ومضات من القلب 8

لستُ على ما يرام  …

أحلام مستغانمي

عاصفة-ثلجية-هدىما أغمضت عينيّ البارحة ولا استطعت النوم … اختارت العاصفة الثلجية “زينة” الليل لتلقي بحمولتها من الثلوج على من لا يملكون للاحتماء منها سوى خيمة من قماش …  شاهدتُ النساء على التلفزيون منهمكات في الاستعداد للعاصفة بإحاطة خيمتهن بالحجارة كي لا تقتلعها الرياح العاتية … أدركت ليلاً وأنا أستمع لزمجرتها خلف نافذتي، أنّ كلّ تلك الخيام غدت غنيمة للعاصفة، وأنّ أخبار الصباح ستحمل لنا صوراً لأطفال ونساء كفّنهم الثلج بعيداً عن وطنهم سوريا .

لست على ما يرام … استحيت من امتلاكي سريراً ومدفأة وثيابا صوفيّة، أحسستُ بترف أن يكون لي سقفا وباباً، وبراداً فيه زادي اليومي من الحليب … ولا حليب لأطفال النازحين الرضع الذين إن لم يقتلهم الجوع قتلتهم أمراض الشتاء، وغادروا هذا العالم مع فوج المتجمدين صقيعاً في العراء.

لا رغبة لي في كتابة أيّ شيء، أنا متعبة بإنسانيّتي، لا بعروبتي … البارحة اجتاحني صقيع اليأس من هذه الأمّة … البارحة بكيت.

سوريا أيّتها الكبيرة النبيلة، أيّتها الشفافة المضيافة، سامحينا يا غالية … كم كبرتِ في عين التاريخ وكم صغرنا.

الفأر الكذاب

ربيع عرابي

فأر

(كتبت تعليقا على زيارة بشار لجنوده على خط المواجهة)

يحكى أن فأرا كذابا انغمس طرفُ ذَنَبِه في حفرة مليئة بالغائط فتغير لونه

حين رآه أصدقاؤه في الجحر سألوه عن ذنبه وسبب تغير لونه

غلب الفأرَ طبعُه فاخترع كذبة مثيرة

ادعى الفأر أنه من فصيلة الأسود وأن لون طرف ذنبه علامة تثبت ذلك

سخر الجميع منه واستهزؤا به وبكذبه المفضوح

فقرر الفأر أن يقوم بمغامرة خطيرة ليقنعهم بما يقول

انطلق الفأر في نفق مظلم مليئ بالقاذورات ترافقه مجموعة من الصراصير

بعد خوف ورعب وتعب شديد وصل الفأر إلى مرج الأسود

حين أخرج رأسه رأى الأسود وهي تفتك بفرائسها فارتعدت أوصاله رعبا

أدخل الفأر رأسه في الجحر خوفا ونسي ذنبه خارجا

رأت الأسود ذنب الفأر والبقعة تلوثه فضحكت منه

أمسك أحد الأسود الفأر من ذنبه ولوح به في الهواء

ثم قدفه في الجحر وقضى حاجته فوقه

استغل الفأر الفرصة وجذب بعرة من بعر الأسد

وانطلق يدفعها أمامه بأنفه مسرعا بها إلى أصدقائه

حين وصل الفأر إلى جحره وشعر بالأمان بعض الشيء وقف مزهوا نافشا صدره

ادعى الفأر أن الأسود خافت منه وقدمت له فروض الطاعة وتوسلت إليه أن يتركها بسلام

وأن أحد الأسود أصابه الإسهال خوفا من الفأر

وقدم لهم البعرة دليلا على ذلك

هزت الصراصير أجنحتها مصدقة قوله

طلب أصدقاء الفأر مرافقته إلى عرين الأسود

حاول الفأر أن يرفع ذنبه ليعبر عن غضبه كما تفعل الأسود فلم يجد له ذنبا

تذكر الفأر أن ذنبه قد علق بمخلب الأسد حين لوح به في الهواء

وأن الأسد قطع له ذنبه حتى لا يفكر بالعودة من جديد

اعتذر الفأر لأصدقائه متعللا بالعملية الجراحية المستعجلة التي أجراها لذنبه

ووعدهم بتحقيق طلبهم

إذا نما له ذنب جديد!!!

شمـوخ

يحيى الحاج يحيى

قد   تملِكُ  سوطاً  يكويني               و تحُزُّ     القلبَ      بسكّين
قد تجعل غُلَّك  في  عُنُقي               و تضجّ      تئنُّ     شراييني
أو تغرز سهمَك  في  كبدي               و بمُرِّ     عذابك      ترميني
و تصادر     شعراً،     أكتبُه               بشماليَ   إنْ   عزَّ   يميني
و تجوّع  طفلي  من  بعدي               واهاً     للطفلِ    المسكين
لكنْ   لن أخضَعَ   في  يومٍ                للظّلم    بضعفٍ    أو     لينِ
أنا  لست   أخاصمُ   للدّنيا                دنياكم    ليست     تُغريني
أنا لي هدفٌ أسمى أعلى               نفسي   لا  ترضى   بالدّونِ
مالي     للجنةِ     أدعوكم                و لنار     جهنّمَ     تدعوني؟!
قد  تَبعثُ   عيناً*   يتبعني               يحصي  خطواتي  و شؤوني
كالظّلِّ   يلاحقني    طمعاً                أن    ألفظ    حرفاً     يرديني
قد   تفعلُ    أفعالاً   شَتَّى               و تظنُّ       بأنك       تثنيني
لكنْ   سلطانُك   لن يرقى                لِذرى     إيماني      و يقيني
كلُّ   الأحرارِ   قد   انتظموا                في   صفِّ   الفكرةِ   و الدّين
و ستبقى   وحدَكَ   منبوذاً               في سجن الوهمِ وفي الهون
فتباشيرُ   الفجر    انطلقتْ               من  جُرحِ   شهيدٍ   و سجين

  • عيناً : رقيباً، وعان على القوم عيانةً، إذا كان عيناً عليهم، وتعيَّنَ عيناً يتعيَّن لنا أي يتبصَّر ويتجسس.

صدقة …

سهير عمري

سورية الحرةقبل خروجنا من سوريا وتحديداً عام 2010 كانت الدنية (وقفة) وتاني يوم العيد… 

كنت أصطحب معي طفلي إلى السوق لأشتري له ملابس العيد، وكان وقتها في السابعة من عمره.

كانت جدته قد أعطته مكافأة الصيام لأنه صام رمضان كله، وكذلك العيدية، ولشدة فرحته بهذا المبلغ الذي لبث ثلاثين يوما ينتظره أصرّ أن يبقيه معه في جيبه، المبلغ كان حوالي 1500 ليرة، تعادل وقتها ثلاثون دولارا أمريكيا.

وكنت أيامها أكلمه وأخاه عن الصدقة وفضلها وأهميتها، ودائماً يعرفون ما معنى أن نأخذ حق الله من أي مبلغ يأتينا.

المهم في ذلك اليوم ركنت السيارة، ونزلت لأحضر بعض الأغراض وهو جالس في المقعد الخلفي، وطلبت منه أن يبقى وألا يتحرك، وعندما رجعت للسيارة، كان في غاية السعادة والبسمة على وجهه، وقبل أن أدير مفتاح (المرش) قال لي : ماما لا تزعلي مني، أنا نزلت من السيارة ورجعت بس نزلت لأني دفعت صدقة!!

استغربت جدا وسألته لمن؟ فقال لي : لعمو الزبال (كنا قد عودناهم أن يقولو عمو وخالة لكل المستخدمين : عمو الزبال، خالة الي بتشطف الدرج … إلخ).

يومها (بلعت ريقي) لأني أعلم أن معه مبلغاً كبيرا، وكنت أنتظر العودة للبيت حتى آخذه منه، فسألته : كم دفعت؟

فقال بكل حماس : عطيته ألف، وخليت لألي 500!!!

صمتتتتتتتتتت يومها ولم أعرف ماذا أقول وخصوصا أنه يشعر بمدى الإنجاز الذي فعله أن استغنى عن مبلغ كان يحلم به لثلاثين يوما؟؟؟

ومع أن المبلغ بالنسبة لنا ليس قليلاً ، ولكن ماذا سأقول له بعد دروس العطاء والسخاء والصدقة التي سمعها منا فيما مضى!!!

حركت شفتيّ (بالزور) وقلت له : الله يتقبل يا ماما … وقبل أن أشغل السيارة، وإذا بيد تطرق النافذة … نظرت وإذا عامل النظافة أتى إليّ مسرعاً وبلهفة، أنزلت النافذة : فمد يده بالألف ليرة وقال:

“عطاني ابنك ألف ليرة، وهاد ولد صغير أكيد مو مقدر شو عمل … والدنية جاية على عيد بتكوني بعازتها، خديها يا أختي، والله ما هان عليي يعطيني ياها …”.

يومها امتلأت عيناي بالدموع وقلت له : الله الي عطاك مو نحنا الي عطيناك … الله يباركلك فيها … لا أنسى إلى اليوم الفرحة التي رأيتها في وجهه، حتى عندما أراد قطع الشارع لم ينظر للسيارات وكاد أن يُدهس،  وهو يشير لي ممتناً …

أتذكر هذه الحادثة اليوم وأقول : لو أن هذا الشريف كان لدينا في المناصب القيادية مثله 10 فقط … لما كنا اليوم هنا !!!!!

خسرنا العلماء .. وربحنا السيليكون

أحلام مستغانمى

عالم الذرة العراقيعالم الذرة العراقي البروفسور حميد العكيلي الذي يحمل دكتوراه في علم الكيمياء الذرية المعقدة .. و صورته الصادمة تختصر ما كانت عليه العراق، و ما آلت إليه اليوم.

خبر صغير أيقظ أوجاعي. لا شيء عدا أنّ الهند تخطّط لزيادة علمائها، وأعدَّت خطّة طموحاً لبناء قاعدة من العلماء والباحثين لمواكبة دول مثل الصين وكوريا الجنوبية في مجال الأبحاث الحديثة.

لم أفهم كيف أنّ بلداً يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر الْمُدْقِع، يتسنّى له رصد مبالغ كبيرة، ووضع آلية جديدة للتمويل، بهدف جمع أكبر عدد من العلماء الموهوبين من خلال منح دراسيّة رُصِدَت لها اعتمادات إضافية من وزارة العلوم والتكنولوجيا، بينما لا نملك نحن، برغم ثرواتنا المادية والبشرية، وزارة عربية تعمل لهذه الغاية، (عَدَا تلك التي تُوظّف التكنولوجيا لرصد أنفاسنا)، أو على الأقل مؤسسة ناشطة داخل الجامعة العربية تتولّى متابعة شؤون العلماء العرب، ومساندتهم لمقاومة إغراءات الهجرة، وحمايتهم في محنة إبادتهم الجديدة على يد صُنَّاع الخراب الكبير.

أيّ أوطان هذه التي لا تتبارى سوى في الإنفاق على المهرجانات ولا تعرف الإغداق إلاّ على المطربات، فتسخو عليهنّ في ليلة واحدة بما لا يمكن لعالم عربي أن يكسبه لو قضى عمره في البحث والاجتهاد؟ ما عادت المأساة في كون مؤخرة الراقصات، تعني العرب وتشغلهم أكثر من مُقدّمة ابن خلدون، بل في كون اللحم الرخيص المعروض للفرجة على الفضائيات، أيّ قطعة فيه من (السيليكون) أغلى من أي عقل من العقول العربية المهددة اليوم بالإبادة.

إن كانت الفضائيات قادرة على صناعة (النجوم) بين ليلة وضحاها، وتحويل حلم ملايين الشباب العربي إلى أن يصبحوا مغنين ليس أكثر، فكم يلزم الأوطان من زمن ومن قُدرات لصناعة عالم؟ وكم علينا أن نعيش لنرى حلمنا بالتفوق العلمي يتحقّق؟

ذلك أنّ إهمالنا البحث العلمي، واحتقارنا علماءنا، وتفريطنا فيهم هي من بعض أسباب احتقار العالم لنا، وكم كان صادقاً عمر بن عبدالعزيز (رضي اللّه عنه) حين قال : “إنْ استطعت فكن عالماً. فإنْ لم تستطع فكن مُتعلِّماً. فإنْ لم تستطع فأحبّهم، فإنْ لم تستطع فلا تبغضهم”.

فما توقَّع (رضي اللّه عنه) أن يأتي يوم نُنكِّل فيه بعلمائنا ونُسلِّمهم فريسة سهلة إلى أعدائنا، ولا أن تُحرق مكتبات علمية بأكملها في العراق أثناء انهماكنا في متابعة “تلفزيون الواقع”، ولا أن يغادر مئات العلماء العراقيين الحياة في تصفيات جسدية مُنظَّمة في غفلَة منّا، لتصادف ذلك مع انشغال الأمة بالتصويت على التصفيات النهائية لمطربي الغد.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s