قصيدة عنوان الحكم

لأبي الفتح البستي
تحقيق وشرح الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى

أبو الفتح البستي :

أبو الفتح البستيكان أبو الفتح رحمه الله تعالى شاعر عصره، وكاتب دهره، وأديب زمانه، في النظم والنثر كما شهد لد بذلك معاصروه؛ وله شعر رائق تكثر فيه الحكم والمعاني البديعة، كما تشيع فيه الصنعة البلاغية العذبة، وله ديوان شعر مطبوع، وله مدائح كثيرة في الإمام الشافعي رضي الله عنه، وله (شرح مختصر الجويني) في فقه السادة الشافعية، ذكره له صاحب (كشف الظنون)،  وله نثر رائع بديع، يكثر فيه التجنيس والتبديع، فمن أقواله الحكيمة التي جرت مجرى الأمثال :

  • من أصلح فاسده، أرغم حاسده.
  • من أطاع غضبه، أضاع أدبه.
  • عادات السادات، سادات العادات.
  • من سعادة جَدِّك، وقوفك عند حدك.
  • الفهم شعاع العقل.
  • حد العفاف، الرضا بالكفاف.
  • المنية تضحك من الأُمنيَّة.
  • الدعة، رائد الضعة.
  • من حسنت أطرافه، حسنت أوصافه.
  • أحصن الجُنَّة، لزوم السنة.
  • العقل، جهبذ النقل.
  • الإنصاف، أحسن الأوصاف.
  • إذا بقي ما قاتك، فلا تأس على ما فاتك.

وقد ترجم له صاحبه الإمام الأديب المؤرخ أبو منصور الثعالبي، في كتابه (يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر)، في اثنتين وثلاثين صفحة، فأطنب وأسهب في مدحه والثناء عليه، وأورد من نثره العالي وشعره البديع في مختلف الأغراض الشيء الكثير.

وأكثر أشعار أبي الفتح البستي مقطعات، وأبياتها أبيات القصائد، وفرائد القلائد، وأطول قصائده وأشهرها قافيته النونية في الأمثال، يستهيم في حفظها وروايتها أهل الأدب، يعنى بها الناس حتى الصبيان في المكتب، ومطلعها : (زيادة المرء في دنياه نقصان).

وقد شرحها غير واحد من العلماء، وممن شرحها ذو النون بن أحمد السرماري البخاري ثم العينتابي، المتوفى سنة 677هـ، وترجمت إلى الفارسية، ذكر ذلك صاحب كشف الظنون.

والحق أنها قصيدة تفيض بالنصح والهداية والتبصير، ومع العذوبة والفصاحة والجزالة، وحسن الصنعة البلاغية الرشيقة، فهي كما قال ناظمها رحمه الله تعالى في أوائلها :

وأرع سمعك أمثالاً أفصلها        كما يفصل ياقوت ومرجان

وهي أنطق دليل على رفعة أدبه، وبلاغة بيانه، وكياسة فكره، وصلاح نفسه، وقد ضمنها النصائح الغالية، والمواعظ البليغة الواعية، فهي لآلئ منثورة، وجواهر منظومة، وكل بيت منها حكمة مستقلة بنفسه، يغني عن قراءة رسالة أو كتاب، فهي من خير الشعر الحِكَميِّ وأبلغه.

القصيدة :

زيادةُ المرءِ في دُنياه نُقصانُ                        ورِبْحُه غيرَ مَحْضِ الخير خُسْرانُ 1
وكل وجدانِ حظٍّ لا ثباتَ له                          فإنَّ معناه في التحقيق فِقْدانُ 2
يا عامراً لخرابِ الدَّارِ مجتهداً                        بالله هل لخراب العمر عمران؟ 3
وياحريصاً على الأموالِ تجمعُها                      أُنْسيتَ أنَّ سرورَ المالِ أحزانُ؟ 4
زع الفؤاد عن الدنيا وزينتها                          فَصَفْوُها كدرٌ والوصلُ هِجْرانُ 5
وأَرْعِ سَمْعَك أمثالاً أُفصِّلُها                           كما يُفَصَّل ياقوتٌ ومَرْجانُ 6
أحْسِنْ إلى الناسِ تَسْتعبِدْ قلوبَهُمُ              فطالما استَعْبَدَ الإنسانَ إحسانُ 7
يا خادمَ الجسم كم تشقى بِخِدمتِه             أتَطلُبُ الرِّبْحَ فيما فيه خُسْرانُ؟ 8
أقبل على النفس واستكمل فضائلها              فأنتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسانُ 9
وإن أساء مسيءٌ فليكُنْ لك في                  عُروضِ زَلّتِه صَفْحٌ وغُفرانُ 10
وكن على الدهرِ مِعْواناً لذي أمل                  يرجو نَداك فإنَّ الحرَّ مِعْوانُ 11
واشْدُدْ يديك بحبلِ الله مُعتصِماً                    فإنه الرُّكنُ إن خانَتْكَ أرْكانُ 12
من يتق الله يُحمَد في عواقبه                     ويَكْفِه شرَّ من عزوا ومن هانوا 13
من استعانَ بغير اللهِ في طلبٍ                    فإنَّ ناصِرَه عَجْزٌ وخِذْلانُ 14
من كان للخيرِ مَنَّاعاً فليس له                     على الحقيقةِ إخوانٌ وأخْدانُ 15
من جادَ بالمالِ مالَ الناسُ قاطِبةً                 إليه والمالُ للإنسانِ فَتَّانُ 16
من سالَمَ الناسَ يَسلمْ من غوائِلِهم              وعاش وهو قَريرُ العينِ جَذْلانُ 17
من كان للعقلِ سلطانُ عليه غَدا                 وما على نفسِهِ للحرصِ سُلطانُ 18
من مدَّ طَرْفاً لفَرْطِ الجهلِ نحوَ هَوىً              أغضى على الحقِّ يوماً وهو خزيانُ 19
من عاشَرَ الناسَ لاقى منهمُ نَصَباً                لأن سوسَهُمُ بَغْيٌ وعُدوانُ 20
ومن يُفَتِّشْ عن الإخوان يَقْلِهِمُ                      فَجُلُّ إخوانِ هذا العَصْرِ خَوَّانُ 21
من استشارَ صروفَ الدهرِ قامَ له                 على حقيقةِ طَبْعِ الدهرِ بُرهانُ 22
من يزرعِ الشَّرَّ يَحْصُدْ في عواقِبِه                  ندامةً، ولِحَصْدِ الزَّرْعِ إبَّانُ 23
من استَنام إلى الأشرارِ نامَ وفي                 قميصِهِ منهُمُ صلٌّ وثُعبانُ 24
كن رَيِّق البِشْرِ إنَّ الحرَّ هِمَّتُه                      صحيفةٌ وعليها البِشْرُ عُنْوانُ 25
ورافِقِ الرِّفْقَ في كلِّ الأمورِ فلم                   ينْدَم رفيقٌ ولم يَذْمُمْهُ إنسانُ 26
ولا يغرَّنَّكَ حَظٌّ جَرَّهُ خَرَقٌ                               فالخُرْقُ هَدْمٌ ورِفْقُ المرءِ بُنْيانُ 27
أحْسِنْ إذا كان إمكانٌ ومَقْدِرةٌ                      فلن يَدومَ على الإحسانِ إمكانُ 28
فالروض يزدان بالأنوار فاغمة                        والحرُّ بالعَدْلِ والإحسانِ يَزْدانُ 29
صُنْ حُرَّ وجهِك لا تَهْتِك غِلالَتَه                     فكلُّ حرِّ لحرِّ الوَجْهِ صَوّانُ 30
فإنْ لقيتَ عَدُواً فالْقَهُ أبداً                           والوَجْهُ بالبِشْرِ والإشراقِ غَضّانُ 31
دَعِ التكاسُلَ في الخيراتِ تَطْلُبُها                  فليس يسعدُ بالخيراتِ كسلانُ 32
لا ظِلَّ للمَرْءِ يَعْرى من تُقىً ونُهىً                وإنْ أظلَّته أوراقٌ وأفْنانُ 33
والناسُ أعوانُ من والتْهُ دَولَتُهُ                      وهم عليه إذا عادَتْهُ أعوانُ 34
(سَحْبانُ) من غيرِ مالِ (باقِلٌ) حَصِرٌ              و(باقِلٌ) في ثراءِ المالِ (سَحْبانُ) 35
لا تودِعِ السِّر وشَّاءً يبوحُ بهِ                         فما رَعى غنماً في الدَّوِّ سِرْحانُ 36
لا تحسبِ الناسَ طبعاً واحداً فلهم               غرائزٌ لستَ تُحْصيهنَّ ألوانُ 37
وما كلُّ ماءٍ كصدّاءٍ لوارِدِهِ                            نَعَمْ، ولا كلُّ نَبْتٍ فهو سَعْدانُ 38
لا تَخْدِشَنَّ بمَطْلٍ وَجْهَ عارِفةٍ                      فالبِرُّ يَخْدِشُه مَطْلٌ ولَيانُ 39
لا تَسْتشِرْ غيرَ نَدْبٍ حازمٍ يقظٍ                     قد استَوى فيه إسرارٌ وإعلانُ 40
فللتدابير فرسان إذا ركضوا                          فيها أبروا، كما للحرب فرسان 41
وللأمور مواقيتٌ مقدرةٌ                                وكل أمر له حد وميزان 42
فلا تكُنْ عَجِلاً بالأمر تَطْلبُه                          فليس يُحمَدُ قبلَ النُّضْج بُحْرانُ 43
كفى من العيش ما قد سَدَّ مِن عَوَزٍ             ففيه للحُرِّ إن حقَّقْتَ غُنْيانُ 44
وذو القناعةِ راضٍ من معيشتِهِ                     وصاحبُ الحِرصِ إن أثْرى فغضبانُ! 45
حَسْبُ الفتى عَقْلُه خِلاًّ يُعاشِرُه                  إذا تحاماه إخوانٌ وخُلاَّنُ 46
هما رَضيعا لِبانٍ : حِكمةٌ وتُقًى،                   وساكِناً وطنٍ : مالٌ وطغيانُ 47
إذا نَبا بكريم مَوْطِنٌ فله                                 وراءَهُ في بسيطِ الأرضِ أوطانُ 48
يا ظالِماً فرِحاً بالعزِّ ساعَدَهُ                         إن كنتَ في سِنَةٍ فالدَّهرُ يقظانُ 49
ما استمرأ الظَّلمَ لو أنصفتَ آكِلُهُ                  وهل يَلذُّ مذاقَ المرءِ خُطْبانُ 50
يا أيها العالِمُ المَرْضِيُّ سيرَتُهُ                      أبشِرْ فأنتَ بغيرِ الماءِ ريانُ 51
وياأخا الجهلِ لو أصبحتَ في لُجَجٍ                فأنت ما بينهما لا شكَّ ظمآنُ 52
لا تَحسبنَّ سُروراً دائماً أبداً                         مَن سَرَّه زمنٌ ساءَتْهُ أزمانُ 53
إذا جَفَاك خليلٌ كنتَ تألَفُه                          فاطلُبْ سِواهُ فكلُّ الناسِ إخوانُ 54
وإنْ نَبَتْ بك أوطانٌ نشأتَ بها                      فارحلْ فكلُّ بلادِ اللهِ أوطانُ 55
يا رافلاً في الشَّبابِ الرَّحبِ مُنْتَشِياً              مِن كأسِهِ، هل أصاب الرشدَ نشوانُ؟ 56
لا تَغترِرْ بشبابٍ رائقٍ نَضِرٍ                            فكم تقدم قبلَ الشّيبِ شُبّانُ 57
وياأخا الشَّيبِ لو ناصَحتَ نفسَكَ لم             يكن لِمثلِكَ في اللَّذَّاتِ إمعانُ 58
هَبِ الشَّبيبةَ تُبدي عُذرَ صاحِبِها                  ما عُذرُ أشْيبَ يَستهويه شيطانُ؟! 59
كلُّ الذنوبِ فإن الله يغفرها                          إن شَيّعَ المرءَ إخلاصٌ وإيمانُ 60
وكلُّ كسرٍ فإن الدِّينَ يَجْبُرُهُ                         وما لكسرِ قناةِ الدِّين جُبرانُ 61
خُذها سوائرَ أمثالٍ مهذبةً                           فيها لمن يَبتَغي التِّبيان تِبيانُ 62
ما ضَرَّ حَسّانَها – والطبعُ صائِغُها –                 إن لم يَصُغْها قَريعُ الشِّعرِ حَسّانُ 63

 شرح القصيدة :

1        أي ازدياد الإنسان من الدنيا وتوسعه فيها – إن لم يكن في الخير الخالص – يكون خسارة له ونقصاً من حظه في آخرته.

2        أي كل حظ ونصيب يجده المرء في دار الدنيا، ولا يصحبه منه الأجر والثواب إلى دار الآخرة، فهو على التحقيق فِقدان.

3        أي يا عامراً للدار الخراب وهي الدنيا، باذلاً فيها جهدك وعمرك، هل لخراب عمرك العزيز وضياعه فيها عمران ؟

4        أي أنسيت أن سرور المال هموم وأحزان : في جمعه، وتصريفه، وواجباته، ومسؤولياته، وفقده..؟

5        زع الفؤاد، بالزاي، فعل أمر من وزعه عن الأمر كفه عنه، أي كف القلب عن حب الدنيا وزخارفها، لأنها غرارة غدارة، فما تراه من صفوها فهو كدر، وما تراه من قربها فهو هجران.

6        أرع سمعك : أصغه إليّ لتستمع مقالتي بانتباه وتدبر.

7        تستعبد قلوبهم : تستملها وتملكها بالإحسان إليهم، فكثيراً ما ملك الإحسان قلب الإنسان، وقديماً قالوا جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، وليس هذا القول بحديث نبوي.

8        أي أيها المجد الساعي في خدمة جسده وتحصيل ملذاته وشهواته، أنت بهذا عبد الجسد! إن ما تجهد فيه هو من الخسارة وليس من الربح في شيء، فعجباً لك تنشد الربح فيما فيه خسران ؟!

10      عروض زلته، يعني : زلته العارضة.

11      معواناً : كثير العون والمساعدة، يرجو نداك : أي كرمك وعطاءك.

12      فإنه الركن، أي الملاذ والمرجع.

14      فإن ناصره عجز وخذلان، أي إن مآله إلى العجز والخذلان.

15      أخدان : أصدقاء، جمع خدن وهو الصديق.

17      من غوائلهم : شرورهم ومساءاتهم، قرير العين : مسرور، جذلان : فرحان.

18      يعني من عمل بالعقل وفكر في أمور الدنيا، غدا زاهداً في حطامها، وليس للحرص والطمع عليه سيطرة.

19      الطرف هنا : العين، خزيان : ذليل، والمعنى من أطلق بصره نحو الهوى والشهوات المحرمة، تثاقل عن نصر الحق وباء بالذلة والخزي.

20      النَّصَب هنا يراد به المتاعب والشرور والعداوات، والسُّوْس : الطبيعة.

21      يَقْلِهِم : يبغضهم ويكرههم، من قلاه يقليه : أبغضه وكرهه.

22      استشار : استكشف، صروف الدهر : حوادثه ونوائبه وتقلباته.

23      إبان : وقت محدد.

24      استنام إلى الأشرار : سكن إليهم وصاحبهم، الصِّلُّ : الحية التي لا تنفع فيها الرقية والعلاج لشدة سمها القاتل، الثعبان : نوع من الحيات الطوال القاتلة، أي من صاحب الأشرار لحقه منهم الأذى والهلاك من حيث لا يدري.

25      رَيِّقَ البِشر : جميل البشر دائمه، والبشر طلاقة الوجه وبشاشته، والصحيفة يعني بها : الوجه، والمعنى : أن هم الحر أن يكون طلق الوجه باسم المُحياّ، ليحبه الناس ويألفوه وينتفعوا به وينتفع بهم.

27      الخَرَقُ بفتح الخاء والراء، والخُرْقُ بضم الخاء وسكون الراء، كلاهما بمعنى العنف والغلظة، ويأتيان بمعنى الحمق والبلاهة، والمعنى : لا تغتر بطيش الأحمق إنْ صاحَبَه فوز في أمر من الأمور، فالرفق بناّء، والحمق هدام. وفي الحديث الشريف “من يحرم الرفق يحرم الخير كله”.

28      أي لا يتمكن الإنسان من الإحسان في كل وقت، فإذا تمكنت فأحسن، فإنها فرصة سانحة ربما لا تعود.

29      يزدان : يتزين، الأنوار جمع نَوْر بفتح النون وهو الزهر، فاغمة : متفتحة، أي كما يتزين الروض بالأزهار المتفتحة الجميلة، كذلك يتزين الحر بالعدل والإحسان.

30      حُرُّ الوجه : محاسنه وكرامته، والغِلالة بكسر الغين : ثوب رقيق كالقميص يلبس على الجسد تحت الثياب الغليظة، والمراد هنا : صن حياءك وماء وجهك، ولا ترقه لأجل أمر دنيوي.

31      غَضاّن : مشرق طلق، يرشد الشاعر المخاطب في شأن لقاء العدو، فيقول له : إذا لقيت عدوك فألقه بوجه باسم متهلل، ومترفعاً عن مقابلته بعداوته، إذ لقاؤك لعدوك بالبشر يزيد في رفعتك عليه، ويفوت عليه التشفي منك بإغضابه لك.

33      الظل هنا : العز والمنعة، يعرى من تقى ونهى : يفقد التقوى والعقل، أفنان : غصون، والمراد هنا : النعم والرفاهية، والمعنى : لا عز ولا منعة لامرئٍ ينقصه العقل والتقوى، وإن غمرته نعم الحياة ورفاهيتها.

34      والته دولته أي أقبلت عليه الدنيا وابتسمت له الأيام، عادته : أدبرت عنه الدنيا واستقبلته الحياة بوجه كريه.

35      سحبان : رجل من بني وائل، كان من أفصح فصحاء العرب وبلغائها، وبه يضرب المثل في الفصاحة والبيان، فيقال : أفصح من سحبان، وحَصِرُ : عييٌّ، وباقل : رجل من بني إياد، كان مشهوراً بالعيِّ والفهاهة، حتى يضرب به المثل في العجز عن الإبانة عما في النفس، فيقال : أعيى من باقل! ومن عيه أنه اشترى ظبياً بأحد عشر درهماً، وأمسك به، فمر بقوم فقالوا له : بكم اشتريت الظبي؟ فمد كفيه وأخرج لسانه، مشيراً إلى أنه اشتراه بأحد عشر درهماً، فشرد الظبي منه وهرب! فضرب به المثل لعيه وغباوته، كما في (مجمع الأمثال) للميداني في باب ما جاء على أفعل من باب ما أوله عين.

والمعنى : سحبان البليغ إذا عَري من المال صار في نظر الناس عَيِيّاً عِيَّ باقل، وباقل العَيِيُّ إذا كان ثرياً غنياً صار في نظرهم فصيحاً بليغاً بلاغة سحبان، فالمال عند الناس يقلب الحقائق والموازين! ويؤثر في اعتبار الرجال وإهمالهم.

36      الدَّوُّ : المفازة والصحراء، والسرحان بكسر السين وسكون الراء : الذئب، أي لا تفض بسرك إلى امرئ مذياع يفشي السر ويذيعه، إنك إن فعلت ذلك تكن مثل من يسلم الغنم إلى الذئب ليأكلها‍‍‍! إذ قد استحفظ من لا يحفظ!

37      يعني أن الناس تختلف طبائعهم وسجاياهم، فلا تحسبهم كلهم على طبع واحد، فينبغي أن تراعي طباعهم في معاشرتهم ومعاملتهم.

38      صَدّاء : اسم عين ماء لم يكن عند العرب أعذب من مائها، ومن أمثالهم : ماء ولا كصداء، يضرب مثلاً للرجلين لهما فضل إلا أن أحدهما أفضل، والسعدان : اسم عشب بري، يعد من أفضل مراعي الإبل، لا تحسن الإبل على نبت حسنها عليه، إذا رعته غَزُرَ لبنها وزاد دسمه وطيبه، من أمثالهم : مرعى ولا كالسعدان، يضرب مثلاً للشيء يفضل على أقرانه وأشكاله، أي هذا مرعى جيد ولكن ليس في الجودة مثل السعدان.

والمعنى : ما كل الناس في الجودة والأصالة وحسن الطبع سواء، ففيهم الجيد والأجود والدّون، فعاملهم ملاحظاً أصنافهم وأحوالهم.

39      الخَدش : الجرح، والعارفة : المعروف والإحسان، والمَطْلُ : التسويف والتأخير، واللَّيَّان بفتح اللام وكسرها : التأخير والمماطلة، أي لا تجرح وجه معروفك وإحسانك بالتأخير والتسويف، فخير البِرِّ عاجله.

40      نَدْب : منجد، حازم ضابط للأمور، يقظ : نبيه واع، والمعنى : لا تعتمد في استشارتك إلا على الرجل الشهم المنجد، والضابط النبيه النقي النفس، الذي عرفت سريرته كعلانيته.

41      أبروا : غلبوا وفازوا على غيرهم بحسن الرأي وجودته، يعني يستشار في كل أمرٍ أهلُه وعارفوه.

42      أي الأمور لها أوقات مقدرة، وحدود معينة، وموازين دقيقة، فزن كل أمر بميزانه وحده ووقته.

43      النضج : الاكتمال، والبحران بضم الباء وسكون الحاء، لفظ مولد، يوناني الأصل، وهو عند الأطباء : التغير الذي يحدث للعليل دفعة واحدة في الأمراض الحادة : إلى الصحة أو إلى المرض، فإن وقع بعد نضج مادة المرض فهو علامة الصحة والشفاء، وإن وقع قبل نضجها فهو علامة الموت والهلاك، فعلى العاقل أن لا يعجل في أمره كما قيل :

تأن   في  الشيء  إذا  رمته                       لتعرف  الرشد  من   الغيِّ

و لا  تتبعن  كل  دخان   ترى             فالنار    قد   توقد    للكيِّ

وقس على الشيء بأشكاله            يدلك الشيء على الشيِّ

44      العيش هنا : ما يتبلغ به من رزق، والعوز : الحاجة والفقر، والحر هنا المراد به : العاقل القانع العزيز، والغُنْيان بضم الغين وسكون النون : الاستغناء.

45      أثرى : زاد ماله وكثر، وقوله : صاحب الحرص إن أثرى فغضبان، وذلك لطمعه المتزايد، فيرى نفسه دائماً في حاجة إلى المزيد من الثراء، ويغضب إذا لم ينله ذلك.

46      خلاًّ : صديقاً ناصحاً، والخلان : الأصدقاء، أي يكفي الفتى الراشد أن يتخذ من عقله مرشداً يلجأ إليه إذا تباعد عنه الإخوان والأصدقاء.

47      رضيعا لبان يرضعان من ثدي واحد، فهما أخوان، وساكنا وطن أي متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر غالباً، والمعنى : أن الحكمة والتقى أخوان لا ينفكان، والمال والطغيان متلازمان لا يفترقان.

48      نبا بالمرء الموطن : ضاق عليه ولم يوفقه ولم يسر به.

49      العز هنا : السطوة والسلطان، السِّنة : الغفلة الخفيفة، والمعنى : أيها الظالم السادر في غيه، لا يغرنك ما أنت فيه من سطوة وسلطان، إن كنت في غفلة عن هذا فإن عين الله لا تنام عنك، وما أسرع ما ينتقم منك.

50      استمرأ الشيء : استطابه، والخُطْبان : الحنظل حين يأخذ في الاصفرار وتشتد مرارته، ويقال في المثل : أمر من الخطبان، أي أمر من الحنظل، والمعنى : أيها الظالم لو أنصفت لأقررت بأن الظلم مذاقه مُرّ كالحنظل، لا يستسيغه المرء، وهل يستطيب مرارة الحنظل إنسان؟

51      ريّان : مُرْتَوٍ، وأصل الارتواء الشبع من الماء، والمراد هنا : الطمأنينة وغنى النفس والقناعة والرضا، والمعنى : أيها العالم الذي حفظ أمانة العلم، وسما إلى شرفه الرفيع بعمله به، فلهجت ألسنة الناس بالثناء عليه، وأصبح فيهم عَطِر الذكر والسيرة، أبشر فأنت بما أفاء الله عليك من تلك الخصال الرفيعة : قرير العين مطمئن النفس والفؤاد.

52      اللُّجَج جمع لجة، وهي معظم الماء، وظمآن : عطشان، والمراد به هنا : محروم، والمعنى : أيها الجاهل الراضي بجهله، لو غمرتك الدنيا بخيراتها فأنت محروم ظَمِئ، لأنك فقدت نعمة العلم، وبها تسقى العقول والقلوب.

56      رافل : مختال متبختر، منتشياً من كأسه، معناه هنا : معجب مُدِلُّ بحيويته وفتوته، نشوان : سكران، يقال في اللغة : انتشى فلان أي بدا سكره، فشبه الشباب بالخمر، والاغترار به بالنشوة والسكر، والمعنى : أيها الشاب المختال المعجب بشبابه وقوته الفتية، لا تغتر بعنفوان شبابك وتأجج قوتك، فالشباب عرض زائل، والانتشاء به حاجب للعقل عن الهداية والرشاد، وهل أدرك الرشد سكران ؟ قال الإمام أحمد رضي الله عنه : ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كُمّي فسقط !

57      رائق : معجب جميل، نضر : حسن ناعم، والمعنى : لا تغتر أيها الشاب المتدفق حيوية ونضارة ونشاطاً بسن الشباب، تحسب أنك تعيش طويلاً، فكم من شاب اختطفته المنية قبل الشيوخ الكبار المسنين.

59      الشبيبة : حداثة السن، تبدي عذر صاحبها : تظهر عذره، لأن الشباب مطية الجهل، ويقال : مظنة الجهل، وأشيب : أبيض شعر الرأس من الشيخوخة وكبر السن.

60      شيع المرء : صاحبه.

61      القناة : الرمح، والمراد بكسر قناة الدين : ذهاب الدين وفقده، ومعنى البيت : كل مصاب في المال أو البدن أو الولد .. يخفف الدين من وقعه على الإنسان، ويعوضه عنه بالأجر والثواب، وأما المصاب في الدين فلا يعوضه شيء ! فهو أكبر مصاب !

62      حسانها : قائلها وناظمها، قريع الشعر، يعني به سيد الشعر : الصحابي الجليل حسان ابن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، والمعنى : أن هذه القصيدة التي انسابت من قريحة شاعر مطبوع، وفاضت بقلائد المعاني وروائع الألفاظ، وتضمنت بليغ الحكم والمواعظ، لا يقلل من روعتها وجمالها أن قائلها شاعر محدث، وليس الصحابي الجليل سيد الشعر حسان بن ثابت رضي الله عنه.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s