دور السيرة النبوية في فهم القيم الإسلامية

د. محمد فاروق النبهان

محمد فاروق النبهانتعتبر السيرة النبوية المصدر الحي المتجدد للفكر الإسلامي الذي يُعَبِّر بدقة وصدق عن روح النصوص التشريعية، ومقاصد الأحكام الشرعية، لأن السيرة النبوية تجسد قيم الإسلام الحقيقية، وتلقي أضواء كاشفة على كثير مما يحتاج إليه المفسر أو الفقيه أو القاضي لمعرفة غايات التشريع وأهدافه.

وبالإضافة إلى ذلك الهدف التشريعي فإن دراسة السيرة النبوية تُنمّي مشاعر الاعتزاز بالقيم الأصيلة للإسلام، وتوقف الأخطار المتولدة من الضغوط الاجتماعية في نمو قيم مناقضة للإسلام، في أبعادها الإنسانية وفي أهدافها لحماية الفرد من الأفكار التي تمس قدسية وجوده الإنساني، وما يترتب على ذلك الوجود من حقوق.

ومن اليسير على أي فرد منا أن يلاحظ أن الضمير الإسلامي ظل يقظا نابضا بقيم الأصالة، يرفض الانحراف، ويطارد القيم الوافدة التي أخذت تزاحم القيم الأصيلة، وهذا الضمير الذي نجده في أعماق النفس، يلاحق صاحبه عند كل انحراف، ويدينه في كل تجاوز، ويخاطبه بكل صدق عندما يخلد إلى التأمل والراحة، معاتبا ومدينا، يحرض ويحث على مراجعة السلوك، إلى أن يستسلم صاحبه راجيا راحة الضمير واطمئنان النفس.

والسيرة النبوية هي العامل الأهم في صياغة قيم المجتمع التي يسهر الضمير الحي على حمايتها، لأنها توقد في النفس مشاعر الوجدان، وتحض على التزام الفضيلة، والمجتمعات الإسلامية بالرغم مما أصاب ضميرها من غاشية تظل وفية لقيمها المستمدة من السيرة النبوية، لأنها تجد في تلك القيم ذاتها وكيانها.

اختلاف منهج السيرة عن المنهج التاريخي :

ولا خلاف في أن الرواية التاريخية يحكمها منطق المنهج التاريخي الذي يقوم على أساس المادة التاريخية من حيث الاستخدام الأمثل لأدوات البحث التاريخي، المعتمد على نقد الروايات والاحتكام في ذلك إلى المنطق العقلي، واشترط ابن خلدون أن يتم الاعتماد في المنهج التاريخي على “أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني”، واعتبر ذلك أساسا في الأخبار التاريخية، وهو الوسيلة الوحيدة الممكنة التي تمنع من الخطأ والانزلاق في الوهم والغلط.

ويختلف منهج السيرة عن منهج المؤرخين في المواطن التالية :

أولا- من حيث الطبيعة :

تختلف رواية السيرة النبوية عن الرواية التاريخية من حيث طبيعة كلٍّ من الروايتين، فالسيرة ليست مجرد خبر عن واقعة أو سلوك، وإنما هي تسجيل دقيق لحياة رسول اختاره الله تعالى لرسالته، وأحاطه برعايته وخصّه منذ طفولته بخصائص ذاتية في تكوينه وشخصيته وسلوكه لكي يكون مؤهلا للرسالة، ومن الطبيعي ألاّ تحكّم في رواية السيرة النبوية “أصول العادة” لأن الاختصاص يُنافي العادة، ولو خضعت سيرته لأصول العادة لانتفت خصائص النبوة في شخصيته وتكوينه، وهذا منطلق طبيعي، ولا يمكن إنكار أثره في مجال دراسة السيرة النبوية، وهذا هو السبب الذي أوقع المستشرقين الذين عكفوا على دراسة السيرة النبوية في كثير من الأخطاء المنهجية، وكانت نتائجهم خاطئة في استنباط الموقف الصحيح لأنهم طبقوا مناهجهم التاريخية في موطن السيرة النبوية، وتجاهلوا الاختلاف بين السيرة والتاريخ، من حيث طبيعة السيرة النبوية.

فالرواية التاريخية مسرحها الطبيعي الإنسان، وساحتها المنطقية الحياة الاجتماعية، وما كان كذلك فالعقل هو أداة معرفته وهو معيار الصواب والخطأ في كل ما يتعلق بسلوك الإنسان الذي تحكمه قوانين الطبيعة، أما السيرة فليست كذلك لأنها تحكمها مقاييس ليست بشرية، فالوحي هو مصدرها، والله هو الذي يوحي بها، وسلوك الأنبياء لا يخضع لمنطق العقل، وإنما يخضع لمنطق الوحي السماوي، لأن الأنبياء مجددون ومصلحون، ولو خضعوا لمعيار العادة لانتفى دورهم في التجديد والتغيير والإصلاح، ولَمَا كانوا مؤهلين لدور الهداية.

والمستشرق عندما يتجاهل الطبيعة المتميزة لرواية السيرة النبوية إما بسبب رفضه لمنطق الغيب والوحي في السيرة، أو لإنكاره نبوة محمد صلى الله عليه وسلّم يحكم على بحثه بالخطأ والانحراف، ولا بد في هذه الحالة من أن تكون نتائج بحثه مختلفة ومتباينة، فمنطق النبوة يتميز بخصائص دينية وغيبية، ولو أخضعنا تاريخ المسيحية واليهودية لمنطق العقل لحكمنا على تلك الأديان بالخرافة والبطلان، فكيف يصح أن يحكم المنطق الديني تاريخ المسيحية واليهودية ولا يحكم المنطق الديني السيرة النبوية الشريفة، وهي التي حظيت بقدر كبير من التوثيق الأدائي والكتابي لم تحظَ به أية سيرة أو رواية.

ثانيا- من حيث التوثيق :

لا أعتقد أن باحثا ومؤرخا ينكر أن السيرة النبوية حظيت بتوثيق متواتر، نقلا في الصدور مقترنا بمشاعر القداسة أو تسجيلا لأحداث السيرة مجسدا جهد أجيال تعاقبت على توثيق رواياتها بطريقة معبرة عن أقصى درجات الدقة والضبط.

ومنهج علماء الحديث في التوثيق هو المنهج الذي استخدمه العلماء المسلمون في توثيق الروايات المتعلقة بحياة النبي صلى الله عليه وسلّم، حرصا منهم على دقة الرواية، والتزاما منهم بالأمانة، بهدف مطاردة الروايات المكذوبة والموضوعة، التي كانت تحاول أن تجد مواقعها في سجل المحفوظات الإسلامية.

والتوثيق الذي عُني به علماء السيرة ينطلق من منطلق الظاهرة النبوية، وهذه الظاهرة تُعطي لرواية السيرة مكانتها في النفس، ولا تخضعها لمنطق النقد التاريخي الذي يحكم الروايات التاريخية، والمؤرخ المسلم لا يمكنه أن يتجاهل في تسجيله لروايات السيرة التميُّز الإنساني الذي خَصّ الله تعالى به نبيه، وإكرامه بمعجزات في طفولته وشبابه، لكي يجعله مؤهلا للرسالة النبوية.

وكل دراسة للسيرة تتجاهل الظاهرة النبوية في خصائصها مُعَرَّضةٌ للخطأ، لأنها تُخضِع أحداث السيرة لمنطق نقدي يقوم على أساس النفي لكل الوقائع التي لا يقبل بها العقل، مع العلم أن علماء السيرة الذين انطلقوا في فهمهم لأحداث السيرة من منطلق الظاهرة النبوية لم يجدوا أية صعوبة في فهم تلك الأحداث وإثباتها والإيمان بها، وهي جزء من عقيدة المسلم، والمسلم لا يرفض مواطن الإعجاز التي تؤكد خصائص النبوة وتميّزها.

المصادر المتميزة للسيرة النبوية :

تتميز رواية السيرة النبوية بمصادرها المباشرة وغير المباشرة، فبالإضافة إلى القرآن الكريم والسُنّة الشريفة وهما مصدران رئيسيان لأحداث السيرة، فإن المسلم يجد في وجدانه معيارا دقيقا يميز به بين الصواب والخطأ، فما لا يليق بالظاهرة النبوية لا يمكن أن يكون رواية صحيحة، ولا بد من وجود عامل خارجي يُعطي لتلك الرواية موقعها الصحيح في إطار السيرة النبوية، بحيث تكون السيرة مجسدة لقيم الإسلام في مفاهيمها السامية ومعانيها الرائعة.

ويجب أن نقرأ بحذر كبير منهج المستشرقين في دراستهم للسيرة النبوية، لأنهم يتجاهلون خصائص أساسية وضرورية لفهم السيرة، وهذا التجاهل أوقعهم في التخبُّط والتناقُض، وكانت معظم دراساتهم حول السيرة النبوية حافلة بالأخطاء المنهجية التي قادتهم إلى مسالك خاطئة ونتائج ليست سليمة، ولعلهم كانوا يقصدون ذلك لكي يتوصلوا إلى ما هم منصرفون إليه من التشكيك في المقدسات الإسلامية.

وبالرغم من أن القرآن والسُنّة يعتبران مصدرا من أهم مصادر السيرة النبوية فإن تلك السيرة تعتبر من أهم مصادر معرفة روح الشريعة الإسلامية، في أبعادها الإنسانية، وفي مواقفها الأخلاقية، فحياة النبي صلى الله عليه وسلّم هي التفسير الحي للنص القرآني، ومن الصعب على مَن جهل السيرة أن يستوعب بدقة المعاني والقيم التي دعا إليها القرآن، ولا يمكن لأية لغة أن تعبّر عن الدلالات المُرادة من النصوص، لأن التفسير اللفظي لا يجسد المواقف الإنسانية.

وقراءة السيرة النبوية واستيعاب أحداثها شرط أساسي لفهم روح النصوص، التفسير الذي لا يراعي روح النص ومقاصده لا يعبر عن ذلك النص، ولا يهتدي لغاياته.

ومن اليسير علينا أن نلاحظ أن مجتمعنا الإسلامي بالرغم مما أصابه من تخلف وتراجع، سادت بسببه قيم خاطئة ومنحرفة فإن كثيرا من الفضائل مازالت سائدة في المجتمعات التي حافظت على نقائها الثقافي والاجتماعي، ويعود سبب ذلك إلى تأثر مجتمعنا الإسلامي بكثير من قيم الإسلام الأصيلة التي تجسدها السيرة النبوية وتعبّر عنها في كل موقف من المواقف.

ومن أهم الآثار التي تبرز واضحة من خلال السيرة النبوية مقاصد التشريع وغاياته في تكوين مجتمع نقي نظيف، يحكمه العدل، يتساوى فيه الناس في حقوقهم الإنسانية، فلا عبودية ولا إذلال، ولا طبقية ولا تميز، ومعيار التفاضل هو التقوى والعمل الذي يخدم المجتمع ويسهم في نموه وازدهار قيم الخير فيه.

هذه المبادئ نجدها واضحة في السيرة النبوية، في العهد المكي والعهد المدني، ففي العهد المكي كانت السيرة النبوية تجسد قيم تحرير الإنسان من عبودية الأقوياء، وتحرير العقل من الخرافة والأسطورة، وعدم الاستسلام أمام التحدي، ورفض المجتمع الذي يرفض قيم الحق، ولذلك كانت الهجرة هي التعبير الحي عن ذلك الرفض، والتطلع إلى بناء مجتمع نظيف، مؤهل لكي يكون في موطن القابلية لدعوة الإسلام.

ومن الطبيعي أن تسجل السيرة النبوية أحداث ذلك الصراع بين الحق والباطل، وأن ترسخ في ذهنية المسلم قيم الحرية والجهاد في سبيل الدفاع عن الحق، والتضحية بكل شيء في سبيل الدفاع عن العقيدة والكرامة.

– أليست الهجرة موقفا إسلاميا كان المنعطف الحاسم في تاريخ الإسلام!؟

– أليست الهجرة قيمة من قيم الإسلام تعبر عن مشروعية الدفاع عن العقيدة!؟

وقرار الهجرة هو القرار الأهم في تاريخ دعوة الإسلام، لأنه قرار المقاومة، فالمهاجر لا يستسلم، ولا يذعن، ولا يساوم.

أثر السيرة النبوية في فهم روح الشريعة :

ويمكننا أن نلاحظ أثر السيرة النبوية في فهم روح الشريعة الإسلامية من خلال ما يأتي :

أولا : في مجال الدفاع عن العقيدة :

تعتبر السيرة النبوية المصدر الأهم للمواقف الإسلامية التي تؤكد وجوب الدفاع عن العقيدة، بكل الوسائل الممكنة، وتحض السيرة النبوية على ضرورة الإقناع والمحاورة ومحاولة دحض حجج أهل الكفر بالأدلة العقلية، كما تشجع السيرة النبوية على الهجرة في حالة اليأس من مقاومة الباطل، لكي تظل دعوة الحق بمأمن من أخطار المعاندين والرافضين.

وأقرت السيرة النبوية مبدأ الجهاد للدفاع عن النفس والعقيدة، ورسمت السيرة طريق الجهاد ووسائله وطرقه، وأوضحت ما هو مشروع لكي تظل قيم الإسلام مهيمنة على سلوك المتجمع الإسلامي.

وحفلت كتب السيرة بالكثير من الروايات التي تصف بدقة غزوات النبي صلى الله عليه وسلّم، وأهم تلك الغزوات غزوة بدر الكبرى التي وصفت كتب السيرة أحداثها ووقائعها، تاركة لفقهاء الإسلام أن يستنيروا بتلك الوقائع في استنباط أحكام الجهاد ومن الطبيعي أن تكون غزوة بدر الكبرى مصدرا تفسيريا دقيقا لفهم النصوص التي حددت شرعية القتال وشروطه.

ثانيا : في مجال السياسة الشرعية :

السياسة الشرعية هي الطريقة المثلى التي يجب اتباعها من قبل ولي الأمر للحفاظ على مصالح المسلمين، آخذا بالاعتبار مقاصد الشريعة وغاياتها، ويعتبر بحث السياسة الشرعية من أهم الموضوعات التي تحتاج إلى دراسة دقيقة لمعرفة معنى السياسة الشرعية وحدودها ووسائلها، بحيث تكون معبرة عن أهداف الشريعة ومراعية نصوصها الثابتة.

والسيرة النبوية هي المصدر الأهم للسياسة الشرعية السليمة التي تعبّر عن مواقف الإسلام في القضايا المستحدثة، فالسيرة مصدر أساسي يساعد المجتهد على فهم النصوص الشرعية بطريقة معبرة عن روح الشريعة، لأن السيرة هي التطبيق العملي لمضامين النصوص القرآنية، ولا يمكننا فهم تلك النصوص بطريقة دقيقة إلاّ من خلال دراستنا للسيرة النبوية، ولهذا فإن أهم ما يجب أن نوجه الاهتمام إليه في مجال تكوين المناهج الفقهية السليمة أن يعتمد الفقيه في فهمه للنص على وقائع السيرة النبوية.

ويعتبر العصر النبوي هو المصدر الأهم لكل ما يتعلق بقضايا الفكر الإسلامي لأن ذلك العصر يجسد الأسلوب العملي للقيم الإسلامية، والفكر الذي يستمد رؤيته من ذلك العصر لا يمكن أن يخطئ طريقه، ومن هنا تكون دراسة السيرة النبوية هي المنطلق الأساسي لفهم الإسلام في صورته النقية الصافية.

والسيرة النبوية تحدد لنا قواعد السياسة الشرعية وأسسها، والطريق الذي يكفل للمجتمع الإسلامي أن تكون مسيرته سديدة وسليمة، لكي يتجنب المزالق والأخطار.

قواعد مُستفادة من دروس السيرة :

وأهم تلك القواعد التي يمكن أن نستفيدها من دروس السيرة النبوية ما يلي :

أولا : أهمية العناية بتكوين ذاتية الفرد المسلم، بحيث تكون تلك الذاتية متماسكة منسجمة مع سلوكها، مؤمنة بطريقة لا تتردد في مواقف الخطر، ولا تتراجع قناعتها في مواقف التحدي، لأن الشخصية المترددة المفككة المتناقضة مع مبادئها ليست مؤهلة لمواجهة التحدي، وهي سرعان ما تتراجع عندما يتطلب الأمر تضحية أو فداء، وهذا عامل سلبي في تكوين مجتمعات العقيدة، ومن اليسير علينا أن نلاحظ أن العهد المكي كان حافلا بمواقف الإقناع والحوار، لمخاطبة العقل والوجدان، لتكوين نواة متماسكة تجسد طلائع الدعوة.

ثانيا : ضرورة مراعاة الحاجات المادية للمسلم، عن طريق توزيع عادل للثروات وتخصيص أموال للفقراء في أموال الأغنياء لتحقيق الأمن النفسي، ولمطاردة الخوف من المستقبل، فالنفوس المطمئنة على مستقبلها، والتي لا يهددها جوع تظل آمنة ويدفعها ذلك الأمن إلى مشاعر المشاركة الجادة في صنع مجتمعها، تعلقا بالحياة ودفاعا عن قضايا الإنسان، وكتب السيرة مليئة بالمواقف التي تعبر عن معاني المشاركة بين الأغنياء والفقراء، ومراعاة الحاجة في توزيع الغنائم والفيء، وتشجيع كل أوجه الصدقات المطلقة والمقيدة بمناسبات اجتماعية معينة.

ثالثا : خطورة الترف في مجتمعات التكوين، ذلك لأن الترف يدفع إلى الاسترخاء والتعلق بالحياة، ومجتمعات الدعوة مُطالَبة بأن تكون في موطن الاستعداد للدفاع عن عقيدتها ومقدساتها، والاسترخاء يضعف النفس لأن الغضب هو أداة الحمية الذي يهيء النفس للتضحية ويدفعها إلى القتال ويحضها على الاستشهاد دفاعا عن كرامة الإنسان، ومجتمعات الدعوة تظل يقظة حذرة، تقف باستمرار مستعدة لمواجهة الأخطار التي تطارد تلك الدعوة، وهذا ما نجده واضحا في السيرة النبوية، حيث نجد تلك النواة الأولى التي شكّلت أول مجتمع إسلامي بقيادة النبي صلى الله عليه وسلّم تعيش حالة تقشُّف وتواجه المصاعب الصبر، وتهاجر وتقاتل، وتتحمل آلام الغربة وقسوة الهجرة، وتكتفي بالقليل من متاع الدنيا، وتعيش على الكفاف لكي تظل النفس مهيأة للتضحية، متوثبة للنصر، تُعطي أجزل العطاء لدينها ولعقيدتها.

رابعا : أهمية تغذية مشاعر الإيمان في مواقف المواجهة، وهذه ظاهرة نجدها واضحة في العصر النبوي، الذي كان حافلا بمجالس القرآن الذي كان يغذي نفوس المسلمين بالإيمان، وكلما نزلت آية من آيات القرآن تلقفها المسلمون بقلوبهم وعواطفهم، وعاشوا معها يرددونها في كل مجلس، ويتداولونها حفظا في الصدور، وكأنها أنفاس الحياة لذلك المجتمع الوليد، وكان النبي صلى الله عليه وسلّم يوقد في كل يوم في قلوب أصحابه مشاعل الإرادة، حتى أصبحت التضحية خلُقا يتنافس فيه المتنافسون ويتسابق فيه المؤمنون، امتثالا لأوامر ربهم، وإيمانا بوعده.. وهذه التعبئة الإيمانية يه التي أعطت لذلك الجيل من الرواد تلك القدرة الفائقة التي مكّنتهم من اقتحام العالم المحيط بهم، من دول وحضارات، نشرا لدعوة الإسلام، وإسهاما في تحرير الإنسان.

خامسا : عدم التساهُل في القضايا التي تهدد الدعوة الإسلامية، وهذا المبدأ نجده واضحا في مواقف النبي صلى الله عليه وسلّم الذي رفض أن يساوم المشركين على أي أمر يمس سلامة العقيدة أو يهدد حرية المسلمين في ممارسة حقهم في العبادة، وبسبب هذا الموقف تتالت الهجمات متلاحقة تهدد مدينة الإسلام التي أنشأت مجتمعا متميزا في الجزيرة العربية، في عقيدته وسلوكه وأخلاقه، وعندما وقف اليهود مواقف غدر من المسلمين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلّم عن المدينة لكي يظل الوليد آمنا من أخطار المحيطين ممن لا يراعون عهدا ولا يلتزمون بوفاء.

سادسا : أهمية الأسباب المادية لانتصار الحق، وهذه القاعدة تؤكد أن قوانين الحياة تظل مهيمنة على الظواهر البشرية، ولا يمكن للحق أن ينتصر إلاّ عن طريق توفير أسباب النصر له، من رجال وسلاح وإرادة وتضحية، والدعوة التي لا تحمي نفسها بجندها المؤمن بها تظل مجرد أمنية تطاردها رموز الباطل، وقد أكدت مواقف السيرة النبوية أن الصحابة رضوان الله عليهم واجهوا المشركين بكل ما تتطلبه المواجهة من إعداد، وقاتلوا بكل ما يتطلبه القتال من تضحية، وكتب الله النصر للمسلمين، لأنهم أدوا الأمانة وقاتلوا بما يجب على المسلم أن يقوم به من إعداد وتضحية.

وهذه الأسس تؤكد لنا دور السيرة النبوية في فهم القيم الإسلامية والقوانين التي تؤدي إلى انتصار الدعوة، وهو أمر شديد الأهمية في تاريخ الأمم والشعوب، لكي لا تستسلم معتقدة بانتصار الحق على الباطل، فالحق لا ينتصر إلاّ برجاله المؤمنين به، ولو انتصر الحق بنفسه لكان الإسلام أولى بأن ينتصر في كل مواجهاته التاريخية.

وهناك أمر آخر تعلمنا إياه دروس السيرة النبوية وهو احترام إنسانية الإنسان، فالإنسان في ظل القيم الإسلامية التي تبرزها السيرة النبوية يظل في موطن الرعاية ولا تنتهك حرمة إنسانيته إلاّ بحق الله، فلا يُكرَه على اعتناق الإسلام، ولا يُعتدى على حياته وأمواله وأعراضه، احتراما لإنسانيته، واعترافا بكرامته.

وسوف يظل العهد النبوي في ذاكرة الأجيال المتلاحقة العصر الذهبي الذي يمثل سمو القيم الإسلامية، ونحن نحتاج في كل مناسبة أن نُعيد قراءة السيرة النبوية من جديد، لكي نصحح مسيرتنا وسلوكنا، ونعيد النقاء والصفاء إلى مفاهيمنا الإسلامية، لكي نجسد بصدق قيم الإسلام.

والفكر الإسلامي الذي يستمد مفاهيمه من السيرة النبوية لا يمكن أن يخطئ طريقه، ولا يمكن أن تعبث به الميول والأهواء والانحرافات، لأن السيرة النبوية تظل في ضمير المسلم قيما حية يستوحي هديها في كل موقف، يجد فيها الأمن والأمان.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s