بردى

قصيدة عشق دمشقية

عزيزة سبيني

بردى 3في الطريق الحنون المؤدي إلى نهر بردى نطلق العنان لأنفسنا، عاشقين للحور والصفصاف، عاشقين للدراق والتفاح، وأسأل عشاق دمشق أن يرافقوا سطوري وكلماتي علّها تأخذهم بعفوية، وحنان إلى الطرق المؤدية إلى مصايف دمشق، وإلى نهرها العظيم، إلى حنايا بردى، إلى كل مظاهر الإلفة والوداعة الممزوجة بروائح الثمار الزكية، وأنا على يقين بأنكم ستجدون أيها العاشقون كل ما تنشدونه من هروب، وستفرش لكم فيها استراحة هنية، ومحطة أليفة، وفي بعض الحكاية، سأرحل معكم إلى بردى وطريقه الخالد، وبداية المشوار من العهد القديم.

بردى في التاريخ :

نبع بردىفأول اسم ذكر به في التاريخ هو نهر (أبانة)، وكان ذلك في القرن التاسع عشر قبل الميلاد ثم في الكتاب المقدس – سفر الملوك الرابع – وكلمة (أبانة) تعني الصخور المتشققة التي تفجرت منها المياه، ويشير ابن عساكر في تأريخه لدمشق، أن نهر بردى كان يعرف قديماً باسم نهر (باراديوس)، بمعنى نهر الفردوس، وأطلق عليه الإغريق اسم نهر (الذهب)، وأسبغوا عليه صفة القداسة، وكانت من طقوسهم تأليه الينابيع والأنهار، ولا عجب أن تحتضن الضفة اليمنى للنهر معبد الإله حدد الآرامي، كما أقام الرومان فوق النبع الحجرة المقدسة التي لا تزال آثارها باقية إلى اليوم، وذلك لإبقاء النهر بعيداً عن أي تلوث، فقد كانت الحجرة المقدسة مكاناً محظوراً يمنع دخوله، فضمنوا بذلك نقاوة النبع وجروا مياهه إلى دمشق بواسطة قساطل فخارية ما زالت آثارها وفوهاتها باقية عند قرية (بسيمة) في وادي بردى.

أما اسم بردى الذي اشتهر به اليوم فهو مشتق من كلمة (البرودة) وهي بالعربية (النهر البارد).

ويذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان : “ومن خصائص دمشق التي لم أر في بلد آخر مثلها، كثرة الأنهار بها، وجريان الماء في قنواتها، فقلّ أن تمرّ بحائط إلا والماء يخرج منه، في أنبوب إلى حوض، يشرب منه ويستقي الوارد والصادر .. وما رأيت بها مسجداً ولا مدرسة ولا خانقاه إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان”.

بردى روح الشام :

خزان نبع الفيجة من الداخلينبع نهر بردى من قرية مندثرة يقال لها (قنوا) في منطقة الزبداني على بعد 40 كم من دمشق ويتجه في مساره من الغرب إلى الشرق ويبلغ طوله من منبعه إلى مصبه 65 كم،  وبعرض يتراوح ما بين (5 إلى 15) متراً، يسير في سهل الزبداني إلى أن يمر بواد يسمى باسمه (وادي بردى) حيث ينضم إليه عند قرية الفيجة نبع عظيم هو نبع الفيجة الذي يزيد في غزارته، ثم يتابع سيره في الوادي، وعلى مشارف دمشق تتفرع عنه ستة أقنية هو سابعها وتتجه جميعها نحو بردى بجانب عين الفيجةالغوطة، لينتهي به المقام صاباً في بحيرة العتيبة، ماراً بنحو (13) بلدة، ويقول صاحب معجم البلدان : “أعظم نهر في دمشق، مخرجه من قرية يقال لها قنوا من كورة الزبداني على خمسة فراسخ من دمشق مما يلي بعلبك، يظهر الماء من عيون هناك، ثم يصب إلى قرية تعرف بالفيجة على فرسخين من دمشق”.

عرف الأقدمون أهمية نبع الفيجة وجودة مواصفات مياهه وعذوبتها فاتخذوه مكاناً للعبادة بدليل وجود المعبد الروماني فوق النبع المعروف باسم (حصن عزتا) ولم يبق من هذا المعبد سوى بقايا جدرانه التي يظهر جزء منها شمالي خزان النبع.

القنوات المتفرعة عنه :

بردى 2تعبر شبكة تمديدات المياه في مدينة دمشق عن تاريخ امتداد المدينة وتوسعها، ويرجح أن امتداد المدينة قد تمَّ بعد أن أصبحت تحت الحكم الآرامي الذي استخدم وسائل الري الحديثة آنذاك، فقد أتى الآراميون من بلاد مابين النهرين الزراعية، فأخذوا يمهدون ضفتي النهر لتوسيع المنطقة المروية باتجاه الصحراء فدفعوا حدود المدينة شيئاً فشيئاً أمام الأراضي المزروعة، وهذا ما يؤكد أن فروع النهر الرئيسة أو بعضاً منها كانت موجودة في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، وقد ذكر في سفر الملوك من التوراة عن نهري دمشق “أبانة وفرفر” وهما “بانياس وبردى”.

  1. بانياس :

وبانياس هو أول الأقنية وأقصرها، فقد كانت هذه القناة تمد المعبد والمدينة الأصلية بالمياه، ومخرجه من خافق الربوة من الضفة اليمنى ويساير بردى من الجنوب، ويدخل إلى وسط مدينة دمشق، ويمر قسماً منه داخل قلعتها، ويكون منه بعض مياه قنواتها، وقساطلها، وينفصل ما بقي منه فيسقي مزروعاتها من جهة بابي دمشق –باب الصغير والباب الشرقي.

  1. ثورا :

أما القناة الثانية لا تزال تحمل الاسم الآرامي نفسه (ثورا) ومعناه صيد السمك، وهي اليوم قناة (تورا) التي تتفرع عن بردى جنوبي دمر من الضفة اليسرى وتمر في الصالحية وتمتد في كنف الجبل، ولها الأهمية الكبرى في ازدهار الزراعة في الغوطة، وبعد توسع دمشق إبان الحكم اليوناني، وتزايد عدد سكانها واكتسابها صفة المدينة تطلب ذلك حفر قناة جديدة تتفرع عن النهر عند دخوله السهل ويحمل قسم منها على أقواس وتعرف اليوم باسم (القنوات) وقد تم شق هذه القناة في بداية القرن الثالث الميلادي وتذكر المصادر أنها كانت تتصل في العصور القديمة بخزان ضخم تزينه تماثيل آلهة المياه.

و خلال الحكم الإسلامي تمَّ حفر بقية الأقنية حتى أصبح عددها ست أقنية سابعها بردى.

غزارة بردىوعندما تولى الأمويون الحكم في سوريا، قام يزيد بن معاوية بشق قناة جديدة في سفح قاسيون لا تزال تحمل اسمه حتى اليوم، وهذه القناة تغذي المناطق الشمالية من دمشق إلى القابون وحرستا ودوما، وتشير المصادر أن هذه القناة كانت في زمن الآراميين، ولكن يزيد بن معاوية وسعها وجددها فنسبت إليه، ونهر يزيد يتفرع من مكان قرب الهامة إلى الجهة الشرقية، ويسير باتجاه دمر في خرق صخري في جانح جبل قاسيون إلى ما فوق الصالحية، و عملت هذه القناة على توسيع المنطقة المزروعة، وإرواء المزارع والمنازل التي أقيمت على ضفافه، وما اللوحة الموجودة على الجدار الغربي للجامع الأموي إلا تجسيداً لهذا الواقع.

ويقال أنه بعد توسع المدينة خارج السور وامتداد غوطتها تم شق قناة الديراني، ومأخذها من موقع الشادروان بين دمر والقصر تتجه نحو المزة وكفرسوسة وداريا، وقناة المزاوي على الضفة اليمنى للنهر – حوالي القرن الثالث الميلادي – وهي بالقرب من دمر تتجه جنوباً إلى كفرسوسة والمزة، وبعد أن يدخل بردى في دمشق يتفرع إلى أقنية أخرى أقل أهمية هي : المليحي، والداعياني والعقرباني، ولكل فرع من هذه الفروع نصيب من مياه بردى يحدده العرف منذ أقدم العصور، وتشير المصادر أن معظم التشريعات المتعلقة بتوزيع المياه قد صدرت في عهد السلطان التركي سليمان القانوني.

بردى 1إن قواعد توزيع الماء إن كان في الغوطة أو في المدينة .. تعتمد على مبادئ بسيطة وهي إسالة نسبة ثابتة من المياه عبر الأقنية إلى أصحاب الحقوق بشكل لا يدع المجال لعابث أو مستغل أن يعدل هذه النسبة، ونرى هذه القاعدة مطبقة على مأخذ المياه عند تلاقي الفروع بالأصول، وذلك بتثبيت منسوب المأخذ على الأصل بواسطة حجر منحوت مستقر على عرض المأخذ ويسمى هذا الحجر (البسط)، ومع بساطة هذه القواعد فإنها لم تخل من تعقيدات كثيرة بالتطبيق … ولا يمكن أن نحدد بالضبط الأسس التي استند إليها في تحديد كميات المياه التي تسيل في الأنهار والسواقي، وفي الغالب، أنها قد تمت بحكم العرف والعادة، وقانون العرف والعادة المرتبط بالري الذي كان يحلُّ محل التشريع، يشكل أحد العوامل الأساسية في حياة دمشق وغوطتها، فهو قوة تفرض نفسها بشكل لا تقبل التغيير والتبديل، فرغبة كل فرد بالحصول على حقه وخوفه من اغتصاب هذا الحق يقوي ويرسخ مكانة العرف لدى المواطنين باستمرار، وهذه الحقوق المتعارف عليها منذ أجيال ترضيهم جميعاً ولا يفكر أحد منهم بتغييرها أو تبديلها.

توزيع المياه في دمشق :

تمَّ تمديد شبكات المياه في دمشق في عهود لم تكن تتوافر فيها الأنانبيب المقاومة للضغط وأدوات المياه، ولذا فقد تغلب الفنيون في ذلك الحين على مشكلة ضغط المياه بواسطة كواسر للضغط تسمى (الطوالع)، ولها دور آخر، فهي تأخذ المياه من الشبكات وتوزعها بدورها على مختلف المنشآت بمقادير محددة ومتساوية.

تتألف شبكة المياه من ثلاثة عناصر :

1 – المأخذ : وهو عبارة عن ثقب دائري ضمن حجر بازلتي على الأغلب مثبت على أحد طرفي القناة على منسوب ثابت ويحدد هذا المأخذ كمية المياه التي تسيل عبره من القناة إلى القساطل.

2 – القساطل : وهي عبارة عن قساطل أسطوانية تصنع من الفخار المشوي وهي متداخلة، ويكون قطر أحد طرفي القسطل أكبر من قطر الطرف الآخر لتسهيل التداخل، وكانت تصنع هذه القساطل في حي القسطالية الواقع مابين الشارع المستقيم وحي الشاغور، تمر القساطل على طبقة أساس ويجري تدليك القساطل ببعضها ثم يملأ الفراغ بين كل قسطلين بمادة لزجة تسمى (اللاؤونة) وهي عبارة عن مزيج من الكلس والقطن والزيت، ويبنى حول القساطل غلاف من مونة مؤلفة من الكلس والرماد، وتمتد هذه القساطل من مآخذ المياه إلى الموزعات (الطوالع) الموجودة في الأحياء ومن الطوالع إلى البيوت.

3 – الطالع (الموزع) : الطالع هو جهاز توزيع المياه على أصحابها، وهو عبارة عن بناء مربع تقريباً فوق سطح الأرض بارتفاع مترين تقريباً، تعلو الطالع في أعلاه بركة في وسطها فوهة التغذية، يصب في أسفل هذه الفوهة قسطل يصدر عن قناة أو طالع تخرج منها المياه، وعلى أطراف البركة توجد مجموعة فتحات لتصريف المياه حيث يصب الماء عبر هذه الفتحات في فوهات مستديرة متصلة بقساطل التصريف حيث تصل إلى طوالع أخرى أو إلى أصحاب الحقوق، يتم بناء الطالع من الآجر وتتخلله الأنابيب الداخلة إليه والصادرة عنه ويغطى الطالع بغطاء حديدي لحفظه من العبث والأوساخ، وغالباً ما يكون موقع الطالع على مفترق الطرق والحارات أو ملاصقاً لقناة (كما هو الحال في طوالع القنوات) وتتمركز الطوالع الأقل أهمية في جدران المنازل على شكل فتحة يغطيها باب كأبواب الخزائن، والجدير بالذكر أن معظم الطوالع في مدينة دمشق اندثرت والباقي منها أصبح مهملاً حيث أصبحت الحاجة إليه معدومة بعد تعميم مياه عين الفيجة.

توزيع المياه بواسطة السبلان :

سبيل ماءعندما كانت السيول تقذف الأتربة الحمراء في الأنهر خلال فترة الشتاء كانت المياه تحمل معها الرسوبات إلى القساطل فتسدها فتصبح المياه غير صالحة للشرب بسبب عكارتها، وكان الناس يلجؤون إلى ملء أوانيهم من بعض العيون الموجودة حول المدينة (عين الكرش، عين الفيجة، عين الزينبية، عين علي) أو من الآبار المحفورة بالمنازل التي كانوا يستخرجون منها المياه السطحية الملوثة إلى أن ارتأى الوالي العثماني ناظم باشا إسالة جزء من مياه الفيجة إلى دمشق بأنابيب محكمة وتوزيعه على مناهل منتشرة في أنحاء المدينة.

وقد تمَّ جر المياه في العام (1908) بواسطة أنبوب من الفونت كان يصب في خزانين في المنطقة الشمالية المرتفعة من المدينة. هما، (خزان العفيف وخزان ظبيان) حيث يوزعان المياه على (400) سبيل كانت منتشرة في أنحاء المدينة، وكان الماء يجري فيها بمعدل ساعتين في الصباح والمساء وتكاد تكفي لسد حاجة السكان من مياه الشرب.

وظل الأهلون يستعملون مياه الأنهار للأغراض المنـزلية حتى عام (1932) حيث اجتمعت نخبة من العائلات الدمشقية، حيث شكلوا جمعية ملاكي المياه بدمشق انبثقت عنها لجنة عين الفيجة التي عملت على تنفيذ مشروع جر مياه عين الفيجة إلى دمشق وتوزيعه بواسطة شبكات نظامية، وقد شمل المشروع : إنشاء حوض الحصر على نبع الفيجة، إنشاء قناة جر من نبع الفيجة إلى دمشق، إنشاء ثلاث خزانات (خزان الوالي، خزان الفواخير، خزان قاسيون العالي)، وأخيراً تمديد شبكة مياه من الفونت تغطي معظم أحياء المدينة، وقد تمَّ جمع المبالغ اللازمة للمباشرة بالمشروع من المواطنين عن طريق حقوق انتفاع دائم من المياه.

المياه وأثرها على الدمشقيين :

مصايف بسيمةإذا تركنا النواحي الفنية لتأسيسات المياه في دمشق القديمة والإبداع في مد الشبكات والأقنية، وابتكار الطوالع ونشر السبلان في الأحياء وإيصال المياه إلى المساجد والمدارس والحمامات وغيرها. نجد أن للمياه خصوصية طبعت الدماشقة بعادات وتقاليد بعضها لايزال سائداً حتى يومنا هذا، ومثالنا على ذلك السيران الشامي، حيث نرى الناس في أوقات العطل يسارعون إلى ضفاف بردى في الربوة والمقسم والمنشار والشادروان، يفترشون ضفاف النهر، ويحتلون المساطب والتخوت المقامة على ضفتي النهر، في مقاصف بسيمة وعين الخضراء وعين الفيجة والجديدة والربوة، يقضون أوقاتاً ممتعة، وقد اتخذت كل جماعة ناحية من المكان، حجبت فيه نفسها عن عيون الآخرين، والجميع في هذا السيران في شغل شاغل، هذه تعد السلطة والتبولة، وتلك تقلي المقالي (الباذنجان والبطاطا والبندورة والبصل)، وهذا يوقد النار للشواء وآخر يتبل اللحم بالملح والبهار ويجعله في الأسياخ لشيه.

مصايف بقينوترى الناس يتزاحمون على عربات القطار الذي يربط دمشق من محطة الحجاز حتى الزبداني ماراً بالربوة ودمر والهامة وبسيمة وعين الخضراء في رحلة ممتعة، والسيرنجية يترصدون ذلك القطار لتحية ركابه وهم على نوافذه يغنون ويمرحون “صَفِّرْ .. صفر .. ياوابور وخذنا على الزبداني .. ببقين نعمل فطور والعشا ببلوداني”، وقد عُرف عن الدمشقيين قضاء يوم السبت في السيران، وليس يوم الجمعة، وحسب المسعودي في مروج الذهب، بأن الدمشقيين لم يقوموا بالتنزه يوم الجمعة لعدة أسباب، فيوم الجمعة له وظائف دينية في التكبير وقراءة سورة الكهف، وسماع خطبة الجمعة، والصلاة، فضلاً عن وظائفه الاجتماعية في زيارة الأقارب وصلة الأرحام، ولعل بدعة التنزه في يوم الجمعة كانت إبان الاحتلال الفرنسي لدمشق.

الفسيقة في البيت الدمشقيكما أثرت المياه في دمشق تأثيراً كبيراً على الفنون الدمشقية، فالماء هو العنصر الأساسي في لوحة الفسيفساء الموجودة في الجامع الأموي كما أن توفر المياه قد أغنى فنوناً دمشقية عديدة منها الغناء على سبيل المثال، فأغنية عطشان ياصبايا من التراث الشعبي المتداول وتقول الأغنية : “عطشان ياصبايا دلوني ع السبيل” وكلمة السبيل تختص بها مدينة دمشق دون غيرها من المدن السورية، وكذلك (الفسقية) الموجودة في البيت الدمشقي، و تعني البحرة الأنيقة في هندستها وألوانها وجمال نافورة المياه في وسطها.

وأيضاً، (الطالع والهارب والسبع) كلمات لا يعرفها إلا الدماشقة لأنها رمز لتأسيسات مائية في مدينتهم، وهناك الكثير من المصطلحات ومظاهر الفن أوجدوها ليعبروا بها عن مياه مدينتهم واعتزازهم بها.

بردى في كلمات الشعراء وعيونهم :

وادي بردىلم يحظ نهر في الشعر العربي كما حظي نهر بردى، فبعض الشعراء وصفه مدللاً عليه بما رآه بأم عينه، وبعضهم أورده في شعره، وربما لم يره، و ذكره إما لتصوير أمر ما، أو تقريب معنى من المعاني التي لا تتضح إلا بذكر اسم النهر أو وصفه، ومن ذلك ما أورده الشاعر حسان بن ثابت في قوله :

يسقون من ورد البريص عليهم
بردى يصفق بالرحيق السلسل

وكذلك قول الشاعر جرير :

لا ورد للقوم إذا لم يعرفوا بردى
إذا تجوب عن أعناقها السدف

كما جاء ذكره في شعر أبي عبد الله محمد الأصبهاني بقوله :

ومن بردى برد قلبي المشوق              فها أنا من حره مستجير

وجاء ذكره أيضاً، في قول ذي القرنين أبي المطاع بن حمدان حين قال :

سقى الله أرض الغوطتين وأهلها           فلي بجنوب الغوطتين شجون

ومن الشعراء الذين جاء ذكر بردى في أشعارهم أمير الشعراء أحمد شوقي، وذلك في قصيدته التي قالها في حفلة أقيمت لإعانة منكوبي سورية في العام 1926، وعنوان القصيدة (نكبة دمشق) :

سلام من صبا بردى أرق         ودمع لا يكفكف يا دمشق

وكذلك جاء ذكر بردى في أشعار الشاعر المصري محمود حسن إسماعيل في قصيدته المسماة (ياربى الفيحاء) والتي يقول فيها :

يا ربى الفيحاء حيتك العلا        والبطولات رحابا وخبايا
بردى والنيل في يوم العلا        وحدا الشعبين قلباً ولسانا

ولا ننسى قول الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري :

بردى كأن بروده                   رشفات معسول الرضاب

أما شاعر دمشق نزار قباني فقد أنشد قصائد حبه وغزله في دمشق وعلى ضفاف نهرها الخالد، وفي قصيدة له بعنوان (موال دمشقي) يقول:

وددت لو زرعوني فيك مئذنة              أو علقوني على الأبواب قنديلا
يا بلدة السبعة الأنهار.. يابلدي             وياقميصاً بزهر الخوخ مشغولا
ويا حصاناً تخلّى عن أعنته                 وراح يفتح معلوماً، ومجهولا
هواك يا بردى، كالسيف يسكنني           و ما ملكت لأمر الحب تبديلا
والنهر يُسمعنا أحلى قصائده               والسرو يلبس بالساق الخلاخيلا

بقايا بردى اليوموكما الشعراء، طرب لها المغنون وكانت فيروز قد شدت لدمشق و نهرها أحلى الأغاني وأعذبها وذلك في “قرأت مجدك في قلبي وفي الكتب، وشام ياذا السيف لم يغب، ومُرَّ بي يا واعداً وعدا”.

و بكثير من اللوعة والأسى نتساءل أين بردى الأمس من بردى اليوم؟ أهو إهمال البشر، أم بخل الطبيعة، أم حتمية التطور؟ أياً كان الجواب فإن المقارنة محزنة وإننا مدينون إلى بردى باحترام لم نعرف حتى الآن كيف نرده!!.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s