الصفويون والحلم المكي

بين السياسة والتاريخ
عندما حرض ملك البرتغال الشاه الصفوي على غزو مكة

حسين الزعبي

السلطان سليم الأولمنذ أن انتهى عصر الشاه في إيران، وتولى الخميني سدة الحكم بعد أن أطاح بصانعي الثورة الحقيقيين، منذ ذلك الوقت ومنطقة الشرق الأوسط تشهد استقطاباً طائفياً تزيد حدته أحياناً، وتُدوّر زواياه أحياناً أخرى بحسب المعطيات السياسية والمجتمعية وصيرورتها في المنطقة وبشكل خاص في المشرق العربي.

الخميني، وبوقاحة سياسية، أطلق مبدأ تصدير الثورة حين قال : “بعد ستة أشهر سنكون في الحجاز”، وفي هذا الكلام ما هو أبعد من السياسة، بل إن منطلقه ومستقره العقيدة الساعية للسيطرة على المنطقة بلبوس التشيع المدعوم من القوى الدولية بشكل أو بآخر، وهو دعم يؤكده الصمت العالمي على عبث إيران في المنطقة، وهذا (المشروع الخميني) والذي تديره حالياً آيات قم، هو امتداد لمشروع تاريخي عبث بإيران السنية، وامتدت أياديه إلى المشرق العربي إلى أن جاءت معركة جالديران والتي صادف تاريخها (23-8-1514)، وكانت بمثابة قطع لتلك الأيدي، أو قصرها، عن الاستمرار بالعبث ببنية المنطقة ووجودها.

ولأن التاريخ يعيد نفسه، أو يعيد أحداثه كما يقال، فما أشبه اليوم بالأمس، معركة (جالديران) التي أغفلتها كتب تاريخ الكثير من الأنظمة العربية رغم أهميتها، تمثل لحظة الذروة الحقيقية لصراع شبيه بما تعيشه منطقة المشرق العربي برمته، فما هي الإسقاطات التي حملتها تلك المعركة لواقعنا الحالي؟

الحالة التركية التي باتت تشكل للكثير نموذجاً سياسياً يمكن اعتماده في أي طرح سياسي، فيما لا يراه آخرون كذلك، إلا أنه لا يمكن لمراقب أن يتجاهل الحالة السنية التركية والحالة الشيعية الإيرانية في قراءته للواقع السياسي الحالي، فإيران شيعية المذهب والسياسة، وفي تركيا وإن بدا المشهد معقداً إلا أن الأزمات الكبرى تعيد إحياء العمق الديني لدى الشعوب، ولا أعتقد أن هناك أزمة أكبر مما تعيشه المنطقة في هذه الآونة.

أما تحرك نظام بشار الأسد فيأتي بكليته منسجماً مع تحرك الفلك الإيراني، مصلحياً، من الناحية السياسية، وعقائدياً من الوجهة الدينية، ولعلنا هنا نشير إلى ما قاله بشار الأسد أمام مجموعة من علماء السلطان في دمشق (من الخطأ تسمية دمشق بدمشق الأمويين … والنموذج الايراني يمثل الإسلام الحقيقي)، وهذا الكلام بمثابة انقلاب فكري يفرضه الأسد على الذاكرة الحقيقية والجمعية للسوريين، بل وللعرب فإذا لم تكن دمشق حاضرة الامويين، فمن تكون؟!.

الحقيقة أن الأسد يعي ذلك، ولكنه يبحث عن الإنسجام الكامل فكرياً، وعلناً، مع المشروع الإيراني الذي يرى فيه (الإسلام الحقيقي)، وما ينطبق على السلوك الأسدي في سوريا التي باتت القاعدة الأهم للمشروع الإيراني، وتتساوى في أهميتها بالنسبة لطهران مع العراق والأحواز، وهذا ما لم تخفه آيات قم حيث قال أحد أهم مراجعهم : “أن نخسر الأحواز أهون من أن يسقط نظام بشار الأسد”، مع العلم أن أكثر من تسعين في المئة من النفط الإيراني هو من الأحواز العربية التي تطل على مياه الخليج العربي.

وما يصح على سوريا ينطبق كذلك على حزب الله وحاضنته في لبنان، وينطبق على الحوثيين في اليمن بالإضافة إلى الخلايا النائمة في بقية مناطق جزيرة العرب.

السياق التاريخي يؤكد أن ما حدث من استقطاب طائفي في المنطقة قد يصل لمرحلة انفجار بدأت ملامحه تتكشف، وهذا ما حدث في التاريخ، وهنا نشير إلى حالة الاستقطاب الصفوي العثماني (الشيعي السني) الذي وصل إلى لحظة الصدام العسكري الكامل في 23-8-1514 حيث كانت موقعة (جالديران) بين الدولة العثمانية بقيادة سليم الأول وبين قوات الدولة الصفوية بقيادة إسماعيل الأول، وانتهت بانتصار العثمانيين، ووقف التوسع الصفوي الشيعي لمدة قرن من الزمان، كما أنهت مؤازرة العلويين داخل الدولة العثمانية للدولة الصفوية، كما ترتب على تلك المعركة بالإضافة إلى السيطرة على تبريز عاصمة الصفويين، سيطرة السلطان سليم على العراق وأذربيجان، ثم توجه إلى سوريا حيث أكمل انتصاراته على المماليك حلفاء إسماعيل الصفوي بمعركة مرج دابق، ولكن السؤال مالذي أوصل الأمور إلى مرحلة الصدام العسكري بين الجانبين … الصفويون ويمثلون المذهب الشيعي … والعثمانيون ويمثلون المذهب السني؟

لقد سبق هذه المعركة إعلان إسماعيل الصفوي فرض المذهب الشيعي على أهل إيران الذين كانوا في غالبيتهم من أتباع المذهب السني، وهذا الفرض كان بالقوة والبطش وفي هذا يقول قطب الدين الحنفي في كتابه الأعلام : “إنه قتل زيادة على ألف ألف نفس، وقتل عدة من أعاظم العلماء بحيث لم يبق من أهل العلم أحد من بلاد العجم، وأحرق جميع كتبهم ومصاحفهم”.

ونقل إسماعيل الصفوي دعوته إلى الأقاليم المجاورة مثل العراق وخراسان وأذربيجان، وهو ما يمكن إسقاطه في عصرنا على تسمية (تصدير الثورة) وهو الأسلوب الذي ابتدعه الخميني بعد تسلمه الحكم في إيران.

ومما سبق لحظة الصدام المسلح، استثمار إسماعيل الصفوي واستمالته لقبائل القزلياش التركية، وهي قبائل علوية المذهب، إلى جانبه وجعلهم عماد جيشه، وقد كانت مستاءة من التدابير المالية والإدارية العثمانية، وهيأت الظروف لحدوث اضطرابات كبيرة في الأناضول (وسط تركيا حاليا)، وهذا يجعلنا نفهم مدى العمق في العلاقة بين العلوية السياسية، وبين إيران الشيعية في تعاملها مع ملف الثورة السورية، فهاهي مرة أخرى تستخدمهم كوقود في محاربة الشعب السوري لتحقيق نفوذها الإمبراطوري، هذا فضلاً عن استخدام العلوية السياسية داخل تركيا كورقة ضغط على الحكومة التركية.

الواقعية السياسية (البراغماتية) التي تستخدمها إيران في كل سياساتها إزاء ملفات المنطقة كلها، هي السياسة نفسها التي لجأ إليها إسماعيل الصفوي، فإيران التي تتشدق بالمبادئ، نراها تمارس كل الموبقات عندما يرتبط الموضوع بمصالحها سواء الداخلية أو في السياسة الخارجية، فنراها تصف الولايات المتحدة على سبيل المثال بالشيطان الأكبر، بينما هي تنسجم مع سياساتها في كافة الملفات وهنا نشير إلى ما قاله علي لاريجاني أحد مهندسي السياسة الإيراني خلال العقد الماضي : “لولا طهران لما سقطت بغداد وكابول”.

وبالعودة إلى إسماعيل الصفوي، فبعد خسارته المعركة تحالف مع البرتغاليين، وكانوا حينها إحدى القوى العالمية، ضد الدولة العثمانية السنية، وكانت الاتفاقية بينهم تنص على : “أن يقدم البرتغال أسطوله ليساعد الفرس في غزو البحرين والقطيف كما يقدم البرتغال المساعدة للشاه اسماعيل لقمع الثورة في مكران وبلوجستان، وأن يكون الشعبان البرتغالي والفارسي اتحادا ضد العثمانيين”.

بل وصلت الأمور إلى ما هو أبعد من ذلك إذ وجه البوكيرك (لقب الملك البرتغالي) إلى الشاه اسماعيل الصفوي الرسالة التالية : “إنى أقدر لك احترامك للمسيحيين في بلادك، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند، وإذا أردت أن تنقضّ على بلاد العرب أو تهاجم مكة، فستجدني بجانبك في البحر الأحمر أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو القطيف أو البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي وسأنفذ له كل ما يريد”.

وقد تضمّن مشروع التحالف البرتغالي الصفوي تقسيم المشرق العربي إلى مناطق نفوذ بينهما حيث اقترح أن يحتل الصفويون مصر والبرتغاليون فلسطين، بل إن الشاه لم يتوقف عن البحث عن حلفاء ضد الدولة العثمانية التي أصبحت القوة الكبرى التي تحول بينه وبين الوصول إلى البحر المتوسط كما يقول المؤرخون، وهو الحلم الذي حققه الأسد الأب ومن بعده الإبن للفرس.

إذاً، هو المشروع نفسه، الذي مزق الأمة، قبل 500 عام، مازالت أدواته موجودة.

رسالة السلطان سليم الأول إلى إسماعيل الصفوي شاه إيران قبيل معركة جالديران

وتحتوي على ثلاثه آيات قرانية فقط :

بسم الله الرحمن الرحيم

قال اللهُ المَلِكُ العلاَّم :

“إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ”

“وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ”

“فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهي فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ”

اللهم اجعلنا من الهادين غير المضلِّين ولا الضالِّين

وصلَّى الله على سيد العالمين محمد المصطفى النبيِّ وصحبه أجمعين.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s