الحملة الصليبية الرابعة

إحتلال القسطنطينية

هذه الحرب الصليبية، هذه الحرب على الارهاب سوف تأخذ فترة (جورج دبليو بوش)

عن كتاب الصليبيون في الشرق
بقلم ميخائيل زابوروف
ترجمة الياس شاهين

الحملة الصليبية الرابعةفي اليوم التالي، في 13 نيسان (ابريل) 1204م، سقطت القسطنطينية ضحية الغزاة الغربيين.

حظي فتح العاصمة البيزنطية بمصادقة الكنيسة الكاثوليكية، وعشية اقتحام القسطنطينية غفر الاساقفة والكهنة المرافقون للمقاتلين، بدون أي اعتراض خطايا المشتركين في المعركة المقبلة، وعززوا بالتالي إيمانهم في أن الإستيلاء على العاصمة البيزنطية إنما هو عمل مشروع ويرضي الرب.

وينقل جوفروا فيللاردوان بالتفصيل خطابات رجال الدين في مجلس الزعماء المنعقد عشية الهجوم، كتب مدون الأخبار الفرنسي، المتمالك عادة حين يسلط النور على موقف البابوية : “الأساقفة وجميع رجال الدين، جميع من كانوا يخضعون لأوامر الحبر الأعظم كانوا متفقين، وأكد رعاة القوات الصليببية الروحيون بإلحاح ومثابرة أن الحرب المقبلة حسنة وعادلة، وجميع الذين كانوا يعتزمون فتح هذه الأرض وإخضاعها لروما، وعدوهم بغفران جميع خطاياهم”، ويضيف فيللاردوان مخاطباً القراء : “واعلموا أن هذه المواعظ كانت دعما كبيرا سواء للبارونات أم للفرسان”.

(اجتياح القسطنطينية)، ذلك اسم مدونة من مدونات الأخبار اللاتينية تصف أفعال الفرسان الغربيين اللصوصية في العاصمة البيزنطية، وبالفعل، ما إن استولى الفرسان على القسطنطينية، حتى انقضوا على القصور والكنائس ومستودعات التجار، وقد أحقدهم الإنتظار الطويل للغنيمة وشجعهم رعاتهم الروحيون، ونهبوا البيوت، ونهبوا المدافن والأضرحة، وهدموا آثارا فنية تفوق التقدير، وأحرقوا كل ما كانت تطاله أيديهم، لقد أحرق الغزاة البيوت لكي يطردوا منها سكانها ويدرأوا بالتالي معارك الشوارع، ودام جنون المقاتلين العاصف، واغتصاب النساء، وحفلات السكر والعربدة ثلاثة أيام. وقتلوا بضعة آلاف من سكان القسطنطينية.

فيما بعد حاول كثيرون من مدوني الأخبار أن يخففوا بجميع الوسائل من حدة اجتياح المدينة المسيحية، ويبرروا للصليبيين، فإن روبر دى كلارى، مثلا، قد حاول أن يؤكد للقراء أنه “عندما تم الاستيلاء على المدينة بمثل هذه الروعة ودخلها الإفرنج، تصرفوا هناك بكل هدوء”، ولم تحدث، حسب زعمه، أية من أعمال الشطط، فإن الإفرنج لم يتسببوا بأي ضرر وأية إهانة، لا للفقراء ولا للأغنياء، ويزعم غونتر من بيريس أن الفرسان كانوا يعتبرون على العموم من المعيب وغير الجائز للمسيحيين الهجوم على المسيحيين وارتكاب أعمال القتل والنهب والسلب والحرق بينهم.

ولكن كثيرين من شهود العيان يشهدون بالعكس، فإن فيللاردوان يكتب بوضوح أن الصليبيين استولوا على غنيمة هائلة وقتلوا كثيرين من الناس، وهو يقول : “لم يكن ثمة للقتلى وللجرحى عدد ومقياس”، وهناك شاهد عيان آخر، روى بالتفصيل عن مذبحة سنة 1204م، وهو نيقيتاس الخونياتي، وقد كتب فيما بعد، كأنما تذكر بعجب وذهول المشاهد الوحشية التي توالت آنذاك في القسطنطينية : “لا أعرف بما أبدأ وبما أنهي وصف كل ما فعله هؤلاء الناس الكفار” (يقصد الصليبيين).

وحقا وفعلا لم يعرف جشع الفرسان حدودا، وكأن البارونات الأعيان وتجار البندقية والفرسان وحملة الأسلحة أخذوا يتنافسون ويتبارون في نهب وتبديد ثروات العاصمة البيزنطية، وقد قال نيقيتاس الخونياتي أنهم لم يرحموا أحدا ولم يتركوا لأحد ما كان عنده، بل أنهم مسوا مدافن الأباطرة البيزنطيين بما في ذلك تابوت الأمبراطور قسطنطين الأول، حيث سرقوا مختلف المجوهرات.

ولم تتجنب، لا الكنائس ولا أشياء العبادة، أيدي الصليبيين الجشعة، وكان الصليبيون كما يروي مدونو الأخبار، يحطمون المدافن والنعوش حيث ترقد رفاة القديسين ويأخذون منهم الذهب والفضة والأحجار الكريمة، “ولم يكونوا يأبهون للرفات”، فقد كانوا يرمونها، كما كتب نيقيتاس الخونياتي، “في أماكن كل خساسة وسفالة”. ولم تستثن حتى كنيسة آجيا صوفيا، فقد نهب الفرسان كنوزها التي تفوق التقدير، ومنها سلبوا “الآنية المقدسة، والمصنوعات الفنية الرائعة، والفضة والذهب اللذين كانت ملبسة بهما الكراسي والأبواب والبوابات”.

وعن السفاكين والجزارين المجلببين بدروع الفرسان، لم يتخلف النهابون في جبب الرهبان والكهان، فإن الرهبان والكهنة الكاثوليك كانوا يجوسون المدينة بحثا عن ذخائر القسطنطينية الشهيرة، وبقيت أسماء بعض من أنشط خدم الرب الذين اندفعوا في السرقة “التقية” دون أي وخز في الضمير وكأن الحمى تملكتهم.

فان مارتين، رئيس دير لينتس، مثلا، الذي انضم الى عصابة من الفرسان، قد نهب معهم دير بانتوكراتور الشهير الواقع في القسطنطينية، ويستفاد من أقوال غونتر من بيرس الذي روى الأخبار عن أفعال هذا الأب المحترم المجيدة في مؤلفه (تاريخ القسطنطينية)، أن رئيس الدير مارتين هذا تصرف بأكبر قدر من الجشع والبخل، فقد كان يمسك (بكلتا يديه).

ويروي مدون أخبار مجهول من هالبرشتادت انه عندما عاد أسقف هذه المدينة كونراد في سنة 1205 إلى موطنه، تورينغيا كانوا يسوقون أمامه عربة محملة للحافة بذخائر القسطنطينية، وفيما بعد، وصف الأحبار الكاثوليك بصور مفصلة للغاية ما سرقوه في القسطنطينية من الأشياء المقدسة على وجه الضبط، وهذه الأوصاف جمعها في السبعينات من القرن التاسع عشر العالم الكاثوليكي الفرنسي ريان وشكل منها مجلدين أسماهما بدون سخرية (الغنيمة المقدسة من القسطنطينية)، وفي أوربا الغربية، كما لاحظ المعاصرون، لم يبق على الأرجح، أي دير وأي كنيسة لم يغتنيا من الذخائر المسروقة.

إن أعمال النهب الشاملة والكاسحة المقترفة في القسطنطينية التي تتآكلها النار، لم تؤكدها شهادة نيقيتاس الخونياتي وحسب (فقد تضرر شخصيا من مآثم اللاتين وبالكاد نجا مع عائلته بفضل المساعدة الودية التي قدمها له أحد معارفه من البندقيين).

وحتى إذا وافقنا أولئك المؤرخين الذين يعتبرون أن الكاتب البيزنطي نيقيتياس الخونياتي قد كثف الأصباغ وبالغ بصورة لا مناص منها في معرض حديثه عن هيجان الفرسان وفحشهم، فقد بقيت كثرة من أخبار مؤلفين غير بيزنطيين وصفوا بأقبح النعوت الأعمال التي اقترفها الصليبيون في العاصمة البيزنطية.

وخلافا للكاتب البيزنطي نيقيتاس الخونياتي الذي شهر بمرارة وغضب بعنف اللاتين، كان شاهد عيان الروسي على اجتياح القسطنطينية، مؤلف (قصة الاستيلاء على تسارغراد من قبل الفرياغ)، غير متحيز نسبيا في وصف ما رآه بأم عينيه أو سمعه من شهود العيان والمشتركين في الأحداث، ولكنه هو أيضا لم يستطع أن يلزم الصمت عن وقائع انتهاك حرمة المقدسات الدينية ونهبها من قبل الصليبيين، وقد كتب : “الكنائس في المدينة وخارج المدينة نهبت جميعها، ولا يسعنا لا أن نذكر عددها ولا أن نصف جمالها”.

كذلك تحدث جوفروا فيللاردون عن أعمال النهب التي اقترفها زملاؤه، ومن الجلي أن فيللاردوان لزم الصمت عن مآثمهم أو خفف من غلوائها، وحتى أورد على لسان البارونات كلمات الأسف على مصير المدينة، على “هذه الكنائس الرائعة والقصور الغنية التي التهمتها النيران وانهارت، وهذه الشوارع التجارية الكبيرة التي تلقفها اللهيب الشديد”، ولكنه لم يستطع امتناعا عن إبداء العجب من الغنيمة الوفيرة المنهوبة في القسطنطينية.

فلقد كانت عظيمة إلى حد أنهم “عجزوا عن حسابها”، وكانت هذه الغنيمة تنطوي على “الذهب والفضة، والأحجار الكريمة، والآنية الذهبية والفضية، والألبسة الحريرية، والفراء، وكل ما في هذا العالم من جميل وبديع”، وليس بدون اعتزاز أكد مارشال شمبانيا، فيللاردوان، أن هذا النهب لم يسبق له مثيل منذ خلق العالم، وبتعابير مماثلة تحدث كذلك الفارس البسيط روبر دي كلاري الذي تملكه العجب والابتهاج لجمع “ثلثي ثروات الأرض” هناك.

كذلك بقيت شهادة رفيعة المكانة على موبقات ومآثم الصليبيين، عنينا بها رسالة البابا اينوشنتيوس الثالث، فليس بدون مبرر تخوف من أن يشكل عنف الصليبيين في القسطنطينية عقبة في وجه اتحاد الكنيسة الأرثوذكسية مع الكنيسة الكاثوليكية، لأنه سيكون “حق الروم أن ينظروا الينا باشمئزاز كما الى الكلاب”.

ولهذا انفجر البابا برسالة غاضبة دورية، فأعرب عن استيائه من لصوصيات الصليبيين الذين فضلوا، على حد قوله، خيرات الأرض على نعم السماء، ولهذا سعوا، لا إلى فتح القدس، بل إلى فتح القسطنطينية حيث “سلبوا الصغار والكبار”، ناهيك بأنهم “مدوا أيديهم إلى أملاك الكنائس وما هو أسوأ إلى مقدساتها، إذ سحبوا من المذابح الألواح الفضية، وحطموا غرف المقدسات، واستولوا على الأيقونات والصلبان والذخائر”، إن الغنيمة التي أجبر القادة الفرسان على حملها الى الأماكن المخصصة لها كانت حقا وفعلا كما في الحكايات، فان البندقيين، اذا صدقنا فيللاردوان، قد عرضوا على الصليبيين لقاء حصتهم وحدها من الغنيمة، 400 ألف مارك، ولكن هذا العرض اعتبر غير مفيد وقوبل بالرفض.

لم تتحمل القسطنطينية خسائر مادية فادحة بفعل اللصوص وقطاع الطرق الذين وشحوا بالصلبان عباءاتهم وستراتهم وحسب، ففي حفلات التهتك والسكر المدمرة، ضاعت واندثرت كذلك منتوجات رائعة لقدماء الرسامين والنحاتين بقيت محفوظة في القسطنطينية مئات السنين، لم يكن البرابرة الصليبيون يفهمون شيئا عن الفن، كانوا لا يعرفون ولا يستطيعون أن يقدروا غير المعدن، أما المرمر والخشب والعظم التي صنعت منها فيما مضى آثار بديعة من الهندسة المعمارية والنحت، فقد تعرضت للإبادة التامة، وفضلا عن ذلك لقي المعدن أيضا عندهم تقييما فريدا.

فلكي يعيّن الصليبيون قيمة الغنيمة بمزيد من السهولة، حولوا الى سبائك مجموعات كبيرة من المصنوعات الغنية الفنية المعدنية التي نهبوها، وهذا ما حل، مثلا، بالتمثال البرونزي الرائع للآلهة هيرا من ساموس الذي كان منصوبا في احدى ساحات القسطنطينية، فقد حول الصليبيون تمثال هيرا، زوجة سيد الآلهة وإله الرعد زفس، الى فتائت، وخلعوا عن القاعدة وحطموا تمثال هرقل البرونزي الهائل الذي أبدعه الفنان العبقري ليسيب (الفنان في بلاط اسكندر المقدوني) والذي يمثل البطل اليوناني الشهير تعبا من المآثر وجالسا، ملقيا على كتفه جلد أسد نيمه الذي قتله.

ولا المقاييس ولا الجمال أنقذت بطل أسطوري آخر من أبطال اليونانيين هو بيلليروفون الراكب على الحصان المجنح بيغاس والمندفع الى مقام الآلهة – جبل الأولمب، كان هذا التمثال على درجة من الضخامة، بحيث “كان عشرة من طيور مالك الحزين”، كما يروي روبر من كلارى، “تبني أعشاشها في كفل الحصان، وكانت الطيور تعود كل سنة الى أعشاشها وتضع البيض”.

ولم يعفّ البرابرة والهمج الغربيون لا عن تمثال الذئبة التي تغذي بحليبها رومولوس وريموس، التوأمين الأسطوريين، مؤسسي الدولة الرومانية، ولا عن تمثال الشاب الجميل باريس الذي رمى التفاحة إلى فينوس، فصارت سببا للشقاق، ولا حتى تمثال العذراء مريم المنصوب في وسط المدينة.

وحول الصليبيون إلى رماد وغبار عددا لا يحصى من الآثار التي كانت بفضلها العاصمة البيزنطية من قديم الزمان متحفا للفن القديم، فقد قَلَّ ما سلم من أيديهم، وما سلم، نقلوا معظمه (ولا سيما البندقيون) إلى أوروبا لأجل تزيين الكنائس والقصور.

مثلا، بأمر من دندولو، أرسلو إلى البندقية مجموعة نحتية عجيبة من صنع ليسيب أيضا – مجموعة برونزية مطلية بالذهب من أربعة أحصنة واقفة على المنصة الأمبراطورية في ميدان سباق الخيل.

كم وكم من الأماكن ظهرت فيها هذه الأحصنة المسكينة! ومَنْ من الغزاة في مختلف الأزمنة استطاع أن يبقى عديم الاكتراث بمنتوج الفنان اليوناني العظيم! في أواخر القرن الأول، حمله من الاسكندرية في مصر إلى روما الامبراطور أغسطس أوكتافيوس لكي يزين قوسه، قوس النصر، ثم نصبوا الأحصنة تارة على قوس نيرون، وطورا على قوس ترايان، إلى أن نقلها الامبراطور قسطنطين نهائيا إلى ميدان سباق الخيل في عاصمة الأمبراطورية الرومانية الشرقية (أمبراطورية الروم أو الأمبراطورية البيزنطية)، وقد أقيمت على بوابة ميدان سباق الخيل وبقيت هناك ثمانية قرون.

ولكن أسفار تحفة الفنان اليوناني لم تنته، ففي سنة 1204م، أقيمت مجموعة الأحصنة الأربعة على البوابة الرئيسية بكاتدرائية القديس مرقس في البندقية، وكان ذلك مكانا مشرفا كان الدوج والخاصة يشاهدون منه في المعتاد الأعياد المقامة في المدينة.

وبعد ستة قرون أغرت الأحصنة البرونزية الأبية والقوية، اللامعة بالذهب نابليون الطموح، وحين احتل البندقية في سنة 1797م نقل الأحصنة الى باريس حيث زينت في البدء، مدخل قصر التويليري، ثم قوس النصر في ساحة كاروسل، وبعد 18 سنة فقط، عندما أسقطت امبراطورية نابليون، أرسلت مجموعة الأحصنة الأربعة من جديد إلى البندقية، وإبان الحربين العالميتين في القرن العشرين اضطرت هذه الأحصنة الى مفارقة مكانها، فمرتين أنزلوها الى ملجأ خاص لوقايتها من قصف الهتلريين، ولا تزال إلى الآن على مصطبة القديس مرقس.

في سنة 1204م، لم يكتف البرابرة الغربيون، العاملون تحت ستار الصليب، بإبادة آثار الفن، فقد حولوا كذلك إلى رماد المكتبات الفائقة الغنى في القسطنطينية، إن الفرسان الأميين والجهلة كانوا يرمون، دون تردد ودون تفكير، إلى المواقد المتأججة، برزم المخطوطات التي كانت تفوق التقدير – مؤلفات الفلاسفة والكتاب القدماء، والنصوص الدينية، والأناجيل المزينة، ماذا كانت تعني بنظرهم كنوز العبقرية البشرية ومنتوجات عملها؟ فقد أحرقوها بكل بساطة كما أحرقوا جميع الأشياء الأخرى، يقول كاتب ذلك الزمن رومانين الذي وصف معركة القسطنطينية : “يتتبع الحديث عن هذه المآثم، يرتعش العقل ويحمر وجه البشرية خجلاً”.

كذلك (اجتياح القسطنطينية) الذي جرى تحت راية الصليب بدا لبعض من المعاصرين الأوروبيين عملا مخالفا لإرادة الرب، فهكذا قدّر أحداث سنة 1204م مثلا، مدون الأخبار أوجيري من جنوه في مؤلفه (الحوليات)، وحين أعطى هذا التقدير لاجتياح العاصمة البيزنطية، كتب طبعا بروح العداء لمنافسي جنوه، البندقيين، ولنه لم يفترق في الرأي من حيث الجوهر، مع جميع الشرفاء في ذلك الزمن، بل بالعكس، فقد أعرب عن وجهة نظرهم.

تجدر الاشارة إلى أن مآثم الصليبيين الوحشية كانت تتناقض بحدة مع مسلك الفاتحين المسلمين المتمالك نسبيا حيال المقدسات المسيحية في الشرق، وحتى مسلمو أوروبا وإفريقيا، كما قال نيقيتاس الخونياتي، كانوا أكثر شفقة ورحمة، وبالفعل تجاوزت مآثم الصليبيين وجرائمهم الوحشية في العاصمة البيزطية جميع ما سبقها في التاريخ.

ولقد اجتاح الغزاة الكاثوليك المدينة كما لم يفعل ذلك أحد من قبل، إن إبادة القيم الثقافية المكدسة خلال قرون وقرون، هذه الإبادة التي اقترفها الفرسان ورجال الكنيسة على نطاق شاسع ومكثف، قد ألحقت، بالطبع، ضررا فادحا بالحضارة الأوربية، وقد كتب المؤرخ الانجليزي المعاصر غودفري أن أوربا والمسيحية قد أصيبتا، من جراء مأساة سنة 1204م بجراح استعصت على الشفاء، كما اتضح مع مر الزمن، وبالفعل، لم تستطع العاصمة البيزنطية بعد ذاك يوما أن تتخلص من عواقب زحف الصليبيين اللاتين.

إن تاريخ الحملة الصليبية الرابعة كان تاريخ انتهاك ملهميها وقادتها والمشتركين فيها انتهاكا سافرا للأهداف الدينية التي أعلنوها، لقد داس الصليبيون راياتهم الدينية، وشعاراتهم (التحريرية)، وبرهنوا عن ازدراء وقح لبرنامج الحملة الصليبية الرسمي، وأظهروا أنهم ليسوا حماة أتقياء للدين المسيحي، بل مغامرون جشعون وغزاة لامبدئيون، إن أحداث 1202م – 1204م، تبدد كليا تلك الهامة من القداسة والورع والتقوى التي أحاطت بها الكنيسة الكاثوليكية في سياق القرون هذه المشاريع الاغتصابية.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s