هل الإرهاب صناعة غربية ؟

حول خطاب البابا أوربان سنة 1095 م
الذي حض فيه على شن الحروب الصليبية ضد المسلمين

ربيع عرابي

الحروب الصليبيةبعد تفكير وإعداد طويل دام سبعة أشهر انطلق البابا أوربان إلى مسقط رأسه فرنسا، و توجه إلى جنوبه التقليدي المحافظ، والذي كان يمثل خط المواجهة الخلفي مع المسلمين في الأندلس، مستعيدا هناك ذكريات معـركة بواتيه (بلاط الشهداء) سنة 114ﻫ – 732م، والتي أوقفت المد الإسلامي في أوروبا، وفي حضور قادة الكنيسة وجموع كبيرة من الناس، عقد مجمع كليرمونت في 27 نوفمبر 1095م، حيث ألقى البابا أوربان خطابا في غاية الأهمية والخطورة، أمام حشود هائلة ساقها الحماس لسماعه رغم البرد الشديد، ومما جاء في هذا الخطاب الذي لازالت آثاره ونتائجه باقية إلى اليوم :

“يا شعب الفرنجة، يا شعب الله المحبوب المختار، لقد جاءت من تخوم فلسطين، ومن مدينة القسطنطينية أنباء محزنة تعلن أن جنساً لعيناً أبعد ما يكون عن الله قد طغى وبغى في تلك البلاد، بلاد المسيحيين في الشرق؛ قلب موائد القرابين المقدسة، ونهب الكنائس وخربها وأحرقها، وساقوا بعض الأسرى إلى بلادهم، وقتلوا بعضهم الآخر بعد أن عذبوهم أشنع تعذيب، ودنسوا الأماكن المقدسة برجسهم، وقطعوا أوصال الإمبراطورية البيزنطية، وانتزعوا منها أقاليم بلغ من سعتها أن المسافر فيها لا يستطيع اجتيازها في شهرين كاملين”

“على من إذن تقع تبعة الانتقام لهذه المظالم، واستعادة تلك الأصقاع إذا لم تقع عليكم أنتم، أنتم يا من حباكم الله أكثر من أي قوم آخرين بالمجد في القتال، وبالبسالة العظيمة وبالقدرة على إذلال رؤوس من يقفون في وجوهكم؟ ألا فليكن من أعمال أسلافكم ما يقوي قلوبكم – أمجاد شارلمان وعظمته، وأمجاد غيره من ملوككم وعظمتهم، فليثر همتكم ضريح المسيح المقدس ربنا ومنقذنا – الضريح الذي تمتلكه الآن أمم نجسة، وغيره من الأماكن المقدسة التي لوثت ودنست – لا تدعوا شيئاً يقعد بكم من أملاككم أو من شؤون أسركم”

“ذلك بأن هذه الأرض التي تسكنونها الآن والتي تحيط بها من جميع جوانبها البحار، وتلك الجبال، ضيقة لا تتسع لسكانها الكثيرين، تكاد تعجز عن أن تجود بمن يكفيكم من الطعام، ومن أجل هذا يذبح بعضكم بعضاً، وتتحاربون ويهلك الكثيرون منكم في الحروب الداخلية، طهروا قلوبكم إذن من أدران الحقد، وأقضوا على ما بينكم من نزاع واتخذوا طريقكم إلى الضريح المقدس، وانتزعوا هذه الأرض من ذلك الجنس الخبيث وتملكوها أنتم، إن أورشليم أرض لا نظير لها في ثمارها، هي فردوس المباهج إن المدينة العظمى القائمة في وسط العالم تستغيث بكم أن هبوا لإنقاذها، فقوموا بهذه الرحلة راغبين متحمسين تتخلصوا من ذنوبكم، وثقوا بأنكم ستنالون من أجل ذلك مجداً لا يفنى في ملكوت السموات“.

وخاطب الجند قائلا :

“أيها الجند المسيحيون، لقد كنتم دائما تحاولون من غير جدوى إثارة نيران الحروب والفتن فيما بينكم، أفيقوا فقد وجدتم اليوم داعيا حقيقيا للحرب، لقد كنتم سبب انزعاج مواطنيكم وقتا ما، فاذهبوا الآن وأزعجوا البرابرة، اذهبوا وخلصوا البلاد المقدسة من أيدي الكفار.

أيها الجند، أنتم الذين كنتم سلع الشرور والفتن، ألا هبوا وقدموا قواكم وسواعدكم ثمنا لإيمانكم.

إنكم إن انتصرتم على عدوكم كانت لكم ممالك الشرق ميراثا، وإن أنتم خذلتم فستموتون حيث مات اليسوع، فلا ينساكم الرب رحمته، فيحلكم محل أوليائه، هذا هو الوقت الذي تبرهنون فيه على أن فيكم قوة وعزما وبطشا وشجاعة، هذا هو الوقت الذي تظهرون فيه شجاعتكم التي طالما أظهرتموها في وقت السلم، فإذا كان من المحتم أن تثأروا لأنفسكم، فاذهبوا الآن واغسلوا أيديكم بدماء أولئك الكفار“.

وصف الخطاب :

هو خطاب رسمي ألقي أمام مجمع رسمي، يمثل أعلى هيئة كنسية، مسؤولة عن رسم السياسات، واتخاذ القرارات العليا.

هو خطاب صادر عن رأس السلطة الدينية، التي كانت تتحكم في القرار السياسي، والإقتصادي، والعسكري.

توجه الخطاب إلى جميع المسيحيين، غربيين وشرقيين، متجاوزا الخلافات العقدية والدينية بينهم، واضعا المواجهة مع المسلمين في المقام الأول.

وافق المؤتمرون على ما جاء في الخطاب دون تحفظ أو تردد، مما يعني اقتناعهم بمفرداته وإقرارهم الكامل لمحتواه، مما يجعل الكنيسة كهيئة مسيحية عليا، مسؤولة عن نتائجه، وما تمخض عنه من دماء ودمار وقتل وتشريد.

طبقت بنود الخطاب فعليا على الأرض، وتتابعت جيوش أوروبا إلى الشرق، وانضم تحت صليبها ملايين المقاتلين من الجيوش النظامية يقودهم الأمراء، ومن حثالات المجتمع وسفلته من قطاع الطرق والقتلة والمجرمين، ومن البسطاء الفقراء الدراويش الذين أثارهم بطرس المحتال والذي لقب بـ (الناسك)، بخطبه وحماسه، فداعب رغائبهم الدينية والدنيوية، فانطلق الجميع يهتفون : “Deus lo volt – الرب يريدها”،  لتصبح شعارهم في الحرب، ويرتكبوا تحت راية الصليب أبشع المذابح، ويدمروا المقدسات، ويخربوا البلاد وينهبوا الثروات.

الكنيسة والبابا والتصنيف العرقي :

قرر البابا أن الفرنجة، هم شعب الله المحبوب المختار، دونا عن بقية الخلق والأمم، وهو ما نعاه عليهم القرآن الكريم حين ذكر قناعاتهم الزائفة هذه فقال : “وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّـهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿١٨﴾” – المائدة.

وقرر البابا أن الشرق هو بلاد المسيحيين، التي سلبها واغتصبها المسلمون منهم، فعليهم استردادها وإنقاذها من سطوة المسلمين.

وأوضح البابا بشكل جلي لا يحتمل التأويل، ولا لبس فيه أو غموض، أن المسلمين هم : (جنس لعين) و (أمم نجسة) و (جنس خبيث).

وأن هؤلاء الملعونين الأنجاس الخبثاء من المسلمين، قد استولوا على بلاد المسيحيين، وكثرت جرائمهم فيها، وقاموا بأشنع الأعمال الإرهابية، واضطهدوا الأقليات، وتعدوا على حقوق المسيحيين الضعفاء.

وأن مهمة الفرنجة الربانية الموكلة لهم من السماء، هي : استعادة السيطرة على البلاد، وإعادة الحقوق لأصحابها الأصليين المسيحيين الطيبين، والإنتقام ومعاقبة المسلمين الإرهابيين.

الوسائل والأساليب :

بين البابا أن على الفرنجة العودة إلى التمسك بدينهم، وأن تملأ قلوبهم الغيرة الدينية، وأن يقتدوا بملوكهم العظام، في امتلاك القوة واستخدامها ضد المسلمين لكسر شوكتهم وإنهاء سيطرتهم، ثم اتباع سياسة الإحتقار والإذلال تجاههم.

المكاسب :

وعد البابا أن التوجه إلى الشرق، لنهب ثرواته والسيطرة على موارده، سيكون الباب الأفضل والأسرع لحل الأزمة الإقتصادية المستعصية في أوروبا.

وأن امتلاكهم لأراضي الشرق، سيقلب موازين القوة الإقتصادية لصالحهم، ويتيح لهم التمتع بخيرات البلاد العميمة، لينالوا الغنى والثروة في الدنيا والمجد في السماء.

بعد مرور عشرة قرون على الخطاب :

لازال الخطاب بتوجهاته العامة وأسسه ساري المفعول حتى يومنا هذا، حيث تبنى العلاقة بين الدول الغربية والعالم الإسلامي بوحي مما جاء فيه.

ولازالت منابر الغرب وتجمعاته الأممية، العلمانية منها والكنسية، السياسية منها وحتى العلمية، تستخدم نفس المفردات مع تلطيفها بعض الشيء، حتى لا تستثير العامة، بسبب طغيان وسائل الإعلام والإتصال الحديثة.

لازال المفهوم السائد لدى مراكز التوجيه والقرار في الغرب، أن الغربي ذو دم طاهر نقي، يجب الحفاظ عليه ورعايته، وأن المسلم ذو دم نجس ملعون خبيث، لا حرمة له ولا قيمة ولا وزن.

ولازال التعامل مع العالم الإسلامي يتم على أنه، بثرواته وموارده وإنتاجه، كله، بما فيه من أرض وسماء، وحتى مخلوقات، هو ملك للرب وهبه للغرب، فالغرب وحده هو صاحب الحق الوحيد في التصرف في أملاكه وتعيين المدراء (الرؤساء)، والحرس (الجيوش والأمن)، والجباة (الشركات والبنوك).

وإذا كانت بعض الأقوام الهمجية (المسلمين)، والتي لا وزن لها، ولا حرمة لدمائها، ولا صيانة لعرضها ومالها، قد وجدت في هذه الأملاك لظروف تاريخية مضت، فإنها تعامل معاملة العبيد والأرقاء، وتعتبر جزءا من الملكية العامة للغرب.

وعلى هذا الأساس احتلت الجزائر وضمت إلى فرنسا واعتبرت ولاية فرنسية، وكذلك الحال في ليبيا التي اعتبرت ولاية إيطالية، وتلتهما مصر والشام وغيرهما من بلاد المسلمين.

وعلى هذا الأساس وهبت فلسطين لليهود كأرض بلا شعب لشعب بلا أرض.

وعلى نفس الأساس احتلت العراق وأفغانستان، وظل نظام الأسد مستعصيا على السقوط.

ولا زالت التهم الموجهة للمسلمين هي نفسها، دون تغيير يذكر، وعلى رأسها :

اتهام المسلمين باضطهاد الأقليات الدينية من المسيحيين، واليهود، والباطنية بفرقها وأنواعها، وكأن الغرب كان جنة الأقليات وحامي حماها خلال تاريخه الأسود الطويل.

واتهام المسلمين بالإرهاب المحلي والعالمي، وترويع المدنيين والآمنين الأبرياء، وقتل العزل من النساء والأطفال والشيوخ، وكأن الغرب منذ نشأته كان حمامة السلام الوديعة، وبلسم الشفاء للمعذبين في الأرض، فلم يزهق ملايين النفوس والأرواح في حربين عالمييتين أحرقتا الأخضر واليابس، ولم يكن للمسلمين فيهما ناقة ولا جمل.

و لا زالت الوسائل هي نفسها :

الإنتقام من المسلمين عبر القتل الفردي والجماعي، ونشر المجازر البشعة، واقتلاع الجذور عبر التشريد والتهجير المستمر، وإذلال النفوس من خلال الإفقار والتجويع، وإشاعة الرعب والخوف بنشر الحروب والصراعات وإطالة أمدها.

ثم الإحتلال العسكري المباشر وفرض السيطرة بالدبابة والمدفع والطائرة، أو عبر الوكلاء المحليين للقيام بذلك نيابة عن أصحاب المصلحة الحقيقيين.

مع ملاحظة أنه تم استبدال شارلكان ونظائره، بنماذج أكثر ملائمة وعصرية من مجرمي العصر، تمنح لهم جوائز السلام العالمية، وتلمع صورهم وسائل الإعلام.

كما تم استبدال الغيرة والدوافع الدينية، والتي لم تعد تجد نفعا في إثارة الشعوب الغربية، بشعارات أكثر شاعرية، وأشد أثرا في دغدغة المشاعر والأحاسيس، كالديمقراطية والحرية والتقدمية.

ولازالت القوة سواء منها العسكرية أو الأمنية أو المالية، المباشرة منها وغير المباشرة، هي الحاكمة والمسيطرة في علاقة الغرب مع المسلمين.

ولازالت سياسة الإذلال المتعمد، والتعامل الدوني مع المسلمين، في كل مجالات الحياة، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، هي السياسة المتبناة دوليا تجاه المسلمين، رغم الشعارات المرفوعة، ومحاولات التزييف والخداع، التي تنكشف عورتها على أبواب السفارات، و حواجز المطارات، أو حتى في أروقة المؤتمرات.

ولازال الغرب يحل أزماته الإقتصادية بثروات المسلمين، وينفق على ترفه وسفاهاته من موارد المسلمين، ويستخدم أبناء المسلمين عبيدا في أرضهم لخدمة مصالحه وشركاته وبنوكه.

ولازال الغرب يسيطر على مصادر الثروة من مياه وزراعة وصناعة، ويحتكر قنوات التجارة، ويتحكم في الإعلام والمعلومات والإتصالات والطاقة.

ولازالت عوائد الذهب الأصفر والأسود والقمح والقطن وجميع الغلات والثروات الباطنة والظاهرة، تصب في خزائن الغرب فتزيده تجبرا، وتزيد المسلمين عجزا وفقرا.

حين أتم البابا خطابه القاتل تعالت صيحات الناس “Deus lo volt – الرب يريدها” ، والتي أضحت شعار الحروب الصليبية، ولازالت صيحات الغرب تتعالى إلى اليوم مطالبة بمحو المسلمين من الأرض تنفيذا لأوامر الرب.

ألف سنة فصلت بين خطاب البابا وبين يومنا هذا :

يوم كنا سادة الدنيا وكان البابا في مؤخرتها،

وحين أصبح البابا في مقدمة الدنيا وعدنا في مؤخرتها.

عسى الله أن يرفع الذلة عن الأمة فتستعيد عزتها ومجدها وسيادتها وكرامتها، ولا تخسر آخرتها كما خسرت في هذه الأيام دنياها.

“وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٥٥﴾” – النور.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s