الفرق الدينية اليهودية القديمة والمعاصرة – 1

دراسة شاملة

عبد الوهاب محمد الجبوري

الفرق الدينية اليهوديةالمقدمة
تقوم الديانة اليهودية، حسبما يذكر اليهود أنفسهم، على جملة أصول، هي عقيدة توحيد الله، وعقيدة الاختيار الإلهي لبني إسرائيل، وشعب الله المختار، وأبناء الله وأحباؤه، وعقيدة توريث الأرض المقدسة فلسطين لإبراهيم عليه السلام ونسله من بني إسرائيل، وعقيدة المخلص المنتظر أو المسيا أو الماشيح كما يسمونه.

وحسب التيار اليهودي العام، وكما ذكر موسى بين ميمون، والذي يُعدُّ أحد أعظم علمائهم وفقهائهم، فإن اليهود يؤمنون بأن الله واحد ليس له مثيل، وأن العبادة تليق به وحده، وأنه مُنزّه عن التجسيد وعن أعراض الجسد، وأنه الأول والآخر، وأنه عالمٌ بأحوال البشر، وأنه يجازي الذين يحفظون وصاياه ويعاقب من يخالفها، وأن هناك حياة بعد الموت، وأن اليهود يؤمنون بشريعة موسى، وأنها غير قابلة للنسخ، كما يؤمنون بعقيدة المخلّص المنتظر، ولا تزال الأصول الثلاثة عشر للدين اليهودي، التي ذكرها موسى بن ميمون، تمثل مرجعاً أساسياً لليهود لفهم دينهم.

غير أن دراسةً أكثر دقة لعقائد اليهود وفرقهم وتوراتهم وتلمودهم مع العودة إلى ما ذكره الله سبحانه وتعالى عنهم في القرآن الكريم، ستظهر مدى التشويه الذي لحق بمفهوم التوحيد، ومدى تحريف التصور عن الله سبحانه، كما سنرى في دراستنا هذه لأهم العقائد الدينية اليهودية، وفي دراسات أخرى لاحقة عن التوراة والتناخ (العهد القديم) وما لحق بهما من تحريف وتبديل بنص القران الكريم، وأدلة أخرى ذكرها المفسرون المسلمون والمؤرخون اليهود والمسيحيون أنفسهم سنوردها في حينه إن شاء الله، فضلا عن هذا، فإن الله سبحانه لم يتعهد لليهود بحفظ توراتهم، وعاشوا معظم فترات تاريخهم تحت دول وحضارات مختلفة حاولت فرض هيمنتها عليهم، وتأثروا بالثقافات والتقاليد المتعددة التي عايشوها، في أزمان وبقاع شتى.

ويدعي اليهود أن عقيدتهم هي عقيدة القلة المثالية المختارة، وأن الرسالة اليهودية العالمية هي نشر السلام بين بني الإنسان، وتنحصر العقيدة اليهودية في بني إسرائيل وحدهم، أي أن هناك تطابقاً بين العقيدة والقومية، وحسب اختيار التيار العام لليهودية والمتبنى في الكيان الإسرائيلي فإن اليهودي هو المولود لأم يهودية بغض النظر عن إيمانه أو تدينه.

ولقد اخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن افتراق أمة اليهود، وأنهم سيفترقون على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وما زال هذا الافتراق حاصلا إلى عصرنا الحاضر، وإن كنا نراهم يحاولون الاجتماع في دولة غاصبة، ولكن حقيقة أمرهم أنهم مفترقون، وصدق الله العظيم : “تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ 14” – الحشر.

وفي قراءة متأنية لتاريخ الديانة اليهودية وعقائدها والأحداث التي مرت بها نقرأ عن فرق يهودية كثيرة قديمة ومعاصرة من ابرزها : الفريسيون، الغيورون، الصدوقيون، الأسينيون (أو الأساة أو المتقون)، البناءون، المعالجون (ثيرابيوتاي)، المغارية، عبدة الإله الواحد، القراءون، الكتبة، السامريون، القبّالاه، العيسوية، اليوذعانية، الموشكانية، الحسيدية، الإصلاحيون، اليهودية المحافظة، اليهودية الأرثوذوكسية، اليهودية الليبرالية، النيولوج، وفرقة اليهود البشرية.

وقبل أن نلقي الضوء على كل فرقة أو طائفة، ولكي يكون العرب والمسلمون على بينة من الاتجاهات التي تنتمي إليها هذه الفرق، ويكونوا واعين بعدوهم المتربص بهم، وعارفين بمدى ضعفه وتفرقه على حد سواء، سوف نشير إلى مسألة الخلافات بين الفرق الدينية اليهودية.

الخلافات بين الفرق الدينية اليهودية و أزمة اليهودية

ظهر خلال تاريخ اليهود، القديم والحديث، الكثير من الفرق الدينية واختلافاتها المتشعبة، من حيث المعتقدات والأصول، وقدسية أجزاء العهد القديم، والنظرة إلى الكون، والتعامل في داخل المجتمع اليهودي وخارجه، فهي في الواقع ليست كالاختلافات التي توجد بين الفرق المختلفة في الديانات التوحيدية الأخرى، ومن ثم، فإن كلمة (فرقة) لا تحمل في اليهودية الدلالة نفسها التي تحملها في سياق ديني آخر، فلا يمكن على سبيل المثال، تصوُّر مسلم يرفض النطق بالشهادتين ويُعترَف به مسلماً، أو مسيحي يرفض الإيمان بحادثة الصلب والقيام ويُعترَف به مسيحياً، أما داخل اليهودية، فيمكن ألا يؤمن اليهودي بالإله ولا بالغيب ولا باليوم الآخر ويُعتبر مع هذا يهودياً حتى من منظور اليهودية نفسها، وهذا يرجع إلى طبيعة اليهودية بوصفها تركيباً جيولوجياً تراكمياً يضم عناصر عديدة متناقضة متعايشة دون تمازج أو انصهار، ولذا، تجد كل فرقة جديدة داخل هذا التركيب من الآراء والحجج والسوابق ما يضفي شرعية على موقفها مهما يكن تطرفه.

وأولى الفرق اليهودية التي أدَّت إلى انقسام اليهودية، فرقة السامريين التي ظلت أقلية معزولة، بسبب قوة السلطة الدينية المركزية المتمثلة في الهيكل ثم السنهدرين، ولكن مع القرن الثاني قبل الميلاد، خاضت اليهودية أزمتها الحقيقية الأولى بسبب المواجهة مع الحضارة الهيلينية، فظهر الصدوقيون والفريسيون، والغيورون الذين كانوا يُعَدون جناحاً متطرفاً من الفريسيين، ثم الأسينيون، وقد حققت هذه الفرق ذيوعاً، وأدَّت إلى انقسام اليهودية، ولكنها اختفت لسببين : أولهما انتهاء العبادة القربانية بعد هدم الهيكل، ثم ظهور المسيحية التي حلت أزمة اليهودية في مواجهتها مع الهيلينية، إذ طرحت رؤية جديدة للعهد يضم اليهود وغير اليهود، ويحرر اليهود من نير التحريمات العديدة ومن جفاف العبادة القربانية وشكليتها.

وجابهت اليهودية أزمتها الكبرى الثانية حين تمت المواجهة مع الفكر الديني الإسلامي، فظهرت اليهودية القرائية كنوع من رد الفعل، فرفضت الشريعة الشفوية، وطرحت منهجاً للتفسير يعتمد على القياس والعقل، أي أنها انشقت عن اليهودية الحاخامية تماماً، ويمكن أن نضيف إلى الفرق اليهودية يهود الفلاشاه ويهود الهند، الذين لا يشكلون فرقاً بالمعنى الدقيق، فهم لم ينشقوا عن اليهودية الحاخامية بقدر ما انعزلوا عنها عبر التاريخ وتطوَّروا بشكل مستقل ومختلف، فهم لا يعرفون التلمود أو العبرية، كما أن كتبهم المقدَّسة مكتوبة باللغات المحلية، وتجدر ملاحظة أن ثمة فرقاً صغيرة، مثل الإبيونيين والمغارية والعيسوية والثيرابيوتاي وغيرها، وهي فرق صغيرة لكل منها تصوُّرها الخاص عن اليهودية، ولكنها نظراً لعزلتها، لم تؤثر كثيراً في مسار اليهودية، وقد اختفى معظمها من الوجود، أما القرّاءون، فإنهم بعد عصرهم الذهبي في القرن العاشر، سقطوا في حرفية التفسير، الأمر الذي قلَّص نفوذهم، حتى تحولوا إلى فرقة صغيرة آخذة في الاختفاء.

وقد جابهت اليهودية أزمتها الكبرى الثالثة في العصر الحديث (في الغرب) مع الانقلاب التجاري الرأسمالي الصناعي، وقد ظهرت إرهاصات الأزمة في شكل ثورة شبتاي تسفي على المؤسسة الحاخامية، فهو لم يهاجم التلمود وحسب، وإنما أبطل الشريعة نفسها، وأباح كل شيء لأتباعه، الأمر الذي يدل على أن تراث القبَّالاه الحلولي، الذي يعادل بين الإله والإنسان، كان قد هيمن على الوجدان الديني اليهودي.

وقد وصف الحاخامات تصوُّر القبَّاليين للإله بأنه شرك، وبعد أن أسلم شبتاي تسفي، هو وأتباعه الذين أصبحوا يُعرفون بالدونمة ظهر جيكوب فرانك الذي اعتنق المسيحية (هو وأتباعه) وحاول تطوير اليهودية من خلال أطر مسيحية كاثوليكية، وقد تفاقمت الأزمة واحتدمت مع الثورة الفرنسية، حيث إن الدولة القومية الحديثة في الغرب منحت اليهود حقوقهم السياسية، وطلبت إليهم الانتماء السياسي الكامل، الأمر الذي كان يعني ضرورة تحديث اليهود واليهودية، وما تسبب عن ذلك من أزمة أدَّت إلى تصدعات جعلت أتباع اليهودية الحاخامية التقليدية (أي اليهود الأرثوذكس) أقلية صغيرة، إذ ظهرت اليهودية الإصلاحية ثم المحافظة ثم التجديدية، وهي فرق أعادت تفسير الشريعة أو أهملتها تماماً، واعترفت بالتلمود أو وجدت أنه مجرد كتاب مهم دون أن يكون مُلزماً، كما أنها عَدَّلت معظم الشعائر، مثل شعائر السبت والطعام، وأسقطت بعضها، وعَدَّلت أيضاً كتب الصلوات وشكل الصلاة، أي أن فهمها لليهودية وممارستها لها يختلف بشكل جوهري عن اليهودية الحاخامية الأرثوذكسية.

ومن الواضح أن هذه الفرق الجديدة هي الآخذة في الانتشار، في حين أن الأرثوذكس يعانون من الانحسار التدريجي، ومنذ أيام الفيلسوف إسبينوزا، ظهر نوع جديد من اليهود لا يمكن أن نقول إنه فرقة ولكن لابد من تصنيفه حيث يشكل الأغلبية العظمى من يهود العالم (نحو 50%). وهذا النوع من اليهود هو الذي يترك عقيدته اليهودية، ولكنه لا يتبنى عقيدة جديدة، وهو لا يؤمن عادةً بإله على الإطلاق، وإن آمن بعقيدة ما فهو يؤمن بشكل من أشكال الدين الطبيعي أو دين العقل أو دين القلب، ولا يمارس أية طقوس، وهؤلاء يُطلَق عليهم الآن اسم (اليهود الإثنيون)، أي أنهم لا ينتمون إلى أية فرقة دينية تقليدية أو حديثة، ولكنهم مع هذا يسمون أنفسهم يهوداً لأنهم ولدوا لأم يهودية، وتنعكس الخلافات بين الفرق اليهودية المختلفة على الدولة الصهيونية الأمر الذي يزيد صعوبة تعريف الهوية اليهودية.

مما تقدم يؤكد تنوع الهويات اليهودية، وعدم وجود هوية يهودية واحدة، فهناك ثلاث جماعات يهودية أساسية، يؤمن أعضاؤها باليهودية الحاخامية وهي : السفارد والإشكناز والإسرائيليون، وتوجد عشرات من الجماعات الصغيرة الهامشية، تؤمن بأشكال مختلفة من اليهودية بدرجات متفاوتة.

ورغم تنوع هويات أعضاء الجماعات اليهودية، يدعى الصهاينة أن ثمة (وحدة يهودية عالمية)، وهو تصور أبعد ما يكون عن واقع أعضاء الجماعات اليهودية وفرقها وطوائفها، فمثلاً من الجماعات اليهودية الهامشية توجد أنواع أربعة في الهند، لا تنتمي إلى أي من الكتل الثلاث الرئيسية، كما أن جماعة يهود الصين تختلف عن جماعات الهند، وفي القوقاز هناك يهود جورجيا ويهود بخارى ويهود الجبال، وهناك (اليهود السود) ومنهم الفلاشا والعبرانيون السود، والنوع الأول يعيش في إثيوبيا، أما العبرانيون فيعيشون في أميركا، وهناك أيضا جماعات سوداء يهودية في غرب أفريقيا، بالإضافة إلى اليهود المستعربة، الذين عاشوا في البلاد العربية وأصبحوا عربا، وهناك السامريون الذين يعيشون في نابلس الآن، وهناك أيضا القراؤون، ويهود الدونمة، ويهود شبه جزيرة القرم واليهود الأكراد، واليهود الإيرانيون وغيرهم كثير وكثير.

مما لا يمكن معه القول بوجود (وحدة يهودية عالمية)، حيث إن هؤلاء لا يختلفون عن أهل المناطق التي يعيشون فيها، فاليهودي العربي مثلاً يتكلم العربية، وهو جزء من الثقافة والحضارة والسلوك في المنطقة، وهكذا، فضلا عن ذلك فإن الهوية اليهودية تنقسم إلى ثلاثة أقسام أساسية، كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري، خارج فلسطين المحتلة : وهي هوية ذات ملامح يهودية عرقية أو دينية، والبعد اليهودي فيها هامشي باهت، لا يؤثر كثيرا في سلوك أعضاء الجماعات اليهودية، وداخل فلسطين المحتلة : وهي هوية جديدة تماما لا علاقة لها بكل الهويات السابقة، وهي جيل (الصابرا).

ويتنبأ الدارسون بأن هؤلاء (الصابرا) (وهم الجيل الذي نشأ في فلسطين المحتلة ولم يأت من الخارج) سيكونون أغياراً (هو الاسم الذي يطلقه اليهود على غيرهم) يتحدثون العبرية، لا تربطهم بأعضاء الجماعات اليهودية في العالم سوى روابط واهية لا تختلف كثيرا عن روابط اليونانيين المحدثين بالإغريق القدامى، ثم هناك اليهود المتدينون (الأرثوذكس)، وهم أقلية صغيرة خارج إسرائيل وأقلية كبيرة داخلها، كل هذا التنوع وكل هذه الأزمات التي مرت بها اليهودية – وما تزال – يشكل تحديا جديا للتجمع الصهيوني داخل فلسطين وخارجها، وقد تؤدي إلى زعزعته لكنها قد لا تؤدي إلى انهياره من الداخل، لأن المقومات الأساسية لحياة هذا التجمع ووجوده تعتمد أيضا على عنصرين مهمين جداً هما الدعم الأمريكي والغياب العربي.

الفريسيون

كلمة (فريسيون) مأخوذة من الكلمة العبرية (بيروشيم)، أي (المنعزلون)، وكلمة فريسي بحد ذاتها كلمة آرامية ومعناها المنعزل، وكانوا يلقبون أيضاً بلقب (حفيريم) (الفاء تلفظv ) أي (الرفاق أو الأعضاء أو الأصدقاء)، والفريسيون هم إحدى الفئات الدينية اليهودية الرئيسية الثلاث التي كانت معروفة عند اليهود وحتى مجيء المسيح عليه السلام، وهذه الفئات الثلاث، هي : الصدوقيون، والأسينيون والفريسيون.

وحسب بعض المؤرخين فإن الفريسيين هم أضيق الفئات الدينية اليهودية من ناحية التعليم، وقد عرفوا بهذا الاسم الخاص في عهد يوحنا هركانوس الأول (135 – 104) قبل الميلاد، أحد عظماء أشراف اليهود في القرن الثاني قبل الميلاد، وكان هركانوس من تلامذتهم، ولكنه تركهم فيما بعد والتحق بالصدوقيين، أما ابنه اسكندر ينانوس فقد سعى إلى إضعافهم، غير أن زوجته ألكساندرة التي خلفته في السلطة سنة 78 قبل الميلاد رعتهم فقوي نفوذهم وأصبحوا قادة اليهود في الأمور الدينية، ولا شك أن الفريسيين في أول عهدهم كانوا من أنبل الناس خلقاً وأتقاهم تديّناً، غير أنه على مرّ الزمن، تغيرت أخلاقهم، و فسد جهازهم واشتهر معظمهم بالرياء.

والفريسيون فرقة دينية وحزب سياسي ظهر نتيجة الهبوط التدريجي لمكانة الكهنوت اليهودي بتأثير الحضارة الهيلينية التي تُعلي من شأن الحكيم على حساب الكاهن، ويُرجع التراث اليهودي جذورهم إلى القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، وانقسموا فيما بعد إلى قسمين : بيت شماي وبيت هليل، وقد كان الفريسيون يشكلون أكبر حزب سياسي ديني في ذلك الوقت إذ بلغ عددهم – حسب يوسيفوس – نحو ستة آلاف، لكن هذا العدد قد يكون مبالغاً فيه نظراً لتحزبه لهم، بل لعله كان من أتباعهم، ويُقال إنهم كانوا يشكلون أغلبية داخل السنهدرين، أو كانوا على الأقل أقلية كبيرة.

ويُعَدُّ الفكر الفريسي أهم تطوُّر في اليهودية بعد تبنِّي عبادة يهوه، وقد كان جوهر برنامجهم يتلخص في إيمانهم بأنه يمكن عبادة الخالق في أي مكان، وليس بالضرورة في الهيكل في القدس، أي أنهم حاولوا تحرير اليهودية، كنسق أخلاقي ديني، من حلوليتها الوثنية المتمثلة في عبودية المكان والارتباط بالهيكل وعبادته القربانية، ووسعوا نطاقها بحيث أصبحت تغطي كل جوانب الحياة، إذ أن واجب اليهودي لا يتحدد في العودة إلى أرض الميعاد وإنما في العيش حسب التوراة، وعلى اليهودي أن ينتظر إلى أن يقرر الخالق العودة، وبهذا، يكون الفريسيون هم الذين توصلوا إلى صيغة اليهودية الحاخامية أو اليهودية المعيارية التي انتصرت على الاتجاهات والمدارس الدينية الأخرى.

آمن الفريسيون بوحدانية الخالق، وبالماشيَّح، وبخلود الروح في الحياة الآخرة، وبالبعث والثواب والعقاب والملائكة وحرية الإرادة التي لا تتعارض مع معرفة الخالق المسبقة بأفعال الإنسان، وهي أفكار دينية أنكرها الصدوقيون الذين حافظوا على صياغة حلولية وثنية لليهودية، ثم تزهدوا ولم يؤمنوا بتقديم القرابين إلى المعابد، ويؤمنون أيضا بالتلمود وبسلطة الحاخامات على اليهود وعصمتهم، ويتمسكون بمعتقدات الأنبياء والآباء الأولين ويرفضون الإيمان بالأنبياء اليهود المتأخرين، ويعتقدون أن لا نجاة لليهود إلا بإعلاء سلطة العقيدة اليهودية، وهم يدعون إلى جعل الكتاب المقدس مشاعا للجميع، ومن أبرز شعاراتهم أنه لو كتبت النجاة لاثنين في الدنيا يجب أن يكون الفريسي أحدهما.

وعمل الفريسيون على وضع الحياة تحت سلطة العقيدة الدينية فتأثر اليهود بهم ونالوا تأييد الطبقات الوسطى، وأصبحت لديهم قوة سياسية مؤثرة في المجتمع بفعل دورهم التربوي، وتتلخص رسالة يسرائيل، حسب وجهة نظر الفريسيين، في مساعدة الشعوب الأخرى على معرفة الخالق وعلى الإيمان به، ولذا فإنهم لم يكونوا كالفرق القومية المغلقة، وإنما قاموا بنشاط تبشيري خارج فلسطين، الأمر الذي يفسر زيادة عدد يهود الإمبراطورية الرومانية في القرنين الأول قبل الميلاد والأول الميلادي.

وقد بيَّنت هذه الحركة التبشيرية مدى ابتعاد الفريسيين عن الحلولية الوثنية التي تولِّد نسقاً دينياً قومياً مغلقاً، يتوارثه من هو داخل دائرة القداسة ويستبعد من سواه، لأن الإيمان لا يَصلُح أساساً للانتماء، وقد دخل الفريسيون في صراع دائم مع الصدوقيين على النفوذ والمكانة والامتيازات، فكانوا يتصرفون مثل الكهنة كأن يأكلوا كجماعة، ويقيموا شعائر الختان، بل حاولوا فرض نفوذهم على الهيكل نفسه على حساب الصدوقيين، وذلك عن طريق ممارسة بعض الطقوس المقصورة على الهيكل خارجه.

وقد قوي نفوذ الفريسيين مع ثراء الدولة الحشمونية والرخاء الذي ساد عصرها بعض الوقت، وبلغوا درجة من القوة حتى إنهم نجحوا في حَمْل الكاهن الأعظم على القَسَم بأنه سيقيم طقوس عيد يوم الغفران حسب تعاليمهم، ومع ظهورهم قبل الميلاد بعدة قرون ولغاية مائتي سنة بعد الميلاد، فإنهم ساروا على منهج عزرا واتبعوه واعتبرونه أكبر معلم يهودي بعد موسى عليه السلام، وأبرز معتقداتهم أن الأسفار الخمسة مخلوقة منذ الأزل ثم أوحيت إلى موسى وهذا المعتقد ناشي عن الاتصال بالثقافة الإسلامية التي تتحدث عن أن القران كان جملة في اللوح المحفوظ.

الغيورون (قنَّائيم)

كلمة (غيورون) ترجمة للفظة العبرية (قنَّائيم) أو (نِلهفيم)، والغيورون فرقة دينية يهودية، ويُقال إنه جناح متطرف من الفريسيين، وحزب سياسي، وتنظيم عسكري، وقد جاء أول ذكر لهم باعتبارهم أتباعاً ليهودا الجليلي في العام السادس قبل الميلاد، ويبدو أن واحداً من العلماء الفريسيين، ويُدعَى صادوق، قد أيده، ولكن يبدو أن أصولهم أقدم عهداً، إذ أنها تعود إلى التمرد الحشموني (186 ق.م).

ويذكر يوسيفوس شخصاً يُدعَى حزقيا باعتباره رئيس عصابة أعدمه هيرود، وحزقيا هذا هو أبو يهودا الجليلي الذي ترك من بعده شمعون ويعقوب ومناحم (لعله أخوه)، وقد تولَّى مناحم الجليلي، وهو زعيم عصبة الخناجر، قيادة التمرد اليهودي الأول ضد الرومان (66 – 70م)، وذلك بعد أن استولى على قلعة ماسادا وذبح حاميتها واستولى على الأسلحة، ثم عاد إلى القدس حيث تولَّى قيادة التمرد هو وعصبته الصغيرة، فأحرقوا مبنى سجلات الديون، وأحرقوا أيضاً قصور الأثرياء وقصر الكاهن الأعظم آنانياس ثم قاموا بقتله.

ويبدو كذلك أن عصابة مناحم كانت متطرفة ومستبدة في تعاملها مع الجماهير اليهودية، وقد كانت لدى مناحم ادعاءات مشيحانية عن نفسه، كما أنه جمع في يديه السلطات الدينية والدنيوية، ولذا قامت ثورة ضده انتهت بقتله هو وأعوانه، وهروب البقية إلى ماسادا.

وقد استمر نشاط الغيورين حتى سقوط القدس وهدم الهيكل عام 70 ميلادية، ولكن هناك من يرى أنهم اشتركوا أيضاً في التمرد اليهودي الثاني ضد هادريان (132 – 135م)، وكان الغيورون منقسمين فيما بينهم إلى فرق متطاحنة متصارعة، ومن قياداتهم الأخرى، يوحنان بن لاوي وشمعون برجيورا، ويُعَدُّ ظهور حزب الغيورين تعبيراً عن الانهيار الكامل الذي أصاب الحكومة الدينية وحكم الكهنة.

وقد قام الغيورون، تحت زعامة يهودا الجليلي، بحَثّ اليهود على رفض الخضوع لسلطان روما، وخصوصاً أن السلطات الرومانية كانت قد قررت إجراء إحصاء في فلسطين لتقدير الملكية وتحديد الضرائب، وقد تبعت حزب الغيورين، في ثورته، الجماهير اليهودية التي أفقرها حكم أثرياء اليهود بالتعاون مع اليونانيين والرومان.

ويتسم فكر الغيورين بأنه فكر شعبي مفعم بالأساطير الشعبية، ولذا نجد أن أسطورة الماشيَّح أساسية في فكرهم، بل إن كثيراً من زعمائهم ادعوا أنهم الماشيَّح المخلص، وقد قدموا رؤية للتاريخ قوامها أن هزيمة روما شرط أساسي للخلاص، وأن ثمة حرباً مستعرة بين جيوش يسرائيل وجيوش يأجوج ومأجوج (روما)، وأن اليهود مكتوب لهم النصر في الجولة الأخيرة، وعلى هذا، فإن فكرهم يتسم بالنزعة الأخروية التي انتشرت في فلسطين آنذاك، ويُقال إن معظم أدب الرؤى (أبوكاليبس) من أدب الغيورين.

ونظراً لجهل الغيورين بحقائق القوى الدولية وموازينها، وبمدى سلطان روما في ذلك الوقت، قاموا بثورة ضارية ضد الرومان واستولوا على القدس، وقد تعاونوا مع الفريسيين في هذه الثورة، ولكن الفريسيين كانوا مترددين بسبب انتماءاتهم، وحينما بدأت المقاومة المسلحة، استخدم الغيورون أسلوب حرب العصابات ضد روما، كما قاموا بخطف وقتل كل من تعاون مع روما، حتى أن الجماهير اليهودية ثارت ذات مرة ضدهم.

وقد قضى الرومان على ثورة الغيورين، واستسلمت القوات اليهودية، وكان آخرها القوات اليهودية في ماسادا بقيادة القائد الغيوري إليعازر بن جاير، وهي القوات التي آثرت الانتحار على الاستسلام، نظراً لأنها كانت قد ذبحت الحامية الرومانية بعد استسلامها لهم، وخشي قائد الغيورين أن يذبحهم القائد الروماني، على عكس القلاع الأخرى (مثل ماخايروس وهيروديام) التي استسلمت للرومان.

الصدوقيون

الصدوقيون مأخوذة من الكلمة العبرية (صِّدوقيم)، ويُقال لهم أحياناً (البوئيثيون)، وأصل الكلمة غير محدَّد، ومن المحتمل أن يكون أصل الكلمة اسم الكاهن الأعظم (صادوق) (في عهد سليمان عليه السلام) الذي توارث أحفاده مهمته حتى عام 162 ميلادية، والصدوقيون فرقة دينية وحزب سياسي تعود أصوله إلى قرون عدة سابقة على ظهور المسيح عليه السلام، وهم أعضاء القيادة الكهنوتية المرتبطة بالهيكل وشعائره، والمدافعون عن الحلولية اليهودية الوثنية، وكان الصدوقيون، بوصفهم طبقة كهنوتية مرتبطة بالهيكل، يعيشون على النذور التي يقدمها اليهود، وعلى بواكير المحاصيل، وعلى نصف الشيقل الذي كان على كل يهودي أن يرسله إلى الهيكل، الأمر الذي كان يدعم الثيوقراطية الدينية التي تتمثل في الطبقة الحاكمة والجيش والكهنة، وكانوا يحصلون على ضرائب الهيكل، كما كانوا يحصلون على ضرائب عينية وهدايا من الجماهير اليهودية، وقد حوَّلهم ذلك إلى أرستقراطية وراثية تؤلِّف كتلة قوية داخل السنهدرين.

ويعود تزايد نفوذ الصدوقيين إلى أيام العودة من بابل بمرسوم كورش الفارسي (538 ق.م)، إذ آثر الفرس التعاون مع العناصر الكهنوتية داخل الجماعة اليهودية، لأن بقايا الأسرة المالكة اليهودية من نسل داود قد تشكل خطراً عليهم، واستمر الصدوقيون في الصعود داخل الإمبراطوريات البطلمية والسلوقية والرومانية، واندمجوا مع أثرياء اليهود وتأغرقوا، وكوَّنوا جماعة وظيفية وسيطة تعمل لصالح الإمبراطورية الحاكمة، وتساهم في عملية استغلال الجماهير اليهودية، وفي جمع الضرائب.

لكن، وبالتدريج، ظهرت جماعات من علماء ورجال الدين (أهمهم جماعة الفريسيين) تلقوا العلم بطرق ذاتية، كما كانت شرعيتهم تستند إلى عملهم وتقواهم لا إلى مكانة يتوارثونها، وكانوا يحصلون على دخلهم من عملهم، لا من ضرائب الهيكل، وقد أدَّى ظهور الفريسيين، بصورة أو بأخرى، إلى إضعاف مكانة الصدوقيين، ومما ساعد على الإسراع بهذه العملية، ظهور الشريعة الشفوية حيث كان ذلك يعني أن الكتاب المقدَّس بدأت تزاحمه مجموعة من الكتابات لا تقل عنه قداسة.

كما أن الكتب الخفية والمنسوبة وغيرها من الكتابات كانت قد بدأت في الظهور، وقد ساهم الأثر الهيليني في اليهود في إضعاف مكانة الصدوقيين الكهنة، فقد كان اليونانيون القدامى يعتبرون الكهنة من الخدم لا من القادة، وكانت جماعات العلماء الدينيين (الفريسيين) أكثر ارتباطاً بالحضارة السامية وبالجماهير ذات الثقافة الآرامية، لكل هذا، زاد نفوذ الفريسيين داخل السنهدرين وخارجه، حتى أنهم أرغموا الكاهن الأعظم على أن يقوم بشعائر يوم الغفران حسب منهجهم هم.

وقد وقف الصدوقيون، على عكس الفريسيين، ضد التمرد الحشموني (168 ق.م)، ولكنهم عادوا وأيدوا الملوك الحشمونيين باعتبار أن الأسرة الحشمونية أسرة كهنوتية (ابتداءً من 140 ق.م)، ولا يمكن فَهم الصراعات التي لا تنتهي بين ملوك الحشمونيين إلا في إطار الصراع بين الحزب الشعبي (الفريسي) وحزب الصدوقيين، وتنكر هذه الفرقة التلمود، ولم تقدس التوراة بشكل مطلق، وأتباعها ينكرون البعث واليوم الآخر والثواب والعقاب، وهم يؤمنون بحرية الاختيار ولا يترقبون مسيحا قادما.

ومن المهم أن نشير إلى أنهم، برغم رؤيتهم المادية الإلحادية، كانوا يُعتبَرون يهوداً، بل كانوا يشكلون أهم شريحة في النخبة الدينية القائدة، وقد اعترف بيهوديتهم الفريسيون، وكذلك الفرق اليهودية الأخرى كافة، رغم رفضهم بعض العقائد الأساسية التي تشكل الحد الأدنى بين الديانات التوحيدية، ولعل هذا يعود إلى طبيعة العقيدة اليهودية التي تشبه التركيب الجيولوجي التراكمي، وإلى أن الشريعة اليهودية تُعرِّف اليهودي بأنه من يؤمن باليهودية، أو من وُلد لأم يهودية حتى ولو لم يؤمن بالعقيدة.

وكان الصدوقيون يرون أن الخالق لا يكترث بأعمال البشر، وأن الإنسان هو سبب ما يحل به من خير وشر، ولذا، فقد قالوا بحرية الإرادة الإنسانية الكاملة، وكانوا لا يؤمنون إلا بالشريعة الشفوية، كما كانوا يقدمون تفسيراً حرفياً للعهد القديم، ويحرِّمون على الآخرين تفسيره، وكانوا يدافعون أيضاً عن الشعائر الخاصة بالهيكل والعبادة القربانية، ويرون أن فيها الكفاية، وأنه لا توجد حاجة إلى ديانة أو عقيدة دينية مجردة، ولا حاجة إلى إقامة الصلاة أو دراسة التوراة باعتبار أن ذلك شكل من أشكال العبادة.

كانت هذه الفرقة من طبقة الارستقراطيين التي كانت تحمي مصالحها، فمالت إلى احترام القوانين طالما اعترفت السلطات الحاكمة بيهوه، واحترمت ديانة اليهود، لذلك لا يميلون الى العنف، وقيل أن عيسى عليه السلام كان على اتصال بهم في بدء دعوته، إلا انه انفصل عنهم بسبب معتقداتهم وإنكار البعث، ولأنه أدان إدارتهم للهيكل، وطرد التجار والصيارفة منه، فشكل خطرا عليهم، الأمر الذي دفعهم إلى مقاومته، وعملوا على تسليمه ومحاكمته وقتله حسب التوراة (ولكن الحقيقة معروفة للمسلمين بنص القران الكريم).

والفرق بينهم وبين الفريسيين أن ولاء الصدوقيين كان للدولة، في حين جعل الفريسيون ولاءهم للدين، ويرى الصدوقيون أن يهوه هو إله بني إسرائيل وحدهم وهو إله قومي، في حين رأى الفريسيون أن يهوه إله جميع العالمين، ويدعي الصدوقيون أن العزير هو ابن الله، ويُقال إنه بينما كان الصدوقيون يحاولون (كما هو الحال مع الديانات الوثنية) أن ينزلوا بالخالق إلى مقام الإنسان والمادة، حاول الفريسيون (على طريقة الديانات التوحيدية) الصعود بالإنسان كي يتطلع إلى الخالق ويتفاعل معه، ويُعَدُّ الصدوقيون في طليعة المسؤولين عن محاكمة المسيح في السنهدرين، وقد اختفت هذه الفرقة تماماً بهدم الهيكل (70م) نظراً لارتباطها العضوي به.

الأسينيون أو المتقون

الاسم مشتق من اللفظ الآرامي (اسيا) بمعنى الطبيب أو المداوي، وسموا بهذا الاسم لأنهم كانوا يتعاطون طب الأرواح ويدعون إبراء المرضى بالصلوات والأوراد كما يدعون العلم بخصائص العقاقير، ويُقال أيضا أن الكلمة أصلها سرياني (هاسي)، كما يُقال إنها تعود إلى كلمة (هوسيوس) اليونانية، أي (المقدَّس)، ولعلها النطق اليوناني (أسيديم) للكلمة العبرية (حسيديم)، أي (الأتقياء)، ولعلها تصحيف للكلمة العبرية (حَاشائيم)، أي (الساكتين).

والأسينيون فرقة دينية يهودية لم يأت ذكرها في العهد الجديد، وما ذُكر عنها في كتابات فيلون ويوسيفوس متناقض، ولعل هذا يدل على وجود خلافات في صفوف الأسينيين أنفسهم الذين لم يزد عددهم عن أربعة آلاف، وكانوا يمارسون شعائرهم شمال غرب البحر الميت في الفترة ما بين القرنين الثاني قبل الميلاد والأول الميلادي.

والأسينيون (فيما يبدو) جناح متطرف من الفريسيين، وتقترب عقائدهم من عقائد ذلك الفريق، ويظهر هذا في ابتعادهم عن اليهودية كدين قرباني مرتبط بهيكل القدس، آمن الأسينيون بخلود الروح والثواب والعقاب، ووقفوا ضد العبودية والملكية الخاصة، بل ضد التجارة، وانسحبوا تماماً من الحياة العامة (على عكس الفريسيين)، وقد قسَّم الأسينيون الناس إلى فريقين : البقية الصالحة من جماعة يسرائيل، وأبناء الظلام، وترقبوا نزول الماشيَّح لينشئ على الأرض ملكوت السماء ويحقق السلام والعدالة في الأرض، وقد عاش الأسينيون في جماعة مترابطة حياة النساك يلبسون الثياب البيض، ويتطهرون ويطبقون شريعة موسى تطبيقاً حرفياً، وكانوا أحياناً يتعبدون في اتجاه الشمس ساعة الشروق، عاش الأسينيون على عملهم بالزراعة، وكانوا لا يتناولون من الطعام إلا ما أعدوه بأنفسهم، وهو ما زاد ترابط الجماعة (الأمر الذي جعل عقوبة الطرد منها بمنزلة حكم الإعدام)، ويبدو أنه كان لهم تقويمهم الخاص.

كان فكر الأسينيين متأثراً بالفكر الهيليني وأفكار فيثاغورث، وبآراء البراهمة والبوذيين، وهو ما كان منتشراً في فلسطين (ملتقى الطرق التجارية العالمية في القرن الأول قبل الميلاد)، وقد كشفت مخطوطات البحر الميت عن كثير من عقائد الأسنيين، ومن أهم كتبهم كتاب الحرب بين أبناء النور وأبناء الظلام، وهو من كتب الرؤى (أبوكاليبس)، وهو ذو طابع أخروي حاد، ويُقال إن الأسينيين آمنوا بيسوع الناصري كواحد من أنبياء يسرائيل المصلحين، ولكنهم رفضوا دعوة بولس إلى العقيدة المسيحية وظلوا متمسكين بالنواميس اليهودية.

ويُقال أيضاً إن الأبيونيين هم الأسينيون في مرحلة تاريخية لاحقة، ولما ظهرت هذه الفرقة حوالي القرن الثاني قبل الميلاد كان عددهم في فلسطين يبلغ أربعة آلاف شخص، وهي تختلف عن باقي الفرق اليهودية، إذ تتكون من جماعة متصوفة متطرفة في تقواها، وهم يؤمنون بالملائكة والشياطين، ويعتقدون بتسلط الأرواح الشريرة على الآدميين، ويحاولون طردها بالتعاويذ.

وظل أتباعهم يمارسون طقوسهم الدينية إلى القرن الأول الميلادي، وحياتهم أقرب إلى الرهبنة ويكرهون الزواج ويمتنعون عن الخمر وكانوا يميلون إلى الاشتراكية، ويحرمون الأضاحي والقرابين، ويحرصون على الطهارة، وينكرون التفرقة العنصرية، ويحرمون نظام الرق، ويسعون إلى سلام دائم، ويسعون إلى الاتصال بالله عن طريق التأمل والصلاة.

وكانوا يسمون أنفسهم أبناء النور وحكموا على الآخرين بأنهم أبناء الظلمة، وهم يؤمنون باليوم الآخر، رائدهم في طلب الرضا من الله النبي عاموس، ويرجح أن يوحنا المعمدان كان واحدا منهم ولا دليل أن السيد المسيح كانت له صلة بهم، وقد حرموا الذبائح، ولذلك فقد كانوا يقدمون للهيكل قرابين نباتية وحسب، كما حرموا على أنفسهم، أو على الأقل على الأغلبية العظمى منهم، الزواج، وقد انقرض الأسينيون كلية في أواخر القرن الأول الميلادي.

ومن الفرق الأسينية جماعة تسمى (المستحمون في الصباح) أو (هيميروبابتست) وهي ترجمة يونانية لكلمة (طوبلحاشحريت)، والمستحمون في الصباح فرقة يهودية أسينية كان طقس التعميد بالنسبة إليها أهم الشعائر، ولذا، فقد كان هذا الطقس يُمارَس بينهم كل يوم بدلاً من مرة واحدة في حياة الإنسان، كما أنهم كانوا يتطهرون قبل النطق باسم الإله، ويبدو أن يوحنا المعمدان كان واحداً منهم، وقد ظلت بقايا من هذه الفرقة حتى القرن الثالث الميلادي.

البناءون (بنائيم)

البناءون ترجمة لكلمة (بنائيم) العبرية، وهم فرقة يهودية صغيرة ظهرت في فلسطين في القرن الثاني الميلادي، ومعنى الكلمة غير معروف بصورة محددة، فيذهب بعض العلماء إلى أن الاسم مشتق من كلمة (بنا) بمعنى (يبني)، وأن أتباع هذه الفرقة علماء يكرسون جلّ وقتهم لدراسة تكوين العالم (كوزمولوجي)، ويذهب آخرون إلى أن (البنائيم) فرع من الأسينيين، ويذهب فريق ثالث إلى أن الاسم مشتق من كلمة يونانية بمعنى (حمام) أو (المستحمون)، ويذهب فريق رابع إلى أنهم أتباع الراهب الأسيني بانوس، ولعل ربط البنائيم بالأسينيين يرجع إلى اهتمامهم البالغ بشعائر الطهارة والحفاظ على نظافة ملابسهم.

المعالجون (ثيرابيوتاي)

المعالجون ترجمة لكلمة (ثيرابيوتاي) المأخوذة من الكلمة اليونانية (ثيرابي) أي (العلاج)، وتعني (المعالجون)، والمعالجون (ثيرابيوتاي) فرقة من الزهاد اليهود تشبه الأسينيين، استقرت على شواطئ بحيرة مريوط قرب الإسكندرية في القرن الأول الميلادي، ويشبه أسلوب حياتهم أسلوب الأسينيين وإن كانوا أكثر تشدداً منهم، وقد كانت فرقة المعالجين تضم أشخاصاً من الجنسين، وأورد فيلون في كتابه كل ما يعرفه عنهم، فيذكر إفراطهم في الزهد وفي التأمل، وبحثهم الدائب عن المعنى الباطني للنصوص اليهودية المقدَّسة، كما يذكر فيلون أنهم كانوا يهتمون بدراسة الأرقام ومضمونها الرمزي والروحي، كما كانوا يقضون يومهم كله في العبادة والدراسة والتدريب على الشعائر، أما الوفاء بحاجة الجسد، فلم يكن يتم إلا في الظلام (وهو ما قد يوحي بأصول غنوصية).

المغارية 

فرقة يهودية ظهرت في القرن الأول الميلادي حسبما جاء في القرقشاني، وهذا الاسم مشتق من كلمة (مغارة) العربية، أي كهف، فالمغارية إذن هم سكان الكهوف أو المغارات، وهذه إشارة إلى أنهم كانوا يخزنون كتبهم في الكهوف للحفاظ عليها، ويبدو أنها فرقة غنوصية، إذ يذهب المغارية إلى أن الإله متسام إلى درجة أنه لا تربطه أية علاقة بالمادة (فهو يشبه الإله الخفي في المنظومة الغنوصية)، ولهذا فإن الإله لم يخلق العالم، وإنما خلقه ملاك ينوب عن الإله في هذا العالم، وقد كتب أتباع هذه الفرقة تفسيراتهم الخاصة للعهد القديم، وذهبوا إلى أن الشريعة والإشارات الإنسانية إلى الإله، إنما هي إشارات لهذا الملاك الصانع، وقد قرن بعض العلماء المغارية بالأسينيين والثيرابيوتاي.

عبدة الإله الواحد (هبسستريون)

(عبدة الإله الواحد) ترجمة للكلمة اليونانية (هبسستريون)، وهؤلاء فرقة شبه يهودية كانت تعبد الإله الواحد الأسمى (والاسم مشتق من كلمة يونانية لها هذا المعنى)، وقد كان أعضاء هذه الفرقة يعيشون على مضيق البسفور في القرن الأول الميلادي، وظلت قائمة حتى القرن الرابع، ومن الشعائر اليهودية التي حافظوا عليها شعائر السبت والطعام، وكانت عندهم شعائر وثنية مثل تعظيم النور والأرض والشمس، وخصوصاً النار، ومع هذا يُقال إن الأمر لم يصل بهم قط إلى درجة تقديس النار كما هو الحال مع المجوس.

القراءون

القرّاءون مصطلح يقابله في العبرية (قرائيم) أو (بني مقرّا)، أو (بعلي هامقرّا) أي (أهل الكتاب)، وقد ُسمِّي القرّاءون بهذا الاسم، لأنهم لا يؤمنون بالشريعة الشفوية (السماعية)، وإنما يؤمنون بالتوراة (المقرّا) فقط (ولذا يمكن القول بأنهم أتباع اليهودية التوراتية، مقابل اليهودية التلمودية أو الحاخامية)، والقرّاءون فرقة يهودية أسسها عنان بن داود في بابل بالعراق في القرن الثامن الميلادي وانتشرت أفكارها في كل أنحاء العالم.

ولم تُستخدَم كلمة ( قرّائين) للإشارة إليهم إلا في القرن التاسع إذ ظل العرب يشيرون إليهم بالعنانية نسبةً إلى مؤسس الفرقة، وهذه الفرقة نمت بعد تدهور الفريسيين، فورثت الكثير من أتباعها، وقد اعترف خلفاء المسلمين بعنان بن داود رئيسا لليهود في المهجر، وطالب القراءون بنبذ التلمود وعدم الاعتراف إلا بأسفار موسى الخمسة، ويبدو أن ظهور هذه الفرقة يعود إلى عدة أسباب وعوامل داخل التشكيل الديني اليهودي وخارجه، من أهمها انتشار الإسلام في الشرق الأدنى وطرحه مفاهيم دينية وأطراً فكرية جديدة كانت تشكل تحدياً حقيقياً للفكر الديني اليهودي وبخاصة بعد أن غلبت عليه النزعة الحلولية الموجودة داخله، وتأثر القرّاءون بعلم الكلام عند المسلمين، وبالعقلانية الإسلامية بشكل عام، أما مؤسس الفرقة، عنان بن داود، فقد تأثر بأصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، ويُقال إن اليهود القرّائين يمثلون احتجاج الفرد وضميره الحر ضد عبء السلطة المركزية والتقاليد الجامدة.

ويبدو أيضاً أنه كانت هناك، منذ هدم الهيكل عام 70م، عناصر دينية رافضة لليهودية الحاخامية من بين بقايا الصدوقيين والعيسويين أتباع أبي عيسى الأصفهاني، وأتباع يودغان، وقد أخذ القرّاءون عن الصدوقيين فكرة منع إشعال النار يوم السبت، وأخذوا عن العيسويين إيمانهم بأن عيسى (عليه السلام) ومحمداً (صلى الله عليه وسلم) رسولان من عند الله، كما أخذوا الترهب عن أتباع يودغان، وهناك نظرية تذهب إلى أن يهود الجزيرة العربية الذين وُطِّنوا في عهد عمر في البصرة وغيرها من بقاع العالم الإسلامي، ولم يكونوا يعرفون التلمود، كانوا من أهم العناصر التي ساعدت على انتشار المذهب القرّائي.

ويرجع القرّاءون تاريخهم إلى أيام يُربعام الأول، حينما انقسمت المملكة العبرانية المتحدة إلى مملكتين : المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية (928 ق.م)، أما المؤسسة الحاخامية فكانت تشيع أن عنان بن داود أسَّس الفرقة لأسباب شخصية، وبعد تطورات وأحداث تم تنصيب حنانيا الأخ الأصغر لعنن رئيساً عليهم (أو كما يسمونه الاجزيلارك)، وعمل هذا على إعادة النظر في الأسفار الخمسة، واحتج على ما ادخله علماء التلمود من تبديل في الشريعة الموسوية، وامتدح عنن عيسى عليه السلام، وقال إنه رجل صالح لم يرغب في نبذ شريعة موسى عليه السلام، وقد تشدد القراءون في تطبيق الطقوس الدينية، وآمنوا بالجبر لا بالاختيار، وحرموا زواج العم من ابنة أخيه، وزواج الخال من ابنة أخته، وساووا بين الابن والبنت في الميراث، وقرروا أن الزوج لا يحق له ترك زوجته، وفتحوا باب الاجتهاد في فهم النصوص المقدسة.

وبعد انشقاقهم عن اليهودية الحاخامية، ظل القرّاءون (حتى بداية القرن العاشر) في حالة جمود يختلفون فيما بينهم وينقسمون، ويُقال إن يهود الخزر اعتنقوا يهودية قرّائية، وأنهم انتشروا في شرق أوربا بعد سقوط مملكة الخزر، ولذا نجد أن كثيراً من القرّائين في روسيا وبولندا يذكرون أن لغتهم هي التركية، ومع هذا، دافع القرقساني (أحد مفكريهم) عن هذا الانقسام بقوله : إن القرّائين يصلون إلى آرائهم الدينية عن طريق العقل، ولذا فإن الاختلاف بينهم أمر طبيعي.

أما الحاخامون، فإنهم يدَّعون أن آراءهم، أي الشريعة الشفوية، مصدرها الوحي الإلهي، فإن كان هذا هو الأمر حقاً، فلا مجال للاختلاف في الرأي بينهم، ومن ثم، فإن وجود مثل هذه الاختلافات يدحض إدعاءاتهم التي تنسب الشريعة الشفوية لأصل إلهي.

ويُلاحَظ أثر التفكير الديني الإسلامي على فكر القرّائين، وخصوصاً في عصرهم الذهبي في منتصف القرن التاسع، ويُعَدُّ بنيامين النهاوندي، وهو أول من استخدم مصطلح (قرّائي)، أهم مفكري القرّائين، كما يُعتبَر ثاني مؤسسي الفرقة حيث عاش في بلاد فارس في أواخر القرن التاسع، ثم تبعه مفكرون آخرون من أهمهم أبو يوسف يعقوب القرقساني الذي عاش في القرن العاشر، وفي الفترة الممتدة بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر، انتشر المذهب القرّائي بين مختلف أعضاء الجماعات اليهودية، خصوصاً في مصر وفلسطين وإسبانيا الإسلامية، وفي الإمبراطورية البيزنطية قبل الفتح العثماني.

ومع حلول القرن السابع عشر، انتقل مركز النشاط القرّائي إلى ليتوانيا وشبه جزيرة القرم التي يعود استيطان القرّائين إياها إلى القرن الثاني عشر، وابتداءً من القرن التاسع عشر، يبدأ فصل جديد في تاريخ القرّائين بعد ضم كل من ليتوانيا (عام 1793) وشبه جزيرة القرم (عام 1783) إلى روسيا، فحتى ذلك الوقت، كانت المجتمعات التقليدية التي وُجد فيها اليهود تُصنَّف كلاًّ من اليهود الحاخاميين واليهود القرّائين باعتبارهم يهوداً وحسب دون تمييز أو تفرقة.

ولكن الدولة الروسية اتبعت سياسة مختلفة إذ بدأت تعامل القرّائين كفرقة تختلف تماماً عن الحاخاميين، فأعفت أعضاء الجماعة القرّائية من كثير من القوانين التي تطبَّق على اليهود، مثل : تحديد الأماكن التي يمكنهم السكنى فيها (منطقة الاستيطان)، وتحديد عدد المسموح لهم بالزواج والخدمة العسكرية الإجبارية، وعدم امتلاك الأراضي الزراعية في مناطق معيَّنة.

وقد حاول القرّاءون قدر استطاعتهم أن يقيموا حاجزاً بينهم وبين الحاخاميين، فقدموا مذكرات للحكومة القيصرية يبينون فيها أنهم ليسوا كسالى أو طفيليين مثل اليهود الحاخاميين، وهي اتهامات كانت شائعة ضد اليهود في ذلك الوقت، كما أن القرّائين كانوا يؤكدون أنهم لا يؤمنون بالتلمود الذي كانت الحكومة الروسية ترى أنه العقبة الكأداء في سبيل تحديث يهود روسيا، وقد قام المؤرخ والعالم القرّائي أبراهام فيركوفيتش بإعداد مذكرة موثقة للحكومة القيصرية تبرهن على أن اليهود هاجروا من فلسطين قبل التهجير البابلي، وبالتالي فإن تطورهم الديني والتاريخي مختلف تماماً عن اليهود الحاخاميين.

وقد أُعيد تصنيف اليهود القرّائين بحيث اعتُبروا قرّائين روس من أتباع عقيدة العهد القديم، وقد أثَّر هذا في الهيكل الوظيفي للقرّائين، فبينما كان معظم اليهود الحاخاميين (في القرم) من الباعة الجائلين والحرفيين وأعضاء في جماعات وظيفية وسيطة، كان القرّاءون يحصلون على امتيازات استغلال مناجم الفحم، وكانوا من كبار الملاك الزراعيين الذين تخصصوا في زراعة التبغ (وقد احتكروا تجارته في أوديسا)، كما كانت تربطهم علاقة جيدة مع السلطات القيصرية.

وبلغ عدد اليهود القرّائين في القرم حين ضمها الروس نحو 2400، ووصل العدد إلى 12.907 عام 1910، وإلى عشرة آلاف عام 1932، ويصل عددهم الآن حوالي 4571، وحينما ضمت القوات الألمانية القرم وأجزاء أخرى من أوربا إبان الحرب العالمية الثانية، قرَّر النازيون أن القرّائين يتمتعون بسيكولوجية عرْقية غير يهودية، ولذا، فلم تُطبق عليهم القوانين التي طُبِّقت على الحاخاميين.

وقد جاء في بعض المصادر أن موقف القرّائين من أحداث الحرب العالمية الثانية كان يتراوح بين عدم الاكتراث والتعاون مع النازيين، ويوجد تجمُّع قرّائي آخر في ولاية كاليفورنيا يضم حوالي 1200 يهودي معظمهم من أصل مصري، وعند إنشاء الكيان الإسرائيلي، كان القرّاءون معادين له بطبيعة الحال، ولكن الدعاية الصهيونية والسياسية التي انتهجتها بعض الحكومات العربية والمبنية على عدم إدراك الاختلافات بين الحاخاميين والقرّائين جعلت معظمهم يهاجر من البلاد العربية إلى إسرائيل وغيرها من الدول.

ويبلغ عدد القرّائين في إسرائيل نحو عشرين ألفاً، توجد أعداد كبيرة منهم في الرملة، وزعيمهم وحاخامهم الأكبر هو حاييم هاليفي، ويعيش بعضهم في أشدود، وهناك اثنا عشر معبداً قرّائياً ومحكمة شرعية، ويمكن القول بأن معظم القرّائين في إسرائيل من أصل مصري (حيث هاجروا إليها عام 1950)، والواقع أن انتماءهم الديني القرّائي لا يزال قوياً، ولذا فإن ثمة خلافات دائمة بينهم وبين اليهود الحاخامين، الأمر الذي ينعكس على العلاقات فيما بينهم حتى داخل المستوطنات المشتركة.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s