أصوات الحروف العربية كمال وجمال

د. غازي مختار طليمات

^CA15BE86F69B0B710D87BB40EDAC27CCD7EBCE7DB13A17E6EF^pimgpsh_thumbnail_win_distrكانت سنة 2013م سنة اللغة العربية في وسائل الإعلام، مسموعها ومرئيها والمقروء.. نخوة وغيرة على اللغة العربية، ونفرة رسمية وشعبية لحماية الموروث الثقافي بحماية لغته، ورفض غاضب للتهجين والتغريب، ودعوة صادقة للتأصيل والتعزيز.

ولما كان كاتب هذه الخاطرة يدعي أنه ممن استنفرتهم الحملة، فقد رأى أن يشارك فيها بالقدر الذي يُلم به، لكي يرغب الشباب في لغتهم بالإشارة إلى مواطن الجمال والكمال في لسان العرب، بأسلوب يحاول أن يجعله موضوعياً. فإذا طغت عاطفته على عقله في عرض ما يعرض، فمردُّ ذلك إلى عشقه لغته، وافتتانه بخصائصها، وإلى معرفته المحدودة باللغات الأخرى التي تقوده إليها الموازنة بين العربية وأخواتها السامية، ومنافساتها الغريبة.

والمنطلق الذي ينبعث منه هو الإجابة عن بضعة أسئلة منها : ما اللغة؟ وما العناصر التي تتألف منها؟ وما أسرار الجمال في الألفاظ المفردة التي تتكون منها هذه العناصر؟ وما مظاهر الكمال في التراكيب التي تُصاغ من هذه المفردات؟ ولماذا أدهشت العربية فقهاءها من ابن جني إلى العلايلي، ومن ابن فارس الذي فضلها على لغات البشر كافة إلى العقاد الذي سماها (اللغة الشاعرة)؟

من ينتجع كتب القدماء من فقهاء العربية للظفر بحدٍّ جامع مانع يعرّف به اللغة عامة لا العربية خاصة، فلن يجد تعريفاً أجمع وأمنع، ولا أقصر وأدل، مما عرفها به أبو الفتح عثمان بن جني، إذ قال في كتابه (الخصائص 1/33) : “اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم”.

أجود ما في هذا التعريف قول ابن جني : “عن أغراضهم” لا عن أفكارهم، “فالأغراض” أوفى من الأفكار وأشفى، لأنها تجمع خلجات القلوب إلى ثمرات العقول، فتحيط بالتوهج النفسي إحاطتها بالنشاط الذهني، وتُرضي الأدباء الذين يخلعون على اللغة أثواب الإمتاع والإبداع، كما تُرضي العلماء الذين يجعلون اللغة الحامل الناقل لأفكارهم من عقل إلى عقل، ومن عصر إلى عصر، بلا عنت ولا قصور.

ولما كانت اللغة أصواتاً (أي حروفاً) فقد درس ابن جني أصوات العربية حرفاً حرفاً، دراسة مفصلة في كتابه (سر صناعة الإعراب)، ثم شفع ابن سينا هذه الدراسة بكتابه (أسباب حدوث الحروف)، وتلقى د. إبراهيم أنيس البحوث الصوتية القديمة، وأضفى عليها ثوباً عصرياً في كتابه (الأصوات اللغوية)، وخص صوت (الضاد) بما يليق به من توقير جعله يتصدر الحروف الأخرى، وبخلع اسمه على لغة العرب، ومن حقوق العربية علينا أن نخصَّ هذا الصوت الضخم الفخم بخاطرة خاصة، تعزف لحنه، وتلاحق صداه عبر التاريخ، أما هذه الخاطرة فواجبها الكلام على الأصوات العربية كلها، للوقوف على ما فيها من كمال وجمال.

أما الكمال ففحواه أن مخارج الأصوات العربية ممتدة من أقصى الحلق إلى الشفتين، وهو امتداد يريح المتكلم، ويوزع الأصوات توزيعاً عادلاً على جهاز النطق، ولكي نتصور هذا التوزيع نستطيع أن نتمثل الجهاز مزماراً أو وتراً، أوله الحنجرة بحبليها، وآخره الفم بشفتيه، ثم ننثر الحروف على ثقوب المزمار أو أجزاء الوتر، مبتدئين من الحلق بالعين والحاء، ومنتهين إلى الشفتين بالميم والباء.

إن هذا التوزيع الفطريّ أغنى لغة العرب بأصوات حرمت منها أخواتها السامية، بَلْهَ منافساتها الغربية، ففي العربية تسعة وعشرون صوتاً على اعتبار الهمزة صوتاً متميزاً عن الألف – ثلاثة منها هوائية : (ا، و، ي) والستة والعشرون سواكن، وفي العبرية والسريانية والبابلية البائدة اثنان وعشرون، وهذه الساميات حرمت أصواتاً فخمة، تفردت بها العربية.

فالبابلية – كما يقول أهل العلم – لم تعرف أصوات (ط، ظ، ض) وأصوات الحلق (ح، ع، غ…) والسريانية – وهي ما تزال حية – زهدت ببعض الأصوات كالضاد والعين، والعبرية خلت من (ث، ذ، ض، ظ، غ) وتطور فيها صوت (ص) إلى (س)، وزحفت أصوات أخرى من مخارجها إلى مخارج تجاورها، فالراء قاربت الغين، والقاف قاربت الكاف، حتى إن العربي الناطق بالعبرية يُعَدُّ أفصح لساناً من زعماء الصهاينة الذين وفدوا على فلسطين من أوربا وأمريكا، بينما بقي النطقُ العربي محافظاً على فصاحته ورزانته، محروساً بعلم التجويد من التحريف.

قد يقال إن اللغات التي قورنت أصواتها بأصوات اللغة العربية لا تزاحم فصحانا، ولا تغري عربياً واحداً بإيثارها على لغة الضاد، فالبابلية سادت وبادت، والسريانية أصبحت لغة دينية لتحدرها من الآرامية التي كان ينطق بها المسيح عليه السلام، وإذا خرجت من المعابد إلى الحياة العامة لم ينطق بها إلا بضعة آلاف في بلدة (معلولا) السورية، أو بعض القرى العراقية في (الموصل) و (دهوك).

والعبرية – على الرغم من احتمائها بالتوراه والتعصب الصهيوني – لا يتداولها أكثر من ثمانية ملايين في فلسطين والعالم، فإن لم يكن بدّ من المقارنة، فلتقارن أصوات العربية بأصوات اللغة الإنجليزية التي فشت فاشيتُها في أرجاء المعمورة، وأربى الناطقون بها على أربعمائة وخمسين مليوناً، وأصبحت تزاحم العربية، وتكاد تزحمها في عقر دارها، فهل تخلفت أصواتها عن أصوات العربية؟

الجواب : نعَمْ، وشيوع الإنجليزية لا يدل على كمال وجمال، فهي لم تفرض نفسها على الشعوب بكمال المدرج الصوتي، وجمال الإيقاع الموسيقي، بل بالعوامل العسكرية والسياسية والتجارية، التي جعلتها لغة الأعمال والأموال في الغرب والشرق على السواء.

إن أصوات الإنجليزية أقل عدداً، وأقصر مدى من أصوات العربية، والهوائيةُ منها ليست أكثر من أحرف المدّ، وهي (A, E, I, O, Y, U, W )، والعربية اختصرت هذه السبعة بثلاثة أصوات وهي (ا، و، ي) وصنعت بعضاً من أصوات الإنجليزية بالإمالة، فكانت أغنى بالأصوات الساكنة من الإنجليزية.

أما الإنجليزية فاستدركت ما فاتها فصنعت الذال والثاء من حرفين هي (TH) والخاء من حرفين هما  (KH) وظلت محرومة من أصوات الحلق وحروف الإطباق الفخمة، فمن آثرها على العربية لم يجد فيها كمالاً ولا جمالاً بل وجد فيها وسيلة للانتفاع، وتشفع بها عند أرباب العمل.

وجوهر ما ذكرنا أن الكمال في أصوات العربية نجم عن اتساع مدرجها الصوتي، وتنوع النغمات التي يعزفها جهاز النطق العربي، وإذا كان (زرياب) قد أضاف إلى العود وتراً لم يكن فيه، فإن العرب قبل آلاف السنين أضافوا إلى الفرقة الموسيقية الناطقة أوتاراً ومعازف كادت تنفرد بها، وتبزّ بها اللغات الأخرى.

إن اللغات التي حرمت عمق الأصوات الحلقية، ورصانة الأصوات الطبقية تشبه الفرق الموسيقية التي نزعت منها المعازف الضخمة، فلانت أصواتها، ورقت نغماتها، وأعياها عزف اللحون القوية التأثير في السمع والقلب، فحق للعربية أن تفاخر بهذا الكمال والجمال.

وإذا كان ذلك كذلك، فكيف يزهد فيها أبناؤها، ويروضون ألسنتهم بلغات ناقصة الأصوات ناشزة النغمات؟! إن الذين يستبدلون بلغتهم العربية لغة أخرى، يؤثرون النقص على الكمال، والقبح على الجمال، كأنهم من بني إسرائيل الذين ضاقت صدورهم، وغصت حلوقهم بالمنِّ والسلوى، وطلبوا من موسى عليه السلام أن يدعو ربه ليخرج لهم من الأرض الفوم والبصل، فسخر منهم كتاب الله بـقوله : “أتستبدلون الذي هو أدني بالذي هو خير” – البقرة.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s