مراكز العلم والتعلم في العصر الأموي

عمر بن سليمان العقيلي *

التعليم في عهد الدولة الأمويةكان التعليم في العصر الأُموي امتداداً لما كانت عليه الحال في صدر الإسلام، واستجابة للمستجدات التي ظهرت في ذلك العصر، على الصعيد السياسي والإداري والاجتماعي، ظهرت الحاجة إلى وجود مراكز جديدة لطلب العلم ونظم حديثة للتعليم، وبدأ ما يمكن أن نسميه الإشراف الرسمي من قبل الدولة على التعليم، ومن أهم مراكز العلم والتعلم في العصر الأموي، ما يلي :

1 – الكُتَّاب :

وهو مكان مخصص لتعليم صغار الصِّبية القرآن الكريم ومبادئ الدين الحنيف ومبادئ القراءة والكتابة والحساب، وكان مكان الكُتَّاب يقع خارج المسجد لا في داخله، خوفاً من عبث الصِّبية بحرمة المسجد، لأن رواده كانوا من الصبية الصغار الذين تتراوح أعمارهم ما بين الخامسة والسادسة عند الالتحاق به، ولعل ذلك جاء عملاً بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم   : “جنِّبوا  مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراركم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسلّ سيوفكم، واتَّخذوا على أبوابها المطاهر، وجمّروها في الجُمع”.

وقد أدى الكُتَّاب دوراً هاماً في نشر التعليم الأَولي في مشرق العالم الإسلامي ومغربه لانتشار الكتاتيب في القرى النائية كانتشارها في المدن الكبيرة، وساعد على ذلك بساطة مبنى الكُتّاب الذي لم يكن معقداً بل تكفيه حجرة من منزل وبأثاث لا يتعدى حصير يطرح على الأرض في الحجرة، ويجلس فوقه المعلم ويتحلق حوله الصبية الصغار يستمعون إليه.

أماكن وجود الكُتَّاب :

نظراً لبساطة الكُتَّاب، وسهولة تأسيسه، فقد انتشر في جميع أنحاء الدولة الإسلامية، فقد وجد الكتَّاب في مكة : فيروى أن عطاء بن أبي رباح، مولى بني فِهر، (ت 115هـ-723م) كان في أول أمره معلّم كُتَّاب فيها.

ووجد الكُتَّاب في المدينة ويمكن معرفة ذلك من خلال رواية تفيد بأن الصّبية في أحد كتاب المدينة رأوا سعيد بن المسيّب حين طيف به في المدينة لابساً تبّان شَعَر بعد أن جُلد مائة سوط لرفضه إعطاء البيعة بولاية العهد للوليد بن عبدالملك في حال حياة والده، هذا مع العلم بأن سعيد بن المسيّب نفسه، كان إذا مرَّ بالمَكْتَب في المدينة، قال للصبيان : هؤلاء الناس بعدنا.

وهناك رواية أخرى تفيد بأن الخليفة يزيد بن عبد الملك (101/105هـ-719/723م) قد غضب على أحد الأشخاص، “فأمر به أن يُختلف به إلى الكُتَّاب مع الصبيان في المدينة يتعلَّم القرآن لأنه من الجاهلين”، ووجد الكُتَّاب في الطائف، فقد كان الحجاج بن يوسف الثقفي في أول أمره مُكْتِباً أو مُكَتّبا (أي معلِّماً للصبيان في الكُتَّاب) هناك.

وأما في دمشق، فقد اشتهرت أُم الدَّرداء الصغرى (خَيرة بنت أبي حَدرد الأَسلمي، ت 81هـ-701م، عالمة الشام، وزوجة أبي الدرداء عويمر بن زيد الخزرجي الأنصاري، فقيه أهل الشام)،  بأنها كانت تعلِّم صغار الصِّبية القراءة والكتابة في الكُتَّاب الخاص بها هناك، ويورد الذَّهبي رواية تحمل أهمية كبيرة، ذلك أن عطية بن قيس الكلبي، قارئ دمشق المشهور (ت 110هـ-729م) قد “أَخذ القراءة عن أُم الدرداء عن قراءتها عن أَبي الدرداء”.

وكان عبد الحميد بن يحيى المعافري بالولاء، الملقب بالكاتب، من أهل قيسارية في الشام، (ت 132هـ-750م) ” معلّم صِبْية ينتقل في البلدان”.

وكان قَبيصَة بن ذُؤَيب الخزاعي (ت 70هـ-690م) معلّم كتّاب في المدينة، وفي دمشق عقب ارتحاله إليها.

ووجد الكُتَّاب في الكوفة، فيروى أن الضحاك بن مزاحم الهلالي (ت 105هـ-723م)، كان فقيه مَكْتَب عظيم في الكوفة فيه أعداد كبيرة من الصبية، وكان يركب حماراً ويدور عليهم إذا عيي، ورغم ما قد يبدو في هذه الرواية من مبالغة، إلا أنه، دون شك كان  بجانبه من يساعده في عمله هذا.

وكان القاسم بن مُخَيمرة  الهمداني (ت 101هـ-719م) معلّماً في الكُتَّاب بالكوفة قبل أن يرتحل إلى الشام.

وأما في الرَّي، فقد وجد فيها الكُتَّاب، وكان الطِّرِمَّاح بن حكيم الطائي معلِّماً فيه،  يروي الجاحظ عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، أنه قال فيه : “رأيت الطِّرِمَّاح مؤدباً بالرَّي، فلم أر أحداً آخذ لعقول الرجال، ولا أجذب لأسماعهم إلى حديثه منه، ولقد رأيت الصبيان يخرجون من عنده  وكأنهم قد جالسوا العلماء”.

ووجد الكُتَّاب في مدينة القيروان، فيروى عن غياث بن أبي شيبة أنه قال : “كان سفيان بن وهب الخُوْلاني (ت 82هـ-701م)، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم يمرُّ بنا ونحن غلمة بالقيروان فيسلّم علينا، ونحن في الكُتَّاب، وعليه عمامة قد أرخاها من خَلْفه”.

ووجد الكُتَّاب أيضاً في اليمامة، فيروى أن عبد الرحمن بن عمرو الأَوزاعي الهمداني (ت 157هـ-773م) كان مكتبه في اليمامة فسمع من يحيى بن أبي كثير وغيره من مشائخ أهل اليمامة ثم انتقل بعد ذلك، إلى بلاد الشام.

طريقة التدريس في الكُتَّاب :

كانت العملية التعليمية في الكُتَّاب تتم عن طريقة  التَّلقين، أي أن يقول المعلّم شيئاً ويردد الطلاب وراءه ما يقوله بصوت عال، ثم تطور الأمر إلى الكتابة على ألواح صغيرة يحضرها الطلبة معهم، ويقدم ابن عساكر رواية تؤكد استخدام الصبية للألواح في الكتابة وكذلك تفيد في معرفة طريقة التدريس من حيث استخدام الحِكَم والأَمثال، قال عبد ربه بن سليمان : كتبت لي أم الدرداء في لوحي فيما تعلّمني : “تعلّموا الحكمة صغاراً، تعملوا بها كباراً” وَ “إنَّ لكل حاصِد ما زَرَع من خير أو شر”.

ومما يزيد في التأكيد على أهمية الكتابة واستخدامها كوسيلة من وسائل التعلّم، تلك الرواية التي تفيد أن الخليفة الوليد بن عبد الملك تفقد أحد الكُتّاب فوجد المعلّم يعلّم الصّبيان “الكتابة والقرآن”، ولعل هذه الرواية تفيد أيضاً في معرفة مدى اهتمام الخلفاء الأمويين بأمور التعليم في عصرهم، وتفقدهم لشؤونه.

2 – المسجد :

وهو خاص بمرحلة ما فوق الكُتَّاب، أي بالطلبة المدركين لأهمية المسجد (من عمر عشر سنوات فما فوق)، وهو أمر متعارف عليه في جميع البيئات التعليمية الإسلامية سواءاً في المشرق أم في المغرب.

طريقة الدراسة في المسجد، ومواضعيها :

كان الطلاب يتحلقون في فناء المسجد ويستمعون إلى مدرّسهم (أو شيخهم) إما شفوياً أو من كتاب يقرأ منه.

وكانت مواضيع الدراسة في المسجد تنصبّ أساساً على القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ولذلك كان كل من عطاء بن أبي رباح في مكة وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي في بيروت لا يقبلان في دروسهما إلاَّ من عرف القرآن وقرأَه.

لقد اتبع قراء القرآن الكريم أسلوب (العَرْض) في حلقاتهم، أي أن يقوم المتعلم بقراءة القرآن على المقرئ، وبعد أن يتقن القراءة يبدأ في عرض ما يحفظه من القرآن على المقرئ، ويمكن أن يصل عدد المرات التي يعرض فيها المتعلم قراءته على مقرئه من 3- 30 مرة في بعض الحالات، ويورد ابن خلكان رواية تفيد بأن يزيد بن القَعقاع القارئ (ت بالمدينة 132هـ-750م) “كان يمسك بالمصحف على مولاه عبد الله بن عياش المخزومي، وكان من أَقرأ الناس، وكنت أَرى كل يوم ما يقرأ وأَخذت عنه قراءته”.

أما حلقات التعليم المتعلقة بالحديث والفقه، فكان الأسلوب المتبع فيها هو (السَّماع) أي أن يسمع المتعلم الأحاديث النبوية من المحدِّث فيحفظها، كما يبدو من سؤال أبي حصين لسعيد بن جُبير : “أَكُلُّ ما أَسمعك تُحدّث سألت عنه ابن عباس ؟ فقال : لا، كنت أَجلس ولا أَتكلم حتى أقوم “فيتحدثون فأحفظ”.

وكان المعلّم (الفقيه، العالم)  لقلّة وفرة الكتب مع طلابه وخشية أن يتسرب الملل إلى نفوسهم، يكتفي بإلقاء وشرح حديث أو حديثين مثلما كان يَحدث مع عبد الرحمن بن عُسَيلة الصُّنابحي في مسجد دمشق.

وكان أبو قلابة عبد الله بن زيد الجَرمي البصري (ت 104هـ-722م) يفعل مثل ذلك، فقد روي عن أحد تلاميذه قوله : “كنا نأتي أبا قلابة [ في مسجد البصرة ] فإذا حدثنا ثلاثة أحاديث قال : قد أَكثرت”، وقال محمد بن شَهاب الزُّهْرِي (ت 124هـ-741م) مبرراً ذلك، من واقع خبرته : “من طَلبَ العِلم جُملة، فاتَه جُملة، وإنما يُدرَك العِلم  حديثاً وحديثين”.

وبمرور الوقت، ازدادت المساجد انتشاراً في الأمصار، وبدأ الفقهاء والعلماء ينتقلون من بلد إلى آخر، ولذلك أصبحت الرحلة في طلب العلم وسماع الشيوخ ضرورة ملحَّة، وقد أَولى بعض خلفاء بني أُمية هذا الجانب اهتماماً خاصاً، فيروى أن الوليد بن عبد الملك كان يعطي إعانات للقراء المتفرغين لطلب العلم في بيت المقدس، وأن عمر بن عبد العزيز كتب إلى والي حِمْص : “أُنظر إلى القوم الذين نَصبوا أنفسهم للفقه، وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا، فأَعط كل رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ما هم عليه من بيت مال المسلمين  وإن خير الخير أَعجله”.

ونتيجة لما سبق ذكره أصبحت لدى طالب العلم حرّية الاختيار والتعلّم على أكثر من واحد، فقد ورد عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي (ت 167هـ-783م) قوله : “كنا نجلس بالغدوات مع يزيد بن عبد الرحمن وسليمان بن موسى (الأَشْدَق) (ت 119هـ-737م) وبعد الظهر مع إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وربيعة بن يزيد، وبعد العصر مع مَكْحول الدمشقي”.

وأما عن أشهر حلقات العلم التي كانت تعقد يومياً في المساجد (من بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس (الغَدَاة)، ومن بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس (العَشِي) فمنها : أن عبد الله بن عباس (ت 68هـ-687م) كان مجلسه في المسجد الحرام بمكة، وكان يُخصص لكل فرع من فروع العلم يوماً دراسياً كاملاً، فقد كان يجلس يوماً لا يذكر فيه إلا الفقه، ويوماً التأويل، ويوماً المغازي، ويوماً الشعر، ويوماً أيام العرب … “.

وأما في المدينة، فقد شهدت أروقة المسجد النبوي حلقات فقهية لمشاهير العلماء فيها، من أمثال : جابر بن عبد الله الخزرجي الأنصاري (ت 78هـ-697م)، وسعيد بن المسيّب المخزومي (ت 94هـ-712م) وربيعة (الرأي) بن فرّوخ التيمي  (ت 136هـ-753م) (الذي كان مالك بن أَنس يحضر حلَقَته).

وكان لزيد بن أسلم العدوي (ت 136هـ-753م) حلقة للعلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وكان يجالسه فيها أربعون فقيهاً يأخذون عنه”.

وفي البصرة، كان الحسن البَصْري يتناول في مجلسه بمسجد البصرة شيئاً من “الحديث والفقه وعلم القرآن واللغة وسائر العلوم …”.

وكان عامر بن عبد الله العنبري (ت 55هـ-674م) يُعلّم قراءة القرآن في مسجد البصرة من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ومن بعد صلاة العصر حتى يقوم لصلاة المغرب.

وكان عبد الله بن حبيب السُّلَمي (ت فيما بين 72/75هـ-691/694م) يُقرئ عشرين آية بالغَدَاة و عشرين آية بالعَشِي، ويُخبرهم بموضع العُشر والخُمس، ويُقرئ خَمساً خَمساً، يعني خَمس آيات خَمس آيات”.

وأما في دمشق، فقد كان أبو إدريس الخُولاني الأزدي (ت 80هـ-699م)، قاضي دمشق وقاصّها، “يتخذ مكانه كل يوم بعد صلاة المغرب في مسجد دمشق، ويحدّث في شيء من العلم لا يقطعه بغيره حتى يقوم أو تُقام الصلاة، حفظاً لما سمع”.

وعلى أية حال، فقد أصبح الجلوس لتعليم القرآن ولتدريس الحديث والفقه سمة مميزة في ذلك العصر  وما بعده، فيشير ابن خلكان إلى أن مالك بن أَنس الأَصبحي (ت 179هـ-795م) كان يكره أن يُحدث على الطريق، أو قائماً، أو مستعجلاً . ويقول : “أُحب أن أَتفهم ما أُحدّث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

مدة الدراسة في المسجد :

كانت طبيعة المواد التي تدرّس في المسجد (علوم القرآن والحديث والفقه) تستوجب من الطالب قضاء وقت طويل يلازم فيها أستاذه ويأخذ العلم عنه، فيروى أن محمد بن شهاب الزُّهري قد جالس سعيد بن المسيَّب ثماني سنين يتعلم منه الفقه في المدينة، وعندما انتقل الزهري إلى مدينة الرصافة،  ووفد عليه طلاب العلم، يقال أن محمد بن الوليد الزبيدي (من أهل حمص وتوفي سنة 148هـ-765م) قد أمضى حوالي عشر سنوات في الرصافة يدرس الحديث على الزهري، وصحب موسى بن يسار الأردني مكحول الدمشقي مدة أربعة عشر عاماً يدرس الحديث عليه، وصحب عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (150هـ-767م) عطاء بن أبي رباح في مكة ثماني عشرة سنة (وقيل عشرين سنة)  يأخذ العلم عنه، ثم انتقل ابن جريج إلى المدينة فأمضى فيها تسع سنين جالس خلالها عمرو بن دينار المكي واستزاد من علمه.

وقد أدت هذه الملازمة الطويلة إلى أن يتأثر الطالب بشيخه وأن يهتم أحدهما بالآخر ويحترمه : فقد روي عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي أنه قال : “كنا عند مَكْحول الدمشقي كبعض ولده”، ووصل الحال ببعضهم إلى أن يوصي بكتبه أو بمجلسه إلى أحد تلاميذه من بعده، فقد أوصى عطاء بن أبي رباح – حين حضرته الوفاة – بأن يخلفه في مكانه للتدريس في المسجد الحرام بمكة أنجب تلامذته وأكثرهم ملازمة له وحفظاً لعلمه وآرائه، ألا وهو عمرو بن دينار المكي، وفعل مكحول الدمشقي  الشيء ذاته، إذ أوصى بأن يخلفه في التدريس بالجامع الأموي بدمشق تلميذه ثابت بن ثوبان.

وأما أبو قلابة الجَرْمي فقد أوصى بكتبه إلى تلميذه أيوب السّختياني (من البصرة) (ت 131هـ-748م)، وقال : “ادفعوا كتبي إلى أيوب إن كان حياً، وإلاّ فاحرقوها “فجاءت الكتب إليه عَدْل راحلة، واستفاد منها في تدريسه.

3 – التعليم الخاص بأبناء الخلفاء والولاة :

اهتم بنو أُمية اهتماماً كبيراً  بتعليم أبنائهم وتأديبهم، وكانوا يحرصون على أن يشاركهم في هذه المهمة مشاهير الفقهاء والعلماء والأدباء المسلمين، وذلك من أجل أن يُعدّوا هؤلاء الأبناء إعداداً جيداً يتناسب مع ما ينتظرهم من مهمات مستقبلية، وكان يطلق على من يقوم بهذه المهمة لقب : المؤَدِّب، وكان المؤّدِّب يقيم في ركن خاص به من قصر الخليفة (أو الوالي)، ويجرى عليه من الأرزاق والأُعطيات ما يكفل له حياة طيبة.

لقد اختار معاوية بن أبي سفيان لتأديب ابنه يزيد كل من عبيد بن شَرْيَة الجُرهمي (ت 67هـ-686م) صاحب كتاب الأمثال وكتاب الملوك وأخبار الماضين؛ ودَغفَل بن حنظلة السّدوسي الشيباني (ت 65هـ-684م، وكان عالماً بالأَنساب وله كتاب التشجير في النسب وعارفاً بآداب اللغة العربية، وعلم النجوم)، ويبدو أن معاوية رأى في علم دغفل ما يكفي لتعليم ابنه يزيد هذه المواد، إذ قال له : “انطلق إلى يزيد فعلّمه أنساب الناس وعلّمه النجوم وعلّمه العربية”. وقد ظهرت آثار ثقافة هذين الرجلين على يزيد حتى عُدَّ من خطباء العرب، وعلماء الناس.

وأما عبد الملك بن مروان، فقد نال حظاً وافراً من الثقافة الدينية في المدينة – إذ كان والده يتناوب الإمارة عليها مع سعيد بن العاص – وكان لطول جلوسه في المسجد النبوي قد لقّب بحمامة المسجد، لاجتهاده في العبادة، وقد اعتبر نتيجة لتبحره في أمور الفقه، ضمن أشهر أربعة فقهاء في المدينة، وفيه قال عامر بن شراحيل الشعبي (ت فيما بين 103/107هـ-721/725م) “ما جالست أحداً إلا وجدت لي الفضل عليه، إلا عبد الملك فإني ما ذاكرته حديثاً ولا شعراً إلاّ زادني فيه”.

ونظراً لثقة عبد الملك في الشعبي، الذي كان عالماً بقراءة القرآن، والسيرة النبوية والتفسير والحساب فقد اختاره ضمن من اختارهم لتأديب أبنائه : الوليد وسليمان وهشام ويزيد وغيرهم، وشارك الشعبي في هذه المسؤولية كل من محمد بن شَهاب الزُّهْري،  وكان عالماً بالسيرة النبوية والحديث، وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر (مولى بني مخزوم) (ت 132هـ-749م) وكان عالماً باللغة العربية والقرآن والنحو.

واختار عمر بن عبد العزيز كلاَّ من صالح بن كَيسان المدني (ت بعد 140هـ-358م) وسهل (مولى عمر)، وكانا ضليعَين في الحديث والفقه، وذلك لتأديب أبنائه.

وأما هشام بن عبد الملك بن مروان فقد اختار محمد بن شهاب الزُّهْري ليؤدّب أبناءه، فأقام عنده بالرصافة، وأخذ طلاب العلم يتوافدون عليه هناك، وكان سليمان بن سليم الكلبي يشارك أيضاً في تأديب أبناء الخليفة هشام.

مناهج الدراسة لأبناء الخلفاء والولاة :

بلغ من شدة حرص بعض خلفاء بني أُمية على تعليم أبنائهم أنهم كانوا يشاركون بأنفسهم في وضع مخطط إرشادي يسير المؤدبون بموجبه أثناء تثقيفهم لهؤلاء الأبناء، وقد أوردت المصادر التاريخية نماذج وصايا بعض الخلفاء لمؤدبي أبنائهم، ومنها :

أوصى عبد الملك بن مروان الشَّعبي مؤدّب أبنائه : “عَلِّم أولادي الصدق كما تُعلمهم القرآن، وعلمهم الشعر يَمْجُدوا ويَنْجُدوا، وجَنّبهم السَّفَلة، فإنهم أسوأ الناس رعة، وأَقلهم أدباً، وجنبهم الحَشَم فإنهم لهم مفسدة، وجالس بهم علية القوم يناطقوهم الكلام، وأحفِ شعورَهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا، ومُرهم أن يستاكوا عرضاً، ويمصّوا الماء مصّاً ولا يعبّوا عبّاً، وإذا احتجت أن تتناولهم بأدب فليكن ذلك في سرّ لا يعلم به أحد من الحاشية فيهونوا عليهم”.

وأوصى هشام بن عبد الملك سليمان بن سُليم الكلبي مؤدب ولده : “إن ابني هذا هو جِلدة ما بين عينيَّ، وقد وليتك تأديبه، فعليك بتقوى الله، وأداء الأمانة فيه بخلال، أولها : أنك مؤتمن عليه، والثانية : أنا إمام ترجوني وتخافني، والثالثة : كلما ارتقى الغلام في الأمور درجة ارتقيت معه، وفي هذه الخلال ما يرغبك فيما أوصيك به، أن أول ما أوصيك به أن تأخذه بكتاب الله وتقرئه في كل يوم عشراً يحفظه حفظ رجل يريد التكسّب به، ثم روّه من الشعر أحسنه، ثم تخلَّل به في أحياء العرب، فخذ من صالح شِعرهم هجاء ومديحاً،  وبصّره طرفاً من الحلال والحرام والخطب والمغازي، ثم أَجلسه كل يوم  للناس ليتذكر”.

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى سهل مولاه، مؤدب ولْده : “أما بعد، فإني اخترتك على علم منّي بك لتأديب ولْدي، فصرفتهم إليك عن غيرك من مواليّ، وذوي الخاصة بي، فحدثهم بالجفاء فهو أمعن لإقدامهم، وترك الصُّحبة فإن عادتها تكسب الغَفلة، وقلة الضحك فإن كثرته يميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بُغض الملاهي التي بَدْؤها من الشيطان وعاقبتها سخط  الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللَّهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب الماء، ولعمري لَتَوقِّي ذلك بترك حضور تلك المواطن، أيسر على الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه، وهو حين يفارقها لا يعتقد مما سمعت أذناه على شيء مما ينتفع به، وليفتتح كل غلام منهم بجزء من القرآن يتثبت في قراءته، فإذا فرغ، تناول قوسه ونبله وخرج إلى الغرض حافياً، فرمى سبعة أرشاق ثم انصرف إلى القائلة، فإن ابن مسعود رضي الله عنه، كان يقول : يا بني ! قيلوا، فإن الشياطين لا تقيل”.

وقد حذا بعض ولاة بني أُمية حذو خلفائهم في توجيه مؤدبي أبنائهم، فيروى أن عتبة بن أبي سفيان (والي مصر لمعاوية) قد أوصى مؤدب ولده : “ليكن أَوَّلَ إصلاحِك لولْدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودةٌ بعينيك، فالحسَنُ عندهم ما صَنَعْت، والقبيح عندهم ما تركت؛ علِّمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملُّوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، وروِّهم من الحديث أَشْرَفَه، ومن الشِّعر أَعَفَّه، ولا تنقلهم من عِلم إلى عِلم حتى يُحكموه، فإن ازدحام الكلام في القلب مَشْغَلَةٌ للفهم،  وعلّمهم سُنَن الحكماء، وجَنِّبهُم محادثة النساء، ولا تَتَّكل على عُذر منّي لك، فقد اتكلت على كفاية منك”.

وأما الحجاج بن يوسف الثقفي فقد قال لمعلّم أبنائه : “عَلّم ولْدي السِّباحة قبل الكتابة، فإنهم يصيبون من يكتب عنهم، ولا يُصيبون من يَسْبَح عنهم”.

ومن دراسة الوصايا السابق ذكرها يتبيّن أن بني أُمية حرصوا على أن يتضمن برنامج أبنائهم الدراسي : القرآن الكريم والسيرة النبوية والحديث والسنن والأنساب وأخبار الأمم وآداب اللغة العربية، وبخاصة الشعر، فيروى أن معاوية كتب إلى أخيه زياد بعدما رأى في ابنه عبيد الله قصوراً في تذوق الشِّعر : “ما منعك أن تُرَوّيه الشعر ؟ فوالله إن كان العاق ليرويه فيبرّ، وإن كان البخيل ليرويه فيسْخوا، وإن كان الجَبان ليرويه فيقاتل”.

ويتضح  أيضاً  أن الوصايا كانت تتضمن توجيهات عامة للمؤدبين في أن يكونوا قدوة لطلابهم في كل شيء، وأن يعلّموهم الآداب العامة والنظافة، وإذا احتاج الأمر لأن يضربوهم، فليكن ذلك، ولكن بلطف، بعيداً عن أعين خدمهم وحاشيتهم حتى لا يهونوا عليهم”.

ويتضمن البرنامج كذلك نشاطات أخرى كالسباحة وفنون الحرب والرماية والفروسية تأسياً بقول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه : “علّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل”، لما لهذا النوع من النشاط من فوائد جمَّة.

4 – التعليم في البادية :

اهتم بنو أمية بنشر العلم خارج المراكز الحضرية، فيروى أن الخليفة عمر بن عبد العزيز “بعث يزيد بن أبي مالك (عبد الرحمن) الدمشقي (ت 130هـ-748م) والحارث بن يمجد الأشعري يفقهان الناس في البادية (بدو بني تميم) وأجرى عليهما رزقاً، فأما يزيد فقبل، وأما الحارث فأبى أن يقبل، فكتب عمر بن عبد العزيز : “إنا لا نعلم بما صنع يزيد بأساً، وأكثر الله فينا مثل الحارث بن يمجد”.

5 – التعليم في أوساط الجند المرابطين في الثغور وأهالي البلاد المفتوحة :

شهد العصر الأموي بناء قوة بحرية وبرية إسلامية مهيبة وامتدت فتوحاتهم من الصين شرقاً إلى بلاد الأندلس غرباً ومن شواطئ البحر المتوسط شمالاً إلى بلاد السودان جنوباً، وحرص خلفاء بني أمية على أن يصاحب الفقهاء جندهم والعلماء ليشدوا أزرهم ويبيّنوا لهم فضيلة الجهاد ومميزات الشهادة والشهيد، ويقوم هؤلاء العلماء والفقهاء كذلك بتعليم أهالي البلاد المفتوحة القرآن الكريم والحديث والسنن واللغة العربية ويبينون لهم الحلال والحرام وما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ومن الأمثلة الدالة على ذلك :

أن معاوية بن أبي سفيان بعث مجاهد بن جبر المخزومي (مولاهم) (ت 103هـ-721م) إلى جزيرة رودس (سنة 52هـ-672م) ليقرئ الناس القرآن.

وعندما دخل عقبة بن نافع الفهري إفريقية كان في جيشه خمسة وعشرون صحابياً، وخلف في القيروان وفي بعض الأقاليم جماعة منهم يعلموا البربر القرآن ويفقهوهم في الدين، ومنهم شاكر الذي أقام رباطاً حمل اسمه.

وعندما هزم حسَّان بن النعمان الغساني الكاهنة، وبنى مدينة تونس (84هـ-703م) عهد إلى ثلاثة عشر فقيهاً من التابعين بمهمة تعليم القرآن واللغة العربية إلى بربر إفريقية.

ولما فتح موسى بن نصير مدينة طنجة، ترك حامية ترابط فيها تحت إمرة طارق بن زياد  مولاه، وكانت في ألف وسبعمائة رجل، وسرعان ما ازداد عدد جنود الرباط حتى بلغ اثني عشر ألف رجل، بما انضم إليه من البربر، فأرسل إليهم موسى سبعة وعشرين فقيهاً يعلمون الناس أمور الشريعة الإسلامية واللغة العربية.

وأما الخليفة عمر بن عبد العزيز فقد أرسل (عام 100هـ-718م) عشرة من كبار التابعين إلى إفريقية والمغرب، منهم : عبد الرحمن بن رافع التنوخي، وسعد بن مسعود التجيبي، وذلك برفقة إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر (الوالي المعيَّن على الإقليم)، فانتشر هؤلاء في مناطق مختلفة لتعليم حديثي العهد من أهله بالإسلام : القرآن الكريم واللغة العربية، وإيقاف المسلمين الجدد على ما حرَّم الله عليهم وأَحلَّه لهم.

وأما الجيش الإسلامي الذي عبر إلى الأندلس بقيادة طارق بن زياد فكان فيه صحابي واحد هو المنيذر الأسلمي الإفريقي وعدد من التابعين، وقد ساهم هؤلاء في إثراء المعرفة سواء لدى الجند الفاتحين، أو أهالي البلاد المفتوحة.

ولا شك أنه كان لهؤلاء العلماء الفقهاء من الصحابة والتابعين دور كبير في تثقيف الناس وتعليمهم أمور الدين واللغة العربية وآدابها مما ساهم في إثراء الحركة الفكرية في تلك المناطق.

أثر التعليم في تقدم الحركة الفكرية في العصر الأموي :

أدى انتشار التعليم ونشوء مراكز العلم في المدن الرئيسة مثل : مكة والمدينة ودمشق والبصرة والكوفة والفسطاط والقيروان إلى ازدهار الحركة الفكرية في العصر الأموي، وقد ساهم الخلفاء الأمويون وولاتهم  على الأقاليم، بدور فعال في دفع هذه الحركة إلى الأمام، بطريق مباشر أو غير مباشر، وفيما يلي عرضاً موجزاً لهذه النشاطات الفكرية المتعددة :

  • العلوم الدينية :

هي تلك العلوم التي تعتمد أساساً على القرآن، وقد عُرفت الدراسات المتفرعة عنها بعلم القراءات وعلم التفسير وعلم الحديث، وقد انتشرت هذه العلوم كلياً أو جزئياً في معظم أقاليم الدولة الأموية، وكان لارتحال العلماء والفقهاء من قطر إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى وارتحال الطلاب إليهم سبب مباشر في ارتقاء هذه العلوم.

1 – علم القراءات :

توفي الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 11هـ-632م ولم يكن القرآن قد جمع في مصحف واحد، وإنما كان محفوظاً في صدور الرجال (حفظة القرآن) ومكتوباً من قبل كُتّاب الوحي على اللخاف (الحجارة البيض الرقاق) والرِّقاع (من الأَديم أي الجلود) والأَكتاف (عظام الأَكتاف من الإبل وغيرها) والأَقتاب (جمع قتب وهو الخَشَب الذي يوضع على ظهر البعير ليُركب عليه) والعُسُب (جمع عَسيب وهو جريد النخل) وكان مفرَّق الآيات والسور أو مرتب الآيات فقط وكل سورة في صحيفة أو صحف على حده، ولم يُجمع في مصحف واحد (بين اللوحين أو على شكل كتاب) إلا في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه بمشورة من  عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي خشي على القرآن بعد مقتل العديد من الصحابة في قتال أهل الردَّة يوم اليمامة (في نواحي بلدة الجبيلة، قرب الرياض) سنة 13هـ-634م، فكلَّف أبو بكر زيد بن ثابت الأنصاري للقيام بهذه المهمة، فجمع زيد القرآن في صحائف من الجلد (الرق أو الرقاع)، مرتِّباً لآيات سوره على ما وقَفَهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وظلت هذه الصحائف محفوظة عند أبي بكر رضي الله عنه ثم آلت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فحفظها عند ابنته حفصة أم المؤمنين  (رضي الله عنها)، (ت 45هـ-665م)، طيلة مدة خلافته  (13/23هـ-634/ 643م).

وفي فترة خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه  (23/35هـ-643/655م) توسع المسلمون في فتوحاتهم، وتفرق القرّاء في الأمصار، وأخذ أهل كل مصر عمن وفد إليهم قراءته فأكبر الصحابة هذا الأمر مخافة أن ينجم عنه التحريف والتبديل وأجمعوا أمرهم أن ينسخوا الصحف الأولى التي كانت عند أبي بكر، ويجمعوا الناس عليها بالقراءات الثابتة على حرف واحد، فأرسل عثمان إلى حفصة، فأرسلت إليه بتلك الصحف، ثم أرسل  إلى زيد ابن ثابت الأنصاري، وإلى عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي (القرشيون) فأمرهم أن ينسخوها في المصاحف وأن يُكتب ما اختلف فيه زيد مع رهط القرشيين الثلاثة بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا تلك الصحف في مصحف واحد (سنة 25هـ-645م) ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أُفق (مِصْر)، بمصحف مما نسخوا، واحتفظ بنسخة منه عنده بالمدينة، وأمر الناس أن يقرأوا على نسخة واحدة، وقال محمد ابن جرير الطبري فيما فعله عثمان : “وجَمَعهم على مصحف واحد،  وحرف واحد، وخَرَق (مزَّق) ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه”، “وبهذا قطع عثمان دابر الفتنة، وحسم مادة الخلاف، وحصَّن القرآن من أن يتطرق إليه شيء من الزيادة والتحريف على مر العصور وتعاقب الأزمان”.

ويشير أحد الباحثين إلى أهمية هذا العمل، بقوله : “وبذلك العمل الكبير والمهم في تاريخ القرآن، أخذ المصحف شكله الموحد في الرسم والترتيب، وصار كل مصحف أرسله الخليفة من المدينة إماماً يقتدي به أهل البلدة التي أرسل إليها ومن حولها، وصارت تلك المصاحف تعرف بالمصاحف العثمانية، نسبة إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، لأنه هو الذي أمر بنسخها وإرسالها إلى البلدان، خارج الجزيرة العربية، وصار رسم الكلمات فيها يعرف بالرسم العثماني، وتلك المصاحف هي أصل لكل المصاحف الموجودة اليوم”.

لقد كُتب مصحف عثمان، في معظمه، دون نَقْط ولا شَكل، وكانت بعض الكلمات تَسمح بقراءات متعددة، وربما لم يجد العرب صعوبة في القراءة، ولكن المشكلة ظهرت عندما بدأ التباين في قراءات أبناء الشعوب المفتوحة كالفرس والهنود والبربر وغيرهم، فتنبه خلفاء بني أمية وولاتهم إلى هذا الأمر، وقام أبو الأسود  الدؤلي (ت 69هـ-688م) بتكليف من زياد بن أبي سفيان (والي العراق لمعاوية)، بوضع أول علامات تدل على الحركات (الفتحة والضمة والكسرة) والتنوين، فكان هذا بداية للمدرسة النحوية في اللغة، وأَتم نصر بن عاصم الليثي (ت 89هـ-707م) عمل أستاذه من بعده وذلك بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي، والي العراق حينذاك، فوضع النقط، أفراداً وأزواجا والمخالفة بين أماكنها، مما سهل التفريق بين الحروف (الباء، التاء، الياء .. وما يماثلها).

هذا، وقد أفرزت هذه الاختلافات في القراءات إلى البدء في تصنيف القُرَّاء، فكان أن أتّفق على مشاهير القُرَّاء السبعة، الذين عاشوا كلهم، ومات بعضهم في العصر الأموي، وهم :

عبد الله بن عامر اليَحْصُبي (ت 118هـ-736م) في دمشق، وعبدالله بن كثير الداري (ت 120هـ-738م) في مكة، وعاصم بن بَهْدَلَة (أبي النَّجود) الأسدي الكوفي (ت 127هـ-745م)، وأبو عمرو زيان بن العلاء التميمي المازني البصري (ت 145هـ-770م)، وحمزة بن حبيب بن عمارة الزيات التميمي الكوفي (ت 156هـ-773م)، ونافع بن عبد الرحمن ابن أبي نعيم الليثي (169هـ-785م) في المدينة، وعلي بن حمزة الأَسدي (مولاهم) الكَسائي (ت 189هـ-804م) في الكوفة.

2 – علم التفسير :

هو علم يقوم أساساً على تفسير القرآن الكريم وشرح معانيه واستخراج أحكامه وحكمه، وتقريبه إلى الناس، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أول مفسّر له، يروى عن عبد الله بن مسعود أنه قال : “كان الرَّجل منَّا إذا تعلَّم من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن، قال : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً”، ثم تولى صحابته ذلك الأمر من بعده، فكان عبد الله بن عباس أول المفسرين (ورائد الدراسات اللغوية، إذ كان يشرح الكلمات الصعبة في القرآن بشواهد من الشِّعر) وكان تفسير ابن عباس موضع تقدير من الإمام أحمد بن حنبل، فقال : إن “بمصر صحيفة في تفسير (ابن عباس) رواها (أحد تلاميذه وهو) علي بن أبي طلحة (الهاشمي) (ت 120هـ-737م) لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً”.

وأخذ العلم عن ابن عباس كثيرون، لعل من أشهرهم : سعيد بن جبير الأسدي (ت 95هـ-713م) وله كتاب في التفسير، ويقال أنه كتبه بناء على طلب من الخليفة عبد الملك بن مروان والذي بدوره حفظ نسخة من هذا التفسير عنده بديوان الخلافة، وهناك مجاهد بن جبر المكي (ت 104هـ-722م) والضحاك بن مزاحم الهلالي (ت 105هـ-723م) وعطاء بن أبي رباح القرشي (ت 114هـ-732م) وقَتَادة بن دعامة السدوسي (ت 118هـ-736م)، ومن  الجدير ذكره أن كل واحد من أولئك قد كتب كتاباً في تفسير القرآن، فاستفاد منها من جاء بعدهم.

3- علم الحديث :

ويقصد به كل ما صدر عن النبي  صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير – بمعنى استحسانه شيئاً -، وهو ما اصطلح على تسميته أيضاً بالسُّنَّة (وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي).

كان حفظ الأحاديث النبوية في الصدور إحدى الطرق لتعلّمها ولحفظها من الضياع، وإلى جانب ذلك، فقد كان هناك بعض الصحابة ممن كانوا يكتبون هذه الأحاديث، فقد ورد أن عبد الله بن عمرو بن العاص كتب عن النبي صلى الله عليه وسلم علماً كثيراً مما حدا بأبي هريرة الدوسي أن يعترف بريادته في ذلك، فقال : “لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثاً منّي إلاّ عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه كتَب ولم أكتُب”.

كان عبد الله بن عمرو بن العاص يحفظ ما يكتب من أحاديث في صحيفة أسماها (الصادقة)، ويقول عنها : “فيها ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه فيها أحد”.

وكانت هناك صحائف أخرى كتبها :  عبد الله بن عباس وسَمُرَة بن جندب الفزاري (ت 60هـ-680م) وأبو سَلمة نَبيط بن شريط الأشجعي، وجابر بن عبد الله الخزرجي الأنصاري (ت 78هـ-697م)، وسار على نهجهم في ذلك بعض التابعين من أمثال سعيد بن جبير وبشير بن نَهِيك السدوسي البصري وعامر الشعبي وعطاء بن أبي رباح، وتجدر الإشارة إلى أن ما كان يقوم به هؤلاء الصحابة والتابعون من تقييدهم للعلم إنما كان نابعاً من رغبة شخصية ولا علاقة للجهات الرسمية بذلك.

ومما يؤكد وجود تدوين للحديث في عهد الصحابة، أن بعض أبنائهم ممن عرف برواية الأخبار، يشير إلى مصدره أو مصادره التي استقى منها معلوماته، بقوله : “وجَدت في كُتب أبي” أو “وجَدت في كتاب آبائي”.

أما أول عملية جمع للحديث النبوي الشريف وتدوينه، بشمول واستقصاء، فقد تمت في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز (99/101هـ-717/719م) وبأمر وبإشراف مباشر منه (كجهة حكومية رسمية)، فيروى أنه كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (ت 120هـ-737م)، واليه على المدينة : “أن أُنظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سُنَّة ماضية، فاكتبه، فإني قد خِفْت دروس العلم وذهاب أَهله”، فقام الوالي بهذا العمل، وشاركه فيه كل من القاسم بن محمد ابن أبي بكر (ت 107هـ-725م) ومحمد بن شهاب الزُّهْري (ت 124هـ-741م) وذلك لسعة علمهما وإطلاعهما.

وبعث عمر بن عبد العزيز إلى علماء الأمصار الإسلامية يقول : “أُنظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه”.

ولا شك أن الخطوة التي أقدم عليها عمر بن عبد العزيز تستحق التقدير، فقد كانت هذه الخطوة تمثل جهود المؤسسة الرسمية الحاكمة في ذلك الوقت، وهي الخلافة الأُموية، فهي التي رعت المشروع ومولته وحرصت على إنجازه حتى صار حقيقة واقعة.

ويقول الزُّهْري  في هذا الصدد : “أَمرَنا عمر بن عبد العزيز بجمع السُّنَن، فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كل أَرض له عليها سلطان دفتراً من دفاتره”، فأقبل طلاب العلم يتدارسون هذه الكتب، مما كان له أثر واضح في إثراء الحركة الفكرية،  فقد “فتح هذا العمل الطريق أمام العلماء الذين أثمرت جهودهم في خدمة السُّنَّة النبوية عن ظهور مصطلح الحديث الذي كان لدقة منهجه وسلامة قواعده أن اتخذه العلماء منهجاً في التاريخ والفقه والتفسير واللغة والأدب وغيرها، وظهور علم الجَرح والتعديل وعلوم الحديث الأخرى، وتصنيف المؤلفات في الأحاديث الموضوعة، وفي الوضّاعين الكذابين، وفي الأحاديث المشتهرة وذلك لتنقية السنة النبوية مما تعرضت له وحمايتها من كل زيف”.

( ب ) السيرة والمغازي :

يمكن القول بأن الكتابة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وغزواته وسراياه وبعوثه تعتبر من أقدم أشكال التدوين التاريخي عند المسلمين، وقد بدأت الكتابة حول هذا الموضوع من أولئك الذين كانوا قريبين من مواقع الأحداث، ولكن كتاباتهم جاءت في صحف مفرقة وغير مرتبة ترتيباً زمنياً، وقام بهذه المحاولات عديدون، منهم : سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري وابنه شرحبيل (ت 123هـ-740م) وسهل بن أبي حَثْمة الأنصاري، وسعيد بن المسيَّب المخزومي (ت 94هـ-713م) وعروة بن الزبير ابن العوام الأَسدي (ت 94هـ-713م) وأَبان بن عثمان بن عفان (ت 105هـ-723م) وعاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري (ت 120هـ-737م).

وأما أولئك الذين كتبوا عن السيرة والمغازي وفق الترتيب الزمني للحوادث (بحسب التاريخ الهجري) مع الالتزام بإيراد الأسانيد، فقد اشتهر منهم :

          1 – محمد بن شهاب الزُّهْري (ت 124هـ-742م) : من مؤرخي السيرة والمغازي، وعرف بقوة أسانيده؛ وهو مؤسس المدرسة التاريخية في المدينة، وله كتاب (المغازي)، وتظهر نقولات منه عند البخاري في الصحيح وفي التاريخ الكبير.

          2 – عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (ت 135هـ-752م) عُني بالحديث وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، واستخدام الأسانيد في رواياته،  وجمع قائمة بغزوات الرسول  صلى الله عليه وسلم مرتبة على السنين.

          3 – موسى بن عقبة الأسدي (ت 141هـ-758م) : وهو الذي ألَّف كتاباً في المغازي على غرار كتاب أستاذه الزهري، وهناك مقتطفات من كتابه أوردها ابن إسحاق والواقدي والطبري وابن سيد الناس وابن كثير في كتاباتهم، وكان مثل أستاذه يهتم أيضاً بالأسانيد ويذكر تواريخ الحوادث.

          4 – محمد بن إسحاق بن يَسار المُطَّلبي (ت 151هـ-768م) : ويعد كتابه (سيرة النبي صلى الله عليه وسلم) أقدم مؤلَّف شامل ومنظم يصلنا في هذا الموضوع وهو يتكون من ثلاثة أقسام : المبتدأ (يتناول فيه تاريخ الرسالات السابقة على الإسلام وتاريخ العرب في الجاهلية)، والمبعث (يتحدث فيه عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة والهجرة) والمغازي (يتناول فيه حياة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ومغازيه وسراياه وبعوثه حتى وفاته).

وقد وصلنا هذا الكتاب برواية زياد بن عبد الله البَكَّائي (ت 183هـ-799م)، كما نقَّحها وعدَّلها عبد الملك بن هشام المعافري (ت 218هـ-833م) الذي اختصر بعض أقسامها الأولى، مما جعل المؤرخين ينظرون إلى سيرة ابن إسحاق نظرة حسنة، وأصبح الكتاب مصدراً هاماً لا يمكن الاستغناء عنه، قال الشافعي مادحا جهد ابن إسحاق : “من أراد أن يتبحَّر  في المغازي فهو عيال عليه”.

( ج ) التاريخ والأنساب :

أولى الخلفاء الأُمويون هذا الجانب اهتماماً ملحوظاً، فيروى أن معاوية كان يستقبل في مجلسه بدمشق كبار علماء الأمة ومثقفيها، وكان كل واحد منهم مبدع في تخصص معين وبخاصة في السِّيَر والمغازي والأنساب وأخبار العرب وأشعارهم وسير الأمم الأخرى وملوكهم فيستمع معاوية إليهم ويأمر الكَتَبة أن يدونوا أقوالهم، فبهذا يكون قد حصل أول تدوين للتاريخ في الدولة الإسلامية.

ومن أشهر من كتبوا في التاريخ القديم، من علماء تلك الفترة :

  • عُبيد بن شَرْيَة الجُرهمي (ت حوالي 70هـ-689م) وله كتاب أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها  ويعرف كذلك بكتاب الملوك وأخبار الماضين، يتحدث فيه عن عرب الجاهلية وأشعارهم، وقد نقل المسعودي أجزاء منه في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر.
  • عَلاقَة بن كُرسُم (كريم) الكلابي في أيام يزيد بن معاوية : كان علاقَة عالماً بأيام العرب وأحاديثها، وممن أُخذت عنه المآثر، فألف كتاباً في الأمثال، وقد رآه ابن النديم في خمسين ورقة.
  • وهب بن مُنَبِّه (ت حوالي 110هـ-728م) : كان وهب من أكثر مؤلفي العصر الأموي تصنيفاً، وينسب إليه كتاب الملوك المتوَّجة من حِمْيَر وأخبارهم وقصصهم، وهو أقدم محاولة لتدوين تاريخ دولة عربية معتمداً فيه على كتب أسلافه.

          وأما الذين اختصوا في الكتابة في علم الأنساب، وبرزوا فيه، في هذا العصر فمنهم :

          1 – دَغْفَل بن حنظلة الشيباني (ت 65هـ-685م) : له كتاب التشجير وهذا الكتاب شجرة للأنساب وقد اقتبس منه الهمداني سلاسل الأنساب في كتابه (الإكليل)، ولعل دغفلاً قد كتب هذا الكتاب ليزيد بن معاوية، إذ كان دغفل أستاذه، ويقال أن الفرزدق عرف صحيفة الأنساب لدغفل بن حنظلة وقرَّظها، وقد وصفه الجاحظ بأنه علاّمة، كانت معارفه الواسعة في الأنساب مضرب المثل، فقيل في المثل : “أَنْسَب من دَغْفَل”.

          2 – خُبيب بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأَسدي (ت 93هـ-711م) : كان يهتم اهتماماً خاصاً بنسب قريش.

          3 – عوانة بن الحكم الكلبي (ت 147هـ-764م) : صاحب كتاب سيرة معاوية وبني أُمية.

وهناك آخرون كانت لهم اهتمامات في علم الأنساب مثل : جبير بن مُطعِم بن عدي القرشي (ت 59هـ-679م)، وعقيل بن أبي طالب (ت 60هـ-680م)، والنَّخَّار بن أوس القضاعي (ت 60هـ-680م، وكان أنسب العرب)، وسعيد بن المسيّب المخزومي (ت 94هـ-713م) ومحمد بن السائب الكلبي (ت 146هـ-763م) وابنه هشام.

( د ) تاريخ الأمكنة :

كان من نتيجة خروج أعداد كبيرة من رجالات القبائل العربية مصاحبين جيوش الفتح الإسلامي أن استقر أكثرهم في الأمصار المفتوحة، وسكنوا في المدن التي اختطها المسلمون كالبصرة والكوفة والفسطاط وواسط والقيروان وتونس فكان لابد من الانتباه إلى تدوين أخبار هذه الجماعات وأنسابهم، وكان من أوائل من قاموا بهذا العمل : عامر بن شراحيل الشعبي (ت 103هـ-721م) وكانت الكوفة وأخبارها مجال اهتماماته، ويزيد بن أبي حبيب الأزدي (ت 128هـ-745م) وحُيَيّ ين هانئ المعافري (ت 128هـ-745م) وعبد الله بن أبي جعفر المصري (ت 135هـ-751م) فهم من أوائل من كتبوا عن تاريخ مصر (فضائلها، فتحها، أخبارها) وقد وردت نقولات من كتبهم في مؤلفات من جاؤوا بعدهم كابن إسحاق وابن عبد الحكم والبلاذري والطبري والكندي، وبرز في تلك الفترة كل من : عوانة بن الحكم الكلبي، ومعمر بن راشد اليماني البصري (ت 150هـ-767م) وهو من تلاميذ محمد بن شهاب الزُّهري ومن أقدم الذين صنفوا الكتب في البصرة، وأبو مِخْنَف لوط بن يحيى الأزدي (ت 157هـ-774م) وكتب عن فتوح الشام والعراق وموقعة الجَمل وصِفّين وغيرها، وسيف بن عمر الضبّي الأسدي (الكوفي) (توفي فيما بين 170هـ/193هـ-786/809م) وكتَب عن حروب الردة وعن الفتوح.

(ه) علوم اللغة العربية :  

الشعر :

عرف العرب الشعر منذ القدم، واستخدموه في أغراض شتى، وفي أيام الرسول صلى الله عليه وسلم كان حسان بن ثابت الأنصاري يلقب : شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاعر الدعوة الإسلامية (الإسلام).

وكان من الممكن أن يستمر الشعر على حاله لولا أن ظهرت أفكار جديدة، كفكرة توريث الخلافة التي بدأها معاوية، واستمر عليها خلفاء بني أمية بعده، فأحدثت هذه الفكرة ردود فعل سياسية متباينة، فكان لها مؤيدون ومعارضون، وأقبل الشعراء يكيلون المديح ويشيدون بإنجازات هذه الزعامة أو تلك، فممَّن تعاطف مع بني أُمية ومدحهم ودافع عن أَحقيتهم في الخلافة من الشعراء : الأَخطَل التغلبي وأبو العباس السائب بن فروخ المكي وعبد الله بن الزَّبير الأَسدي وأبو صخر عبد الله بن أسلم السهمي الهذلي ونُصيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان  وعديّ بن الرقاع العاملي القُضاعي وأَعشى ربيعة  وجرير بن عطيَّة الخَطَفي التميمي والفرزدق (همام بن غالب التميمي) والنابغة الشيباني.

اعتز بنو أُمية أشد الاعتزاز ببعض هؤلاء الشعراء لإخلاصهم في الموالاة لهم، وأكرموهم إكراماً منقطع النظير، فقد خلع عبد الملك على الأخطل لقب : شاعر بني أمية وذلك بعدما مدح بني أُمية في قصيدة (خَفَّ القَطِينُ) ومنها قوله :

شُمسُ العداوة حتى يُستقادَ لهمْ       وَأعظَمُ الناسِ أَحلاماً إذا قدروا

وأما جرير فقال مادحاً بني أمية حينما قدَّمه الحجاج إلى عبد الملك بن مروان  لأول مرَّة :

أَلَستم خَيرَ من ركبَ المطايا        وأَندى العالمينَ بُطون راحِ

وبرز  كذلك الفرزدق فمدح من عاصر من خلفاء بني أمية (سليمان ويزيد وهشام أبناء عبد الملك، والوليد بن يزيد بن عبد الملك).

وأما نُصَيب بن رباح، مولى عبد العزيز بن مروان (والي مصر لأخيه عبد الملك) وشاعره، فقد مدحه قائلاً :

وكفّك حين ترى السائل       ينَ أندى من الليلة الماطرة

ويقول فيه أيضاً :

فبشّر أهل مصر، فقد أتاهم       مع النيل الذي في مِصْر  نيلُ

وأما النابغة الشيباني فقال مادحاً بني أمية :

معشرٌ معدِنُ الخلافةِ فيهم        بدْؤها منهُمُ  وفيهمْ تحورُ

وكما مدح الشعراء الخلفاء والولاة من بني أمية فقد مدحوا أيضاً ولاتهم من  خارج الأسرة الأموية، فهذه ليلى الأَخْيَلِيَّة، وهي إحدى النساء الشهيرات في ذلك العصر، تمتدح الحجاج وشجاعته في الضرب بقوة على أعداء الدولة، فتقول :

إذا هبَط الحَجَّاج  أرضاً مريضة       تتبع أَقصى دائها فشفاها

شَفاها من الداء العُضال الذي بها       غلام إذا هزَّ القناةَ سقاها

وهذا جرير يقول في إحدى قصائده ممتدحاً الحجاج وسياسته :

إذا سَعَرَ الخليفةَ نارَ حربٍ        رأى الحَجّاج أثقَبها شَهابا

جَعَلْتَ  لكلّ مُحترسٍ مخوفٍ        صفوفاً دارِعين بهِ وغابا

وفيه يقول أيضاً :

منع الرُّشا وأَراكُم سُبُلَ الهُدى     واللصَّ نَكَّلَهُ  عن الإدلاج

من ناحية أخرى، كان هناك متسعُ في الساحة الأدبية لسماع الرأي الآخر، فقد وجد شعراء يدافعون عن أحقية آل علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الخلافة، ومنهم : حرب بن المنذر بن الجارود العبدي، وكُثير عزَّة والكُميت بن زيد الأسدي (صاحب الهاشميات) وأيمن بن خُريم الأسدي، وعدي بن حاتم الطائي وسُدَيف بن ميمون.

وكان في تلك الفترة أيضاً شعراء يدافعون عن عبد الله بن الزبير ومواقفه من خلافة بني أُمية، مثل : عبيد الله بن قيس الرُّقَيات، وقد ظل ابن الرقيات وفياً لصاحبه ابن الزبير حتى قتل سنة 73هـ-692م، فتحول في ولائه إلى بني أمية.

أما الخوارج فقد وجد بينهم الكثير من الشعراء، مثل: قَطَري بن الفُجاءَة (جعونة) التميمي والطِّرِمَّاح بن حكيم الطائي وعبيدة بن هلال اليشكري وعمران بن حِطَّان الشيباني، وكان هؤلاء يعبّرون في أشعارهم عما يدور في خواطرهم تجاه بني أمية وغيرهم.

ومن جانب آخر، فقد ساهمت الظروف السياسية السائدة، في تلك الفترة، إلى ظهور ما يسمّى بشعر النقائض، وقد اشتهرت في هذا الجانب نقائض جرير والأَخطل ونقائض جرير والفرزدق، وقد يشترك في الموقف الواحد للمناقضة أكثر من شاعرَيْن، فقد بلغ عدد من ناقض جريراً من الشعراء وناقَضَهم جرير ستة عشر شاعراً، ولا شك أن قول الشعر وسماعه وتناقله  سواء في هذا الجانب بما فيه من فخر واعتزاز ومدح وهجاء أو في جوانبه الأخرى كالرثاء والغزل وغيرها، قد ساهم مساهمة فعَّالة في إثراء الحركة الأدبية  في ذلك العصر.

الخطابة  :

حفلت الكتب الأدبية بنماذج من الأدب الرفيع تنم عن مدى ما وصلت إليه عناصر المجتمع في العصر الأموي من تعمق في دراسة العلوم الإسلامية واللغة العربية وتفنن في استخدام مصطلحاتها، وكما كان لكل فئة من الفئات المتنافسة شعراؤها فقد كان هناك لكل فئة أيضاً خطباؤها اللذين يدافعون عن وجهة نظرها، وبأقوى الحجج.

فكان من خطباء العصر الأموي كل من : سَحْبان بن وائل الباهلي، وزياد بن أبي سفيان، والحجاج بن يوسف الثقفي، وأبي حمزة المختار بن عوف الأزدي، والأَحنف بن قيس التميمي، وصَعْصَعَة وزيد وسَيْحان أبناء صوحان بن حجر العبدي. وكثير غيرهم.

الرسائل :

وفي أدب الرسائل والمراسلات ظهرت نماذج متعددة وعلى فترات، تفيد بتقدم عصر بني أمية في هذا المجال، ودراسة رسائل بعض الخلفاء الأمويين، مثل : معاوية وعبد الملك وعمر بن عبد العزيز، ورسائل بعض ولاتهم، مثل : زياد والحجاج ونصر بن سيار الليثي، وما ورد في هذه الرسائل من صيغ وعبارات وأمثال وحكم، يدعم ما قلناه عن تقدم هذا الفن حتى قبل ظهور عبد  الحميد بن يحيى المعافري، المعروف بالكاتب، إبان فترة خلافة مروان بن محمد بن مروان  آخر خلفاء بني أمية (127/132هـ-744/749م)، وما عبد الحميد نفسه إلا حلقة في تلك السلسلة.

كان عبد الحميد واسع الثقافة، فقد حفظ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وخُطب الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وحفظ أخبار العرب وأشعارهم وأمثالهم، وسبق له أن درس على أبي العلاء سالم بن عبد الله كاتب رسائل الخليفة هشام بن عبد الملك ومترجم رسائل أرسطو إلى الإسكندر، ونظراً لثقافته الواسعة في الدين واللغة العربية، فقد برع عبد الحميد في استخدام العبارات المنمقة حين كان يكتب رسائل الخليفة مروان بن محمد، ويبدو أنه كانت له اليد الطولى في ذلك، فأصبح يعتبر مؤسساً للكتابة الفنية وواضعاً لأصولها، بحيث قيل : “بُدئَت الكتابة بعبد الحميد … “، ومع ذلك فإن هناك من يزعم بأن عبد الحميد الكاتب لم يسمو بمكانته الريادية في مجال الكتابة إلا بفضل الترجمات عن اليونانية أو الفارسية.

ولكن  لعل فيما ورد في وصيَّة عبد الحميد إلى أقرانه الكُتاب ما يدحض تلك المزاعم  فهو يقول : “فتنافسوا يا معشر الكُتَّاب في صنوف الآداب، وتفقهوا في الدين، وابدأوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم بالعربية؛ فإنها ثقاف ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم، وأرووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسموا إليه هممكم، ولا تضيعوا النظر في الحساب، فإنه قوام كتّاب الخراج منكم … “.

( و ) الترجمة :

نظراً لرغبة بني أُمية في الإطلاع على ما عند الأمم الأخرى من ثقافات فقد نشطت الترجمة من علوم اليونانيين والفرس، وبخاصة في مجال الطب والهندسة والفلك والكيمياء والرياضيات، ويروى أن خالد بن يزيد بن معاوية قد أمر بإحضار جماعة من الفلاسفة اليونانيين الذين كانوا ينزلون في مصر، ويعرفون العربية، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة (الكيمياء) من اللسان اليوناني والقبطي إلى اللسان العربي، وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة في هذا المجال، في بلاد الشام.

وقام  مريانوس (مورينوس) الرومي (مؤدب خالد بن يزيد) وساويرا سابوخت (أسقف قنسرين)  بترجمة بعض الكتب العلمية من اليونانية والسريانية إلى العربية، وقد ظهر أثر نشاطاتهم سواء في التأليف أو الترجمة أو التدريس على خالد نفسه، إذ ساعدته ثقافته هذه على إجراء التجارب العلمية في مجال الكيمياء، الأمر الذي نتج عنه عدة كتب ورسائل في عمل الصناعة، وله شعر كثير في هذا المعنى، ويشير ابن النديم إلى ذلك، بقوله : “رأيت منها نحو خمسمائة ورقة، ورأيت من كتبه كتب : الحَرارات وكتاب الصحيفة الكبير وكتاب الصحيفة الصغير وكتاب وصيته إلى ابنه في الصنعة (الكيمياء)”،  ويروي القِفْطي عن ابن السنبدي (من أهل العلم والمعرفة بمصر) : أنه شاهد في خزائن الكتب في القاهرة كُرة نُحاس من عمل بطليموس كُتب عليها : حُمِلَتْ هذه الكرةُ من الأمير خالد بن يزيد بن معاوية.

وعلى الرغم مما يروى من أن خالداً “كان من أَعلم قريش بفنون العلم، وله كلام في صناعة الكيمياء والطب، وكان بصيراً بهذين العلمين، متقناً لهما”، إلا أن بعضهم حاول التقليل من قدر خالد في هذا العلم مثل محمد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أُمية، وكذلك ابن خلدون حيث أنكرا ما نسب إلى خالد من هذا العلم، ولكن كيف يكون هذا  وقد بلغ خالد في علم الكيمياء حدّاً جعله يقول : “إن شئتم أَعذبت لكم ماء البحر”، كما أنه عمل على الحصول على الذهب عن طريق الكيمياء وأنفق الأموال الطائلة في استحضار آلاته.

وفي مجال الترجمة أيضاً، عمل ماسَرْجيس، (ماسَرْجُويه) وهو طبيب سرياني، على ترجمة كتاب يحتوي على ثلاثين مقالة في الطب أَلَّفها قسّ مسيحي من أهل الإسكندرية يدعى أَهْرَن بن أَعْيَن، وذلك من اللغة السريانية أو اليونانية إلى العربية، فكان أول كتاب طبي علمي باللغة العربية.

وترجم هلال الحِمْصي عن اليونانية إلى العربية أربع مقالات (من أصل سبع) من كتاب المخروطات لأبولونيوس، (في مجال الهندسة)، وكان صحيح النَّقْل.

وكان زروبا بن ما نْحوه الناعمي الحِمصي يترجم من اليونانية إلى العربية، وقال فيه ابن أبي أُصيبعة : “كان قريب النقل وما هو في درجة من كان قبله”.

وبرز في مجال الترجمة، أيضاً، أبو العلاء سالم بن عبد الله (كاتب رسائل هشام بن عبد الملك)، فترجم رسائل أرسطو إلى الإسكندر وذلك من اللغة اليونانية التي كان حاذقاً فيها.

وقام ابنه جبلة بترجمة كتابين عن تاريخ الفرس وسياسات ملوكهم، وفي هذا الصدد يشير المسعودي إلى أن كتاباً يحتوي على تواريخ ملوك الفرس قد ترجم إلى العربية في عهد خلافة هشام بن عبد الملك.

وترجم عبد الله بن المقفع (ت 142هـ-759م) العديد من الكتب الفارسية إلى العربية، لعل من أشهرها كتاب خُداي نامه (سير الملوك)  وكتاب كَليلَة ودِمْنَة  وكتاب التاج في سيرة أنو شروان.

واشتهر من السريان، يعقوب الرَّهاوي (ت 88هـ-708م) الذي ترجم كثيراً من الكتب اليونانية إلى العربية.

وبناء على الأمثلة السابقة، وغيرها، فليس هناك أدنى شك في عدم قبول رأي أحد الباحثين الذي يقول فيه : “وقد بدأ النَّقل في عهد الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور، الذي يقال إنه كان أَعلم من في عصره، ولكن النقل بلغ أشده في عهد المأمون الذي حرص على نقل التراث الهليني والشرقي إلى العربية”.

وفي المقابل فإن الباحث يجد نفسه يوافق ناجي معروف فيما ذهب إليه من أن مراحل الترجمة بالعربية قد مرت بأدوار أربعة كان دورها الأول في خلافة الأمويين، وأما الدور الثاني فهو الذي يبدأ من خلافة المنصور العباسي سنة 136هـ-753م إلى نهاية خلافة الأمين سنة 198هـ-813م، وهناك دور ثالث من سنة 198هـ-813م إلى سنة  300هـ-912م، ودور رابع بعد سنة 300هـ-912م ، “وبذلك يكون الأمويون أول من بدأ بهذه الترجمة”.

( ز ) خزائن الكتب (المكتبات) :

هناك مؤشرات تدل على وجود خزائن الكتب في العصر الأُموي، سواء على المستوى الشخصي أو العام، فيقال أن معاوية بن أبي سفيان قد أَسس خزانة للكتب في قصر الخضراء (دار الخلافة) بدمشق، وأسماها بيت الحكمة، يجمع فيها الكتب التي يأتيه بها أعوانه، والكتابات التي يسجلها له كتَّابه “ويعنى بها غلمان له، مرتِّبون، قد وُكِلوا بحفظها وقراءتها” عليه، وليس ذلك بغريب على معاوية، فقد أُثر عنه أنه كان يجلس إلى ثلث الليل يسمع  ممن يقرأ عليه  أخبار العرب وأيامها وأخبار العجم وملوكها وسياساتها لرعيتها وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة وحروبها ومكائدها.

هذه الخزانة (بيت الحكمة) التي أسسها معاوية، ربما أفادت الكثيرين،  ومنهم خالد بن يزيد بن معاوية الذي عمل بدوره على إثرائها بالمعارف والعلم، فيروى عنه حبه لجمع الكتب، وأنه قال في ذلك : “عنيت بجمع الكتب، فما أنا من العلماء ولا من الجهّال”. ويروى أنه كان من ضمن أنفس محتوياتها تلك الترجمة العربية التي قام بها ماسرجيس (ماسرجُويه) لثلاثين مقالة في الطب أَلَّفها باليونانية أو السريانية الطبيب أَهْرَن بن أَعْيَن، ولكن لم يكن يسمح بتداولها، حتى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، ويروى أن عمر استخار الله أربعين يوماً ثم بث الكتاب في الناس.

نمت خزانة بيت الحكمة وازدهرت في عهد الخليفة الوليد بن عبدالملك، فيروى أن المكتبة ضمت مصاحف وأشعاراً وأخباراً كان صاحب المصاحف يجمعها ويعنى بها ويعطيها للنساخ فيكتبونها بخط حسن، وقد اشتهر في تلك الفترة الخطاط خالد بن أبي الهيّاج، فيذكر ابن النديم أن الخليفة الوليد اختار لكتابة المصاحف خالد بن أبي الهيَّاج، الذين كان حسن الخط.

وأسس الخليفة عمر بن عبد العزيز خزانة للكتب العلمية في أنطاكية حيث افتتح فيها معهداً للعلوم الطبية، جلب إليه مدرسين من معهد الطب في الإسكندرية، ومنهم الطبيب عبد الملك بن أبجر الكناني.

وعندما قتل الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك في البَخْراء سنة 126هـ-743م، أُخرجت الكتب من مقر إقامته في الأزرق (في الأردن) وحملت على الدواب لكثرتها، (ومنها كتب تحوي أحاديث الزهري).

أما عن خزائن الكتب الخاصة  وإنشائها على المستوى الفردي، فهناك من يرى أن عروة بن الزبير (ت 94هـ-712م) كانت له خزانة كتب في المدينة، حوت كتباً فقهية وتاريخية، ولكن هذه الخزانة قد حُرِقَت (أو أُحرقت) أثناء اقتحام جند يزيد بن معاوية المدينة إبان وقعة الحَرَّة سنة 63هـ-682م، وقد حزن عروة لفقدها، وقال : “لأن تكون عندي، أَحبّ إليَّ من أن يكون لي مثلُ أَهلي ومالي”.

وأن عبد الله بن عباس (ت 68هـ-687م) كانت لديه صحفاً تتكون منها مكتبته الخاصة في مكة، وهي في معظمها مما كتبه ابن عباس في الحديث أو التفسير أو الفقه، وآلت هذه الصحف من بعد وفاته إلى موسى بن عقبة الأسدي الذي قدَّرها بِحِمْل بعير، أو عَدْل بعير.

وكانت لدى محمد بن شهاب الزُّهري (ت 124هـ-741م) تلميذ عروة بن الزبير، خزانة كتب في الرُّصافة تحوي أعداداً هائلة من الكتب بحيث ملأت عليه حجرات البيت “وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله، فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوماً : والله لهذه الكتب أشدُّ عليَّ من ثلاث ضرائر”.

وأن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت 150هـ-767م) كانت لديه خزانة كتب خاصة بمكة، وكان من ضمن محتوياتها جزء مما كتبه الزهري في الحديث، كان ابن جريج قد أخذه منه ونسخه  وأجازه له الزهري.

وكانت لأبي عمرو زيان بن العلاء المازني التميمي (توفي فيما بين 154/159هـ-770/775م، أَحد القُراء السبعة ومن أعلم الناس بالقرآن الكريم والعربية والشعر) خزانة كتب، وكانت كتبه التي كتَب عن العرب الفُصَحاء قد ملأت بيتاً له إلى قريب من السقف، ثم إنه تَقَرَّأ – أي تَنَسَّك – فأَحْرَقَها كلها، واعتمد في عمله عقب ذلك  على ما كان حفظه بقلبه.

ويروى أن عبد الحكم بن عمرو بن صفوان الجُمَحي قد “اتخذ بيتاً، في مكة، فجعل فيه شَطْرَنْجات، ونَرْدات، وقِرْقات، ودفاتر فيها من كل علم، وجعل في الجدار أوتاداً، فمن جاء علّق ثيابه على وتد منها، ثم جرّ دفتراً فقرأه، أو بعض ما يلعب به، فلعب به مع بعضهم”.

وهكذا يتضح أن الخلفاء الأُمويين وولاتهم على الأقاليم قد أَولوا الجانب الثقافي اهتماماً كبيراً، فكانوا يشجعون التعليم بمراحله المختلفة، فيتفقدون الكُتَّاب ويحرصون على وجود الفقهاء في المساجد، ويدفعون رواتب للمعلمين، ويحثونهم على ملاحقة التلاميذ وتدريسهم حتى وإن رحلوا إلى مناطق نائية، ويأمرون بدفع إعانات للطلبة المنصرفين للعلم، كما شجع الأمويون، ورعوا، عملية تدوين الحديث النبوي الشريف فحفظوه من الضياع، واستحدث الخلفاء الأمويون نظام التأديب، وظهر عندهم مصطلح المُؤَدِّب، وحرص الخلفاء أنفسهم على اختيار المؤدبين لأبنائهم؛ وشاركوهم في وضع المناهج الخاصة بتعليمهم، والعقوبات التي يجب أن ينزلوها بهؤلاء الأبناء في حال تكاسلهم، وقد ظهر أثر التعليم واضحاً في تقدم الحركة الفكرية سواء كان ذلك في مجال التدوين والتأليف، أو الترجمة، أو في ظهور بدايات لخزائن الكتب الخاصة والعامة.

وعلى أية حال، فلعل الأمثلة التي وردت في ثنايا هذا البحث تفنّد  مقولة أحد الباحثين، ونصها : “لم نجد فيه (في العصر الأُموي) للثقافة العلمية من الأهمية بمكان، وذلك لعدم وجود متسع آنذاك لنشر هذه الثقافة، هذا من جهة ومن جهة أخرى كانت الدولة الأموية منهمكة في الحروب وفي إخماد الفتن الداخلية فلم تكترث كثيراً للناحية العلمية”.

ومهما يكن الأمر، فإن تلك المنجزات الثقافية التي تحققت  في العصر الأموي ما كان لها أن تتم وتزدهر لولا تضافر الجهود على المستويين الرسمي والشعبي،  وأن هذه المنجزات – حتى وإن كانت قليلة نسبياً – إلا أنها قد شكلت أساساً متيناً للحركة العلمية العربية الإسلامية التي ازدهرت في العصر العباسي.

* (إقتباس من كتاب تاريخ الدولة الأموية للباحث عمر بن سليمان العقيلي،  الجمعية التاريخية السعودية بجامعة الملك سعود، الرياض  1426هـ-2007م)

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s