الفرق الدينية اليهودية القديمة والمعاصرة – 2

دراسة شاملة

عبد الوهاب محمد الجبوري

الكتبة :

الفرق الدينية اليهودية 2أطلقت هذه التسمية على جماعة كانت مهمتها كتابة الشريعة فعرفوا الكثير من المعلومات التي دونوها من الكتب المقدسة واختاروا وظيفة الوعظ والإرشاد وسيلة للرزق، تسموا بالحكماء والآباء وكانوا يمثلون الزعامة الدينية أيام الحكم الفارسي واليوناني والروماني، وتطورت وظيفتهم الدينية إلى فتح المدارس الخاصة لنشر برامج للتعليم الديني، وكانت مهمتهم تفسير الشريعة للشعب وابتدأ تنظيمهم مع عزرا الذي كان رئيسهم وهؤلاء الكتبة هم أول من علّم التوراة وهم واضعو الشريعة الشفوية – التلمود.

السامريون :

ظهرت فرقة من اليهود يقطنون منطقة السامرة (التي كانت عاصمة مملكة إسرائيل التي انشقت بعد وفاة سليمان عليه السلام) ينكرون قدسية أسفار الأنبياء والمكتوبات من العهد القديم ولا يعترفون بغير الأسفار الخمسة إلى جانب سفر يشوع، وهذا يعني أن كتابهم المقدس هو أسفار موسى الخمسة أو التوراة وحتى هذه الأسفار الخمسة المتداولة بينهم تختلف عن الأسفار المدونة في نحو ستة آلاف موضع، ويتفق نص التوراة السامرية مع الترجمة السبعينية في ألف وتسعمائة موضع من هذه المواضع، الأمر الذي يدل على أن مترجمي الترجمة السبعينية استخدموا نسخة عبرية تتفق مع النسخة السامرية وهم ينكرون الشريعة الشفوية، شأنهم في ذلك شأن الصدوقيين والقرّائين (ومن هنا التشابه بين الفرق الثلاث في بعض الوجوه) كما أنهم يأخذون بظاهر نصوص التوراة، هذه المجموعة سميت بالسامريين نسبة إلى السامرة.

يقول الشهرستاني في الملل والنحل : إنهم اثبتوا نبوة موسى وهارون ويوشع بن نون عليهم السلام، وأنكروا نبوة من بعدهم إلا نبيا واحدا، وقالوا : إن التوراة ما بشرت إلا بنبي واحد بعد موسى يصدق ما بين يديه من التوراة ويحكم بحكمها ولا يخالفها البتة، وظهر في السامرة رجل يقال له (الألفان) ادعى النبوة وزعم أنه هو الذي بشر به موسى، وأنه الكوكب الذي ورد في التوراة أنه يضيء ضوء القمر، وذكر ابن حزم، أنهم يبطلون كل نبوة في إسرائيل بعد موسى ويوشع (عليهما السلام) ويقولون أن مدينة القدس هي نابلس، ولا يعرفون حرمة البيت المقدس ولا يعظمونه ولا يستحلون الخروج إلى الشام.

وقد اشتدت العداوة بين هذه الفرق وبقية اليهود عندما رفضوا بناء الهيكل الثاني – حسب رواياتهم – إذ كانوا يعتبرون المكان المقدس لليهودية هو جبل جرزيم (الجبل المختار) وليس جبل صهيون وأورشليم، وهم يؤمنون بعودة الماشيَّح إلى جبل جرزيم برغم أنه لا توجد في أسفار موسى الخمسة أية إشارة إليه، حتى أنهم أضافوا إلى توراتهم عبارات توحي بقدسية هذا الجبل، وهم يعتبرون اليهود ضلوا عن طريق اليهودية الصحيح، لذا فهم يعيشون في عزلة ولا يتزاوجون مع بقية اليهود، وكان من نتيجة هذه العزلة أن انتشر الجهل بينهم.

والسامريون كلمة معربة من كلمة ( شوميرونيم) العبرية، أي سكان السامرة، ويُشار إليهم في التلمود بلفظة (كوتيم) وتعني (الغرباء)، لكن هذه التسميات هي تسميات اليهود الحاخامين لهم، وكان يوسيفوس يسميهم الشكيميين نسبةً إلى (شكيم) (نابلس الحالية)، ويدعي اليهود أن السامريين ينتمون إلى سلالات غريبة عن بني إسرائيل، ولكن السامريين يعتبرون أنفسهم من بني إسرائيل أو (بنو يوسف)، باعتبار أنهم من نسل يوسف، كما يطلقون على أنفسهم اسم (شومريم)، أي (حفظة الشريعة)، باعتبار أنهم انحدروا من صلب يهود السامرة الذين لم يرحلوا عن فلسطين عند تدمير المملكة الشمالية عام 722 ق.م، فاحتفظوا بنقاء الشريعة.

ومهما كانت التسمية ومهما كان تفسيرها، فمن المعروف تاريخياً أنه، بعد تهجير قطاعات كبيرة من سكان المملكة الشمالية قام الأشوريون بتوطين قبائل من بلاد عيلام وسوريا وبلاد العرب لتحل محل المهجّرين من اليهود، وتسكينهم في السامرة وحولها، وامتزج المستوطنون الجدد مع من تبقَّى من اليهود، واتحدت معتقداتهم الدينية مع عبادة يهوه، وقد نتج عن ذلك اختلاف عن بقية اليهود، لكن الانشقاق النهائي حدث عام 432 ق.م، بين اليهود والسامريين، بعد عودة عزرا ونحميا من بابل، حيث دافعا عن فكرة النقاء العرقي.

وثمة قصتان لتاريخ الانشقاق، أولاهما ترد في العهد القديم (نحميا 13/23 28) : “في تلك الأيام، كان واحد من بني يوياداع بن الياشيب الكاهن العظيم صهراً لسنبلط الحوروني فطردته من عندي”، وقد وردت عن يوسيفوس رواية أخرى مفادها أن منَسَّى شقيق الكاهن الأعظم تزوج من ابنة حاكم السامرة سنبلط الثالث (الفارسي)، فخيَّره الكهنة بين أن يطلق زوجته أو أن يتخلى عن مكانته وسلطاته الكهنوتية، فلجأ منَسَّى لحميه الذي بنى لزوج ابنته هيكلاً على عادة العبرانيين القدامى على جبل جريزيم لينافس هيكل القدس، وأصبح الشاب المطرود كاهن السامريين، وبعد أن أسس الهيكل انضم إليه عشرات الكهنة الآخرين المتزوجين من أجنبيات وعناصر يهودية أخرى غير راضية عن المؤسسة الدينية في القدس.

ومن الواضح أن ثمة عناصر مشتركة بين القصتين تتمثل في بعض الأسماء والعلاقات الأساسية وفي عملية الطرد، ومع أن هناك قرناً من الزمان يفصل بين القصتين الأولى والثانية، فإن من الواضح أنهما تشيران إلى الواقعة نفسها، ويميل المؤرخون إلى الأخذ بقصة يوسيفوس ويرجعوا بتاريخها إلى زمن نحميا.

وقد نشبت صراعات بين السامريين وبقية اليهود، لكنهم تعرضوا لكثير من التوترات التي تَعرَّض لها اليهود في علاقتهم بالإمبراطوريات التي حكمت المنطقة، فبعد أن فتح الإسكندر المنطقة عام 323 ق.م، هاجر بعض السامريين إلى مصر وكونوا جماعات فيها، وهذه هي بداية الشتات السامري أو الدياسبورا السامرية التي امتدت وشملت سالونيكا وروما وحلب ودمشق وغزة وعسقلان، وحينما قرر أنطيوخوس الرابع (175  164 ق.م) دَمْج يهود فلسطين في إمبراطوريته لتأمين حدوده مع مصر، كان السامريون ضمن الجماعات التي استهدف دمجها وإذابتها رغم أنهم أعلنوا أنهم لا ينتمون إلى الأصل اليهودي، وحينما استولى الحشمونيون على الحكم (164 ق.م)، واجه السامريون أصعب أزمة في تاريخهم إذ سيطر الحشمونيون على شكيم وجرزيم واستولوا على مدينة السامرة وحطموها، كما حطم يوحنا هيركانوس هيكلهم عام 128 ق.م.، ومع هذا، فقد استمر السامريون في تقديم قرابينهم على جبل جرزيم.

كما أن هَدْم الهيكل لم ينتج عنه انتهاء طبقة الكهنة على عكس اليهود أو بني إسرائيل الذين انتهت عبادتهم القربانية المركزية وطبقة الكهنة التي تقوم بها بهدم هيكل القدس، ويبدو أن السامريين لم يساعدوا اليهود أثناء التمرد اليهودي الأول، ومع هذا نشب تمرُّد مستقل في صفوفهم ضد فسبسيان عام 67 ق.م، وتم قمعه، كما ثار السامريون ضد الرومان عام 79  81 م، فهُدمت شكيم وبُني مكانها نيابوليس (نابلس) أي ( المدينة الجديدة )، وتمتع السامريون بمرحلة ازدهار فكري في القرن الرابع الميلادي تحت قيادة زعيمهم القومي بابا رابا، ومن أهم مفكريهم الدينيين (مرقه) الذي عاش في القرن نفسه، وكاتب الأناشيد التي تُسمَّى (إمرالم دارا).

وقد عانى السامريون من الاضطهاد على يد الإمبراطورية البيزنطية، وفي عام 529 الميلادي، قام جوستينيان بشن هجمة شرسة عليهم لم تقم لهم قائمة بعدها، ويُقال إن الرومان سمحوا للسامريين ببناء هيكلهم الذي دمره الحشمونيون حينما رفضوا الانضمام إلى ثورة بركوخبا، ولكن هذا الهيكل دُمِّر بدوره عام 484 ميلادية.

وثمة نقاط اتفاق بين السامريين واليهود الحاخاميين قبل ظهور القبَّالاه وحركات الإصلاح الديني اليهودي، فكلا الفريقين يؤمن بالله الواحد وباليوم الآخر والملائكة، ولكن السامريين احتفظوا بقدر أكبر من الوحدانية التي تراجعت في اليهودية إلى أن اختفت تماماً تقريباً، وكانوا يشيرون إلى الخالق بلفظة (إل)، أو (أللا) القريبة من كلمة (الله)، ولكنهم كانوا أيضاً يسمونه (يهوه).

كما كانوا يؤمنون بأن موسى نبي الله الأوحد وخاتم رسله وبأنه تجسيد للنور الإلهي والصورة الإلهية، وقبلة السامريين جبل جرزيم بين المقدس ونابلس، دون سائر اليهود، ولغة العبادة عندهم هي العبرية السامرية، وكان كتابهم المقدَّس يُكتَب بحروف عبرية قديمة (مع تحفظ الباحث على تسمية العبرية القديمة التي كانت في أصلها إحدى اللهجات الكنعانية الممزوجة بالفينيقية والآرامية) ويزعم السامريون أن اللغة والحروف جاءتهم صحيحة من عهد النبي موسى، ويحتفل السامريون بالأعياد اليهودية مثل يوم الغفران وعيد الفصح، ولكن كانت لهم أعياد مقصورة عليهم وتقويم خاص بهم، وهم لا يعترفون بداود أو سليمان ( عليهما السلام ).

ويُلاحَظ أن الأفكار الأخروية لم تلعب دوراً مهماً في التفكير الديني لدى السامريين رغم إيمانهم بالقيامة والحساب في يوم القيامة، كما حدث مع اليهودية بعد العودة من بابل، وينفي بعض اليهود عن السامريين صفة الانتساب إلى اليهودية، كما أنهم يعاملونهم معاملة الأغيار في أمور الزواج والموت، وقد استمر العداء بين السامريين واليهود الحاخاميين، إذ يذهب السامريون إلى أن اليهودية الحاخامية هرطقة وانحراف، وأن قيادة اليهود الدينية أضافت إلى التوراة وأفسدت النص ليتفق مع وجهة نظرها.

ويُعَدُّ السامريون جماعة شبه منقرضة، وهم في واقع الأمر، أصغر جماعة دينية في العالم، فعددهم لا يتجاوز خمسمائة، يعيش بعضهم في نابلس ويعيش البعض الآخر في حولون (إحدى ضواحي تل أبيب) وفي بعض طبعات التلمود، تحل كلمة (السامريين) محل كلمة (الأغيار) حتى تبدو عبارات السباب العنصري وكأنها موجهة إلى السامريين وحدهم وليس إلى كل الأغيار.

القبالاه (الصوفية اليهودية) :

يعرف التراث الصوفي اليهودي باسم (القبَّالاه) التي مرت بمراحل عديدة أهمها (قبَّالاة الزوهار) وتُسمَّى أيضاً (القبَّالاه النبوية)، و(القبَّالاه اللوريانية) التي يمكن أن تُسمَّى ( القبَّالاه المشيحانية)، أما كلمة (الصوفية)، فلها (داخل النسق الديني اليهودي) دلالات خاصة، فهذا النسق يتَّسم بوجود طبقة جيولوجية ذات طابع حلولي قوي تراكمت داخله، ابتداءً من العهد القديم، مروراً بالشريعة الشفوية، وقد انعكست هذه الحلولية من خلال شيوع أفكار، مثل : الشعب المختار وأمة الروح والأرض المقدَّسة.

وتراث القبَّالاه الصوفي تراث ضخم وضع أسس التفسيرات الصوفية الحلولية في الزوهار والباهير وغيرهما من الكتب، وحل محل التوراة والتلمود، ومن الملاحَظ أيضاً انتشار الحركات المشيحانية الصوفية الحلولية بين الجماعات اليهودية في العالم عبر التاريخ، فكان التفكير الفلسفي بين اليهود نادراً، ولم يظهر إلا تحت تأثير الحضارات الأخرى، كما أنه كان ينحو منحى حلولياً في أغلب الأحيان، ففيلون السكندري، مثلاً، كان واقعاً تحت تأثير الحضارة الهيلينية، ولم يكن يعرف العبرية مطلقاً، ومع هذا فإن ثمة نزعة حلولية قوية في فلسفته، ولم يترك فكره الفلسفي أي أثر في تطور اليهودية اللاحق.

وكذلك موسى بن ميمون، بطل كل المفكرين العقلانيين اليهود، فقد كان متأثراً تأثراً عميقاً بحضارته العربية الإسلامية، أما في العصر الحديث، مع ظهور فكر فلسفي يهودي حديث، فإننا نجد إسبينوزا بفلسفته الحلولية على رأس المفكرين، كما أن أهم مفكر ديني يهودي، مارتن بوبر، كان مهتماً بالتصوف أشد الاهتمام، بل نجده أحد عُمُد التصوف في تاريخ الفكر الحديث في الغرب، والواقع أن الفكر الديني اليهودي الحديث ينحو، في جوهره، هذا المنحى الصوفي الحلولي، والصهيونية هي النقطة التي تظهر عندها الحلولية بدون إله.

ويعتقد أن القبَّالاه، بمعناها الحالي، ظهرت في فرنسا، وكان من أهم العارفين بالقبَّالاه أبراهام بن داود وابنه إسحق الأعمى اللذان بدآ يتداولان كتاب الباهير (الذي ظهر أول ما ظهر في بروفانس في فرنسا) في القرن الثاني عشر، وانتقل مركز القبَّالاه بعد ذلك إلى إسبانيا حيث نشأت حلقات متصوفة تحاول أن تتواصل مع الإله من خلال التأمل في التجليات النورانية العشرة (سفيروت)، كما كان هؤلاء المتصوفون يهدفون إلى تجديد تقاليد النبوَّة، وإلى الكشف الإلهي من خلال الشطحات الصوفية، ومن خلال التأمل في حروف الكتاب المقدَّس وقيمها العددية وأسماء الإله المقدَّسة، ومن أهم القبَّاليين أبراهام بن شموئيل أبو العافية (1240  1291)، وقد وصلت الحركة القبَّالية إلى قمتها بظهور الزوهار الذي وضعه موسى دي ليون المتوفى عام 1305، والذي تستند إليه الأنساق القبَّالية التي ظهرت بعد ذلك، وكانت مدينة جيرونا في قطالونيا من أهم مراكز القبَّالاه في إسبانيا، وقد قام القبَّاليون بإنشاء مركز لهم في مدينة صفد في فلسطين عام 1421.

وكان شيوع القبَّالاه في هذه المرحلة تعبيراً عن رفض التراث التلمودي الذي وضعه الحاخامات وعلماء الدين الذين ارتبطوا بالطبقات الثرية وبيهود البلاط في إسبانيا، وقد شجع أعضاء هذه الفئات الفلسفة العقلانية واتبعوا في حياتهم العامة والخاصة سلوكاً يتفق مع هذه الفلسفة، ولا ينم عن كبير احترام لبعض العقائد اليهودية (من وجهة نظر العوام على الأقل).

وقد ساهمت القبَّالاه في عزل أعضاء الجماعات اليهودية عن هذا التراث الفلسفي العقلاني الذي أشاعه موسى بن ميمون وغيره من الفلاسفة المتأثرين بكتابات الفلاسفة المسلمين العرب، وقد كانت كتب الفلسفة تُسمَّى (الكتب الشيطانية)، وبعد ذلك، انتشرت التقاليد القبَّالية بعد أن أخذت شكلها المحدد في الزوهار، في القرنين الرابع عشر والخامس عشر في إسبانيا ثم في كل إيطاليا وبولندا، وتُسمَّى القبَّالاه النابعة من الزوهار قبَّالاة الزوهار (ويسميها جيرشوم شولم – القبَّالاه النبوية).

وازداد الاهتمام بالقبَّالاه بعد طرد يهود إسبانيا وتَصاعُد الحمىَّ المشيحانية، وخصوصاً بما اشتملت عليه القبَّالاه من عقيدة خلاص جماعة يسرائيل، وقد وُجد واحد من أهم مراكز القبَّالاه في صفد، وكان يضم مجموعة من اليهود السفارد الذين طُردوا من إسبانيا، ومن هنا كان عمق إحساسهم بالكارثة التي حاقت باليهود وبعجزهم الكامل وعزلتهم عن أية مشاركة حقيقية في العمليات التاريخية.

ومنذ القرن الثالث عشر أصبحت كلمة القبالة تستعمل لوصف العقيدة السرية بجميع مظاهرها، وهذه العقيدة السرية ترجع إلى كتاب ظهر في القرن الأول ميلادي يعرف باسم (يصيرا) أي كتاب الخلق، وقد استبدل بعض علمائهم فكرة خلق العالم عن طريق الفيض الرباني كما في (يصيرا) بفكرة الضوء والحكمة والعقل، وعرضوا العقيدة السرية على أنها دراسة أعمق وأكثر نفعا من التلمود واستخدموا في وصف الصلاة بين الله والنفس البشرية لغة الحب الشهواني والزواج التي كان يستخدمها بعض المتصوفة.

في سنة 1295 نشر موسى بن شيم طوف الكتاب الثالث من كتب القبالة المسمى سفر (زوهر) أو كتاب المجد، وجمعت في هذا الكتاب كل عناصر القبالة، فكرة الإله الشامل لكل شيء والحروف الأربعة المكونة لاسم يهوه وأزلية الروح والأعداد والحروف والتفسير الرمزي لنصوص الكتاب المقدس وتاريخ ظهور المسيح وأزلية الروح والنقط والشرط واستعمال الكتابات الجفرية … الخ.

ويمكن التمييز بين نمطين من التصوف : نظري خاص بالطريق إلى المعرفة والفيض الإلهي، وعملي أقرب إلى السحر الذي يستخدم التسبيح ورموز الحروف والأرقام، وكان لهم دراية في الفراسة وقراءة الكف وعمل الأحجية وتحضير الأرواح، كما يسعون إلى الاتصال الروحي بالله عن طريق الصلاة والتأمل كالأسينيين، وكانوا ينتظرون نزول المسيح لإقامة مملكة يتمتع فيها الناس بالمساواة، وبعض القبالين هاجموا التلمود، وانتشر الاعتقاد بصدق القبالة وبأنها وحي من عند الله انتشارا واسعا بين يهود أوربا، والحديث يطول عن القبالاه ومراحلها وأنواعها وتصنيفاتها وشخصياتها لكننا نكتفي بهذا القدر منها، وبقدر تعلقه بدراستنا هذه.

العيسوية :

نسبة إلى عيسى اسحق بن يعقوب الأصفهاني، وذُكر أن اسمه (عوفيد الوهيم)، أي عابد الله، كان زمن المنصور وابتدأ دعوته زمن مروان بن محمد، فاتبعه كثير من اليهود وادعوا له آيات ومعجزات وزعموا أنه لما حورب خطّ على أصحابه خطاَ بعود آس، وقال : أقيموا في هذا الخط، فليس ينالكم عدو، فكان العدو إذا بلغوا الخط رجعوا خوفا من طلسم أو عزيمة، ومع هذا فقد قضى المنصور عليه وعلى أصحابه، وزعم أبو عيسى أنه نبي، وأنه رسول المسيح المنتظر وأن للمسيح خمسة من الرسل يأتون قبله.

كما زعم أن المسيح أعلى منزلة من الأنبياء جميعا ولأنه رسوله فهو أفضل الجميع أيضا، وحرم في كتابه الذبائح كلها، ونهى عن أكل كل ذي روح، طيراً كان أو بهيمة، وأوجب عشر صلوات ذكر أوقاتها وخالف اليهود في كثير من أحكام الشريعة المذكورة في التوراة.

اليوذعانية :

نسبة إلى يوذعان، وهو رجل من همدان، ذكر أن اسمه كان (يهوذا) وقد حث على الزهد وكثرة الصلاة، ونهى عن اللحوم والأنبذة، وكان يزعم أن للتوراة ظاهرا وباطنا، تنزيلا وتأويلا، وخالف بتأويلاته اليهود عامة، وخالفهم في التشبيه ومال إلى القدر واثبت أن العقل حقيقة للعبد، وقدر الثواب والعقاب عليه وشدد في ذلك.

الموشكانية :

أصحاب موشكا، على مذهب يوذعان، غير أنه يوجب الخروج على مخالفيه ونصب القتال معه، وقد قتل في منطقة (قم).

الحسيدية :

معنى الحسيد بالعبرية (التقي) وهي علم على الحركة الدينية الصوفية التي أسسها باعل شيم طوف (1700 – 1761) وانتشرت في شرق أوروبا بين الطبقات الفقيرة من فقراء الوعاظ والمنشدين والمدرسين، انقسمت الحسيدية إلى فرق عدة، كل فرقة تدور حول الصدّيق (القديس) تتشبه به وتأخذ بأقواله، وبقدر تفاوت هؤلاء في القدرات الذهنية كان التفاوت بين الفرق على مستويات من النزعات الصوفية مما أشاع جوا من الغيبة الصوفية والشعوذات التي زادت في عزلة اليهود الشرقيين عن التيارات الحضارية في أوربا.

وتحتوي الحسيدية على قدر كبير من الخرافات مثل الإصرار على أن القوة المقدسة الكامنة في حروف اسم (يهوه) وإيمانها بظهور المسيح وتأكيدها الخاص بوجود الملائكة وعبادتها، وكان لكل صديق معبد خاص يجتمع فيه مع أتباعه المقربين للصلاة، وكان الحسيديم يقدمون للصديق الفدية ويكرمونه حتى بعد موته لأنه لا يعد ميتا بنظرهم، إذ يستمر في الوساطة بينهم وبين الرب وشعب إسرائيل ويلغي الأحكام الإلهية السيئة.

ومع تأسيس إسرائيل أزداد تقوقعها بالرغم من حالات الإنعاش التي قام بها كبار الحسيديم، وخاصة مؤسسها الذي كان من دعاة الاستيطان اليهودي في فلسطين، وقد هاجر الكثير من أبناء الطائفة إلى أمريكا واستقرت غالبيتهم في حي بروكلين بنيويورك حيث المقر الرسمي للرئاسة الدينية للطائفة، وقد استطاعت الحسيدية أن تجمع بين المبدأ الشخصي والمبدأ القومي في مصطلح الخلاص وأصبحت فكرة الهجرة إلى فلسطين تجسد العلاقة بين خلاص الفرد وخلاص الشعب، إذ أن انتشار الحسيدية هو الذي يعجل بمجيء المسيح .

وفي فلسطين شكل الحسيدية طلائع اليهود الاشكناز أواخر القرن الثامن عشر وكانوا يتلقون الدعم المالي من مواطنهم الأصلية، ومع أن التوجه العام داخل الحركة الحسيدية كان ضد الهجرة إلى فلسطين، بعد ظهور الحركة الصهيونية، لكن هذا لم يمنع استمرار الهجرة وتأسيس قرى ومستوطنات خاصة بهم.

واليهود الحسيديم من الفرق اليهودية التي ظهرت في القرن الثامن عشر الميلادي في أوربا، وقد ساعد على ظهورها سوء الحالة التي كان يعيشها اليهود آنذاك وخيبة أملهم بالمسيح الدجال شبتاي صبي في القرن السابع عشر، وبمرور الزمن كبرت هذه الفرقة وكثر عدد المنتمين إليها حتى أصبح اليوم عدد أفرادها يعدون بمئات الآلاف منتشرين في كثير من بلدان العالم ولهم تأثير كبير في عالم اليهود في داخل إسرائيل وخارجها، واليهود الحسيديم لا يختلفون كثيراً في معتقداتهم وممارساتهم الدينية عن اليهود الأرثودكس المتشددين الذين يسمون بالعبرية (حريديم)، لكنهم يتميزون عنهم بتركيزهم على الغناء والرقص كجزء من عباداتهم وعلى التزامهم مبدأ اللذة والسعادة كجزء من معتقدهم.

كما أنهم يعتمدون التفسير الباطني (القبلاه) للكتب الدينية اليهودية المقدسة عندهم، ويتميز هؤلاء أيضاً بتقديسهم لزعيمهم الروحي الصديق الذي هو عادة يرث الزعامة عمن قبله، وللزعيم الروحي مكانة لا تضاهيها مكانة عند أتباعه، إذ هو محور حياتهم وموضع أسرارهم ومحل ثقتهم والقاضي بينهم في حل خلافاتهم، و يعترفون عنده بذنوبهم ويلجأون إليه في حل مشاكلهم.

والحسيديم اليوم مجموعات كثيرة ومتعددة، لكل واحدة منها زعيمها ومرشدها الخاص بها، ومن أكبر هذه المجموعات مجموعة اللوبافتش التي يقدر عدد أعضائها بمئتي ألف شخص والتي أصبح مقرها الرئيس في نيويورك بعد الحرب العالمية الثانية، وهذه المجموعة تقدس زعيمها الروحي أكثر من بقية المجموعات الأخرى، وكان آخر زعيم لها (مناحم مندل شنيرسون) قد توفي عام 1994 ولشدة تقديس أتباعه له فإنهم يحفظون أقواله وخطبه عن ظهر قلب ويقلدون أفعاله، ويطلبون بركته (وكان يعطيهم دولاراً رمزاً لهذه البركة) وكانوا يحضّرون أنفسهم ليوم أو يومين قبل لقائه والمثول أمامه ويوصون أولادهم بطاعته والإخلاص له.

ومن جملة ما تميز به زعيمهم في حياته تأكيده على قرب ظهور المسيح المخلص وحديثه عنه وذكره له، وقد طلب من أتباعه أن يجعلوا التفكير بالمسيح المخلص وانتظاره والتطلع إليه نصب أعينهم ومن أهم أولوياتهم، وكان يقول لأتباعه (إن كل يهودي له القدرة وعليه الواجب، أن يساعد في مجيء المسيح المخلص ليس غداً أو في وقت ما في المستقبل، ولكن الآن، وفي هذه اللحظة، حتى وكأن الإنسان يفتح عينيه فيرى المخلص أمامه هنا ومعنا في هذا الكنيس لحماً ودماً وروحاً وجسماً).

كذلك أمرهم أن ينادوا بعبارة (نريد المسيح الآن) وهم يضيفون الكلمة العبرية (ממש) (ممش) التي تعنى حقيقة، ولكنها أيضا تحتوي على الحروف الأولى من أسم مرشدهم وكان هؤلاء يصرخون بها كلما اجتمعوا تعبيراً عن توقعهم لظهور المسيح وتطلعهم إليه ورغبتهم في رؤيته، كما أخذوا يضعون في الأماكن العامة في كثير من مدن العالم التي يعيشون فيها لافتات مكتوب عليها (المسيح قادم)، وأثناء حياة مرشدهم الروحي كان هؤلاء يفسرون بعض الإشارات والرموز في كلامه على أنه هو المسيح الذي وعد به اليهود، وبدأوا يتناقلون هذا المعتقد سراً فيما بينهم كما أخذوا ينشرون صور زعيمهم ويكتبون تحتها ما يشير إلى أنه هو المسيح.

وعلى الرغم من أن زعيمهم كان يعرف ذلك، إلا أنه لم يمنعهم وكان يغض الطرف عن فعلهم، وبعد وفاته حلّت اللغة الصريحة محل لغة الإشارة وأخذوا يعلنون أن زعيمهم الروحي هو المسيح المخلص الذي وعدت به اليهودية والذي سيظهر من قبره في يوم من الأيام ليحقق العدل والسلام في العالم، وتأكيداً لذلك، فإنهم لم ينتخبوا شخصاً يخلفه كما هي عادة الحسيديم عند موت المرشد الروحي، وهم في الوقت الحاضر لا زعيم روحياً لهم أملاً في ظهور زعيمهم الميت وينتقد بعض اليهود (وبعضهم من أعضاء الفرقة) الحسيديم اللوبافتش ويعتبرون ما يؤمنون به منافياً لما هو منصوص عليه في معتقدات اليهودية التي تقول بأن المخلص هو الذي يولد في آخر الأيام ويعلن عن مسيحانيته عندما يكون حياً، ولكن اللوبافتش يردون على هذا النقد بأدبيات وكتب نشروها، يؤكدون فيها على صحة معتقدهم ومسيحانية زعيمهم وظهوره من قبره في يوم ما، ويقولون إن بعث الموتى هو أحد المبادئ الرئيسة في اليهودية ومن أصول الدين فيها فلماذا لا يجوز بعث المسيح.

وهم منذ فترة يقومون بحملات بين اليهود يؤكدون فيها على أن زعيمهم هو المسيح المخلص الموعود الذي سيظهر ويخلص العالم من شروره، وهم يلصقون صوره في الأماكن العامة في إسرائيل وغيرها، ويضعون تحتها كلمة ( المسيح)، وفي مستوطنتهم (كفارخبد) التي أقاموها في إسرائيل في السبعينات بأمر زعيمهم الروحي، يلصقون على الشبابيك صورته مكتوب تحتها (عاش الملك)، وهم بهذا يشيرون إلى زعيمهم، كما أنهم يوزعون بعض أقواله ويكتبون تحتها (المسيح الملك).

وفي مدارسهم – وهي كثيرة – يبدأ التلاميذ يومهم بجملة (عاش زعيمنا الملك المسيح)، كما أن الأولاد في المستوطنة عندما يردون على التلفون يبدأون ردهم بعبارة (عاش الملك المسيح)، وفي أحد مواقعهم على الإنترنت، وهو خاص بمسيحهم، يقولون إن الموقع صمم بأمر المسيح الملك وهم يذكرون عبارة (طال عمره إلى الأبد) بعد أسمه، ويطلبون من أتباع الفرقة أن يكتبوا رسالة لطلب البركة من مسيحهم وأن يدعو الله أن يعجل ظهوره، ويقول هؤلاء (إن الحاخام الذي أحب أتباعه كما لو كانوا أولاده لا يمكن أن يتركهم بلا قيادة، ولأنه فعل ذلك فلابد أنه كان يعلم بأنه سيظهر مرة أخرى ويملأ الفراغ).

ولكي يؤكدوا اعتقادهم هذا، فقد عقدوا مؤتمراً في لندن في نهاية عام 2000 حول موضوع مسيحانية زعيمهم وأسموه المؤتمر الأول، وقد حضر المؤتمر عدد كبير من أتباع هذه الفرقة وحضره أيضاً بعض الحاخامين من الفرقة ومن غيرها، وقد قال أحد المنظمين لهذا المؤتمر (إن الهدف من المؤتمر هو التأكيد على إيماننا ومعتقدنا بزعيمنا الروحي نبي هذا الجيل، ونحن نعتقد اعتقاداً عميقاً بأنه ما زال حياً ويعيش بيننا وسوف لا يخيب أملنا فيه)، ولم يكتف هؤلاء بنشر الأدبيات وعقد المؤتمرات عن ظهور مسيحهم، وإنما أخذوا يقومون بخطوات عملية لتأكيد واقعية الفكرة ومصداقيتها.

وأهم هذه الخطوات هي بناء قصر لسكنى مسيحهم، وقد طلبوا من معماري شهير تصميم قصر ضخم يسكنه زعيمهم عندما يبعث من قبره معلناً مسيحانيته كما يعتقدون، واختاروا أن يكون موقع قصره في مستوطنتهم المذكورة، وقد وافق مجلس بلديتها على المشروع، وقد عمل المعماري نموذجاً للقصر، الذي سيقام على مساحة عشرة آلاف متر مربع، وهو كما يبدو أنه سيكون قصراً ضخماً بكل المقاييس وكتبوا في وصف القصر أنه سيحتوي على قاعات عديدة وغرف كثيرة وحمامات وحدائق ونوافير ماء، وستغطى أرضه بأفضل أنواع المرمر، كما ستكون أبوابه من الذهب، وسيقسم داخله إلى قسمين، أحدهما للمسيح الموعود نفسه، والآخر لزوجته!!.

كما سيعلو القصر تاج ضخم مصنوع من الذهب الخالص، وهم عندما يتحدثون عن القصر يطلقون عليه قصر المسيح الملك، وأخذوا ينشرون صورته ويقومون بالدعاية له والكتابة عن ضخامته وجماله، ومنذ فترة يقومون بجمع الأموال لبنائه، وعندما ينتقدون على ما يقومون به يقولون بأن زعيمهم الروحي هو الذي طلب منهم أن يعملوا كل شيء من أجل المسيح المخلص وقدومه وأنه هو كذلك قد أشار ببناء القصر، وهم يردون على منتقديهم أيضاً بالقول : “إن كل ملك له قصر وخاصة ملك الملوك ثم كيف لا نبني له سكناً فأين يذهب عندما يظهر؟ هل يذهب إلى الفندق ؟”، واللوبافتش في عملهم هذا لا يختلفون كثيراً عما قام به أتباع فرقة (شهود يهوه) المسيحية الذين بنوا بيتاً ضخماً في إحدى الولايات الأمريكية وسجلوه باسم الأنبياء إبراهيم واسحق وداوود ليكون سكناً لهم عندما يظهرون صحبة المسيح عيسى عندما يظهر مرة أخرى .

الحسيدية والصهيونية :

من المعروف أن معظم المفكرين والزعماء الصهاينة إما نشأوا في بيئة حسيدية، أو تعرَّفوا إلى فكرها الحلولي بشكل واع أو غير واع، بل إن الصهيونية ضرب من (الحسيدية اللادينية) أو الحسيدية داخل إطار حلولية بدون إله ووحدة الوجود المادية، والدارس المدقق يكتشف أن ثمة تشابهاً بين الحسيدية والصهيونية، فالجماهير التي اتبعت كلاًّ من الصهيونية والحسيدية كانت في وضع طبقي متشابه، أي جماهير توجد خارج التشكيلات الرأسمالية القومية بسبب الوظائف المالية والتجارية التي اضطلعت بها مثل نظام الأرندا، لذلك، نجد أن جماهير الحسيدية، شأنها شأن جماهير الصهيونية، تتفق على حب صهيون، الأرض التي ستشكل الميراث الذي سيمارسون فيه شيئاً من السلطة، كما قامت الحسيدية بإضعاف انتماء يهود اليديشية الحضاري والنفسي إلى بلادهم، وهذه نتيجة طبيعية لأية تطلعات مشيحانية الأمر الذي جعل اليهود مرتعاً خصباً للعقيدة الصهيونية، كما أن الحسيدية والصهيونية تؤمنان بحلولية متطرفة تضفي قداسة على كل الأشياء اليهودية وتفصلها عن بقية العالم، وفي الحقيقة، فقد كانت الهجرة الحسيدية التي تعبِّر عن النزعة القومية الدينية فاتحةً وتمهيداً للهجرة الصهيونية، والصهيونية، مثل الحسيدية، حركة مشيحانية تهرب من حدود الواقع التاريخي المركب إلى حالة من النشوة الصوفية، تأخذ شكل أوهام عقائدية عن أرض الميعاد التي تنتظر اليهود، ويعتقد المفكر النيتشوي الصهيوني بوبر أنه لا يمكن بعث اليهودية دون الحماس الحسيدي، بل يرى أن الرواد الصهاينة قد بعثوا هذا الحماس.

ولكن الحسيدية تظل، في نهاية الأمر، حركة صوفية حلولية واعية بأنها حركة صوفية، ولذا فإن غيبيتها منطقية داخل إطارها، ولا تتجاوز أفعالها، النابعة من المشيحانية الباطنية، نطاق الفرد المؤمن بها وأفعاله الخاصة، أما سلوكه العام فقد ظل خاضعاً إلى حدٍّ كبير لمقاييس المجتمع، ولذا، ظل حب صهيون بالنسبة إلى هذه الجماهير حباً لمكان مقدَّس لا يتطلب الهجرة الفعلية، أما الصهيونية، فهي حركة علمانية، ذات طابع عملي حرفي، كما أن الفكرة الصهيونية لا تنصرف إلى السلوك الشخصي لليهودي وإنما إلى سلوكه السياسي، ولكي تتحقق الصهيونية، لابد أن تتجاوز حدودها الذاتية لتبتلع فلسطين، وتطرد الفلسطينيين بحيث يتحول حب صهيون إلى استعمار استيطاني.

ومما لا شك فيه أن الحسيدية قد ساهمت في إعداد بعض قطاعات جماهير شرق أوربا لتتقبل الأفكار الصهيونية العلمانية الغيبية، عن طريق عزلها عن الحضارات التي كانت تعيش فيها، وإشاعة الأفكار الصوفية الحلولية شبه الوثنية التي لا تتطلب أيَّ قدر من إعمال العقل أو الفهم أو الممارسة، ولكن هذا لا يعني أن الحسيدية مسؤولة عن ظهور الصهيونية، فكل ما هناك أنها خلقت مناخاً فكرياً ودينياً مواتياً لظهورها.

جدير بالذكر أن بعض الحسيديين عارضوا فكرة الدولة الصهيونية وأسسوا حزب أغودات إسرائيل، ولكن بعد إنشاء الكيان الإسرائيلي، بل قبل ذلك، أخذوا يساندون النشاط الصهيوني، وهم الآن من غلاة المتشددين في المطالبة بالحفاظ على الحدود الآمنة و (الحدود المقدَّسة) و (الحدود التاريخية لأرض إسرائيل)، ولكن هناك فرقاً حسيدية قليلة لا تزال تعارض الصهيونية ودولة إسرائيل بعداوة، من بينها جماعة ساتمار (ناطوري كارتا).

الاصلاحيون :

يذكر الباحث د. لطف الله حيدر، أن القرن الثامن عشر شهد اتجاهين دينيين رئيسيين، متميزين ومتنافسين، في حياة اليهود الاجتماعية والفكرية، وقد ارتبط الاتجاه الأول ارتباطاً عضوياً باسم مؤسسه موسى مندلسون ودعا إلى التخلي عن العقائد اليهودية والطقوس الدينية القديمة، وقاد أنصار هذا الاتجاه حملة في سبيل التنوير (هاسكالاه)، بينما كان الاتجاه الثاني يجسد النزعة نحو التمسك الصارم بحرفية التعاليم اليهودية التوراتية القديمة، وشعائرها الجامدة، والحفاظ على انعزالية اليهود ضمن (الجيتو) بانتظار المسيح المنقذ، الذي سيقود اليهود إلى أرض الميعاد في فلسطين، وقد سمي الاتجاه الأول (التيار الغربي) نظراً لانتشاره الواسع بين يهود غرب أوروبا، وأطلق على الاتجاه الثاني اسم (التيار الشرقي) نسبة إلى شطر أوروبا الشرقي.

إذاً بدايات هؤلاء تعود إلى موسى مندلسون (1729 – 1786) في ألمانيا، حيث قام بحركة أسماها (الهاسكالاه) أو (التنوير) اعتبرت ضربا من الإصلاح الديني الذي تأثر به كثير من يهود العالم الغربي، حاول مندلسون أن يحطم الجيتو العقلي الداخلي، وبذل جهودا ليبين علاقة الدين بالعقل ورفض أي فكر يهودي يتنافى مع المنطق العقلي، بل ذهب إلى حد الإيمان بأن اليهودية ليست دينا مرسلا من عند الله، وإنما هي مجموعة من القوانين الأخلاقية وأن الله، عندما تحدث إلى موسى في سيناء، لم يذكر له أي عقائد، بل ذكر طريقة للسلوك يتبعها الأفراد في حياتهم الشخصية، ولعله أراد بهذا، كما يقول الدكتور كامل سعفان في كتابه (اليهود تاريخا وعقيدة)، تحرير اليهود من طغيان الحاخامات.

كانت الهاسكالاه ترمي إلى تغيير في المعتقدات اليهودية بما يتمشى مع واقع الحياة، فأباحت أكل الخنزير وعدم تقديس السبت، وعملت على تخفيف الطقوس الدينية واستعمال اللغات الدارجة في العبادة وأبطلت الصلاة على الموتى، أصدر مندلسون في ألمانيا سنة 1850 صحيفة باللغة العبرية أسماها (الواعظ الأخلاقي) وجعلها منبراً لدعوته ولدعاة الإصلاح اليهودي، وحتى يقضي على عزلة اليهود الاجتماعية والنفسية قام موسى مندلسون بترجمة (أسفار موسى الخمسة) إلى الألمانية وأنشأ مدرسة في برلين للأطفال اليهود تعلمهم الألمانية وبعض الأعمال اليدوية إلى جانب العلوم الدينية التقليدية، ثم عزز دعوته بالمطالبة بمنح كل فرد حرية العقيدة، ليقرر كل ما يشاء حسب ما يمليه ضميره وتصوره الأخلاقي.

من معالم دعوة الإصلاح اليهودية إنكار التوراة والتلمود كمصادر للتشريع وإن كان الدعاة يؤمنون بأنهما نتاج العبقرية اليهودية الدينية، وقد رأى الاصلاحيون أن الوحي ليس خالصا صافيا، بل يختلط بعناصر تاريخية زمنية، وبهذا يصبح اليهود ملزمين بمحاولة فهم هذا الوحي وتنفيذ ما هو ممكن منه في لحظتهم التاريخية.

ويأخذ هذا التيار شكلا متطرفا في قرارات مؤتمر بتسبرج الإصلاحي (1885) الذي تقرر فيه أن (الكتاب المقدس ليس من صنع الله، بل هو وثيقة من صنع الإنسان)، ومن التطورات الأخرى التي حصلت في زمنهم، هو قيامهم بإلغاء الصلوات التي لها طابع قومي يهودي، وجعلوا لغة الصلاة الألمانية وليس العبرية، وأدخلوا الموسيقى والأناشيد الجماعية، كما سمحوا باختلاط الجنسين في الصلاة.

كما قام بعضهم ببناء بيت للعبادة وأطلقوا عليه اسم (الهيكل)، في محاولة لتعميق ولاء اليهودي للوطن الذي يعيش فيه، كما ركز الاصلاحيون على الجوهر الأخلاقي للتلمود مهملين التحريمات المختلفة التي ينص عليها القانون اليهودي، مثل القوانين الخاصة بالطعام، وقد عدل بعض قادتهم فكرة عودة (الماشيح) بفكرة عصر يحل فيه السلام والكمال.

واليهودية الإصلاحية والمحافظة هما أكبر الفرق الدينية اليهودية في الغرب، وحسب المؤرخين، فان الإصلاحيين لهم معابد إصلاحية في حوالي 29 دولة تابعة للاتحاد العالمي لليهودية التقدمية، ويبلغ عدد أتباع الحركة حوالي 1.25 مليون، لكن الولايات المتحدة لا تزال المركز الأساسي الذي يضم معظم أعضاء هذه الفرقة، وتوجد 848 إبراشية يهود إصلاحية في الولايات المتحدة، ويشكل الإصلاحيون 30% من كل يهود أمريكا المنتمين إلى إحدى الفرق اليهودية (مقابل 33% محافظين و9% و26% لا علاقة بهم أى فرقة دينية أرثوذكس).

وقد اعترفت روسيا باليهودية الإصلاحية باعتبارها مذهباً يهودياً، وبالفعل، توجد جماعة يهودية إصلاحية الآن لها مقر في موسكو، ويمكن أن نتوقع انتشار اليهودية الإصلاحية لأنها صيغة مخففة سهلة من العقيدة اليهودية تناسب تماماً يهود روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء ممن يودون التمسك بيهوديتهم وإظهارها والإعلان عنها حتى يتسنى لهم الهجرة إلى إسرائيل، ولكنهم، كباحثين عن اللذة، لا يريدون في الوقت نفسه أن يدفعوا أي ثمن عن طريق إرجاء المتعة أو كبح ذواتهم أو إقامة الشعائر، واليهودية الإصلاحية تحقق لهم كل هذا، فهي تتكيف بسرعة مع روح العصر، وكل عصر.

لقد انتصرت لدعوة مندلسون عصبة من الرواد المخلصين ممن أيدوا منهجه، وأطلقوا على أنفسهم اسم المتنورين، وتعاهدوا على إصدار دورية أدبية عنوانها (الجامع) استمر إصدارها لفترات منقطعة ما بين (1784-1811) باللغة العبرية معرضين عن لغة الييديش :

1- وكان من أشهر أنصار مندلسون الشاعر (نفتالي هرتس ويسلي) (1725-1805)، وكان من أكثرهم إخلاصا وحماسا لدعوته، دعا إلى الانصهار في ثقافة العصر، وقام في كتابه المعروف (كلمات عن السلام والحقيقة) بدعوة يهود النمسا والمجر إلى الاستجابة المخلصة لنداء الإمبراطور جوزيف الثاني الذي دعا إلى استخدام اللغة الألمانية وإنشاء المدارس الحديثة لتعليم العلوم العصرية ذات الصلة بروح العصر ومطالبه.

2- من زعماء الحركة الإصلاحية (أبراهام جايجر) (1810-1874) زعيم الجناح المعتدل، الذي يشار إليه عادة بلفظ (التقدمي) وهو من أشهر الوعاظ والخطباء لهم، والذي تولى هذا المنصب في مدينة فيزبادن، وإليه يرجع الفضل أيضا في نشر صحيفة ناطقة بالاتجاهات الفكرية لهذه الطائفة ابتدءا من سنة 1832، واسمها (الصحيفة العلمية للاهوت اليهودي)، وفي سنة 1838 انتخبته طائفته حاخاما أكبر لها في مدينة برسلو، منافسا لحاخامها القديم (تيتكين)، وقد أحدث هذا الانتخاب خلافا حادا في زمانه في تلك المدينة، وقد طالب جايجر بالتخلي عن فكرة (شعب الله المختار) كلياً، واعتبر أن تلك الفكرة عمقت عزلة اليهود.

ودعا إلى ضرورة ممارسة ضبط النفس في عملية الإصلاح مخافة أن تفقد الحركة كامل صلتها بأبناء بني إسرائيل ومشاعرهم الدينية، واجتهد في تطوير معارف أتباعه وذلك بما ألف ودون من كتب ورسائل أنكر فيها الأصل الإلهي للأسفار الخمسة، ورفض الاعتراف بالأحكام الشرعية الثابتة وحيا من السماء، وناصر الدعوة إلى إلغاء سنة الاختتان، وبشر جايجر بمفهوم عالمي مجرد عن كل مضمون قومي، باعتبار أن إضفاء صفة قومية عليها يناقض ما أراده الله تعالى وقصده، وأعلن بأن دعوته إلى إجراء ما أجراه ينسجم مع التقاليد التلمودية المتوارثة التي تؤكد ضرورة رعاية المصالح تبعا لتغير الأزمان.

3- ومنهم (ديفيد فرايد لندر) (1706-1834) زعيم الجناح الثوري الذي يشار إليه أحيانا بصفة (الليبرالي)، وهو أحد أكثر تلامذة مندلسون إخلاصا لدعوته والمؤسس الحقيقي لحركة الإصلاح، ولقد ذهب في جهوده إلى حدود متطرفة، فقدم عام 1799 التماسا إلى السلطات الكنسية البروتستانتية ببرلين يطلب فيه السماح له ولأنصاره ومريديه الاشتراك في مراسيم الكنيسة، شرط أن يُعفوا من القول بإلوهية المسيح، أو أي عقيدة تنافي العقل، ومن ممارسة الطقوس الدينية التي هي من لوازم المسيحية، وكان طبيعيا أن ترد الكنيسة طلبه هذا الذي تضمن ردة مشروطة عن اليهودية.

وقد كان أحد المفكرين اليهود القلائل الذين نادوا بالتخلي عن عقيدة الماشيَّح التي تسببت في عزل اليهود عن العالم غير اليهودي، وكان (فرايد لندر) يرى أن المسألة اليهودية في شرق أوروبا لا يمكن حلها إلا عن طريق الإصلاحات التي تؤدي إلى الاندماج، وكان هدفه هو الحفاظ على السبب الجوهري وراء نشاط الحركة والذي كان يتمثل في الدعوة إلى التوافق مع مطالب العصر والانصهار في المجتمع الغربي، واجتثاث العناصر والخصائص القومية التي من شأنها أن تؤثر سلبا على علاقات اليهود مع الأغيار.

4- ومنهم اليهودي الإصلاحي (إسرائيل يعقوبزون) الذي خصص أول هيكل للطائفة في بيته وكان ذلك في زيزن بألمانيا، ثم هيأ هيكلا آخر في بيته ببرلين سنة 1815 .

5- وكان من أشد الإصلاحيين : (إسحاق صمويل ريدجو) (غوريتسيا، 1784-29 أغسطس 1855) وهو يهودي إيطالي .

6- ومنهم الحبر اليهودي (صموئيل هولدهايم) (1806-1860) من زعماء هيكل برلين عام 1849، وقد أقدم على استبدال السبت اليهودي ومراسيمه بالأحد المسيحي وطقوسه، وألغى الاحتفال باليوم الثاني لشهود القمر الجديد وولادته، ومع ظهوره وظهور جايجر بدأت حركة الإصلاحيين تتخذ منحى أشد تطرفا وغلوا من قبل، فقد صرحا معا بلغة واضحة أن اليهودية عقيدة دينية وأخلاقية صرفة ليس فيها ما يشير إلى خصائص قومية.

7- وترتبط هذه الحركة الإصلاحية أيضا باسم (إسرائيل جاكبسون أو جيكوبسون) (1768-1828) الذي أسس أول هيكل (كنيس) يهودي للإصلاح في مدينة (سيسن برنزويك) بجهده الخاص ومن ماله، وقد جرى في هذا الهيكل ولأول مرة في تاريخ اليهودية أداء الصلوات والطقوس الدينية وفق صيغ المسيحية وتقاليدها الكنسية، وأول مناسبة يسمى فيها المعبد اليهودي بالهيكل.

8- سولومون فورمستشر (1808 – 1889) حاخام ومفكر ديني ألماني يهودي، وأحد قادة حركة اليهودية الإصلاحية، اشترك في المؤتمرات الحاخامية المختلفة التي تناولت قضية اليهودية في العصر الحديث، وكتب عدة دراسات عن فلسفة الدين، ويُعَدُّ مؤلفه ديانة الفكر (1841) أهم مؤلفاته التي يصف فيها اليهودية بأنها ليست ديانة طبيعية (أي متمركزة حول الطبيعة) وإنما ديانة فكر عالمية ترى أن الإله يتجاوز الطبيعة، وأنه الحقيقة المطلقة ومصدر القيم، ويقصد فورمستشر بالفكر التحقق التاريخي الواعي للمطلق، ويذهب فورمستشر إلى أن التوحيد في الإسلام والمسيحية ليس كاملاً كما هو الحال مع اليهودية، وإنما هو توحيد مختلط تمتزج فيه العناصر الوثنية بالعناصر التوحيدية، وبذا تظل الأمة اليهودية التعبير الوحيد الصافي عن المطلق.

9- ومنهم إيوجين بورويتز (1924) حاخام ومفكر ديني إصلاحي، وُلد في نيويورك، وكان ابناً لموظف في أحد مصانع الملابس، درس في جامعة أوهايو وكلية الاتحاد العبري، وحصل على الدكتوراه في التربية من جامعة كولومبيا، عمل بورويتز حاخاماً في عدد من المدن الأمريكية من بينها نيويورك، كما عمل حاخاماً في البحرية الأمريكية، من أهم مؤلفاته لاهوت يهودي جديد يُولَد (1968) حيث يلخص المواقف اللاهوتية اليهودية الأساسية في العصر الحديث.

أما كتابه القناع الذي يلبسه اليهود (1973)، فهو يتناول ما يتصور بورويتز أنه الأقنعة التي يرتديها يهود أمريكا، ويتناول الكتاب قضايا، مثل : الاندماج، وكُره اليهودي لنفسه، ومفهوم الشعب اليهودي، وعلاقة يهود الولايات المتحدة بالتقاليد الدينية اليهودية، ويتكون كتابه اليهودية الإصلاحية اليوم (1978) من ثلاثة أجزاء، وهو يتناول الأفكار والممارسات الأساسية لليهودية الإصلاحية، ويؤيد بورويتز في هذا الكتاب الاتجاه المتصاعد في صفوف اليهودية الإصلاحية نحو تَبنِّي الصهيونية والعودة إلى ممارسة بعض الشعائر اليهودية باعتبارها سبيلاً لتقوية الهوية، ويقوم بورويتز بتحرير مجلة شماع التي تعبِّر عن أفكار اليهودية الإصلاحية.

10- ومنهم أيضا كوفمان كولر (1843-1926) أحد زعماء اليهودية الإصلاحية، وُلد وتلقَّى دراسته في ألمانيا، ثم استقر في الولايات المتحدة عام 1869، وعمل حاخاماً للجماعة الإصلاحية في شيكاغو ونيويورك إلى أن عُيِّن رئيساً لكلية الاتحاد العبري عام 1903، وظل في هذا المنصب ثمانية عشر عاماً، وكان كولر الشخصية الأساسية في مؤتمر بتسبرج الإصلاحي حيث تم تَبنِّي قراراته الإصلاحية الشهيرة، كان كولر كاتباً كثير الإنتاج في حقلي الفلسفة واللاهوت، وكان معارضاً قوياً للصهيونية، وقد أسهم في تطور اليهودية الإصلاحية في الولايات المتحدة، وكان يُعَد العالم الإصلاحي الأساسي، اشترك في تحرير الترجمة اليهودية الأمريكية للعهد القديم، وفي الموسوعة اليهودية (القديمة التي صدرت في أوائل هذا القرن)، وله دراسة منهجية تاريخية للاهوت اليهودي تُعَدُّ من أهم أعماله.

وتذكر المصادر أن هذه الحركة تسمى بـ (الحركة الإصلاحية اليهودية) و(التقدميين، التقدمية) وعادةً ما يُستخدَم مصطلح (تقدمي) بديلاً لمصطلح (إصلاحي) خارج الولايات المتحدة، و(الليبراليون، الحركة الليبرالية) و(المتنورون، حركة التنوير) و(اليهودية المتحررة) وبعضهم يطلق عليها (اليهودية التجديدية) والبعض يرى أنها فرقة أخرى، وكانت تسمى (الهسكالاة) أي التنوير واليقظة والنهضة، وهي العصرانية عند اليهود، وتسمى الاتجاه الاندماجي، وهي حركة علمانية حاولت إصلاح اليهودية من خارجها، وشعارهم : (كن يهوديا في بيتك وإنسانا خارج البيت).

وتسمى الحركة : (النيولوج) وهو الاسم العرفي (غير الرسمي) الذي كان يُطلَق على أعضاء الجماعة اليهودية في المجر والمنتمين إلى اليهودية الإصلاحية، وهذه المسميات ليست مترادفة تماماً، إذ يُستخدَم أحياناً مصطلح (اليهودية الليبرالية) للإشارة إلى اليهودية الإصلاحية التي حاولت أن تحتفظ بشيء من التراث، كما استُخدم المصطلح نفسه للإشارة إلى حركة دينية أسسها كلود مونتفيوري في إنجلترا عام 1901، وكانت متطرفة في محاولاتها الإصلاحية. أما مصطلح (اليهودية التقدمية) فهو مصطلح عام يشير إلى التيارات الإصلاحية كافة.

وكانت لمندلسون آراء جديدة على اليهود من الناحية السياسية والإنسانية العامة، وهي تعتبر دستورا لهذه الفرقة، وخلاصتها  :

1- أن اليهود يجب أن يندمجوا في إنسانية العصر، وأن يخرجوا من قوقعة العنصرية التي حبسوا أنفسهم فيها طيلة قرون طويلة .

2- أن اليهودية دين فقط، وليست جنسية، وأنه من الخطأ القول (يهودي إنجليزي) أو (يهودي روسي) …الخ، والأصح أن يقال إنجليزي متدين باليهودية، وروسي متدين بها، وهكذا.

3- أن المساواة في الحقوق المدنية بين اليهود وغيرهم غير ممكنة إلا إذا اعتبر اليهود أنفسهم مواطنين في البلاد التي يعيشون فيها، لا يتميزون بلباس أو أكل أو لغة.

4- لا يمكن ذلك إلا إذا تحدث اليهود بلغات أوطانهم، وتعلموا في مدارسها، وحاربوا في جيوشها، ولبسوا من الملابس ما يشبه بقية المواطنين، وخرجوا من الجيتو وأقاموا مع غيرهم من الناس .

وأبرز آراء الحركة ومعتقداتها الدينية (وان كنا اشرنا لبعضها) فهي إجمالا :

1- إنقاص الأدعية والصلوات إلى الحد الأدنى، مع إباحة تلاوتها بلغات البلاد القومية حيث يعيش هؤلاء اليهود .

2- حذف جميع الإشارات إلى خصوصية الشعب اليهودي من كل طقوس الدين وعقيدته وأخلاقه وأدبه.

3- أبطال كل الفوارق بين الكهنة واللاويين وبقية اليهود.

4- ترك الترانيم الشعرية العبرية والآرامية القديمة.

5- إدخال الآلات الموسيقية وفرق الإنشاد الجماعي (الكورس) من الجنسين في المعبد والترنم بألحان حديثة مؤلفة ومكتوبة (على النوتة) خصيصا لطقوسهم، وانتهى ذلك التطوير بإدخال الأرغن في المعبد اليهودي تقليدا للكنائس والكاتدرائيات.

6- إنكار أحد أبرز ماجاء في إعتقادهم من أن يكون (الخلاص) معناه إقامة دولة في فلسطين، وهم بذلك كانوا وما زالوا من الفرق غير الصهيونية، فعندهم أن الخلاص يكون في الدنيا بالحصول على المساواة في الحقوق المدنية ولا ضرورة إطلاقا لربط ذلك بفلسطين أو بغيرها من البلاد، فمن مواقفهم المفصلية (نحن لا نعتبر أنفسنا أمة بعد اليوم، بل جماعة دينية، ولذا نحن لا نتوقع عودة إلى فلسطين، أو عودة قربانية في ظل أبناء هارون، ولا استرجاعاً لأي من القوانين المتعلقة بالدولة اليهودية) فقد رفضوا وعد بلفور وكل المحاولات السياسية التي تنطلق من فكرة الشعب اليهودي.

7- خالفوا جميع اليهود إذ قالوا إن الله فعل خيرا ببني إسرائيل إذ فرقهم في الأرض، فهم بذلك يستطيعوا أن يعيشوا في كل الآفاق وأن يقيموا فيها الدليل على الدعوة الموسوية.

8- كما عدل الإصلاحيون من فكرة عودة (الماشيح) فأحلوا محلها فكرة العصر الحديث، عصر حضارة العقل والقلب الجامعة، اقترابا لتحقيق أمل (إسرائيل الماشيحاني) العظيم من أجل إقامة مملكة الحقيقة والعدالة والسلام بين جميع البشر.

9- ولأنهم صرفوا النظر عن إعادة بناء الهيكل في أورشليم بالذات، فإن كل معبد من معابدهم في أي مكان يطلق عليه اسم (الهيكل)، وكانت هذه أول مرة يستخدم فيها هذا المصطلح، لأنه لم يكن يطلق إلا على الهيكل الموجود في القدس، ومعنى ذلك أن الإصلاحيين بتسميتهم معبدهم هذه التسمية الجديدة (هيكل) كانوا يحاولون تعميق ولاء اليهودي إلى الوطن الذي يعيش فيه، ويحاولون نقل الحلول الإلهي من مكان سيعودون إليه في آخر الأيام إلى مكان يرتادونه هذه الأيام، وأول هيكل خصص للطائفة هو الذي هيأه في بيته اليهودي الإصلاحي إسرائيل يعقوبزون كما سبق، وفي سنة 1818 شهدت الطائفة تشييد أول هيكل يبنى خصيصا لإقامة الشعائر، في الثغر الألماني الكبير همبورج، وكانت الصلوات، معظمها إن لم يكن كلها، تقال فيه باللغة الألمانية لا العبرية طبقا لمبادئ اليهود الإصلاحيين، وجاء في خطبة افتتاح أول معبد لهم : “إن الدنيا كلها تتغير من حولنا، فلماذا نتخلف نحن”.

10- إباحة اختلاط الجنسين من المصلين في هذا (الهيكل) وإجازة الزواج بغير اليهودي.

11- منع تغطية الرأس أثناء الصلاة أو استخدام تمائم الصلاة (تفيلين) متأثرين في ذلك بالصلوات البروتستانتية.

12- محاولة تأكيد الجانب العقائدي والأخلاقي على حساب الجانب الشعائري أو القرباني، فهم يرون أن اليهودية الحاخامية تدور في إطار الشعائر المرتبطة بالدولة اليهودية والهيكل، والتي لم تعد لها أي فعالية أو شرعية، فيقول بعضهم : “أن جوهر اليهودية ليست أشكالا ولا حتى شريعتها، ولكن جوهرها هو أخلاقها”.

13- إعادة تفسير اليهودية في الجانب الفكري على أساس عقلي، وإعادة دراسة التوراة على أسس علمية، فالعقل أو العلم هو موضع الحلول الإلهي، أو المطلق في المنظومات الربوبية.

14- المناداة بأن الدين اليهودي أو العقيدة الموسوية وهي التسمية المقدمة لديهم تستند إلى قيم أخلاقية تشبه قيم الأديان الأخرى.

15- السماح مؤخرا بترسيم حاخامات إناث.

16- عدم الاعتراف بأي يوم من أيام الصيام، بعد أن كان اليهود يصومون أيام كيوم الغفران وأسابيع الحداد وغيرها.

17- إبطال لبس شال الصلاة إلا للحاخامات، وعدم لبس طاقية الصلاة.

18- نكرانهم وجود الملائكة.

19- نكران فكرة البعث والجنة والنار، وإحلال فكرة خلود الروح محلها.

20- إسقاط معظم شعائر السبت، ومن بينها تحريم استخدام السيارة بما في ذلك الوصول للمعبد، وعدم استعمال أية آلة كهربائية، وهم في الوقت الحاضر لا يحتفلون في يوم السبت وإنما يختار أعضاء الأبرشية أي يوم في الأسبوع للاجتماع، وتأخذ الشعائر في هذه الحالة شكل صلاة قصيرة وقراءة بعض الفقرات من أي كتاب، ولعل هذا هو الانتصار النهائي لروح العصر كما يعتقدون.

21- ازدياد التكيف مع روح العصر تطرفا، ولذا فقد قبلت اليهودية الإصلاحية الشواذ جنسيا كيهود، ثم رسمت بعضهم حاخامات، وأسست لهم معابد إصلاحية معترفا به من قبلهم، وقد جاء في موقع هيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي) ما يأتي : “وافق المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين التابع لحركة الإصلاح اليهودية على مباركة زواج الشواذ من الجنسين في طقوس دينية يهودية، وقال رئيس المؤتمر الحاخام تشارلز كرولوف : إن من حق الشواذ الاعتراف بزواجهم واحترامهم .. إن المؤتمر اليهودي ذهب بموافقته تلك إلى مدى أبعد من أي حركة دينية أخرى في الولايات المتحدة في منح حقوق للشواذ، فحتى صدور هذا القرار كان الشواذ يضطرون للبحث عن حاخام يقبل تزويجهما بصورة فردية، وكانت مراسم الزواج تتفاوت بين مباركة بسيطة وعرس كامل يشبه حفلات الأعراس التقليدية، في عام 1990 وافقت الحركة على تعيين حاخامات يهود من الشواذ اعتماداً على مبدأ أن جميع اليهود متساوون في التدين بغض النظر عن توجهاتهم الجنسية “.

22- الاهتمام الكبير بالوعظ والإرشاد في داخل الهيكل، بحيث كانوا يختارون لكل هيكل، إلى جانب (الحزان) وهو الحاخام الذي يقوم بالكهانة في أثناء الطقوس، خطيبا يتحرون فيه طلاقة اللسان وسعة العلم وقوة التأثير في الجماهير، ويسمى عندهم (مَطِّيف) ومن أشهر هؤلاء الوعاظ الخطيب اليهودي الإصلاحي المشهور (إبراهام جايجر) كما سبق.

23- معاداة الحركة الصهيونية، وكان هذا من الطبيعي، وقد عقدوا عددا من المؤتمرات للتعبير عن رفضهم للصهيونية.

24- وانتهى الأمر بهذه الحركة إلى أن خلعت النسبية على كل العقائد ونزعت القداسة عن كل شيء، أي أنها في محاولتها إدخال عنصر النسبية الإنسانية والتهرب من الحلولية، سقطت في نسبية تاريخية كاملة بحيث أسقطت كل الشعائر وكل العقائد تقريبا، وطبيعة هذه الطائفة كانت تفرض عليها أن تظل نشيطة لا تتوقف عن الحركة، والواقع أنها لم تقصر من هذه الناحية، فكان أقطابها ما يزالون يجتمعون في مؤتمرات عامة، وكان من أوائلها مؤتمر في برنشويج وآخر في فرانكفورت وثالث في برسلو في السنوات من 1844 إلى 1846.

اليهودية الإصلاحية والصهيونية :

كان من المنطقي أن تعادي اليهودية الإصلاحية (بنزعتها الاندماجية) الحركة الصهيونية (في نزعتها القومية المشيحانية، وفي تمجيدها للجيتو والتلمود، وفي حفاظها على النطاق الضيق للحلولية اليهودية التقليدية)، وقد عَقَد الإصلاحيون عدداً من المؤتمرات للتعبير عن رفضهم للصهيونية، كما أنهم رفضوا وعد بلفور وكل المحاولات السياسية التي تنطلق من فكرة الشعب اليهودي أو التي كانت تخاطب اليهود كما لو كانوا كتلة بشرية متجانسة لها مصالح مستقلة عن مصلحة الوطن الذي ينتمون إليه.

وقد ظلت هذه العداوة قائمة زمناً طويلاً في الولايات المتحدة، ولكن اليهود في الغرب جزء لا يتجزأ من المصالح الاقتصادية والسياسية لبلادهم، ومن محيطها التاريخي والحضاري، وهذه البلاد في مجموعها تشجع المشروع الصهيوني، ولذا، لم يكن من الممكن أن تستمر الفكرة أو العقيدة الإصلاحية في مقاومة الواقع الإمبريالي الغربي الممالئ للصهيونية، وعلى كلٍّ، فإن اليهودية الإصلاحية جعلت روح العصر النقطة المرجعية والركيزة النهائية، والإمبريالية جزء أساسي من روح العصر في الغرب، ولكل هذا، نجد أن اليهودية الإصلاحية تخلت بالتدريج عن رؤيتها الليبرالية، وأخذت في تعديل رؤيتها بشكل يتواءم مع الرؤية الصهيونية.

وبالفعل، بدأ الإصلاحيون في العودة إلى فكرة القومية اليهودية الصهيونية، وإلى فكرة الأرض المقدَّسة، فجاء في قرار مؤتمر كولومبوس عام 1937 أن فلسطين (أرض مقدَّسة بذكرياتنا وآمالنا) إلا أن مصدر قداستها ليس العهد بين الشعب والإله، وإنما الشعب اليهودي نفسه (وفي هذا اقتراب كبير من اليهودية المحافظة)، وقد حاول الإصلاحيون تبرير هذا التحول بالعودة إلى التراث اليهودي فبيَّنوا أن الأنبياء كانوا يؤيدون الاتجاه القومي الديني دون أن يتخلوا عن الدفاع عن الأخلاقيات الإنسانية العالمية، ودون أن يجدوا أيَّ تناقض بين الموقفين، أي أن الإصلاحيين تقبَّلوا الموقفين : الانعزالي والعالمي دون تساؤل، وهم في هذا يقتربون من الصهيونية الثقافية، ومن صهيونية الجماعات اليهودية (أي الصهيونية التوطينية) في استخدامها مقياسين مختلفين : أحدهما يجعل اليهودية قومية بالنسبة للمستوطنين الصهاينة والإسرائيليين، والآخر يجعلها ديناً وتراثاً روحياً بالنسبة للمنفيين الذين لا يريدون مغادرة المنفى بسبب سعادتهم البالغة به.

وقد تزايد النفوذ الصهيوني داخل معسكر اليهودية الإصلاحية إلى درجة أن الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية (أي الإصلاحية) عقد مؤتمره السنوي الخامس عشر في مدينة القدس للمرة الأولى عام 1968، وذلك عقب عدوان 1967 وفي غمرة الحماس القومي الذي اكتسح يهود العالم نتيجة للانتصار الإسرائيلي، وقد تزايدت أيضاً العناصر القومية في الشعائر الإصلاحية (حيث تُتلى الآن بعض الصلوات بالعبرية)، كما أن الإصلاحيين ينفخون في البوق (شوفار) في المعبد في عيد رأس السنة وأدخلوا بعض العناصر التراثية على الصلوات الأخرى.

وبدأت اليهودية الإصلاحية، ابتداءً من منتصف السبعينيات، تساهم بشكل واضح في الحركة الصهيونية، حيث أصبحت ممثلةً فيها من خلال جمعية أراز (جمعية الصهاينة الإصلاحيين في أمريكا)، وقد انضم الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية إلى المنظمة الصهيونية العالمية عام 1976، وانضمت أرتسينو (الرابطة الدولية للصهاينة الإصلاحيين) باعتبارها حزباً صهيونياً إلى المنظمة، فأصبح لليهودية الإصلاحية كيبوتسات ومؤسسات تربوية في إسرائيل وتنظيمات لجمع الأموال لها.

في عام 1976، عُقد آخر المؤتمرات الإصلاحية التي أعادت صياغة العقيدة اليهودية في سان فرانسيسكو، ويُلاحَظ في قراراته أنها تحثُّ على استمرار الاتجاه نحو تعميق البُعد القومي، فالحقيقة الأساسية في حياة اليهود، حسب قرارات المؤتمر، هي الإبادة النازية، الأمر الذي يدل على الاتجاه نحو تَقبُّل لاهوت موت الإله ولاهوت ما بعد أوشفيتس.

وقد بدأت اليهودية الإصلاحية تتجه نحو محاولة الالتزام ببعض الشعائر اليهودية بقدر الإمكان، ومع هذا أُعيد تعريف اليهودي بحيث يصبح (من وُلد لأب يهودي أو أم يهودية)، وأُبيح الزواج المُختلَط شرط أن يكون الأبناء يهوداً، وقد أُدخلت كل هذه التعديلات بسبب الرغبة في البقاء (أي التزاماً بلاهوت البقاء)، وقد صدر، في عام 1975، كتاب إصلاحي جديد للصلوات يُسمَّى بوابات الصلاة، وهو كتاب تتبدَّى فيه الاتجاهات الصهيونية السابقة وقد صدر ليحل محل الكتاب الذي صدر في عام 1941.

في عام 1988 أصدرت أرتسينو بياناً يحدد موقفها من الصهيونية فأكدت أهمية إسرائيل بالنسبة ليهود العالم ولكنها أكدت أيضاً التعددية في حياة اليهود، وهي تعددية لا تستبعد العلمانية، ولذا فهي تؤيد كلاً من الدياسبورا والهجرة الاستيطانية، وطالب البيان حكومة إسرائيل بأن تبتعد عن القمع الديني والعنف السياسي، ودافع عن حقوق العرب ودعا إلى حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي، مبني على الضمانات والتنازلات المتبادلة.

وقد أُسِّست أولى الأبرشيات الإصلاحية في فلسطين عام 1936 في حيفا وتل أبيب والقدس، وفي عام 1939، أُسِّست مدرسة ليو بابك في حيفا، وهي أول مدرسة دينية غير أرثوذكسية في فلسطين، ويُعَدُّ معبدها إبل الذي أُسِّس عام 1958 أقدم المعابد الإصلاحية (التقدمية) في إسرائيل، وفي عام 1963 أسست كلية الاتحاد العبري فرعاً لها في القدس، وقد تم توسيعها عام 1987، ثم أصبحت المقر الرئيسي للاتحاد العالمي لليهودية التقدمية، ويوجد قسم بالكلية لإعداد الإسرائيليين ليصبحوا حاخامات إصلاحيين، وقد تم ترسيم أول حاخام إصلاحي متخرج في المدرسة عام 1980، وبلغ عددهم 20 عام 1996.

وكل حاخامات إسرائيل الإصلاحيين (التقدميين) أعضاء في مجلس الحاخامات التقدميين، ولا يقبل حاخامات إسرائيل الإصلاحيون تعريف اليهودي الذي يقبله حاخامات الولايات المتحدة الإصلاحيون، ويوجد فرع لكلية الاتحاد العبرية في إسرائيل، وقد انتقل المقر الرئيسي للاتحاد العالمي لليهودية التقدمية إلى القدس عام 1972، وفي عام 1980، تم تأسيس حركة الشباب الدولية الإصلاحية الصهيونية في القدس وتتبعها عشرة فروع، وتتبع الفرع الإسرائيلي حركة الكشافة الإسرائيلية، ولا يزيد عدد اليهود الإصلاحيين في إسرائيل عن عشرين ألف.

ولا تعترف المؤسسة الدينية الأرثوذكسية في إسرائيل باليهودية الإصلاحية، ولا بحاخاماتها، ولا بالزيجات التي يعقدونها، ولا بمراسم التهود التي يقومون بها، فهم يجعلونها سهلة يسيرة على عكس طقوس التهود الأرثوذكسية، وتثار هذه القضية من آونة إلى أخرى، حينما يطرح قانون العودة للنقاش، فهو القانون الذي يتضمن محاولة تعريف الهوية اليهودية إذ تحاول المؤسسة الأرثوذكسية أن تضيف تعديلاً يستبعد اليهود الذين تهودوا على يد الحاخامات الإصلاحيين، ويدعو زعماء اليهودية الإصلاحية إلى أن تكون المساعدات التي تُخصَّص للمؤسسات الإصلاحية في إسرائيل متناسبة مع حجم تبرعات اليهود الإصلاحيين، إذ أن معظم التبرعات يدفعها يهود غير أرثوذكس، ومع هذا يصب معظمها في المؤسسات الأرثوذكسية.

وقد بدأ بعض زعماء اليهودية الإصلاحية، مثل ألكسندر شندلر، في محاولة الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين الدولة الصهيونية، وخصوصاً بعد حادثة بولارد وبعد الانتفاضة، وهم يؤكدون مركزية الدياسبورا (الجماعات اليهودية خارج فلسطين) مقابل مركزية إسرائيل، كما يحاولون تغليب الجانب الديني على الجانب القومي.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s