التلمود استكمال الأسطورة وتأصيل العنف

د. عبد الغني عماد

التلمودالتلمود كلمة عبرية معناها التعاليم، وهو كتاب مقدس عند اليهود يعادل في قيمته الروحية والعلمية التوراة، بل يفوقها بمراحل في كثير من الجوانب التطبيقية، وهو مجموعة من الشرائع اليهودية التي نقلها أحبار اليهود شرحا وتفسيرا للتوراة واستنباطا من أصولها.

وإذا كانت كتابة العهد القديم قد استغرقت قرونا عدة ساهم فيها عدد كبير من الحاخامات إلى أن كانت كتابته النهائية على يد عزرا في القرن الخامس قبل الميلاد، فإن التلمود أيضا تأخرت كتابته عن العهد القديم ما يزيد عن سبعة قرون، لأن كتابته تمت بين القرنين الثاني والخامس بعد الميلاد.

ما هو التلمود؟

يتألف التلمود من قسمين : المشنة وهي النص أو المثنى، والجمارا وهي التفسير أو الشرح، والتلمود هو الاسم الجامع للمشنة والجمارا معا، والمشنة عبارة عن مجموع تقاليد اليهود المختلفة في شتى نواحي الحياة اليهودية مع بعض الآيات من التوراة.

ويزعمون أن هذه التعاليم شفوية ألقاها موسى على شعبه حين كان على الجبل، ثم تداولها هارون وإليعازر ويشوع وسلموها للأنبياء، ثم انتقلت من الانبياء إلى أعضاء المجمع الأعلى1 وخلفائهم في القرن الثاني بعد المسيح حينما جمعها الحاخام يهوذا ودونها، أما الجمارا فهي مجموع المناظرات والتعاليم والتفاسير التي دونت في المدارس العالية بعد الفراغ من المشنة.

وأساس المبحث قائم في التلمود على ستة أبواب، هي :

1ـ الفلاحة (زراعيم) : يتضمن كل القوانين الدينية الناظمة للعلاقات الزراعية، مع الصلوات والأدعية المفروضة.

2ـ الأعياد والمواسم (موعد) : يتضمن كل ما يتعلق بالأعياد المقدسة واحتفالاتها وطقوسها.

3ـ النساء (ناشيم) : يتضمن كل ما يتعلق بالنساء، كالزواج والطلاق وواجبات الزوج والزوجة والأحوال الشخصية .. الخ.

4ـ النواهي والعقوبات (نزيقين) : يشمل العقوبات والمحظورات والتعويضات والقصاص، وفيه جاء الحديث عن مجمع السبعين اليهودي المسمى (السنهدرين) الذي يشكل، إضافة لصفته الدينية التشريعية، المحكمة العليا عند اليهود.

5ـ الذبائح (قداشيم) : يحتوي كل التشريعات الخاصة بالذبائح والقرابين وما يقدم للهيكل، وأنواعها وشروطها ومراسم تقديمها.

6ـ الطهارة (طهاروت) : وفيه أحكام الطهارة والنجاسة، والحلال والحرام في الأطعمة والمشروبات، والأجسام والملابس.

لكن هناك تلمودين يجب التمييز بينهما، أولهما يدعى التلمود الفلسطيني، واليهود يسمونه الأورشليمي (المقدسي) وقد كتب بين القرنين الثالث والخامس للميلاد، والذين كتبوه هم حاخامات طبرية2.

ويعرف الثاني بالتلمود البابلي، وقد انتهي من كتابته بصيغته النهائية في بابل في القرن الخامس للميلاد، ولكل من هذين التلمودين طابعه الخاص، وهو طابع البلد الذي وضع فيه.

ولغتا التلمودين مختلفتان تمثلان لهجتين آراميتين : التلمود الفلسطيني بالآرامية الغربية، أما التلمود البابلي فلهجته آرامية شرقية، وقد احتوى على مصطلحات يونانية ولاتينية، وحجم التلمود البابلي أوسع من التلمود الفلسطيني بأربعة أضعاف، ويقع في 5894 صفحة، ويطبع عادة باثني عشر جزءاً، وبهذا يكمل التلمود أحكام الديانة اليهودية التي استغرق وضعها كما يتضح أكثر من ألف عام، أي من القرن السادس قبل الميلاد حتى القرن الخامس بعد الميلاد.

إن “التلمود البابلي أكثر شمولا وتنظيما من التلمود الفلسطيني ويعتبر بمفرده المصدر القاطع للتشريع، ويمثل التلمود المقدسي أو الفلسطيني، مرتبة أدنى كمرجع للتشريع مع عدد آخر من الاضافات المعروفة جماعيا باسم (الأدب التلمودي) وهي تحتوي على أشياء لم يذكرها التلمودان السابقان”3.

والآرامية هي اللغة المهيمنة في التلمود البابلي وليست العبرية، والنص لا يقتصر على الشؤون الشرعية، بل يحتوي في بعضه على ما يسمى (القصص) (هاغادا) وهي خليط من حكايات ونوادر حول حاخامات وشخصيات توراتية وملائكة وسحرة وعفاريت.

وقد طبع التلمود طبعات مختلفة : فطبعة البندقية هي الطبعة الكاملة، أما طبعات امستردام (1644م) وسالزبورغ (1769) وبراغ (1839) وفارسوفيا (1863)، فكلها منقوصة، وفي النسخ المطبوعة حديثا يمكن ملاحظة بياضات ورسوم ودوائر بدلا من ألفاظ وشتائم بحق المسيح والعذراء كانت موجودة في النسخ الاصلية.

لقد ركز اليهود على تعاليم التلمود فاتبعوها أكثر مما اتبعوا ما جاء في التوراة، وذلك لأن علماء اليهود والحاخامات اعتبروا التلمود كتابهم المقدس الأول وجعلوا التوراة في المقام الثاني، وقد جاءت نصوصه أشد عدوانية من نصوص التوراة، وتركزت فيها الشحنة العدوانية ضد المسيحيين، فضلا عن العداء لكل الناس، والسبب في هذا يعود إلى أن كتابة القسم الأكبر من التلمود انتهت بعد القرن الخامس للميلاد، أي بعد أن حكم الامبراطورية البيزنطية أباطرة اعتنقوا المسيحية، التي اتسع انتشارها بفعل ذلك.

والتلمود كنص تعليمي مقدس، تعتبر محتوياته في الإجمال تعاليم إلزامية وثابتة غير متغيرة، وهي تحمل كل معاني الاستعلاء والعنصرية والعداء للشعوب، ومن بعض نصوصه القاسية أن الخارج عن دين اليهود حيوان على العموم، فسمه كلبا أو حمارا أو خنزيرا. والنطفة التي هو منها هي نطفة حيوان … وخلق الله الأغيار (الغوييم) على هيئة الإنسان ليكونوا لائقين لخدمة اليهود الذين خلقت الدنيا لأجلهم، لأنه لا يناسب الأمير أن يخدمه ليلا ونهارا حيوان وهو على صورته الحيوانية.

إن كل ذلك منابذ للذوق والانسانية كل المنابذة، فاذا مات خادم أو خادمة ليهودي، وكانا من المسيحيين، فلا يلزمك أن تقدم له التعازي باعتبار أنه فقد إنسانا، بل لكونه فقد حيوانا من الحيوانات المسخرة له4، وفي باب آخر نص يصدر بشكل أمر مقدس : “أقتل الصالح من غير الإسرائيليين، ومحرم على اليهودي أن ينجي أحدا من باقي الأمم من هلاك أو يخرجه من حفرة يقع فيها، لأنه بذلك يكون حفظ حياة أحد الوثنيين”5، أو ” … جميع المسيحيين، حتى أفضلهم يجب قتلهم … ” أو “حتى أفضل الغوييم يجب قتله”، أو ” … يجب إزالتهم من سجل الأحياء، لأنه قيل عنهم من يأثم ضدي، سأزيله من سجل الحياة”6.

هذه المواقف النابضة بالعنصرية والحقد تعكس موقفا تجاه الأغيار (الغوييم) يتسم بإنكار إنسانيتهم والحط من كرامتهم، فالأرواح غير اليهودية شيطانية وشبيهة بأرواح الحيوانات، وإن الأرواح عندما تخرج تدخل جسما آخر … ومثالا على ذلك يقول التلمود إن روح اشعيا دخلت يسوع، واشعيا كما يقول التلمود كان قاتلا وزانيا!!

عقيدة الماشيح وسبت التاريخ

ولا يدخل الجنة إلا اليهود، أما عن المسيح المنتظر عند اليهود وبسط سلطان اليهود على جميع الأمم بعد مجيئه، فيقول التلمود عندما يأتي المسيح تطرح الأرض فطيراً وملابس من الصوف وقمحا حبا بقدر كِلَى الثيران الكبيرة، في ذلك الزمن، ترجع السلطة لليهود وكل الأمم تخدم مسيح اليهود وتخضع له، وفي ذلك الوقت يكون لكل يهودي ألفان وثمانمائة عبد يخدمونه وثلاثمائة وعشرة تحت سلطته.

ولا يأتي المسيح إلا بعد إنقضاء حكم الأشرار الخارجين عن دين بني إسرائيل، ويجب على كل يهودي أن يبذل جهده لمنع استملاك باقي الأمم في الأرض حتى تبقى السلطة لليهود وحدهم، لأنه يجب أن تكون لهم السلطة أينما حلوا، وقبل أن يحكم اليهود نهائيا باقي الامم، يلزم أن تقوم الحروب بضراوة ويهلك ثلث العالم، ويبقى اليهود مدة سبع سنوات متوالية يحرقون الأسلحة التي اكتسبوها بعد النصر : ستنبت أسنان أعداء اسرائيل بمقدار اثنين وعشرين ذراعا خارج أفواههم، ويعيش اليهود في حروب مستمرة مع باقي الشعوب منتظرين ذلك اليوم.

وسيأتي المسيح الحقيقي، ويحصل النصر المنتظر، ويقبل المسيح هدايا كل الشعوب ويرفض هدايا المسيحيين، وتكون الأمة اليهودية آنذاك في غاية الثروة لأنها تكون قد وضعت يدها على جميع أموال العالم، وذكر في التلمود أن هذه الكنوز ستملأ (سرايات) واسعة لا يمكن حمل مفاتيحها  وأقفالها على أقل من ثلاثمائة حمار، وترى الناس كلهم حينذاك يدخلن في دين الله أفواجا أفواجا … ويقبلون ما عدا المسيحيين، فإنهم يهلكون لأنهم من نسل الشيطان، ويتحقق نصر الأمة اليهودية بمجيء إسرائيل وتكون تلك الأمة هي المتسلطة على باقي الأمم عند مجيئه!!

إن هذه المفاهيم الخرافية حول المسيح المنتظر و (سبت التاريخ) من أهم العقائد الأسطورية عند اليهود، ففيها كما يتضح أن ملكا من نسل داوود سيأتي في نهاية التاريخ (سبت التاريخ) ليجمع شتات اليهود المنفيين ويعود بهم إلى الأرض المقدسة ويحطم أعداء إسرائيل ويتخذ أورشليم عاصمة له ويعيد بناء الهيكل، لقد أضعفت هذه العقيدة من أي إمكانية لاندماج اليهود في الحضارات التي عاشوا فيها، وزادت من انفصالهم عن كل الأغيار، فانتظار الماشيح Massiah يلغي الإحساس بالانتماء الإجتماعي والتاريخي، والرغبة بالعودة تضعف إحساس اليهودي بالمكان والإنتماء الجغرافي وتعطل إمكانية اندماجه في محيطه7.

الهالاخا والأغيار

تستند الهالاخا، أي المنظومة التشريعية اليهودية، في المقام الاول، إلى التلمود البابلي الذي يرسم منظومة علاقات اليهود مع الأغيار، من موقع التفوق والإستعلاء، فاليهودي بنظرهم أعلى منزلة من البشر ومن الملائكة أيضا، ومن يضرب يهوديا فكأنه ضرب الله، ويستحق على فعلته هذه الموت، وأنه لولا اليهودي لانعدمت البركة من الأرض، ولما أمكن لباقي المخلوقات أن تعيش، وأنه لا تجوز مع غير اليهودي الشفقة وتحظر تحيتهم بالسلام “ما لم يجب حذرهم ويخش عدوانهم”.

ومسموح سرقة أموالهم ووضع اليد عليها، فهي مباح كرمال البحر، كما يفسر الرابي ميهياند، وما ينطبق على السرقة ينطبق على الغش والخداع، واللافت تلك النصوص التلمودية المليئة بالحقد والكراهية فيما يتعلق بالمسيح والمسيحيين، فضلا عن اعتبارهم كل الشعوب شعوبا وثنية.

وقد التزم اليهود بتعاليم الهالاخا منذ القرن التاسع الميلادي، ولا يزالون يلتزمونها حتى يومنا هذا من خلال اليهودية الارثوذكسية، وقد قامت أجيال متعاقبة من الحاخامات بصياغة نصوصها بحيث أصبحت بعض أعمالهم ذات مرجعية عالية.

إن المنظومة التلمودية دوغمائية جدا، بحيث لا يسمح بأي تراخ في قواعدها حتى عندما تصبح كمفاهيم غير قابلة للتطبيق بمرور الزمن وتغير المعطيات الاجتماعية، أمام جمود الهالاخا وتحجرها، ابتكر الحاخامات طريقة خداع منهجي للحفاظ على نظام الشريعة الشكلي، مع انتهاك روحها ومقصدها، أي مجموعة من الحيل يسميها شاحاك (المنظومة المنافقة)، أما المؤسسة الدينية اليهودية فتسميها (حيتريم) أي التخريجات، فكيف تعمل هذه المنظومة؟

إن الربا ممنوع في التلمود بصرامة بين اليهود، تحت طائلة العقاب الشديد، لكن الممارسة العملية أدت إلى انتهاك هذا التعليم عبر (تخريجات) فيها نوع من الخداع، كأن يتحول الربا إلى (نصيب من الأرباح)، كذلك فيما يتعلق بـ (السنة السبتية) التي تنص الشريعة التلمودية على أن تبقى الأرض المملوكة لليهود في فلسطين مرتاحة دونما زراعة مرة كل سابع سنة، فتحظر كل أنواع العمل الزراعي.

وقد روعيت هذه القاعدة مدة ألف عام تقريبا، وعندما أصبح تطبيقها غير ممكن، أوجد لها تخريج على الشكل التالي : قبل حلول (السنة السبتية) يعطي وزير الداخلية الإسرائيلي لكبير الحاخامات شهادة تجعله المالك القانوني لكل الاراضي الإسرائيلية، الخاصة والعامة، هنا يذهب الحاخام الأكبر متسلحا بهذه الشهادة إلى شخص غير يهودي و(يبيعه) كل أرض (إسرائيل) مقابل مبلغ رمزي من المال.

ومن ناحية أخرى، يتعهد (المشتري) في شهادة أخرى بأن يبيع الأرض ثانية بعد نهاية السنة، وتتكرر الصفقة كل سبع سنوات مع نفس المشتري، بهذه الطريقة يستمر العمل الزراعي لليهود في الأرض في السنة السابعة دونما توقف، فهي ليست ملكهم نظريا، وبالتالي فهم يحافظون على تطبيق الشريعة.

ولا يعترف اليهود الأرثوذكس بصلاحية هذا (التخريج) لأن الصفقة تقوم على المعصية، فشريعة الهالاخا تحرم أساسا بيع أرض فلسطين للأغيار، ولذلك فهي صفقة باطلة، ويرد الحاخامات الصهاينة بأن المحرم فعلا هو إجراء عملية بيع حقيقية وليس عقد صفقة بيع مفبركة، وهناك العشرات والمئات من التخريجات والحيل المماثلة التي تستخدم للتلاؤم مع الحياة المعاصرة8، ويعتبر شاحاك أن السمة السائدة في منظومة (التخريجات) هي الخداع، أي خداع الرب من جانب الحاخامات الذين يتصورون أنفسهم أكثر ذكاء منه.

إن هذه (التخريجات) وما أضيف إليها من أعمال وتعليقات أعادت إنتاج معنى النص التلمودي بإخلاص شديد، وأقدم تلخيص للشريعة التلمودية، وما زال يحظى بأهمية بالغة، هو كتاب مشناه توراة الذي وضعه موسى بن ميمون في أواخر القرن الثاني عشر، وأكثر الكتب نفوذا واستخداما حتى الآن هو شوكان عاروخ الذي وضعه الحاخام يوسف كارو في أواخر القرن السادس عشر كنسخة شعبية موجزة لكتابه الضخم بين يوسف9.

وفيما يتعلق بالقتل، تعتبر الديانة اليهودية قتل اليهودي جريمة كبرى، أما اليهودي الذي يتسبب بموت يهودي آخر بطريقة غير شرعية، فإنه (مذنب) حسب الهالاخا : فهو ارتكب خطيئة ضد (شرائع السماء)، لذا يقع عقابه على الله لا على الانسان، أما التسبب بموت غير اليهودي بطريقة غير مباشرة فلا يعتبر خطيئة أبدا، فما هو (التخريج) المتبع لتبرير ذلك؟

يبين أحد أهم اثنين من المعلقين على شوكان عاروخ، عندما يتعلق الأمر بغير اليهودي، أنه لا ينبغي أن يرفع الانسان يده لالحاق الأذى به، ولكن قد يؤذيه بطريقة غير مباشرة، بأن يزيح السلم، مثلا، بعد سقوطه في حفرة عميقة، ولا يوجد تحريم لعمل كهذا لأنه يتم بطريقة غير مباشرة10.

وإذا وقع القاتل غير اليهودي تحت سلطة التشريعات القضائية اليهودية، فيجب إعدامه سواء أكانت الضحية يهودية أم لا، ولكن إذا لم تكن الضحية يهودية واعتنق القاتل اليهودية فلا يعاقب، إن مبدأ (تحريم قتل غير اليهودي)، ينطبق فقط على الذين “لست في حالة حرب معهم”، وكنتيجة منطقية، تقرر الهالاخا إمكانية قتل جميع غير اليهود المنتمين إلى شعب محدد، أو حتى ضرورة قتلهم11.

ويجري الترويج العلني لهذه الفكرة منذ العام 1972 لتوجيه الجنود الاسرائيليين المتدينين، وقد جاء في كراس نشرته قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الاسرائيلي على لسان الحاخام المسؤول : “في حالة احتكاك قواتنا بمدنيين خلال الحرب أو خلال مطاردة حامية أو إغارة، وإذا لم يتوافر دليل على عدم إلحاقهم الأذى بقواتنا، هناك إمكانية لقتلهم أو حتى ضرورة للقيام بذلك حسب الهالاخا، لا بل تحض الهالاخا على قتل حتى المدنيين الطيبين، أي الذين يتظاهرون بذلك”12.

وفي رسالة من جندي إسرائيلي شاب إلى حاخامه يقول : جرت في وحدتي مناقشة لفكرة السلاح وما إذا كان من الجائز قتل العربي الأعزل من السلاح أو النساء والأطفال؟ أو حتى ما إذا كان علينا الإنتقام من العرب؟ ولم أستطع التوصل إلى إجابة حاسمة! أجابه الحاخام شمعون وايرز : “إن قتلهم في زمن الحرب يعتبر يتسفاه (واجبا دينيا)، وينبغي الإفتراض بأن غير اليهودي يأتي لقتلك في زمن الحرب، هذه هي قاعدة طهارة السلاح حسب الهالاخا، وليس حسب المفهوم الأجنبي الذي تسبب بوقوع العديد من الخسائر”13.

ورغم أن تعليمات الهالاخا هذه تتناقض مع القانون الجنائي الإسرائيلي، فإن إسرائيل شاحاك يقول : “في جميع الحالات التي قتل فيها يهود من الجيش عربا غير محاربين، وبينها حالات قتل جماعية مثل كفر قاسم 1956، أطلق سراح القتلة، أو تعرضوا لأحكام بالغة الرأفة وحكم عليهم بأحكام غالبا ما يفرج عنهم قبل نفاذها، مما يجعل تلك الأحكام وكأنها لم تصدر أصلا”14.

ويشير إلى أنه يسمح للمذنبين بجرائم من هذا النوع بإشغال مناصب ومراكز عامة رفيعة، مثل شموئيل لاهيس، المسؤول عن قتل ما بين 80 و 70 من الفلاحين العرب المسجونين في أحد المساجد بعدما احتل الجيش الاسرائيلي قريتهم خلال حرب 1948-1949، لقد منح العفو التام بعد محاكمة شكلية، وأصبح محاميا مرموقا، واختير مديرا عاما للوكالة اليهودية، وعام 1978، نوقشت الحقائق المتعلقة بماضيه في الصحافة الاسرائيلية ولم يعترض أي حاخام على العفو الصادر بحقه أو مدى ملاءمته لمنصبه الجديد ولم يتم التراجع عن تعينه.

تشريع القتل وتطهيره

جاء في التلمود أن قتل غير اليهودي لا يعتبر جريمة عند اليهود بل فعل يرضي الله، وجاء أيضا : “أقتل الصالح من غير الإسرائيليين ومحرم على اليهودي أن ينجي أحدا من باقي الأمم من هلاك، أو يخرجه من حفرة يقع فيها، لأنه بذلك يكون قد حفظ حياة أحد الوثنيين”، وجاء في موضع آخر : “من العدل أن يقتل اليهودي بيده كل كافر لأن من يسفك دم الكافر كمن يقدم قربانا إلى الله”، وجاء أيضا “أن من يقتل مسيحيا أو أجنبيا أو وثنيا يكافأ بالخلود في الفردوس والجلوس هناك في (السراي الرابعة)، أما من قتل يهوديا فكأنه قتل الناس أجمعين، ومن تسبب بخلاص يهودي فكأنه خلص الدنيا بأسرها”.

وكما يتضح من النصوص السابقة، فإن في التلمود تأكيدا وتأصيلا لنزعة العنف والتفوق العنصري اليهودي على بقية شعوب الأرض باعتبار أنهم الشعب المختار وأن الله اصطفهاهم دون سواهم من شعوب الارض، لذلك، كانوا حريصين على أن لا يطلع على التلمود غيرهم، إلا من يأمنون جانبه، خوفا من ثورة العالم المسيحي ضد اليهود، وقد أخفوه أربعة عشر قرنا منذ أن وضعه حاخاماتهم، لكن ما إن تسرب حتى تسبب بردات فعل متتالية وكبيرة، ففي سنة 1242، أمرت الحكومة الفرنسية في باريس بإحراق التلمود علنا، وتكرر هذا الأمر عشرات المرات في أغلب العواصم الأوروبية وفي أزمنة مختلفة منذ ذلك الحين.

أقدم نسخة مخطوطة للمشنة موجودة في بارما بإيطاليا، ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وفي كل من كمبريدج ونيويورك نسخة تعود إلى القرنين العاشر والحادي عشر بعد الميلاد، وقد ظهرت أول طبعة للمشنة في إيطاليا سنة 1492، وأهم ترجمة للمشنة البابلية إلى الإنكليزية هي التي قام بها كانون دانبي سنة 1953، والتلمود اليوم في اللغة الانكليزية بأصوله ومتونه وشروحه وتعليقاته يبلغ 36 مجلدا.

إن النصوص التلمودية تقوم بعملية تثبيت لمفاهيم وعقائد التوراة، كما أنها تقوم بتأصيل ذهنية اليهودي ونظرته لسواه من (الأغيار) فهو يسقط عنهم الصفة الانسانية، وبعد هذا الحذف أو الإسقاط العقائدي النظري يصبح القتل والاستئصال المادي خطوة سلوكية تكمل الايمان، بل تتحول إلى نوع من الطقوس والشعائر عند الملتزمين بأصول الدين اليهودي، فالمذبحة التي قام بها باروخ غولدشتاين في الخليل وقتل فيها 27 شخصا وجرح أكثر من خمسين من المصلين المسلمين في قلب الحرم الإبراهيمي أثناء تأديتهم الصلاة، هذه المذبحة كانت ترجمة لهذا المناخ الفكري الذي يعتبر “كل من يسفك دم شخص غير يهودي، عمله مقبول عند الله كمن يقدم قربانا إليه”، حسبما هو منصوص عليه في التلمود، وقد تحول غولدشتاين بفعلته هذه إلى بطل قومي، كما مناحيم بيغن من قبل في مجزرة دير ياسين سنة 1948، وكما اريئيل شارون في كل مجازر لبنان أثناء الاجتياح عام 1982، ومنها مجزرة صبرا وشاتيلا وغيرها.

الهوامش:

  1. أسعد السحمراني، من اليهودية إلى الصهيونية، بيروت، دار النفائس، 1993، ص 72.
  2. أحمد سوسة، العرب واليهود في التاريخ ـ حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الاثارية، م.س، ص 174.
  3. إسرائيل شاهاك، الديانة اليهودية وموقفها من غير اليهود، القاهرة، سينا للنشر، 1994، ص 63.
  4. د. أغسطس روهلنج : الكنز المرصود في قواعد التلمود. ترجمة. د.يوسف نصرالله، مصر، مطبعة المعارف، 1899، ص 53.
  5. المرجع نفسه، ص 54.
  6. الأب آي بي برنايتس : فضح التلمود، تعاليم الحاخاميين السرية، بيروت، دار النفائس، 1991، ص 147-148.
  7. أنظر: عبدالوهاب المسيري، الايديولوجيا الصهيونية، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، العدد 60، ج1، 1982، ص46.
  8. لمزيد من الاطلاع على هذه التخريجات أنظر : إسرائيل شاحاك، الديانة اليهودية، م.س، ص 86-87.
  9. المرجع نفسه، ص 132.
  10. المرجع نفسه، والصفحة ذاتها
  11. المرجع نفسه، ص 134. ويشير شاحاك إلى بعض شروحات الحاخام سفتي كوهن على شوكان عاروخ، ومنها : “في أوقات الحرب جرت العادة على قتلهم بالأيدي لأنه قيل : افضلا الاغيار اقتلوه”.
  12. المرجع نفسه : ص 134. عن الحاخام العقيد أ.افيدان : “طهارة السلاح على ضوء الهالاخا”، وقد تم ذكره في صحيفتي هعولام هازيه، 5 كانون الثاني (يناير) 1974، ومعاريف 13 تشرين الاول (اكتوبر) 1975، ولم يعترض أي حاخام عسكري أو مدني على ما كتبه.
  13. الحاخام شمعون وايزر : “طهارة السلاح : رسائل متبادلة” الكتاب السنوي لمدراشيات نوعام 1974، نقلا عن إسرائيل شاحاك، المرجع نفسه، ص 136-137.
  14. المرجع نفسه، ص 140.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s