المدارس الإسلامية في دمشق القديمة

حازم بهجت

المدرسة النوريةتحتل مدينة دمشق أو (جلق) كما كانت تسمى قديماً مكانة مرموقة في التاريخ الإنساني، فمنذ تشكل الحضارات الإنسانية الأولى وعبر التاريخ البشري، لم تمر حقبة أو مرحلة تاريخية إلا وكانت هذه المدينة حاضرة فيها بمختلف مظاهرها وتأثيراتها.

وينطبق ذلك على فترة الحكم الإسلامي، حيث شكلت مدينة دمشق مركزاً هاماً في تاريخ الدعوة الإسلامية منذ انطلاقتها وحتى يومنا هذا، فكانت مركزاً لطلاب العلم وكثرت فيها المدارس الإسلامية التي تخرج منها العديد من أعلام الفكر العربي والإسلامي.

و تعتبر المدارس الإسلامية من الصروح الفريدة التي أغنت التراث الإسلامي، وكانت أحد مراكز الإشعاع في المشرق لكل من يطلب العلم، ويسعى إلى تحصيل الفقه وامتلاك المعرفة، فكان المسجد هو المورد الأغنى للعلم والباب الأول للعلماء الذين تخرجوا منه، فأغنوا التراث بفيض فكرهم وغزارة علومهم، فدرسوا وألفوا وأفتوا، وأهم هؤلاء (أبي حامد الغزالي) و (شمس الدين بن القيم الجوزية) و (الإمام النووي) وغيرهم.

وأبدع الإمام (الغزالي) في التدريس فكان من أهم وألمع المفكرين في العالم الإسلامي، وهو لم يتجاوز بعد الرابعة والثلاثين، وكان يحضر عنده في المدرسة النظامية كبار العلماء، وحضر ذات مرة (ابن كثير) و (أبو الخطاب) و (ابن عقيل)، فتعجبوا من فصاحته وإطلاعه، وكان (ابن الجوزية) أيضاً من بين من تعلموا عنده، وقد أورد كل هؤلاء كلام ل (الغزالي) في مؤلفاتهم ومصنفاتهم.

زيادة أعداد المسلمين نتيجة انتشار الدعوة، واتساع رقعة الدولة الإسلامية، وكذلك تعدد فروع العلم والمعرفة، وظهور التخصص في الدراسة، كل هذا جعل من المسجد يضيق عن القيام بالمهام المنوطة به، فبعد أن كان يقوم بتدريس العلوم الدينية والدنيوية، بدأ التفكير من قبل السلاطين والأمراء، بإنشاء المباني المستقلة عن المسجد، ثم كانت تلك الصروح الإسلامية ذات الصفات المعمارية الفريدة، والمتناسبة مع الهدف الذي شيدت لتحقيقه.

وفي مطلع القرن الخامس الهجري، قام الوزير السلجوقي (نظام الملك) بتشييد العديد من المدارس في مدن المشرق الإسلامي مثل دمشق، بغداد، البصرة، أصفهان، نيسابور، الموصل، ويعتبر صاحب الفضل الأول في ذلك.

المدرسة النورية :

ومن بين هذه المدارس المدرسة النورية التي تعتبر المدرسة الأولى في سوريا، حيث قام السلطان “نور الدين محمود زنكي” ببنائها في دمشق عام 568ه  1172م، فنسبت إليه وأوقفها على أصحاب الإمام (أبي حنيفة)، وتقع (المدرسة النورية) في باب الفرج بمدينته دمشق، وظلت المدرسة قائمة بعد وفاته، ودفن فيها، وتحولت اليوم إلى مسجد يعرف بمسجد النورية.

وكان الملك (نور الدين) مطالعاً نهماً للكتب الدينية، ومتمثلاً بالأخلاق النبوية الشريفة ومطبقاً لتعاليمها، فوقف على كل من يعلم الأيتام الكتابة والقراءة ويعطيهم النفقة والكسوة، وهو أول من بنى داراً للحديث في دمشق لاستماعه وإسماعه، كما أوقف الملك (نور الدين) لصالح المدرسة النورية حصة من (بستان الميدان) في دمشق.

وكان ممن ولاهم مهمة التدريس في المدرسة الكاتب (العماد الأصفهاني) الذي أصبح فيما بعد كاتباً في الدولة الصلاحية، ويعرف بصاحب المصنفات والرسائل، كجريدة (النصر في شعراء العصر) و (الفتح القدسي) و (البرق الشامي) … الخ، ووصف آنذاك بأن منطقه يعتريه الجمود والفترة، وقريحته في غاية الجودة والحدة، فقال القاضي الفاضل لأصحابه يوماً : “قولوا فتكلموا”، وشبهوه بهذه الصفة فلم يقبلها القاضي، وقال : “هو كالزناد ظاهره بارد وداخله نار”.

مائة مدرسة دمشقية :

وصل عدد المدارس فيما بعد إلى ما يقارب المائة مدرسة في دمشق، وذلك في مطلع القرن العاشر، منها على سبيل المثال : (القيمرية – النجيبية – الغزالية – التدمرية – العادلية الصدرانية – الظاهرية – الشامية – السلطانية – الفردوس – العمرية – الشيخية – الجقمقية … ) وغيرها.

ولم تقتصر هذه المدارس في تلك الفترة على الوظيفة التعليمية فحسب، وإنما كانت أيضاً دوراً يولى فيها قاضي القضاة للنظر في بعض المسائل الفقهية عند اختلاف قضاة المذاهب أو غيرها من المسائل الأخرى.

واختلفت أشكال المدارس الإسلامية السورية من الناحية المعمارية، إلا أنها كانت تتقارب في نظام تخطيطها، وكانت تتألف من قاعات للتدريس وحجرات للمعلمين والطلبة، ومصلى وميضآت وبرك للماء، وأكثرها احتوى على مدفن مقبب لمنشئ المدرسة، كما اشتمل على أيوناً للتدريس صيفاً.

المدرسة العمرية :

كان ل (أبي عمر أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي) المعروف بالشيخ المجاهد، الفضل في إنشاء المدرسة العمرية الشيخية و نسبت إليه منذ أن بدأ بإنشائها عام (603 ه  1306م) وألحقت بالمدرسة العمرية تجديدات وزيادات وترميمات في عهود مختلفة، حين أضاف إليها القاضي (جمال الدين المرادي)، والأمير (ناصر الدين محمد بن منجال) أجزاء عديدة، حتى أصبح فيها 360 غرفة تتسع ل 500 طالب، وتدرس فيها جميع العلوم الدينية والدنيوية، كما كان يوجد فيها قسم لتعليم العميان، وآخر لتعليم الأطفال، وقد أوقفت هذه المدرسة منذ تأسيسها على تدريس علوم القرآن.

أما اليوم فقد آلت المدرسة بسبب ضياع أوقافها وعدم العناية بها إلى تلف أجزاء كثيرة منها وفقدان الكثير من مبانيها، وقد وضعت وزارة الأوقاف خطة لإعادة بناء المدرسة وترميمها نظراً لأهميتها الدينية والتاريخية.

كان للمدرسة العمرية الشيخية أوقاف عديدة، إلا أن امتداد أيدي العابثين والمستهترين، أدى إلى التصرف بأوقافها وسرقة مكتبتها بعد أن تم السطو عليها، ولعظمة هذه المكتبة يسترسل (عبد القادر بدران) في كتابه (منادمة الأطلال) قائلاً : “وقد كان بها خزانة كتب لا نظير لها، فلعبت بها أيدي المختلسين إلى أن أتى بعض الطلبة فسرقوا منها خمسة أحمال جمل من الكتب وفروا بها، ثم نقل ما تبقى، وهو شيء لا يذكر بالنسبة لما كان في خزنة الكتب في قبة الملك الظاهر”.

المدرسة الظاهرية :

سميت (المدرسة الظاهرية) وتقع إلى الشمال الغربي من الجامع الأموي، وترجع تسميتها بالمدرسة الظاهرية، لكون الملك الظاهر قد دفن فيها، وقد أمر ببنائها الملك (السعيد بن الملك الظاهر سنة 676 ه نزولاً عند رغبة والده، إلا أنه لم يشهد انتهائها إذ عاجلته المنية قبل إتمام البناء ليتم لاحقاً في عهد الملك (المنصور قلاون).

الناظر للمدرسة الظاهرية يجد أن واجهتها من الحجر المنقوش، ولها باب كبير مزخرف، وفيها قبة مزينة، وقبر يضم رفات الملك الظاهر وابنه، وباحة كبيرة تتوسطها بحرة ماء وعلى جوانب الباحة قاعة واسعة وتزيينات مختلفة.

تحولت المدرسة الظاهرية في عام (1294ه  1882م) إلى مدرسة ابتدائية رسمية، تتبع نظام التعليم المستحدث آنذاك، وعلق على بابها رقعة كتب عليها (مدرسة الملك الظاهر)، ومن ثم تحولت إلى مكتبة وطنية ضمت عدداً كبيراً من المخطوطات والمطبوعات التراثية.

المدرسة العادلية :

يرى الباحثون أن فن العمارة الأيوبية الرصينة والمتقشفة في هندستها وتخطيطها يبدو في كل من المدرسة العادلية الكبرى والمدرسة السلطانية، وتقع المدرسة العادلية إلى الشمال الغربي من الجامع الأموي بدمشق، فالملك العادل (سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب) قد تولى مهمة البدء في تشييدها عام (612ه 1215م)، ثم جاء من بعده ابنه (المعظم) ليعمل على إكمالها، ونقل إليها رفات والده.

وتجد أن الحرم في هذه المدرسة شكله مستطيل بنيت جدرانه من الحجر المنحوت، ويتخذ سقفه الشكل الهرمي المصنوع من الخشب، أما البوابة فتتوسط الواجهة الشرقية، التي تفضي إلى دهليز يشرف على صحن المدرسة المربع الشكل، ويتوسط هذا الصحن بركة ماء، ويقع المصلى في جنوب الصحن، والإيوان الكبير إلى شماله، أما غرفة (الأستاذ) فتتموضع تجاه المدخل، وكانت غرف الطلاب في شرق الطابق الثاني وغربه.

المدرسة السلطانية :

تقع المدرسة السلطانية تجاه قلعة (باب حلب)، وتعتبر من أروع الآثار الإسلامية، ومن أبدع ما صوره العصر الأيوبي من بناء، حيث تنسب إلى سلطان حلب الملك (الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي) الذي توفي قبل إتمامها عام (613ه  1216م)، فجاء الملك (شهاب الدين طغرل) وهو ابن الملك الظاهر ليستكمل بناءها سنة (620ه  1223م)، وقد أنشئت لتدريس المذهبين الشافعي والحنفي.

وتنقسم مساكن الطلاب في المدرسة إلى مجموعتين يفصل بينهما الباب الرئيسي، ويحيط بالغرف رواق، ويتم الصعود إلى كل مجموعة من خلال درج في الزاويتين الشرقية والشمالية الغربية، وتتميز باتساع الغرف في الطابق العلوي من الجهة الشرقية والغربية، مما يدل على أنها كانت مخصصة للمدرسين.

المدرسة الشامية :

في سوق ساروجة الدمشقي تقع المدرسة الشامية وهي تضم مسجداً ومقبرة، وتم إنشاؤها حوالي سنة (587ه  1189م) على يد (ست الشام) ابنة (نجم الدين أيوب)، وهو ابن أخت الملك الناصر (صلاح الدين)، وتوفيت (ست الشام) عام (616ه  1219م)، ودفنت فيها، بعدها أوقفت على العلماء المتفقهة من أصحاب الأمام الشافعي.

وللمدرسة الشامية صحن واسع، مستطيل الشكل تتوسطه بركة ماء حجرية، أما الحرم فيتقدمه رواق له أقواس ترتكز على دعائم حجرية، ويرتفع فوق المبنى مئذنة حجرية مربعة الشكل، وأهم ما يميز البناء التربة المسقوفة بعقود متقاطعة، تزينها كتابات ونقوش جصية جميلة، في التربة ثلاثة قبور : الأول لمنشئة المدرسة وابنها (حسام الدين)، والثاني لزوجها الأمير (محمد بن شيركوه)، والثالث لأخيها (توران شاه). ونقشت على القبور الثلاثة كتابات تاريخية، أما اليوم فيستعمل بناء هذه المدرسة مسجداً يعرف بجامع الشامية.

المدرسة الجقمقية :

تعد المدرسة الجقمقية من أبهى وأروع المدارس في زخرفتها وتصميمها، فهي تنفرد بفن المماليك في العمارة، من ناحية هندسة البناء وتزيينه، تصميمها يعتمد على نظام التعامد، فالصحن تتوسطه بركة ماء، تحيطه أربعة أواوين متوضعة على أعمدة ضخمة، ذات تيجان منحوتة وفوقها أقواس تحمل قناطر صغيرة مزدوجة ومفصولة بزخارف جميلة، هذه المدرسة بناها نائب الشام الأمير (سيف الدين جقمق) عام (822ه  1419) لتكون خاناً وتربة له ولوالدته بعد الوفاة، وقد اختار المكان الذي بنى عليه المدرسة محل مدرسة قديمة أحرقت زمن (تيمور لنك)، إلا أن بناءها لم ينتهِ قبل عام »824ه  1421م«، وذلك وفقاً للنص المؤرخ على باب المدرسة وواجهتها (في شهور سنة أربع وعشرين وثمانمائة).

وتقع (المدرسة الجقمقية) إلى الشمال من الجامع الأموي في دمشق، بجانب قبر (صلاح الدين الأيوبي)، وظلت المدرسة مركزاً للتعليم في دمشق إلى زمن ليس ببعيد، إلى أن أصابتها إحدى الطائرات المغيرة على دمشق زمن الحرب العالمية الثانية عام 1941 فتهدم قسم كبير منها، وتم البدء بترميمها عام 1972 لتصبح مقراً لمتحف الخط العربي.

ويعد المصلى من أهم أقسام المدرسة، حيث استخدم للصلاة والتدريس، جدارها القبلي يتوسطه محراب رخامي، وقد زينت جدران المصلى والتربة بمجموعات قيمة من الزخارف المختلفة المرمرية المنقوشة والمحفورة والمطعمة بالكتابات الملونة، وتم بناء جبهتا المبنى بالأحجار الملونة المزينة بالشريط الكتابي، الأولى منها في الشمال حيث المدخل الرئيسي فيها، وهو مرتفع تعلوه مقرنصات بديعة ونصف قبة مضلعة وأخرى في الشرق، ويعلو نافذتها صف عريض من الكتابة، ويعتمد على طول الجبهة بالإضافة إلى المقرنصات الجميلة التي تزينها.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s