نجمة داود

النجمة السداسية

د. بليل عبدالكريم

التعريف :

النجمة السداسيةغالباً ما تُعرف النجمة السداسيَّة بنجْمة داود، وهي ترجمة لعبارة “ماجن ديفيد”، وهي عبارة عبريَّة معناها الحرْفي : (درع داود)، ونجْمة داود عبارة عن شَكلٍ مُكوَّن من مُثَلَّثين، كلٌّ منهما متساوي أضلاع، ولهما مركزٌ واحد، رأْس أحدهما إلى أعلى، ورأْس الآخر إلى أسفل، ويشكِّل المثلثان المتداخلان نَجمة سداسيَّة ذات ستة رؤوس، تلمسها جميعاً مُحيط دائرة افتراضيَّة.

وكلمة Hex  تعني : السِّحْر، أو التعويذة، أو اللَّعْنة curse ، والـ Hexagram يحتوي على 6  زوايا، و6  أضلاع، و6 رؤوس، أي : 6،6،6.

وهنالك إجماع على أنَّ الجذور العميقة لرمز النجمة السداسيَّة تعود إلى قرون من الزمن، سبقتْ بداية تبنِّي هذا الرمز من قِبَل الشعب اليهودي.

الجذور التاريخيَّة للنجمة السداسيَّة :

تعتبرُ من أهمِّ وأقوى الرموز في السِّحْر والشعْوَذة لدى ديانات مختلفة، ولا تزال حتى الآن تُستخدم في السِّحْر والعلوم الشيطانيَّة؛ لاستدعاء الجان والأرواح الشِّرِّيرة.نجمة داوود 2 نجمة داوود 1

  • ففي الديانات المصريَّة القديمة كانت النجمة السداسيَّة رمزاً هيروغليفيّاً لأرض الأرواح، وحسب المعتَقَد المصري القديم فإنَّ النجمة السداسيَّة كانتَّ رمزاً للإله (حُورس)، ويعتقدُ البعض أنَّ بني إسرائيل استعملوا هذا الرمز مع العِجْل الذهبي عندما طالتْ غَيبة موسى عليهم في جبل سيناء، أثناء تسلُّم موسى الوصايا العشْر، فقامَ مجموعة من بني إسرائيل بالعودة للرموز الوثنيَّة التي كانتْ شائعة في مصر آنذاك، وقد يكونُ مَنْشأ هذه النظريَّة – بخصوص علاقة النجمة السداسيَّة بفكرة أرض الأرواح وحورس – التَشَابه إلى حَدٍّ ما بين اسم حورس بالهيروغليفيَّة، والنجمة السداسيَّة.
  • وفي الديانة الهندوسيَّة تُستعمل النجمة السداسيَّة كرمزٍ لاتِّحاد القوى المتضادة، مثل : الماء والنار، الذَّكَر والأنْثى، فالذَّكَر يُمَثَّل بشكل مُثلث رأسُه للأعلى كرمزٍ للعضو الذَّكَري، والأنثى مُثلث مُتَّجه للأسفل، وباجتماع الرمْزين ينتج (الهيكساغرام) أو النجمة السداسيَّة، ويمثِّل أيضاً التجانُس الكوني بين (شيفا) الخالق حسب أحد فروع الهندوسيَّة، (وشاكتي) التي تجسِّد الخالق في صورة الإله الأنثوي، وأيضاً ترمز النجمة السداسيَّة إلى حالة التوازُن بين الإنسان والخالق، التي يُمكن الوصولُ إليه عن طريق (الموشكا) أي حالة التيقُّظ، التي تخمُد معها نيرانُ العوامل التي تسبِّب الآلام، مثل : الشهوة، الحقْد، والجهْل، ومن الجدير بالذِّكْر أنَّ هذا الرمز يُستعمل في الهندوسيَّة لأكثر من 10000 سنة.
  • وهي من طقوس عبادة (نمرود، وسميراميس، وعشتار، وبعل، وأفروديت، وفينوس وباخوس)، وترمز للآلهة (مولوك، ورمفان)، والإله الأكبر عند الكلدانيين.
  • وفي الديانة الزرادشتيَّة كانت النجمة السداسيَّة من الرموز الفَلَكيَّة المهمِّة في عِلْم الفلك والتنجيم، ورمْزاً لكوكب (زُحَل)، ولا يزال (الهيكساغرام) حاضراً ضمْنَ مراسم وطقوس (الدرودز Druids)، وليس الدروز.
  • وفي طقوس الماسونيَّة، ورموز النورانيين والفَلَكيين، وجماعة (الويكا)، ولا يزال الماسونيُّون يسعون لإعادة بناء هَيْكل سليمان، ولكنْ ليس لعبادة الله، وإنَّما لإعادة أمجاد المعبد القديم بالعبادات الوثنيَّة، ويحملُ أفراد المحافل الماسونيَّة بطاقات عضويَّة عليها النجمة السداسيَّة1.

فرضيَّات حول دَلالة النجمة السداسيَّة لدى اليهود:

  • أهميَّة الرقْم 6 في اليهوديَّة، الأيام الستَّة لخَلْق الكون، والأيام الستة التي يُسْمح بها للعمل، والتقاسيم الستة للتعاليم الشفهيَّة في اليهوديَّة.
  • النجمة السداسيَّة تمثِّل الحرف الأول والأخير من اسم داود بالعبرية”דָּוִד”؛ حيث يُكْتب حرف الدال بالعبريَّة بصورة مُشابهة لمثلث منقوص الضِّلع.
  • من خلال مراقبة الشمس والقمر، والنجوم والمذنبات كجزءٍ من التنجيم، يُعْتقد أنَّها تمثِّل ميلادَ النبي داود عليه السَّلام، أو زمان اعتلائه العَرش.
  • في (القبَّالاه Kabbalah ) هناك 10 صفات للخالق الأعظم، وقد جَرَت العادة على تجسيد تلك الصفات على شكْل هرمٍ شبيه بنجمة داود.
  • إستناداً إلى روايات غير موثَّقة؛ فإنَّ الدرع الذي استعمله النبيُّ داود عليه السلام في المعارك، كان دِرْعاً قديماً، وقامَ بلفِّه بشرائط من الجِلْد على هيْئَة نجمة سداسيَّة.
  • إشارة إلى يهوه، الذي يُعَد من أقدم أسماء الخالق الأعظم في اليهوديَّة، ويُكتب بالعِبريَّة “הוה”، ويُمكن تشكيل نجمة سداسيَّة من الحَرْف الأول والأخير.
  • رمز لتحرير اليهوديَّة من العبوديَّة بعد أربعمائة سنة قضوها في مصر فالشكل المثلث للهرم يدلُّ على التصوير الشامل للسُّلْطة، أمَّا الهرم الآخر المقلوب، فيعني: الخروج عن هذه السُّلْطة.

 النجمة السداسيَّة في دولة الهيْكل الثالث :

كان داود بن جوريون – رئيس وزراء الدولة الصِّهْيَونيَّة سابقاً – يفضِّل أنْ يُطلقَ على تلك الدولة الناشئة اسم : دولة الهيكل الثالث، واتَّخذتْ تلك الدولة في عهْده الشارات والشعارات والرموز، التي تتخذها الدول عادة للدلالة على هُويتها وغايتها، فاخْتير شعارُ نجمة داود لكي يُوضَعَ على العَلَم الإسرائيلي.

وهذه النجمة يُراد بها لدى الصَّهاينة عِدَّة معانٍ، والتي ترمي في النهاية إلى أنَّ تلك الدولة هي دولة كدولة داود، الجامعة بين سلطان الدِّين وسلطان الدنيا، كما كانتْ دولة داود الأولى، فهناك أسطورة (دافيد وجوليات2) التي تُريد إظهار إسرائيل بمظْهر (دافيد) صغير مسكين أمام (جوليات) العملاق العربي3، هذا ما يَنسبه البعض لعقدة (العماليق)، نسبة للعمالقة الفلسطينيين الذين سَكَنوا الأرض أيَّام محاولة اليهود الدخول لفلسطين، وقَاتَلهم يوشع بن نون، ففي مدخل الكنيسِت لافتة : “تذكر ما فعَلَ بك العماليق”، والمتعارَف بينهم أنَّ أولئك شعبٌ كان ينبغي إبادته4.

وتلك النجمة ترمزُ إلى ما كان يُسَمَّى بخيمة الاجتماع، وهي الخيمة التي كان يتعبَّدُ فيها موسى عليه السَّلام  في سيناء أثناء محاولة الدخول لفلسطين، فلمَّا فُتحتْ بعد عصر التِّيه بقيادة داود عليه السَّلام نقَلَ تلك الخيمة ووضعَها في القدس، ثم شرَعَ في بناء مكان كبيرٍ للعبادة فوقها، وهو ما يُسمَّى عند أهْل الكتاب بالهيكل5.

وقد اعْتُمِدَ عَلَمُ إسرائيل الحالي بالرغم من المعارضة الشديدة من زعماء اليهود، الذين كانوا يريدون وضْعَ الـ (Menorah)، وهو الشمعدان اليهودي كشعار للدولة اليهوديَّة.

أمَّا عن ربْط النجمة أو شعار (الهيكساغرام) مع الملك داود، فهو غير محدَّد التاريخ، ولكنْ يُعْتَقدُ أنَّه بدأ في القرن الثامن والتاسع عشر عند التحضير لإنشاء المنظَّمة الصِّهْيَونيَّة.

وليس لهذا الشعار أيُّ علاقة بالملك داود، ومهما كان الأمر فإنَّ الدولة الصِّهْيونيَّة اتَّخذتْ شمعدان (المينوراه) شعاراً لها، ولم تَعُد النجمة تظهرُ إلا على العَلَم.

ويَستخدم الإسرائيليون نجمة داود حمراء مقابلاً للصليب الأحمر، أو الهلال الأحمر.

تاريخها لدى اليهود6 :

أولاً : النجمة السداسيَّة بوصْفها شكْلاً هندسيّاً زُخْرفيّاً

استخدام النجمة السداسيَّة بوصفها شكْلاً هندسيّاً ليس ذا مضمون يهودي أو غير يهودي، فقد وُجِدت النجمة السداسيَّة في النقوش المصريَّة القديمة، والهندوكيَّة، والصينيَّة، وفي نقوش حضارات أمريكا الجنوبيَّة، وكانتْ أيضاً رمزَ خصبٍ كنعانيّاً.

كما وُجِدتْ هذه النجمة على ختْم عبراني يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، وعلى قبر عبراني في القرن الثالث، وعلى مَعْبد يهودي في الجليل في القرن نفسه، وفي مقابر اليهود بالقُرْب من روما، وعلى حوائط القُدْس، وفي أحْجِبة عربيَّة من القرن التاسع.

ووجِدت في نصوص سحريَّة بيزنطيَّة، وفي كُتب سِحْر من العصور الوسطى الغربيَّة، وفي الفلكلور الألماني، وفي آثار فرسان المعْبَد، وهي إحدى شارات الماسونيين الأحرار.

ووُجِدت على مَبْنَى المدينة القديمة في “فيينَّا”، وعلى كثيرٍ من الكنائس في ألمانيا، والحانات في جنوبي ألمانيا، إذ يُقال: إنَّ أتْباع “فيثاغورث” كانوا يستخدمون هذه النجمة السداسيَّة حين يستولون، لينبِّهوا رفاقهم إلى أنَّهم وجدوا في هذا المكان أهْلَ سخاءٍ وكَرَمٍ، ولا يزال الشكْل يظهر في زَخْرفة بعض المباني، وإنْ كان هذا نادراً الآن، لأن الشكْلَ الهندسي المجرَّد فَقَد براءته الزُّخْرفيَّة، واكتسبَ مضموناً دنيويّاً أو دينيّاً مُحدَّداً.

ثانياً : النجمة السداسيَّة بوصفها علامةً دنيويَّة

النجمة السداسيَّة لم تكنْ رمزاً يهوديّاً، بل كانتْ شكْلاً هندسيّاً وحَسْب، وحينما ظهرتْ على بعض المباني اليهوديَّة، لم تكنْ لها دَلالة رمْزيَّة، وإنما كان الغرضُ منها أداءَ وظيفة زُخْرفية، وفي القرن الرابع عشر سَمَحَ (تشارلز الرابع) للجماعة اليهوديَّة في (براغ) بأنْ يكون لها عَلَمُها الخاص، فصُوِّرتْ عليه النجمةُ السداسيَّة، ومِن ثَمَّ أصبحت النجمة رمْزاً رسميّاً دنيويّاً لليهود، واتَّخذها بعضُ طابعي الكُتب اليهود في (براغ) علامة لهم، ثم انتشرتْ منها إلى إيطاليا وهولندا، وحتى ذلك الوقت كانتْ مجرَّد علامة، لا رمزاً دينيّاً أو قوميّاً، ثم انتشرَ اسْتخدامُها إلى الجماعات اليهوديَّة الأخرى في فيينَّا سنة 1655م، وحينما طُردوا منها حملوها إلى (مورافيا)، ووصلتْ منها إلى أمستردام، ولم تنتشرْ في شرقي أوربا إلا مع بدايات القرن الثامن عشر، وتحوَّلتْ إلى شارة لليهود.

في أوائل القرن التاسع عشر، بدأتْ تظهر هذه النجمة في أدبيَّات مُعاداة اليهود رمزاً دَالاًّ عليهم، وتبنَّى النازيون أيضاً نجمة داود رمزاً لليهود، وكان على اليهود ارتداؤها رمزاً (للفولك) أو الشعب اليهودي العضوي، ولتمييزهم عن (الفولك الألماني العضوي).

ولهذا أصبحت النجمة مُرتبطة في الوجدان اليهودي بالإبادة، ويري بعضُ اليهود أنَّ العلامة التي ارتبطتْ في الأذهان بِذُلِّ اليهود وإبادتهم، لم تَعُدْ تَصْلُح لأنْ تكونَ رمزاً لهم، في حين يرى البعض الآخر أنها لذلك أصبحتْ رمْزاً لتاريخ الشعب.

روتشليد والنجمة السداسيَّة :

كان المدعو ( Mayer Amschel Bauer  (في القرن الثامن عشر، وهو من يهود”الخَزَر”، ومن عُبَّاد (Lucifer)، ومن أتْباع ديانة السِّحْر الأسود، يضع لافتة على منزله فيها شعار أحمر، وهذا الشعار هو (الهيكساغرام)، أو النجمة السداسيَّة، غيَّر هذا الألماني اسمَ عائلته إلى (Rotschild)، والتي تَعني بالألمانيَّة : العلامة الحمراء، وفي عام 1822 تبنَّت عائلة روتشيلد في النمسا هذه النجمة رمْزاً لها، بعد أنْ رُفِع بعضُ أعضائها إلى مَرْتبة النبلاء، كما استخدمها (هايني) الشاعر الألماني المتنصِّر للتوقيع على خطاباته.

ولم تحمل النجمة بالنسبة إلى كلِّ هؤلاء أيَّة دَلالة دينيَّة أو قوميَّة أو إثنيَّة؛ فليس لها امتدادات في تواريخ الجماعات اليهوديَّة، ومن ثَمَّ يُمكن اعتبارُها علامة ازدادت ارتباطاً ببعض الجماعات اليهوديَّة في الغرب، وكانَ اختيار عائلة روتشيلد لها هو الذي منَحَها مكانة وشرعيَّة، وأصبحتْ سلالتُه هي المسيطرة على أضْخَم بنوك ومؤسَّسات أوروبا الماليَّة، وهي التي مَوَّلَت الحروب، وانضمَّتْ لأخَوِيَّة النورانيين، ولكن المهمَّ أن عائلة روتشيلد – وبتخطيط مشترك مع جماعة النورانيين – كانتْ قد صمَّمتْ على إنشاء منظَّمة صِهْيَونيَّة8، وإنشاء دولة مستقِلة لها، هي بمثابة دولة لروتشيلد، وفي العام 1895 قام (أدموند روتشيلد) بزيارة فلسطين، وفي العام 1897 أحدَثَ روتشيلد المؤتمر اليهودي، وكان مَقرَّراً عقدُه في ميونخ بألمانيا، ولكن لأسباب المعارضة المحليَّة تَمَّ عقْدُ المؤتمر بمدينة بال بسويسرا في 29 آب.

ترأَّس المجلس (تيودور هرتزل) الذي انتُخِب زعيماً للصِّهْيونيَّة، واتَّخذ شعار روتشيلد النجمة السداسيَّة كشعار لهذه المنظَّمة الصِّهْيَونيَّة، والذي بعد 51 سنة اتُّخِذ كعلمٍ لدولة إسرائيل.

في العام 1948 أعطتْ مؤسَّسة روتشيلد مليوني دولار للرئيس (ترومان) الماسوني بشكل دعْمٍ لحملته الانتخابيَّة، بشرط أن يعترفَ بدولة إسرائيل عند قيامها، وعند إعلان قيام دولة إسرائيل اعترفَ الرئيس (ترومان) – رئيس الولايات المتحدة – بها بعد نصف ساعة فقط من قيامها.

ثالثاً : النجمة السداسيَّة باعتبارها رمزاً دينيّاً

يبدو أنَّ عبارة (درع داود) لا تُستخدَم للإشارة إلى النجمة السداسية إلا في المصادر اليهوديَّة، إذ تَستخدم المصادر غير اليهوديَّة عبارة (خاتم سليمان)، والتسمية الأخيرة من أصلٍ عربي إسلامي؛ حيث كان يُشار إلى النجمة الخماسيَّة – وهي المنافس الأكبر للنجمة السداسيَّة – باعتبارها أيضاً (خاتم سليمان).

كانت النجمة تُذكَر في الكتابات السِّحْريَّة اليهوديَّة – في الأحْجِبة والتعاويذ – جنباً إلى جنبٍ مع أسماء الملائكة، بالتدريج أُسقطت الأسماء، وبَقِيت النجمة دِرْعاً ضدَّ الشرور.

واكتسبت النجمة السداسية هذه الصفة الرمزيَّة كدرعٍ ابتداءً من القرن الثالث عشر، ومع هذا استمرَّ استخدام عبارتَي : (درع داود)، و (خاتم سليمان)، للإشارة إليها في الفترة ما بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، كما كانت تُستخدَم عبارة : (درع داود)، للإشارة إلى (شمعدان المينوراه)، لكنْ بمرور الوقت اقتصَرَ استخدام هذه العبارة على الإشارة إلى النجمة السداسية وحدَها، وكانت النجمة تُستخدَم في تميمة الباب (ميزوزاه)، فكانتْ تُكتَبُ عليها أسماءُ سبعة ملائكة، ويصحب اسم كلِّ ملاك النجمة السداسيَّة.

وتتحدَّثُ (القبَّالاه) عن العالم العُلوي والسُّفلي المتقابلين، وهكذا يصبح المثلَّثان ورأْس أحدهما إلى أعلى ورأس الآخر إلى أسفل رمزاً لهذا التقابُل ولحركة الصعود والهبوط، ومعادلاً رمزيّاً لعلاقة عالم الظاهر بعالم الباطن.

وأصبحت النجمة كذلك رمزاً للتجليَّات النورانيَّة العشرة (سفيروت)، حينما تأخذ هيئة شجرة الحياة، وهي ترمز أيضاً إلى ظهور العالم الأصغر (الميكروكوزم – الإنسان)، من العالم الأكبر (الماكروكوزم – الكون).

وكانت النجمة ترمز أيضاً إلى ظهور (الماشيَّح) من صدر إبراهيم، ولذا كان يُشار أحياناً إلى النجمة السداسية باعتبارها دِرْع داود، وإبراهيم.

وكانتْ أطرافُها الستة ترمز إلى أيام الأسبوع الستة، أما المركز فهو السبت.

وكانت النجمة أيضاً رمزاً مشيحانيّاً يمثِّل بُرج الحوت (21 فبراير – 20 مارس)، وهو الوقت الذي كان يُفترَض أنْ يظهرَ فيه الماشيَّح، وأصبح دِرْع داود رمزَ درعِ ابن داود، أي : الماشيَّح، واستخْدَمَه أتْباع (شبتاي تسفي)، وأصبحَ رمْزاً سِرِّيّاً للخَلاص، وكانت النجمة السداسية مرسومة على الحجاب الشهير الذي كتَبَه (يوناثان إيبيشويتس)، والذي أثارَ ضجَّة بين يهود شرقي أوربا فيما يُسمَّى : (المناظرة الشبتانيَّة الكبرى)، وكُتبَتْ عليه الأحرف الأولى لعبارة (درع ابن داود).

ولعلَّ اكتسابَ الرمز لبعض الإيحاءات الدينيَّة كانَ سبباً لانتشاره في زخارف المعابد اليهوديَّة مع بداية القرن السادس عشر، في الوقت نفسه الذي بدأ فيه انتشار القبَّالاه اللوريانيَّة.

ولكن النجمة السداسية لم تتحوَّل إلى رمزٍ دينيٍّ يهودي إلا بتأثير النصرانيَّة وتقليداً لها، وهذه ظاهرة عامَّة عند كلٍّ من اليهود ومُعظم الأقليَّات، أنهم يكتسبون هُويَّتهم من خلال الحضارة التي يوجدون فيها، وتبنِّي نجمة داود مِثَالٌ جيِّدٌ على ذلك.

فاليهوديَّة باعتبارها نَسَقاً دينيّاً – على الأقلِّ في إحدى طبقاتها الجيولوجيَّة المهمَّة والرئيسة  – مُعادية للأيقونات وللرموز تماماً مثل الإسلام.

ولكنَّ (يهود عصر الإعتاق) أخذوا يبحثون عن رمزٍ لليهوديَّة يكون مُقَابِلاً لرمز النصرانيَّة (الصليب)، الذي كانوا يجدونه في كل مكان، وحينما بدأتْ حركة بناء المعابد اليهوديَّة على أُسسٍ مِعمارية حديثة، اتَّبع المهندسون – وغالبهم نصارى – ذات الطُّرز المعماريَّة المتَّبَعة في بناء الكنائس، ولذا كان لا بُدَّ من العثور على رمزٍ ما، ومن هنا كان تبنِّي النجمة السداسيَّة، ثم بدأتْ تظهرُ النجمة على الأواني التي تُستخدَم في الاحتفالات الدينيَّة، مثل : كؤوس عيد الفصح، ولأن النجمة السداسية كانت شائعة في الأحْجِبة والتعاويذ السِّحْرية، لم يعارض الأرثوذكس استخدامَ الرمز.

ومِن ثَمَّ يُمكن أنْ نقول:  إنَّ انتشارَ الرمز في القرن التاسع عشر كان دليلاً على أنَّ اليهوديَّة الحاخاميَّة بدأتْ تَضعُف وتفقدُ تماسُكَها الداخلي، ولذا فإنَّها كانتْ تبحث عن رمزٍ، حتى يمكنها أنْ تعيدَ صياغة نفسِها على أُسسٍ نصرانيَّة.

هنا ظهرت الصِّهْيَونيَّة بوصفها أهمَّ تعبيرٍ عن أزمة اليهوديَّة الحاخاميَّة، وحاولتْ هذه العقيدة السياسيَّة أن تطرحَ نفسَها كبديلٍ للعقيدة الدينيَّة، فتبنَّت النجمة السداسية رمزاً لها، ذلك الرمز الذي ظهَر على العدد الأول من مجلة (ديفيلت) التي أصْدَرَها (هرتزل) في 4 يونيه 1897، ثم اخْتير رمزاً للمؤتمر الصِّهْيَوني الأول ولعَلَم المنظَّمة الصِّهْيونيَّة.

والواقع أن اختيار الصهاينة للنجمة السداسية كان اختياراً ذكيّاً، يُعبِّر عن غموض موقف الصِّهْيَونيَّة من اليهودية.

فالصِّهْيَونيَّة ترفضُ العقيدة اليهودية، ولكنَّها تريدُ في الوقت نفسه أن تحلَّ محلَّها، وتستولي على جماهيرها، ولإنجاز هذا الهدف احتفظت الصِّهْيَونيَّة بالخطاب الديني والرموز الدينيَّة، بعد أن أعطتْها مضموناً دنيويّاً قوميّاً، وقد احتفظت الصهيونية بفكرة القَدَاسةِ الدينيَّة، ولكنَّها خلعتْها على الدولة والشعب، وعلى تاريخ الأُمَّة، أي إنَّ ثَمَّةَ تداخُلاً كاملاً بين الدنيوي والمقدَّس.

والنجمة السداسية تتَّسم أيضاً بهذا التداخُل، فهي رمزٌ شائعٌ بين اليهود وعلامة عليهم، أي إنَّها رمزٌ قومي، ولكنَّ هذا الرمزَ اكتسب إيحاءاتٍ دينيَّة لا تَرْقَى إلى مستوى المضمون الديني المُحدَّد، فهو يحمل قَدَاسة ما، ولكنَّها قدَاسة مُرتبطة بالرمز الدنيوي، وقد يكون غموض مصدر القَدَاسة عيباً من المنظور الديني، ولكنَّه من منظور صِهْيوني يشكِّل مصدرَ قوَّة، إذ كان الصهاينة يبحثون عن رمزٍ يجسِّد فكرة قَدَاسة اليهود لا قَدَاسة اليهوديَّة، وهذا ما أنجزتْه لهم نجمة داود.

  • جريدة النهار، بتاريخ 13-1983م، ص11.
  • داود، وجالوت.
  • محاكمة الصِّهْيَونيَّة الإسرائيليَّة، روجيه غارودي، ص (114).
  • العماليق، عزرييلكارلباخ، جريدة المعاريف، 5 تشرين الأول 1951، ص3.
  • (دولة الهيكل)، ص 1.
  • موسوعة اليهود واليهودية والصِّهْيَونيَّة، عبدالوهَّاب المسيري، ج 7، ص (132 -138).
  • لوسيفر، أي : حامل النور، ويُراد به الشيطان، وهم طائفة النورانيين أقوى مرتبة في المنظَّمة الماسونية، راجع مقال : النورانيَّة فصيل الماسونيَّة.
  • لاحِظْ أن الماسونيَّة هي التي أنشأت الصِّهْيونية، والماسونية صناعة بريطانية أول الأمر، راجع مقال : ماهيَّة العلاقة بين الماسونية والصِّهْيَونيَّة.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s