فتاوى جوزيف المقاومة

د.محمد حبش

جوزيف ابو فاضلالمسيحيون هم أصحاب الارض وأنتم أيها المسلمون محتلون، وسنطردكم من هذه الأرض بالتعاون مع أوروبا وأمريكا وبشار الأسد وحزب الله وإيران؟؟؟.

تحتاج تصريحات كهذه إلى بصارات ومنجمات ليقوموا بفكفكة التحشيش الذي فيها، حيث يؤكد المحلل الغاضب، ممثل الجنرال عون وحزب الله، وصديق الإعلام السوري، قيام إيران وحزب الله والرئيس السوري بالتحالف مع أمريكا (الشيطان الأكبر سابقاً) لقتال المسلمين، وإخراجهم من سوريا، وإعادة تسليم بلاد الشام والعراق ومصر للكنائس المسيحية!!

ولكن ليس من العقل أن نتجاوز مثل هذه الدعاوى الفارغة، مهما كان حجم التناقض فيها، حيث يزيد عدد من استمعوا إليها عبر قناة الجزيرة الأسبوع الماضي عن عشرات الملايين، وهم متابعو برنامج الإتجاه المعاكس الذي يقدمه فيصل قاسم، ومن المؤكد أيضاً أن صاحب هذه التصريحات قد تلقى طبطبة وتصفيقاً من فريق عريض يكتم مذهبه، ولكنه يلوح لهكذا جنون.

ويقولون من أين تأتي داعش!! تصريح واحد مثل هذا يمكنه أن يمنح داعش بضعة آلاف من المتطوعين الجدد، يقاتلون بين يديها ومن خلفها ضد الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

لست أدري من يخدم هؤلاء التائهون …

وإذا تحدثنا سايكولوجيا فهذه التصريحات الغاضبة بالغة الأهمية، كونها من التداعي الحر وزلات اللسان التي تكشف عن نوايا قائليها بما لا يترك أي مجال للشك، وهو يكشف أن ما تردده قناة القس زكريا بطرس من إهانات يومية للرسول الكريم وللدين الإسلامي، ليست شأناً خاصاً بمأجور سفيه هارب إلى قبرص، بل هي جزء من برنامج يمارسه تيار عريض من الكارهين لأنفسهم وأوطانهم وشعوبهم.

ولا أحب أن أخوض في جدل السياسة اللبناني، والتحالفات المجنونة في إطار السياسة، بين عون وحزب الله، ولست أدري هل يسوغ القول بأن هذه التصريحات هي النسخة الجديدة لموقف حسن نصر الله بعد الاتفاق النووي، حيث كان مشروعه من قبل عكس ذلك، حين بدأ مشروعه الحزبي قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً، ويومذاك قال بوضوح :

نحن لن نسامح من سيقيم كانتوناً مسيحياً في المنطقة الشرقية وفي جبيل وكسروان لأن هذه مناطق المسلمين وقد جاءها المسيحيون غزاة، وقد جاءت بهم الإمبراطورية البيزنطية ليكونوا شوكة في خاصرة الامة!!

إنها تصريحات تعزز القناعة الشعبية السائدة بأن السياسة في بلاد الاستبداد ليس لها دين ولا منطق ولا أخلاق!!

ولكن الواجب في مواجهة هذه التصريحات الهوجاء أن نعيد التذكير بالعيش المشترك الذي طبع بلاد الشام بين المسلمين والمسيحيين، وهو تاريخ طويل بدأ بالإيمان المحمدي الذي يصر على منح المسيح مكاناً فريداً بين الأنبياء، فهو لا يتوقف عند ما منح للأنبياء من النبوة والرسالة، بل يتجاوز ذلك ليؤكد أن المسيح نبي الله ورسوله وكلمته وروحه، ويتحصن هذا الإحترام للشعب المسيحي بالعهدة العمرية، ويتألق على يد عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشدي نزيل دير سمعان وباني كنيسة مار يوحنا الكبرى في دمشق، كما تشهد به إلى اليوم اللوحة الرخامية على باب الكنيسة، وهو موقف ردده كل الحكماء من قادة الديانتين وطبقه بكل اقتدار وشجاعة الأمير عبد القادر الجزائري أيام طوشة النصارى، وفتح الباب من جديد للإخاء بين أبناء الديانتين وهو ما كنا نشارك به بحماس وطهارة في باحات الكنائس والجوامع أيام الشيخ كفتارو طيب الله ثراه.

وللتذكير بالموقف المسؤول لمسيحيي الشرق، وهو ما نطق به  رموز كبار من رجالهم وتاريخهم، وأقتبس هنا تصريح غبطة البطريرك التاريخي عيواظ بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للسريان الأرثوذوكس، وهو رجل عهدي به أنه لا يخاف في الحق لومة لائم، وقد قال في صحيفة النهار اللبنانية 2005 وهي صحيفة لا تتهم بالشوفينية العربية القومية، وليست بالتأكيد من صحف الوهابية أو الإخوان المسلمين، وهو أدق كلام يمكن أن يقوله سرياني وطني يؤمن بسوريا وطناً حراً مستقلاً للجميع.

تحت عنوان حالة المسيحيين عند ظهور الاسلام كتب يقول :

وعندما ظهر الاسلام في أوائل القرن السابع للميلاد وجد المسيحيين في الشرق الأوسط منقسمين إلى ثلاث فئات تعرف اليوم باسم الروم الارثوذكس والسريان الارثوذكس وأبناء الكنيسة الشرقية أي الآشوريين، فاعترف الإسلام بهم جميعا، وفي معرض كلامي عن “الإسلام والمسيحية تكامل تاريخي في بناء الحضارة العربية”، لا بد من أن أتكلم على الكنيسة المسيحية بصورة عامة، وكنيستي السريانية الارثوذكسية بصورة خاصة لعلاقتها التاريخية المتميزة بالعرب والإسلام عبر الدهور.

وعندما انعقد مجمع خلقيدونية عام 451 وتبنت الدولة البيزنطية قراراته، أثارت اضطهادات عنيفة ضد رافضيها وفي مقدمتهم أتباع الكنيسة السريانية في سوريا الطبيعية، فتحمل آباؤها الروحيون من جراء ذلك صنوف العذاب من نفي وسجن وقتل، واستشهد منهم عدد كبير، ولئن تذرعت الحكومة البيزنطية بإثارة الإضطهادات العنيفة على السريان بحجة رفضهم قبول قرارات مجمع خلقيدونية، ولكن الدافع الأول والأهم من وراء محاولة إبادتهم كان قمع الأفكار التحررية، والوعي القومي الذي دب في صفوفهم وتولد في قلوبهم من قسوة المستعمر البيزنطي الذي سلب سوريا خيراتها الطبيعية.

ولم تنته اضطهادات المملكة البيزنطية للكنيسة السريانية إلا بظهور الإسلام حيث خرجت موجة من الذين دانوا به من الجزيرة العربية، وحررت بلاد المشرق من حكم البيزنطيين والفرس في النصف الأول من القرن السابع للميلاد، وكانت عوامل عديدة نفسية ودينية واجتماعية وقومية متوافرة لدى السريان سكان البلاد الأصليين لإستقبال أولئك العرب المسلمين الذين جاؤوا لتحرير البلاد من نير الحكم البيزنطي الظالم، ورحب السريان بقدوم العرب المسلمين الفاتحين واستقبلوهم كمحررين للبلاد خاصة وأن معظم القبائل العربية في العراق وسوريا كانت دينا مسيحية على مذهب السريان، وأيدت هذه القبائل العرب المسلمين الذين يمتون إليها بصلة الدم واللغة والتراث والحضارة لذلك انضمت أغلبها إلى الجيش العربي المسلم تحت إمرة المثنى بن حارثة الشيباني (ت 635) وخاصة قبائل بني تغلب وعقيل وتنوخ وربيعة الضاربة في شمال العراق وغربه، فحاربت جنبا إلى جنب مع العرب المسلمين، وتم القضاء أولا على الدولة الفارسية سنة 651م حينما فر (يزدجرد) آخر ملوكهم إلى ما وراء حدود بلاده، ويذكر التاريخ أن غلاما مسيحيا سريانيا من بني تغلب قتل المرزبان مهران القائد الفارسي واستولى على فرسه أثناء إحدى المعارك التي دارت رحاها بين العرب والفرس وأنشد الفتى قائلا : أنا الفتى التغلبي، أنا قتلت المرزبان، كما حرر العرب المسلمون سوريا وبقية بلاد الشرق الأوسط من الإستعمار البيزنطي، وتنفس السريان الصعداء وقالوا : “نحمد الله الذي خلصنا من حكم البيزنطيين الظالمين وجعلنا تحت حكم العرب المسلمين العادلين”.   البطريرك زكا عيواص الاول 2005-06-24

وهنا أرفع القبعة إحتراماً لروح هذا البطريرك الجليل ولرسالته العالية في بناء إخاء حقيقي بين السوريين، وهو إخاء سيعود من جديد حالما تغرب هذه الغيمة السوداء التي أفرزتها المظالم، وعندما ينتهي الظلم فإن هذه الروح الطيبة هي التي سترسم ملامح الحياة هنا من جديد.

وقد يقول قائل ولكن هذه التصريحات واقعية تماماً في ظلال التهديد الذي يعانيه المسيحيون كل يوم في هذا الشرق من داعش وغيرها، وفي هذا الكلام قدر من الحقيقة فقد مارست داعش هذا الظلم، ولكن ما يجب التذكير به هو أن هذا الشر والتهديد والعذاب هو قدر مشترك لكل السوريين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم، وكما يكون للمسيحيين في سوريا 10 بالمائة من السكان فإنهم الآن أيضاً عشرة بالمائة من الضحايا ومن المهاجرين ومن النازحين ومن المنكوبين ومن المعارضين أيضاً ومن المعتقلين.

ربما لا يوجد ما يجمع بين النظام وداعش أكثر من مبدأ المساواة في ظلم الناس، حيث يوزع النظام كما توزع داعش أقداراً متشابهة من المظالم ضد المسلمين والمسيحيين والصوفيين والسلفيين، على السواء، وفي العقل الداعشي فإنه يكفي تصنيف مذهب أو عشيرة أو طائفة أو جماعة دينية على أنها طائفة ممتنعة (من البيعة) حتى يحكم عليها جميعاً بالقتل والتنكيل.

وفي منطق النظام يكفي أن تصنف مدينة أو بلدة على أنها حاضنة للإرهابيين حتى تمطرها طائرات النظام بالبراميل السوداء وتدفن أطفالها ونساءها تحت الركام، وفق أحدث فتوى دينية لمفتي النظام المطالب بإبادة هذه المدن عن بكرة أبيها!!

تقتل داعش من يسب الله، ويقتل النظام من يسب الأسد، وفي الاطار الاخلاقي يبدو للسوري البسيط أن النظام يثأر لشخص ولكن داعش تثأر لله!!

لا عليكم أيها الأهل من أبناء السيد المسيح فالإخاء الديني قدرنا ومصيرنا، وهذه المظالم إلى زوال، ولا شك أن الله خلق هذا الكون من أجل نهاية سعيدة.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s