترما من الجميع، وانضوت تحت لوائه مجموعة من العشائر الأخرى إعجابا بسياسته الحكيمة وقيادته الفذة، وهذا ما أهّله لمنصب هام وحساس بعد ذلك وصار تجّار حلب والموصل وبغداد يدفعون له إتاوة لقاء خفر قوافلهم وحمايتها.

وشكّل حـاكم متطوّعة بعد سقوط إبراهيم باشا الـملي عام 1908 وفصائله المسلّحة ولقّب بباشا في عهد المرحوم الملك فيصل وكان حاكم بن مهيد ذا نزعة عربيّة، وعندما قامت الثورة العربية 1916 أيّدها، وابتهج عندما ارتفع العلم العربي فوق دار السرايا في 10 كانون الأول عام 1918 وشـارك بالاحتفال، وقد أنعم عليه الشريف حسين بلقب باشا أيضا.

ذاع صيته لما أعلن أهالي قضاء الرقة استقلالهم عن حكومتي دمشق وحلب اللتين استسلمتا وكلفوه أن يترأس لجنتهم الإدارية، وقام وقتئذ لتعطيل التجارة بين حلب ودير الزور وللاستيلاء على حلب.

وجاء في البيان : “وبعد استشهاد يوسف العظمة في معركة ميسلون بـ 16 يوم خاضت الأمة العربية غمار الحرب بجانب الحلفاء، إعتمادا على مواعيدهم التي قطعوها لشريف مكة آنذاك الشريف حسين، وعندما وضعت الحرب أوزارها تقاسم الحلفاء البلاد ودخلوها بدون مبرر شرعي، والآن دخلوا دمشق بعد معركة مع أهل البلاد وأتلفوا قسما من الأهالي والجيش، وعليه نحن سكان منطقة الرقة المحدودة، شرقا نهر الخابور، غربا طرابلس، شمالا الخط الحديدي قبل بلدة السخنة، قررنا الاحتفاظ بهذه المنطقة لبينما يتقرر مصير البلاد، وقد اخترنا المناداة بالأمير حاكم بن مهيد رئيسا لها باسم رئيس الحركة الوطنية، وعلى الرئيس المذكور أن يكون الحكم في المنطقة شورى بمجلس يختاره الشعب ويصدر الأوامر اللازمة والأحكام، وقررنا الدفاع عن هذه المنطقة، وإذا مست الحاجة محالفة إحدى الدول المجاورة التي نختارها، على أن نبلغ هذا القرار إلى جميع الدول بواسطة قنصل أمريكا الموجود في حلب”.

كان ذلك بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد معركة ميسلون، والاحتلال الفرنسي لسوريا، ورفضت هذه الدولة الانضواء تحت الحكم الفرنسي، لتشكل حكومة وطنية مستقلة معتبرة وعلى لسان رئيسها حاكم بن مهيد : “الفرنسيون أعداء الدين والوطن”، وشكلوا جيشا يقوده حاكم بنفسه والذي يحمل رتبة لواء.

ينقسم هذا الجيش إلى قسمين جيش نظامي عدد أفراده ألف جندي اشتهروا باسم (الزكرت)، يقومون بمهمة القوة المسلحة أثناء السلم يعينهم في تنظيم الأمن الداخلي مائة وسبعون دركيا، والقسم الثاني : المتطوعة وهم كل قادر على حمل السلاح من أبناء القرى والعشائر، وينضمون بقيادة رؤساء عشائرهم إلى الجيش النظامي أثناء الحرب.

وكان للجيش معسكرات خاصة، ولا يدخلون إلى المدينة تفاديا للمشاكل، ولا يتدخل الجيش بأمور الإدارة المحلية المدنية التي يتولاها أعضاء لجنة الحركة الوطنية، كل هذه الترتيبات كانت تتم وفق تشاور بين المعنين بالأمر على رأسهم الفارس حاكم بن مهيد.

لم تأبه الحكومة الفرنسية بادئ الأمر بالدولة الجديدة، لكن بعد أن بدأ التعاون بين هذه الدولة والجيش التركي، أخذت فرنسا الأمر جديا فأصدر الجنرال غورو القرار رقم 367 من 21 أيلول 1920 مدخلاً المنطقة التي تحكمها دولة حاكم بن مهيد تحت حكومته، لكن هذا القرار كان مرفوضا لدى ابن مهيد وأعوانه، مما دعا بالجنرال الفرنسي دولامرت إلى دعوة الأمير حاكم إلى المفاوضة.

وكان العرض المبدئي أن تتعهد قيادة الجيش الفرنسي بأن تستخدم جيش الحركة الوطنية برواتب أفراده الحاضرة موكلة إليه تحت قيادة الأمير حاكم بن مهيد حماية الحدود الشمالية السورية من الأتراك، كما تتعهد بأن تدفع إلى رئيس الحركة الوطنية منحة مستعجلة قدرها مائة ألف ليرة عثمانية ذهباً.

ولكن رد حاكم كان حاسما وأجابهم أنه لم يقم بهذه الحركة ابتغاء مال أو منفعة زائلة وأنه إنما يدافع عن فكرة آمن بها وقال بالعامية الفلوس والناموس لا يلتقيان.

وأمام رفض حاكم وحكومة دولته للعرض وللاحتلال الفرنسي قرر الانتداب الفرنسي توجيه حملة عسكرية للاستيلاء على هذه المنطقة بالقوة والقضاء على الحكومة الوطنية، وفي أيلول من عام 1920 وصلت الحملة إلى الرقة مصحوبة بالمدافع وأربع طائرات فاستخدم حاكم بن مهيد الحيلة في تأخير الصدام الأول مع الفرنسيين وأرسل إلى الجيش التركي يطلب مددا متعهدا بدفع رواتبهم فبعثوا له 250 ساهموا في رفع معنويات أهالي المنطقة.

ابتدأ الصدام المسلح وانطلقت قذائف الفرنسيين الواحدة تلو الأخرى وكان الرد من حاكم وأعوانه ومن المدافعين التركيين وانتهت المعركة عن انتصار جزئي لدولة حاكم، وانسحاب الفرنسيين عدا طائراتهم التي كانت تلقي قنابلها على بلدة الرقة بشكل يومي لكن الناس اعتادوا عليها فكانوا يختبئون حين يرونها مقبلة وإذا أدبرت خرجوا ساخرين منها.

أما حاكم فقرر أن يطارد الحملة الفرنسية إلى دير الزور لمحاربتها وإنقاذ المدينة منها وطلب من الأتراك مددا فأشار عليه قائد الجيوش التركية في ما بين النهرين محمد نهاد باشا بأن يتجه بجيشه إلى حلب لقطع خطوط تموين الفرنسيين واحتلال ضواحي حلب ووعده بمساندته بألف جندي.

بدأ حاكم زحفه الكبير إلى حلب بجيش ضخم قوامه خمسة آلاف محارب وحرر عدة مناطق في طريقه من بينها منبج وحقق انتصارات سريعة ومذهلة جعلت اسمه يجلجل في سماء سوريا والوطن العربي ووصل إلى مشارف حلب وبدأت الاشتباكات بينه وبين الجيش الفرنسي المنظم على أمل ان يصل المدد التركي المكون من ألف جندي إلا أن الاتراك خذلوه وتخلوا عن وعدهم له فخاض المعركة لوحده.

أبدى هو وجيشه بسالة منقطعة النظير ولكن الطائرات الفرنسية ألقت على هؤلاء الفرسان قنابلها المروعة المدوية محدثة هلعا في صفوف الجيش البدوي الباسل وفي قلوب الخيل وفرسانها، فاضطر جيش حاكم إلى التقهقر بعدما كادت مدينة حلب أن تسقط في يديه.

عاد حاكم إلى الرقة فاقدا الثقة بجيشه المتواضع الذي لا يقوى على مقاومة جيش محتل يملك أحدث وسائل الحرب من طائرات ومدافع، جاءت الأخبار السيئة إلى الرقة حول الاتفاق بين تركيا وفرنسا على ترسيم الحدود كما حصل في معاهدة أنقرة الموقعة في 20 تشرين ألأول عام 1921، عندها يئس حاكم باشا والمجلس الوطني بالرقة، بعد أن عبرت القوات الفرنسية في 17 كانون الأول 1921 نهر الفرات نحو الرقة فلم تلق أية مقاومة، فقد تغيرت الظروف وبدأت الدولة بالتلاشي بعد أن استمرت 15 شهرا، وبذلك تنتهي فترة هذه الدولة الوطنية أو كما أسماها العجيلي (الدولة المجهولة).

طلبته السلطات الفرنسيّة وحاكمته في مدينة حلب، ولكن الشيخ مجحم بن مهيد توسط له واستقر في عين عيسى، ووقع صك الاعتراف بالانتداب الفرنسي في 19 تموز 1922 وعاد يمارس نشاطه القبلي.

عاش حاكم في السنوات الأخيرة من عمره منزويا مبتعدا عن الأحداث السياسية ويبدو أنه قد أصيب بخيبة أمل مما رآه من تخاذل الذي كان يأمل منهم مساندته، ومعه حاشية من أتباعه وأقاربه، وظل على هذه الحال إلى أن توفي في اليوم الأخير من عام 1927 ودفن في عين عيسى شمال الرقة.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s