مدرسة الحديث النورية

النشأة والتاريخ

عبدالكريم السمك

مدرسة الحديث النوريةإن المتتبع لنشأة مدارس علوم السُّنَّة في تاريخ الحضارة الإسلامية، يجد أن هذا العلم نال حظوة كبيرة من الاهتمام به، وذلك كونه المصدر الثاني في التشريع بعد كتاب الله، ويضاف إلى ذلك خوف علماء الأمة وفقهائها وولاة أمرها، على الحديث النبوي من الكذب والتدليس والوضع فيه، بعد أن ظهر الكثير من الفتن في العصور الإسلامية الأولى، مع النشاط الكبير للحركات الباطنية الخارجة على الإسلام صاحبة العداء المباشر لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواته من أمثال أبي هريرة رضي الله عنه.

مدارس الحديث وتاريخ نشأتها في المجتمع الإسلامي :

حظيت نيسابور بشرف الأسبقية في الاهتمام بعلوم السُّنة وخدمتها، ولم يأت هذا الشرف وهذه المكانة إلا بعد أن غدت هذه المدينة صاحبة العلو في السند لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغدا علماؤها مقصداً لطلاب العلم، بسبب هذه الخصوصية في علم الحديث فهي بلد الإمام مسلم رضي الله عنه، وقد اهتم علماء السُّنة بالنهوض بهذا العلم في هذه المدينة بعد أن زاد الإقبال والاهتمام به، ففتحوا من أجل ذلك ولأول مرة في تاريخ الحضارة الإسلامية العلمية، المدارس المنفصلة عن المساجد، وكانت نيسابور قد شهدت ظهور العديد من المصنفات وأمهات الحديث، وعلم الرجال المعني بعلو السند في أسماء وتراجم أصحابه.

ويروي المقريزي المتوفى سنة 845 هجرية، في كتابه (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) نشأة المدارس هذه، مبيناً أنها لم تكن موجودة في زمن الصحابة والتابعين، وهي مستحدثة في المجتمع الإسلامي، وظهورها كان في نيسابور، حيث أنشأ سبكتكين فيها عدة مدارس، وانتقلت منها إلى بغداد، حيث أنشأ الوزير نظام الملك، المدرسة المنسوبة له سنة 459 هجرية، لتكون سداً مانعاً أمام معتقدات الرافضة الباطنيين الناشطين في بغداد يومها، وكان جزاؤه الاغتيال على يد أحد الباطنية من الديلم، سنة 485 هجرية، ولا زالت المدرسة قائمة باسمه إلى اليوم، ويمضي المقريزي، في كتابه المذكور متحدثاً عن نشأة مدارس علوم السُنة، في المجتمع الإسلامي، فتحدث عن نشأة المدرسة البيهقية، المنسوبة للإمام البيهقي – رحمه الله، وتاريخ نشأتها، على أنها سابقة على مدرسة الأمير سبكتكين، ثم تلتها مدرسة الإمام ابن حبان رضي الله عنه، المتوفى ليلة الجمعة لثماني ليال بقين من شوال 354 هجرية، في بلاد كابل من أفغانستان.

وقد جاءت دواعي وأسباب نشأة هذه المدارس في عدة أسباب نوجزها فيما يلي :

1- الحفاظ على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التدليس والكذب، بعد انتشار الفرق الباطنية.

2- التقرب إلى الله بهذه الأعمال الخيرية.

3- كان الولاة والوزراء أهل علم، وكان جهادهم لا يحول بينهم وبين العلم.

السلطان نور الدين محمود :

والده السلطان عماد الدين، ولد نور الدين – رحمه الله – وقت طلوع الشمس من يوم الأحد 17 شوال لسنة 511 هجرية، وتوفي في دمشق يوم الأربعاء 11 شوال سنة 569 هجرية، قصد نور الدين حلب فدخل قلعتها يوم الاثنين 7 ربيع الآخر 541 هجرية، ففي حلب قمع أهل الفتنة من الرافضة، وأظهر السُنة، وأقام شعار الدين فيها، وحارب البدعة، التي كانت تعلو المآذن في اللعن والطعن من قِبَل الرافضة لأئمة أهل السُنة، وعاشت البلد في كنف حكمه على مذهب أهل السُّنة والجماعة، ثم خرج منها محارباً للصليبيين وحرر منهم أكثر من خمسين حصناً في بلاد الشام، وفي سنة 549 دخل دمشق، وبعد دخوله دمشق أرسل أسد الدين شيركوه إلى مصر سنة 559 هجرية، وضمها إلى مملكته، وبعمله هذا حارب الباطنية في بلاد الشام والصليبيين حلفاءهم، وأنهى الحكم العبيدي في مصر، وسادت السلطة السياسية السُّنية في البلاد التي حكمها رحمه الله.

التفت نور الدين إلى النهوض بالبلاد عمرانياً وعلمياً، فبنى المساجد والروابط والزوايا والخانقاوات، وافتتح المدارس لنشر العلم في سائر مدن دولته، ومن أجل ذلك استقدم من سنجار عالم عصره الشيخ عبدالله بن عصرون، إمام الشافعية في عصره، ففتح له السلطان نور الدين خزائن دولته، فبنى في كل مدينة من مدن الشام مدرسة نسبت له – المدرسة العصرونية – رحمه الله، والحديث هنا عن دار الحديث النورية المنسوبة للسلطان نور الدين رحمه الله.

دار الحديث النورية :

قال ابن الأثير الجزري المتوفى سنة 630 هجرية، في كتابه (التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية في الموصل) ما نصه : “وبنى في دمشق أيضاً داراً للحديث ووقف عليها وعلى المشتغلين والدارسين لعلم الحديث وقوفاً كثيرة، وهو – أي نور الدين – أول من بنى داراً للحديث”.

 وقد قيل في المدرسة :

و مدرسة  سيدرس  كل  شيء                  تبقى  في حمى  علم  و نسكِ
تضوع    ذكرها    شرقاً   و غرباً                    بنور   الدين   محمود  بن  زنكي
يقول    و قوله    حق    و صدق                   بغير     كناية     و بغير    شكِ :
دمشق في المدائن بيت مُلكي                  وهذي في المدارس بيت مِلكي

وقد فند الكثير من العلماء هذا القول بأسبقية نيسابور ومدارسها على مدرسة دمشق، ولكن البعض اجتهد بالقول بأن ابن الأثير ربما قصد أن تكون أول مدرسة لعلوم السُّنة في دمشق، وبعد هذه المدرسة تتالى افتتاح المدارس الحديثية في دمشق الشام ومدنها، كما عرفت بلاد الشام ودمشق، العديد من المدارس في سائر العلوم والفنون وليس علم السُّنة فقط، وخير من أرخ لهذه المدارس وأحصاها، المؤرخ والعالم عبدالقادر محمد النعيمي الدمشقي المتوفى سنة 927 هجرية، في كتابه النفيس (الدارس في تاريخ المدارس) وجاء في مجلدين، وكانت دار الحديث النورية، حسب الترتيب الأبجدي لفهرسة أسماء المدارس، المدرسة الرابعة عشرة في هذا الفهرس، وقد جاءت أسماء هذه المدارس في هذا الكتاب على الشكل التالي :

  • مدارس علوم القرآن وعددها سبع مدارس.
  • مدارس علوم السُّنة وكانت ست عشرة مدرسة.
  • مدارس جمعت بين علوم القرآن والسُّنة وكانت ثلاث مدارس.
  • مدارس علوم الفقه وجاءت كما يلي : الحنفي/ 52 مدرسة، الحنبلي/ 11 مدرسة، الشافعي/ 63 مدرسة، المالكي/ 4 مدارس.
  • مدارس الطب: ثلاث مدارس.

ولم يقف النعيمي على هذا فقط، وإنما تكلم أيضاً على ما يخص هذه المدارس في الأمور المساندة، كالخانقاوات – المستشفيات – والأربطة والزوايا والتكايا، فهذا الكتاب بذاته، من أفضل الكتب التي غدت مرجعاً مهماً، عن الحياة العلمية في بلاد الشام، خلال الحكم الزنكي، ثم الأيوبي وما تلاه حتى تاريخ كتابته.

وهذا الواقع العلمي، الذي عاشته بلاد الشام في العهد الزنكي والأيوبي، دفع الكثير من طلبة البحث العلمي لدراسة واقع الحياة العلمية في بلاد الشام، من خلال الحركة التعليمية التي أتى عليها النعيمي في كتابه، وثمة دراستان عن هذا الواقع النهضوي العلمي، وهما دراستان نفيستان، فالأولى معنية، بحجة علماء عصره الفقيه عبدالله بن أبي عصرون، الذي نهض بالحياة العلمية في مدن بلاد الشام، ففتح العديد من المدارس في معظم هذه المدن، أما الدراسة الثانية فقد جاءت في بيان هذه الصورة النهضوية في تاريخ الحياة العلمية في بلاد الشام، وهي الدراسة المعنونة بـ(الحياة العلمية في العهد الزنكي) دراسة في الازدهار العلمي عند المسلمين، لصاحبها الدكتور إبراهيم محمد الحمد المزيني، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد توسع في هذه الدراسة في الحديث عن الجانب العلمي في العهد الزنكي، واستحق فيها الباحث درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى.

ذكر من تعاقب من العلماء على إدارة المدرسة والتدريس فيها :

عرفت مدرسة دار الحديث النورية، خلال الفترة الواقعة ما بين سنتي 559 هجرية و803 هجرية، عدداً كبيراً من العلماء، وقد تم حصر أسمائهم، فبلغوا أربعة وعشرين عالماً، كان أولهم الإمام الحافظ الحجة أبو القاسم الدمشقي – المعروف بابن عساكر – المولود سنة 499 هجرية – والمتوفى سنة 571 هجرية، وهذا العالم غني عن التعريف، ثم تولى إدارتها بعده أربعة علماء من أسرته – رحمه الله -، من آل عساكر، وكان للإمام ابن كثير – رحمه الله – نصيب في إدارتها، وهو الإمام المحدّث المعروف، وكان ترتيبه في التعاقب الإداري والتعليمي هو الحادي والعشرين في أسماء هؤلاء العلماء، وكانت سنة ولادته 700 هجرية، ووفاته 774 هجرية، وكان آخر من تولى إدارتها في المرحلة الأولى، ابن الإمام ابن كثير وكان ترتيبه الرابع والعشرين، وكانت سنة مولده 759 هجرية – ووفاته 803 هجرية.

أما المرحلة الثانية في حياة الدار هذه، فقد بدأت مع سنة 1244 هجرية بتجديد المبنى على يد العالم الفاضل الشيخ محمد أبو الفرج الخطيب الحسني الدمشقي، المولود سنة 1270 هجرية – والمتوفى سنة 1311 هجرية، وبوفاته – رحمه الله – تولى إدارتها شقيقه أبو الخير مرحلياً، حتى يتمكن ابن أخيه عبدالقادر بن الشيخ محمد المولود سنة 1291هجرية – والمتوفى سنة 1351 هجرية من إدارتها، وقد أحيلت إدارة المدرسة بعد ذلك إلى الشيخ عبدالقادر حتى وفاته -رحمه الله-، وخلفه في إدارتها ابنه الشيخ محمد أبو الفرج الخطيب، المولود سنة 1337 هجرية، والمتوفى سنة 1407 هجرية، وقد تهدمت المدرسة بفعل القدم وقلة اليد في الإصلاح، وتحولت إلى متجر لبيع الحاجات التراثية والأثرية في هذه الأيام، كما يشاهدها كل زائر لدمشق.

فرحم الله نور الدين محمود، صاحب هذه المدرسة الكريمة، التي كانت بصمة جميلة في تاريخ حضارة الإسلام العلمية، وقد جسدت في رسالتها صورة الحاكم المسلم، الذي لا ينفك في ركوب خيول الجهاد، والجثو بين دفتي الكتاب متعلماً وبين يدي العلماء طالباً.

أسس دار الحديث النورية وتوابعها :

أرسى السلطان نور الدين محمود أسس هذه المدرسة، بأن تكون وتبقى شعلة مضيئة في خدمة السُّنة النبوية، من خلال رسالتها التعليمية التي تقوم بها، في خدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أجل ذلك فقد عمد إلى ما يلي:

  • الاهتمام بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلومه فجعلها خاصة فيه – أي رسالتها التعليمية في علوم السُّنة -.
  • تقوم المدرسة على مكتبة كبيرة بحيث تكون كتبها مادة مرجعية لطلبة العلم الشرعي، أوقفها لها نور الدين -رحمه الله-.
  • أن يتولى إدارتها صاحب الأهلية العلمية بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ما وجدناه في إدارة ابن عساكر وابن كثير وغيرهم رحمهم الله جميعاً.
  • خادم للمدرسة يتولى حراستها وخدمتها.
  • أوقف لها الشهيد نور الدين أوقافاً كثيرة، بقصد إتمام رسالتها العلمية، في خدمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

النكبات التي شهدتها وعرفتها المدرسة :

كانت أولى النكبات بالنسبة لها هو ما رافق الغزو المغولي، وعرفته دمشق من دمار وخراب، فغطت بعد ذلك في سبات طال أكثر من ثلاثمائة سنة، حتى سنة 1270 هجرية، حيث مضى في تجديدها الشيخ محمد أبو الفرج الخطيب – رحمه الله – وفي عهد حفيده أصابها بعض من الخراب، نتيجة العجز في ترميمها، وآلت بعد ذلك إلى أحد التجار كمحل لبيع الأدوات التراثية والحاجات الأثرية القديمة.

وبعد أن آلت المدرسة اليوم إلى ما آلت إليه، بقي التاريخ الشاهد الوحيد على عظمة مكانة من نسبت له هذه المدرسة في اسمها، الشهيد نور الدين محمود – رحمه الله – واضعاً لمن خلفه من ولاة وحكام المسلمين صورة الحاكم المسلم، عندما يحمل شرف الذود عن دين الأمة بيد، والسعي لبناء حاضر الأمة برسالة العلم بيد أخرى.

تعقيبات وإيضاحات :

1- محمد مجير الخطيب :

لم يذكر الكاتب مصدره في دراسته، وجانب الصواب عندما قال “وآلت بعد ذلك إلى أحد التجار كمحل لبيع الأدوات التراثية والحاجات الأثرية القديمة ” فالمدرسة قائمة بحمد الله وكان الدرس يقام بها وإنما المحلات في جزء اقتطع منها قديماً

2- معلومات عن طريق الشيخ سليمان بن مسلم الحرش :

مدرسة الحديث النورية للإناث

تقع هذه المدرسة في الزاوية الشمالية الشرقية من الجامع الأموي، تمّ تأسيسها بقرار وزارة الأوقاف في عام 2005، وتمّ وضع مناهجها بإشراف فضيلة الشيخ الدكتور نور الدين عتر رئيس قسم علوم القرآن والسنة في جامعتي دمشق وحلب سابقاً، وقد تمّ افتتاح المدرسة رسمياً في 23-4-2006 م، وتهتم هذه المدرسة بتدريس علوم الحديث الشريف ومصطلحه إضافة إلى إحياء حفظ الأصول السبعة غيباً، وقد عجّت دمشق فيما سبق بمدارس الحديث الشريف ومنها :

  • دار الحديث النورية الكبرى : 566 هـ
  • دار الحديث الفاضلية : 593 هـ
  • دار الحديث الشقيشقية : 656 هـ
  • دار الحديث العرويّة :                      617 هـ
  • دار الحديث الأشرفية الجوّانية : 630 هـ
  • دار الحديث الأشرفية البرّانية : 634 هـ
  • دار الحديث الكروسية : 641هـ
  • دار الحديث القوصيّة : 653 هـ
  • دار الحديث الناصرية : 653 هـ
  • دار الحديث السكرية : 674 هـ
  • دار الحديث السامرية : 696 هـ
  • دار الحديث النفيسية : 696  هـ
  • دار الحديث الدوادرية : 698 هـ
  • دار الحديث الحمصية : 700 هـ
  • دار الحديث القلانسية : 720 هـ
  • دار الحديث البهائية : 722 هـ
  • دار الحديث النظامية : 850 هـ

المنهج الدراسي

يقام في المدرسة نوعان من الدورات :

1- دورة في دراسة علوم الحديث ومصطلحه يدرس فيها :
  • علوم السنة
  • مصطلح الحديث
  • نماذج من كتب الشروح القديمة والحديثة
  • الحديث التحليلي
  • أصول الفقه
  • اللغة العربية
  • مجالات استخدام الكمبيوتر في علوم الحديث
2- دورة في حفظ الأصول السبعة.

وتعدّ هذه المدرسة الأولى من نوعها للإناث في العالم الإسلامي على أنه يوجد مثلها  للذكور في الهند وإيران.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s