من دمشق إلى قرطبة

حسن مؤنس

من دمشق إلى قرطبةتعودنا أن ننظر إلى الأندلس من خلال الدموع، فما يكاد لفظ الأندلس يصافح السمع حتى تفيض القلوب بالحسرات وتجري الألسن بعبارات الأسف على الفردوس الذي ضاع والمجد الذي ولي والعز الذي مضى مع أمس الدابر.

ذلك أننا معاشر العرب لم نتعود منذ خرج أجدادنا بدعوة الإسلام إلا الظفر، ولا نتصور أن ترتد رايتنا عن بلد رفرفت عليه مدة، ومنذ أن أنشأ محمد صلوات الله عليه أمته في المدينة، وأمرها في زيادة وظلها في امتداد، ولقد غالبتنا الأيام وغلبناها قرنا بعد قرن، وتقلبت بنا صروف الدهر بين نصر وهزيمة، ولكننا لم نخسر بلدا ضممناه إلى جمعنا، ولم تطو لنا راية في بلد رفعناها عليه إلا في حالة الأندلس، فقد قطعنا إليه الأرضين والفلوات وأدخلناه في دعوتنا وتكلم بلساننا واتجه وجهتنا، وتألقت حضارتنا فيه وتردد أذاننا على مآذنه من مخارم جبال (البرت) المعروفة بالبرانس إلى سفوح جبل الفتح المعروف بجبل طارق.

فلما استوى عوده وأثمرت رياضه، أصيب بما لم يصب به بلد إسلامي قبله أو بعده : تفرق أمره وانتشر نظامه ولم تنجح حيلة في ضم صفوفه، وطمع فيه العدو وأقبلوا يستغلبون بلاده واحدة بعد أخرى، واستصرخ أهله جيرانهم فاستجابوا، ومضوا يدفعون عنه البلاء، واستشهد منهم في ميادين الأندلس آلاف بعد آلاف، والخطر مع ذلك محيط به  لا يريم، كأنما هو قضاء قد  حم ولا حيلة.

ومازالت حواضر الأندلس تتهاوى كأنها أوارق خريف، حتى سقطت (غرناطة) أواخر القرن  الخامس عشر الميلادي، وغرق الأندلس في ليل الزمان الطويل، ولم تعد لدينا منه إلا ذكريات تبعث الحسرات، وحرص العدو على أن يزيل آثارنا من ذلك البلد، الذي كان لنا، حتى لم يبقي على مئذنة يتردد منها أذان، أو نفس يتردد بلغة العرب، أو قلب ينبض بدعوة الإسلام، ولم يبق باديا للعين منه غير حطام يطفو على الأمواج.

ولقد حل القضاء بهذا القطر وهو في ريعان شبابه : ففي السنين الأوليين من القرن الحادي عشر الميلادي كانت جيوش المنصور ابن أبي عامر قد جمعت شبه الجزيرة كلها إلى لواء العروبة والإسلام، ووصلت (شنت ياقب) في الطرف الشمالي الغربي واستعادت برشلونة، وفي السنة الثالثة من ذلك القرن توفي المنصور، وما هي إلا سنوات ست حتى انهار البناء وتفرق الأندلس وزلزلت خلافته زلزالا شديدا، وحلت بأهل البلد لعنة الإنقسام، وبدأت تصفية ذلك التراث العظيم، وهذا أشد ما يبعث الحسرة، فقد ضيعنا بلدنا بأيدينا، وتهاونا بأمره حتى ضاع، فهي حسرة وندم، وهي مأساة خلقية يستشعر كل منا نصيبه من مسؤوليتها.

ولقد كان الأندلس من بين أفراد الأسرة العربية الإسلامية أصغر الأبناء سنا، فقد فتح بعد الشام ومصر بنحو ثمانين سنة، وبعد بدء فتح المغرب بنحو سبعين سنة، وكان مع هذا من أنجب أبناء الأسرة وأسرعهم نضوجا، فقد تم فتحه أوائل سنة 95 للهجرة، وما وافى عام 138 للهجرة حتى استقامت فيه دولة عربية مروانية قوية العدد، مكتملة الأدوات، يرعاها عبقري من عباقرة قريش، عبد الرحمن بن معاوية المعروف بالداخل، وخلفه أبناء فحول عرفوا كيف يؤتلون الملك، ويشدون السلطان ويقيمون راية العروبة والإسلام.

فما قارب القرن  الهجري  الثاني على النهاية حتى كانت دولة الإسلام في  الأندلس تضاهي دولة بني العباس في المشرق، وأشرقت قلوب أهل البلد بنور الإسلام وجرت ألسنتهم بفصاحة اللغة العربية  على صورة لا نكاد تجد لها مثالا في قلب بلاد العروبة.

ففي ذلك الحين : (أواخر القرن الهجري الثاني وأوائل الثالث) نبغ في الأندلس من أهل الدين والفقه ورجال الأدب والفصاحة جمهرة لا نظفر بما يضاهيها في مصر مثلا، إلا في القرن الرابع الهجري على أيام الفاطميين.

ففي ذلك الحين كان يحكم الأندلس الحكم ابن هشام : أمير ذكي قادر حازم يذكرنا بجده عبد الملك ابن مروان، وتلاه عبد الرحمن الأوسط الذي جمع بين تقى عمر بن عبد العزيز وتدبير هشام بن عبد الملك وشاعرية الوليد بن يزيد، وأزهر بلاطه برجال يعدون من مفاخر العروبة والإسلام.

فيه الفقهاء من طبقة يحيى بن يحيى وعيسى بن مسكين وعبد الملك بن حبيب وزياد بن عبد الرحمن، وشعراء لازلنا نردد أشعارهم كيحيى بن حكم المعروف بالغزالي، وعباس بن فرناس واحمد بن عبد ربه، ومؤمن بن سعيد، وفيهم قادة خفقت فوق هاماتهم ألوية النصر، وساسة عرفوا كيف يديرون الأمر بأحكم مما استطاعه وزراء بني العباس دون عسف للناس أو جور في الجباية أو مصادرة لذي مال.

ويكفي أن نذكر بني عبدة، وبني شهيد، وبني فطيس، وبني رستم، وبني الزجالي، ومن إليهم ممن امتازوا بالإخلاص للدولة والحرص على صالح الرعية والتفاني في نصره الإسلام، وفي ذلك العصر بالذات كانت فارس ترتد من العروبة إلى الإيرانية، وبعد أن جرت ألسن أهلها بلغة العرب خلال الفترة الأخيرة من عصر بني أمية أخذت العربية تنحسر حتى تلاشى أمرها فيما يلي العراق شرقا.

وكانت الشام تجتهد في الحفاظ على كيانها وحدودها بعد أن صرف بنو العباس نظرهم عنها واشتد وزراؤهم من الفرس على عربها، وكانت عروبة مصر في دور التكون، لم تجر ألسنة عامة أهلها بعد العربية، ولم يفق أهلها بعد من دهشة الفتح الإسلامي، وكان المغرب يستعرب رويدا رويدا تفرق أهله نزعات العصبية وخلافات المذهبية، ما بين سنية مالكية تؤسس نفسها في القيروان، وشيعة حيرى لا تستقر على حال قي تاهرت، وتشيع ضعيف غير واضح عند أدارسة فاس، وإباضية وصفرية وخارجية تتنازع قبائل البربر وتتقاسمهم.

في ذلك الحين كان الأندلس وهو أقصى بلاد الإسلام قربا وأحدثها مولدا قد أصبح بلدا عربيا إسلاميا صرفا، له شخصيته العربية وكيانه المتنقل القوي وشعبه الذكي الدؤوب، وأزهرت قرطبة حتى فاقت الفسطاط والقيروان والبصرة والكوفة وما إليها من عواصم الإسلام الأولى، وربما كان ذلك النضج المبكر والتصعيد السريع من أسباب الأفول المبكر أيضا، فإن ذكاء المرء محسوب عليه، والشهاب المتوهج يخبو بأسرع مما يتلاشى في ظلام الأفق نور النجم الصغير الذي يتألق على بعد في هدوء …

ولقد ذهب الناس مذاهب شتى في تعليل هدا النضج الباكر الذي يبعث على العجب، والأندلسيون أنفسهم كانوا يردونه إلى امتيازهم على غيرهم بالذكاء وحسن الاستعداد، وكان لهم بأنفسهم زهو واعتداد يبغضانهم في بعض الأحيان إلى معاصريهم، وكانوا هم حريصين على أن يظهروا للناس امتيازهم، فكان شعراؤهم يزرون بشعراء المشرق ويأبون إلا أن يضاهوا أعلامهم، وكان فقهاؤهم لا يرضون عن فقه المشارقة حتى أنهم لم يأذنوا لحنفي أو شافعي بالاستقرار في بلدهم.

فإذا ذهب طلابهم إلى المشرق وجلسوا في قاعات الدرس لم يكن لهم هم إلا إحراج الشيوخ والسخر مما يقولون، فإذا وفد عليهم أديب أو عالم مشرقي تجمعوا حوله وأخذوا يتتبعون سقطاته وأخطاءه، حتى تضيق به الحياة في بلدهم.

وأما أهل الجغرافية فينسبون ذلك إلى أن الأندلس  جمعت بين الإقليمين الرابع والخامس، فإذا كانت قرطبة وما وازاها في الرابع فان سرقسطة في الخامس، وكان الناس يرون أن خير البشر هم أهل هذين الإقليمين، وقد جمعوا للأندلس خيراتهما جميعا، بل أضافوا إليه فضائل أقاليم أخرى : قال أبو عبيد البكري : “الأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جبابتها، صينية في جواهر معادنها، مدنية في منافع سواحلها.

وربما تعرضنا لكثير من الخطأ إذا ذهبنا نطلب أسباب ذلك النضوج المبكر، لأن مراجع تاريخ الأندلس الأصيلة قد ضاع معظمها، فلم يبق لنا مما كتب آل الرازي وابن حيان وغيرهم إلا قطع صغيرة متفرقة تتعلق بعصور دون عصور، ونواح دون نواح، وليس لدينا عن الأندلس في عصره الأول شيء مفصل يشبه ما كتبه ابن عبد الحكم والكندي والمقريزي عن مصر، وما كتبه  الحافظ بن عساكر عن الشام، أو ما كتبه الخطيب البغدادي عن بغداد.

وذلك العصر الأول هو الذي يهمنا في هذه الدراسة، ولو عثرنا على ما كتبه أحمد بن محمد الرازي وابنه عيسى وراويتهما أبو مروان بن حيان عن الأندلس في عصر الولاة وعن قيام دولة عبد الرحمن الداخل، لاستطعنا أن نتحدث في شيء من الإطمئنان، أما والحال كما نرى فليس أمامنا إلا فروض وآراء، نجمع لها الأدلة مما بين أيدينا من أحاديث متفرقة وروايات متناثرة.

ولقد رأينا أبا عبيد البكري، يقول : أن الأندلس شامية في طيبها وهوائها، ويردد ذلك القول معه معظم من كتب عن الأندلس، بل ذهب بعضهم إلى المطابقة بين الشام والأندلس، فقالوا أن قرطبة هي دمشق، أو أن غرناطة هي دمشق، وإشبيلية حمص، وباجة هي قنسرين، وما إلى ذلك.

ولم يكن قولهم هذا مجرد تشبيه شعري بل هو يستند إلى واقعية تاريخية يعرفها الملمون بتاريخ الأندلس، خلاصتها أن أبا الخطاب الحسام بن ضرار الكلبي أحد ولاة الأندلس قبل دخول عبد الرحمن، ضاق بما كان بين اليمنية والشامية من حروب في الأندلس، فرأى أن يفرق جند الشامية في النواحي ليبعدهم عن العاصمة، فاختار لكل طائفة منهم ناحية تشبه موطنهم الأصلي في الشام، ففرقهم في خمس كور هي إشبيلية وجيان وباجة وريه وإلبيرة، فنزلوا بلادا مثل بلادهم واستقروا فيها وكثروا وتمولوا، وأطلق كل منهم اسم موطنه القديم من الشام على موطنه الجديد في الأندلس.

وربما رد الأندلسيون امتياز أنفسهم على غيرهم إلى تأثير النجوم أو إلى انتشار العرب في أقطارهم واختلاطهم بأهلها، فابن غالب مثلا يقول في كتابه (فرحة الأنفس) أن بطليموس جعل لهم من أجل ولاية (الزهرة) لبلادهم حسن الهمة في الملبس والمطعم والنظافة والطهارة والحب للهو والغناء وتوليد اللحون، ومن أجل ولاية (عطارد) حسن التدبير والحرص على العلم وحب الحكمة والفلسفة والعدل والإنصاف”، ثم يقول بعد ذلك : “وأهل الأندلس عرب في الأنساب والعزة والأنفة وعلو الهمم وفصاحة الألسن وطيب النفوس وإباء الضيم وقلة احتمال الذل والسماحة في بما في أيديهم والنزاهة عن الخضوع واتيان الدنية، هنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم وحبهم فيها وضبطهم لها وروايتهم، بغداديون في نظافتهم وظرفهم ورقة أخلاقهم ونباهتهم وذكائهم…”، إلى آخر كلامه الذي لم يغادر فيه فضيلة من فضائل البشر إلا نسبها إلى أهل بلده.

والقارىء لمثل هذه الأقوال يرى أن الأندلسيين كانوا يعتقدون اعتقادا راسخا بأن الله خصهم بما لم يخص به غيرهم، وكانوا لا يرون حرجا في التحدث عن أنفسهم في فخر المعجب بنفسه، المدل على غيره، فقد كانوا يرون أن ذلك أمر مسلم به لا يحق لأحد أن يماري فيه، وإنما هم كانوا يبحثون عن أسباب هذا الامتياز.

ولو مضينا نقرأ ما كتبوه عن أنفسهم في ذلك المعنى لعجبنا من ذلك الشعور العام الذي كان يملأ نفوسهم بأنهم ممتازون، بل لوجدناهم يتسابقون في ذلك، فما قال قائل منهم شيئا إلا استقله غيره وزاد عليه، فعلي ابن سعيد مثلا يورد كلام ابن غالب الذي ذكرناه ثم يقول : “يعلم الله تعالى أني ما أقصد إلا إنصاف المنصفين الذين لا يميل بهم التعصب ولا يجمع بهم الهوى، ولكن الحق أحق أن يتبع، فلعل مطلعا يقف على ما ذكره ابن غالب، فيقول : هذا الرجل تعصب لأهل بلده، ثم يغمس المتابع له والراضي بنقل قوله، ويحمله على ذلك بعده عن الأرضين : ولو أبصروا ليلى أقروا بحسنها وقالوا بأني في الثناء مقصر”.

ويذهب ابن حزم إلى أبعد مما ذهب إليه ابن سعيد في الاعتزاز بأهل بلده وفضائلهم، وإذا كان ابن سعيد داعية كثير الكلام والتأليف دون علم كثير، فإن ابن حزم في الذروة من علماء الإسلام سعة إطلاع ودقة فهم وقوة حافظة وقدرة على الجمع والتأليف والتدوين، وهو لهذا يسلك في التدليل على امتياز الأندلسيين مسلك العلماء، فينشئ رسالة في فضل الأندلس لا يدع فيها عالما من علماء المشرق إلا وضع بإزائه رجلا من رجال الأندلس وقال أنه أعلم منه وأعظم، ثم يأتي  بالأحاديث النبوية الشريفة ويستخرج منها ما يدل على شهادة الرسول صلوات الله عليه بفضل الأندلسيين على غيرهم.

ثم يقول : “وأما في قسم الأقاليم فإن (قرطبة) مسقط رؤوسنا ومعلق تمائمنا مع (سر من رأى) في إقليم واحد، فلنا من الفهم والذكاء ما اقتضاه إقليمنا، وإن كانت الأنوار لا تأتينا إلا مغربة عن مطالعها على الجزء المعمور، وذلك عند المحسنين للأحكام التي تدل عليها الكواكب ناقص من قوى دلائلها، فلها من ذلك على كل حال حظ يفوق أكثر البلاد بارتفاع أحد النيرين بها تسعين درجة، وذلك من أدلة التمكن في العلوم والتفاني فيها عند من ذكرنا، وقد صدق ذلك الخبر وأبانته التجربة”.

ويؤيد ذلك ابن بسام في فاتحة الذخيرة، ويعلل الامتياز بان أشراف عرب المشرق افتتحوها وسادات أجناد الشام والعراق نزلوها، فبقى النسل فيها في كل إقليم على عرق كريم، فلا يكاد بلد منها يخلوا من كاتب ماهر وشاعر قاهر .. ثم يقول : أنه ألف كتابه مضاهاة ليتيمة الدهر للثعالبي في فضائل المشارقة، لكي يثبت أن أهل الاندلس أذكى وأفهم وأقدر، وقد أورد المقري في النفح رسالة ابن حزم، وعقب عليها برسالة الشقندي في فضل الأندلس وامتيازها على المغرب.

و واضح جدا أن هذه الأمثلة التي ذكرناها إنما تدل على شعور قومي صحيح كان يعمر قلوب أولئك الأندلسيين، وإذا كان أهل الأقطار الإسلامية الأخرى يعتزون بأمة العرب عامة، ولا يرون إلا أنهم مواطنون في الدولة العربية الكبرى، فلا يعتز أهل بلد منهم على أهل بلد، فإن الأندلسيين كانوا يشاركون غيرهم في ذلك ثم يميزون أنفسهم من دون الناس، ولم يكن شعورهم هذا مجرد حماس أدباء، بل كان حقيقة يؤيدها سلوكهم العام، فتجدهم خارج بلادهم متضامنين متكافئين، ما نزلوا بلدا إلا كانت لهم فيه جالية متماسكة يعين بعضها بعضا ثم يعينون القادم الغريب منهم على الحياة، ففي مدائن المغرب كلها من فاس إلى القيروان كانت الجاليات الاندلسية قوية متماسكة حريصة على أن يكون لأفرادها السبق والامتياز، وكانت لهم في مصر جالية غنية ترعى شؤونهم، أما في الشام والحجاز فكان هناك من الأندلسيين من وقف ماله على رعاية شؤون أهل بلده، وذلك واضح في رحلة ابن جبير.

وربما بدا لنا أن هذا الشعور القوي الأندلسي يتنافى مع ما أصاب الأندلس من نفوق وضياع، وإذا كان هذا مبلغ حبهم لوطنهم فكيف استغلب النصارى بلادهم واحدة بعد أخرى دون أن ينهض الجميع للدفاع ؟ والحقيقة لا تعارض بين الأمرين، والسبب فيما وقع يرجع إلى طبيعة شبه الجزيرة الإبيرية، فإن الظروف الجغرافية تنحو إلى تفريق أهل البلاد وقصر اهتمام أهل كل ناحية على ناحيتهم، فإن سلاسل الجبال تشقها من شرق إلى غرب، وتقسمها إلى نواح يعسر الإتصال بين بعضها البعض وخاصة في العصور الوسطى.

فإن أهل قرطبة مثلا لم يكونوا يستطيعون الوصول إلى طليطلة إلا إذا داروا حول جبل الشارات، فساروا مع الوادي الكبير حتى منابعه تقريبا، ثم ساروا بحذاء مجرى نهر (شقر) ليتجنبوا جبال طليطلة، ثم دخلوا إقليمها من ناحيته الشرقية.

ولم يكن أهل طليطلة ليصلوا إلى إقليم سرقسطة إلا إذا داروا شمالا حول جبال بلنسية ووصلوا إلى دروقة وقلعة أيوب، وكذلك الحال مع إشبيلية وما يليها غربا، ومن ثم فقد كان الاتصال بين نواحي الأندلس عسيرا يتكلف الناس فيه مشقة كبرى، وكان هذا من أكبر المصاعب التي صادفت أمراء بني أمية وخلفائهم في حكم الأندلس.

وقد كان كثير من النواحي معظم الوقت مستقلا بنفسه خارجا عن سلطانهم المباشر، كما نرى في تاريخ إقليمي طليطلة وسرقسطة، وقد نمى ذلك فيهم شعورا قويا بالمحلية، ولم يكن يجمع هذه النواحي كلها إلى لواء واحد إلا أمراء بني أمية، فقد قضوا أعمارهم كلها يضمون النواحي ويقضون على نزعات الإستقلال وقد تكلفوا في ذلك عناء عظيما، لأن شعورهم بوحدة الأندلس كان عظيما، وهم أول من وحد شبه الجزيرة الإبيرية إلى لواء واحد.

ولا شك في أن شبه الجزيرة لم يتحد في يوم من الأيام، في الماضي أو الحاضر كما اتحد أيام عبد الرحمن الناصر، والمنصور محمد ابن أبي عامر، فلما ذهب أمر بني أمية ذهب أمر الوحدة، فقد كانوا رموزها والعاملين عليها، وتفرقت الأندلس أيادي سبأ واستحال توحيدها بعد ذلك، فكان ذلك سبب ضياعها فرادى ثم جملة ..

ولقد دافع أهل كل ناحية في الأندلس عن ناحيتهم ما أمكنهم الدفاع، واستشهد منهم في الصراع آلاف بعد آلاف ولكنهم مفرقين والعدو متحد، كانوا في طريق الضعف والعدو في سبيل القوة، ولم يتبينوا ذلك إلا بعد فوات الأوان واستحكام الداء ووقوع المحذور، ولقد ذكر أهل الأندلس لبني أمية هذا الفضل، وتحسروا على أيامهم بعد أن مضت مع أمس الداير.

وأضحت المروانية عند الأندلسيين أسطورة عاطفية، لا يكتب واحد منهم إلا ترحم على المروانيين؛ فابن حيان يبكيهم في كل صفحة من صفحات تاريخه، وابن حزم يتعصب لهم ولا يخلي كتابا من كتبه من مدائحهم، حتى سلائلهم الذين عاشوا في ظلال الخمول بعد زوال أمرهم يخصص لهم المقري في نفح الطيب صفحات بعد صفحات، ويتتبع لآثار من عرفه منهم في حنان ورقة عظيمين.

بل أن أبا بكر العربي يتصدى للدفاع عن الأمويين عامة في كتابه (العواصم من القوا صم)، ويذهب إلى حد الدفاع عن يزيد بن معاوية وتنقص من انكروا خلافته وخرجوا عليه ..

وفي عصر الولاة كان النزاع بين الشاميين واليمنيين عنيفا متصلا حتى كاد يودي بالأندلس جملة، كما أودى نزاع عرب صقلية ببلدهم، ولكن الغلبة في معظم الأمر للشامية على اليمنية، بحيث نستطيع القول بأن الأندلس في عصر الولاة كان طعمة لعرب الشام، وخاصة بعد مجيء طالعة بلج بن بشر من الشاميين.

فلما أقبل عبد الرحمن كان اليمنيون أول من نهض لنصرته وتأييده، فلما استقر له السلطان جعلوا يدلون عليه بفضلهم، وحسبوا أنه صنيعة أيديهم، ولكنه كان من الحصافة وبعد النظر والقدرة بحيث رد مطامحهم وقضى على محاولاتهم، واستعان في ذلك بالشاميين ومن وفد عليه من المروانيين، ثم ساوى بين الجميع، فلم يفضل شاما على يمن ولا يمنا على شام، ونهج في سياسته منهجا عربيا خالصا استوى فيه الجميع ما بين بلديين وشاميين، بل ساوى بين العرب والمتعربين ومن آثر الاستمساك بدينه من أهل البلاد، فقامت الوحدة على يديه ومضى الأندلس في طريقه صعدا.

غير أنه وهو المرواني الأصيل، لم يستطع أن يقيم دولته إلا على الأسس التي قام عليها عز بني مروان في المشرق، وقد كان عبد الر حمن على بعد بلاده عن المشرق والشام وعلى قصر المدة التي قضاها في الشام – اذ أنه غادرها فارا من العباسيين وهو في حدود العشرين من عمره –  شامي الروح أموي الاتجاه، مرواني السياسة.

وبينما كان معاصره أبو جعفر المنصور يلتمس أسس دولته العباسية في سوابق الفرس وقواعدهم في السياسة والحكم، اتجه عبد الرحمن اتجاها عربيا خالصا مستوحيا أصول الحكم من سياسات أسلافه من أقطاب بيت بني أمية، فهو يميل نحو معاوية بن أبي سفيان حينا، ونحو مروان ابن الحكم حينا، ونحو عبد الملك بن مروان ثالثا.

وكان معاصروه ومن أرخوا له يرون ذلك بوضوح، حتى لقد زعم القصاصون أنه منذ كان صبيا كانت نفسه تحدثه بملك الأندلس، وأنه كان متفتح الذهن والقلب، فينظر وهو صبي إلى ما يفعله خلفاء المروانيين ويعيه ليقيم أمره عليه فيما بعد، فلما أقام دولته أنشاها على غرار ما فعل أسلافه، قال ابن حيان : “ولما ألفى الأندلس ثغرا قاصيا” غفلا من حيلة الملك عاطلا، أرهف أهلها بالطاعة السلطانية وحنكهم بالسيرة الملوكية، وأخذهم بالآداب، وأقامهم على الطريقة، وبدأ فدون الدواوين ورفع الأواوين وفرض الأعطية، وعقد الألوية وجند الأجناد ورفع العماد وأوثق الأوتاد فأقام للملك  آلته وأخذ للسلطان عدته”.

ولم تكن هذه الطريقة التي أقام عليها عبد الرحمن دولته إلا طريقة بني أمية المشرقيين، وهي طريقة عربية بسيطة لا تعرف تعقيد أساليب الفرس ومناهجهم في الحكم، وتقوم على أساسها على الإبتعاد عن مظاهر الأبهة وتبسيط أداة الدولة، والإتصال المباشر بين الحاكم والمحكوم والأخذ بالشورى في حدود ضيقة، أي الاعتماد في الرأي على نفر من المخلصين من أنصار البيت الحاكم ومواليه ووجوه أهل البلد، ثم الاعتماد في الناحية العسكرية على الجند العربي وما ينضاف إليه من الموالي والأتباع.

وفي هذه الحدود وضع عبد الرحمن نظام دولته على طريقة محكمة عرفت في التاريخ الأندلسي بالتقليد الشامي، وقد سار عليه أمراء بني أمية وخلفاؤهم في الأندلس بأحسن مما سار عليه أسلافهم المشرقيون وكان السياج الذي حمى دولتهم وشد أركان ملكهم فاستقام به أمرهم قرنين ونصفا، ولم يضطرب الأمر إلا عند ما تخلو عن ذلك التقليد، واتجهوا إلى أساليب العباسيين في عصر الطوائف.

وقد بدأ عبد الرحمن كما قلنا بالتسوية بين رعيته جميعا، وأزال الحدود في المعاملة بين طوائف العرب وبينهم وبين موالي البيت الأموي والمولدين والمستعربين من أهل البلاد، ثم اختار نفرا من أنصاره وموالي بني أمية ففرق فيهم الأعمال والوظائف والقيادات، وجعل التقدم فيهم للشاميين من العرب والموالي خاصة، لأنهم أعرف بالطريقة وألصق بالبيت وأقدر على شؤون الحكم.

فظهرت بيوت بني عبدة وبني شهيد وبني حدير وبني فطبس ومن إليهم، ونجم من أفرادها رجال حملوا عبء الدولة وأخلصوا لها جيلا بعد جيل، حتى لتستطيع ان تؤرخ لهذه البيوت بيتا بيتا في خطوط متوازية مع البيت الأموي نفسه، لأن السلطان كان موزعا بينهم وبين الأمير أو الخليفة على نحو ضمن توزيع المسؤوليات والسلطات وتركيزها في آن واحد.

فلم يكن هناك وزير مستأثر بالأمر جامع للسلطات والمسؤوليات في يده، كما كان الأمر مع العباسيين في المشرق، بل كان هناك نفر من الرجال يتولى كل منهم ِشأنا من شئون الإمارة :  هذا لشؤون المال، وذاك للكتابة، وآخر للقيادة وما إلى ذلك، ولم يكن الإختصاص ثابتا، بل كان الأمير ينقلهم من عمل لعمل كما يريد.

وشمل ذلك القيادة أيضا، فلم يكن هناك رجال مختصون بقيادة العسكر، بل يعهد الأمير إلى من يشاء في قيادة البعوث، ومن ثم فلم يستأثر بشؤون المال نفر من الجهابذة يسيؤون إلى الدولة وإلى الناس، ولم يختص بشئون الجند نفر من القادة يخشى وثوبهم بالسلطان وانقلابهم عليه، وبهذا بقى الود متصلا بين هذه البيوت وبيت الإمارة من البداية الى النهاية.

وظهر من أولئك الرجال أفداذ يعدون بين عظماء الإسلام كتمام بن علقمة، وعبد الكريم بن مغيث، وأبي العباس أحمد بن أبي عبدة، وأبي عامر بن شهيد، وعبد الرحمن ابن رستم، ومن إليهم.

وقد يبدو غريبا أن نقول أن بني أمية الأندلسيين على طول تاريخهم لم ينكبوا وزيرا ولم يصادروا عاملا، وكان قصارى ما يفعلون إذا لم يرضوا عن أحد أن يصرفوه عما بيده من أمر ويتركوه في نعمته مجردا من السلطان، وهذا هو أساس نظام الوزارة الأندلسية القريب من نظام الوزراء في العصر الحديث، وقد ميز بنو أمية واحدا من وزرائهم وجعلوه أشبه برئيس الوزراء وسموه الحاجب، ولكنه لم يكن كحجاب المشرق غليظا على الناس مستبدا بأمرهم، لأن مهمته الحقيقية لم تكن حجب الأمير عن الناس بقدر ما كانت مهمة تنسيق وتيسير لأمور الوزراء.

وكانت قصور أمراء بني أمية الأندلسيين شديدة الشبه بقصور أسلافهم المشرفين من ناحية البساطة والبعد عن التكلف والأبهة، بل ربما كان من التجوز أن يطلق عليها أسم القصور، فقد كانت في الحقيقة بيوتا كبيرة بسيطة البناء، هي أقرب إلى قصور البوادي التي أغرم خلفاء بني أمية المشرقيين بسكناها بل كان الأغلب على أمراء المراونيين الأندلسيين أن يقيموا في قصور ريفية يتخذونها وسط الرياض أو في الريف.

وكانت الحياة في الأندلس إلى نهاية القرن الرابع الهجري بسيطة ساذجة بل أقرب إلى البداوة، فلم يعرف الأمراء أو آل بيتهم أو وزراؤهم في المشرق حياة بعيدة عن الطريق الطبيعي البسيط السليم، بل كانت قرطبة على اتساعها وغناها وتوفر أسباب الحياة فيها بلدا بسيطا ساذجا لا تكلف في أبنيته أو تألق في قصوره ومساجده ومبانيه، وكانت الحياة فيها أقرب إلى بساطة الحياة في دمشق أيام الأمويين.

ولقد أجمع المؤرخون على أن الأندلس انتقل من سذاجة البداوة إلى فخامة الحضارة على أيام عبد الرحمن الأوسط، ونسبوا معظم الفضل في ذلك إلى علي بن نافع الموسيقي المعروف بزرياب، فقالوا أنه هو الذي علم الناس لبس القطن في الصيف والصوف في الشتاء وبصرهم بأساليب تصفيف الشعر وأزياء الثياب وآداب المجتمع وعلمهم التأنق في الطعام والشراب وما إلى ذلك، وهذا كله أشبه بالأسطورة صاغها خيال القصاص حول ذلك الموسيقى الخبير بشؤون الدعاية لنفسه.

والثابت لدينا على أي حال أن أحوال المعاش أيام الحكم المستنصر مثلا لم تكن تختلف عما كانت عليه أيام عبد الرحمن الأوسط، فظلت السذاجة هي الطابع المميز للحياة الأندلسية، ولم يتسرب إليها الفساد الذي يصاحب الإسراف في الحضارة إلا بعد زوال البيت الأموي وضياع تقاليده العربية الشامية واتجاه الأندلسيين إلى تقليد العباسيين على أيام الطوائف.

ومن ثم فإن تشبيه قرطبة بدمشق تشبيه صحيح، فكما كانت دمشق الأموية مدينة بسيطة يقع معظمها على الشاطىء الأيسر لنهر بردى، مركزها الجامع الأموي يقوم قصر الخليفة على مقربة منه، وتحيط بها الأرباض، فكذلك كانت قرطبة الأموية بلدا بسيطا ساذجا يقع معظمه على الضفة اليسرى للوادي الكبير تحيط بها الأرباض والمنى (جمع منية)، والبلاطات (جمع بلاط)، وهو القصر أو البيت الريفي تحيط به الحدائق.

وكما كان الجامع الأموي في دمشق بناء عظيما متسع الأرجاء بسيط الهندسة يأخذ  القلب بجلاله قبل أن يأخذ العين بجماله، فكذلك كان مسجد قرطبة الجامع بناء عظيما متسع الأرجاء لا يمتاز بالحلبة بقدر ما يمتاز بالجلال والرواء، وقد بدأ في بنائه عبد الرحمن الداخل على مثال الجامع الأموي في دمشق.

وقد استعمل العرب فيه العقد المخموس، وجعلوا العقود طبقتين حتى يكون ارتفاع السطح مناسبا لاتساع المساحة، وكانت المرة الثانية التي استعملوا فيها العقد المخموس والعقود المزدوجة في جامع قرطبة، فكان ذلك رمزا على الصلات الكثيرة التي تربط بين دمشق الشام وقرطبة الأندلس، صلات بشرية حضارية ثقافية.

فأما البشرية فقد كانت قرطبة قاعدة شامية شط مزارها في أقصى الغرب، وكان أميرها ورجالها أمويين شاميين إلى جانب من كان فيها من القوط والأيبيريين، وإذا صحت الرواية التي تقول أن موسى بن نصير أرسل ثلاثين ألفا من أسرى القوط إلى الخليفة الوليد في دمشق، ففرقهم في أهلها، فقد كانت في عروق الدمشقيين إذ ذاك دماء قوطية تزيد التشابه بين أهل البلدين.

وأما الحضارية فقد سارت قرطبة على نهج دمشق من حيث هندستها وطرز بيوتها وأسلوب الحياة فيها، وكما يطل جبل قاسيون على دمشق المشرق، فكذلك كان جبل الشارات المعروف بسيرا مورينا يشرف على دمشق الأندلس، وكما كان نهر بردى يمر شمالي دمشق القديمة تقوم عليه القناطر والحنايا، فكذلك كان الوادي الكبير يمر جنوبي قرطبة الأموية تقوم عليه قنطرة الوادي ذات الصيت البعيد في الأدب والتاريخ الأندلسيين، وكما ازدانت دمشق برصافتها فقد ازدهرت قرطبة برصافتها.

وما من قصر شاده الأمويون في دمشق إلا شاد خلفاؤهم في قرطبة مثله، بحيث يخيل للإنسان وهو يقرأ أوصاف البلدين أن هناك دمشقين أو قرطبين، أو أن هناك مدينة واحدة يفصل بين شطريها ذلك البحر الواسع الذي يسمى بحر الروم وهو أحق أن يسمى بحر العرب.

وما هذا التشابه بين البلدين بوليد المصادفة وإنما هو رمز على ما كان وما ينبغي أن يكون للعرب من سلطان على ذلك البحر، وما خلفوه للدنيا من تراث حضاري يضم قارات العالم القديم على بساط واحد، ويربط بين دمشق وقرطبة بسلسلة من العواصم ومهاد الحضارات : الفسطاط والقاهرة فالقيروان فالجزائر فتاهرت فتلمسان ففاس فطنجة فغرناطة ثم قرطبة.

ثم تتصل السلسلة صاعدة إلى وادي الحجارة فسرقسطة ثم تطيلة ودمشقة ولاردة وبنبلونة على سفح جبال البرت، ثم تعبر البرت ولا تقف إلا عند أرجونة جنوبي فرنسا، فقد ظلت حاضرة أسلامية مدى ثلاثين سنة، وقد اتخذها عامل الأندلس عقبة ابن الحجاج مركزا ومقام، يحكم منها الأندلس ويوالي غزواته في الأرض الكبيرة حتى يصل إلى سانس على أميال قليلة جنوبي باريس.

فالرحلة من دمشق إلى قرطبة إنما هي رحلة خلال تاريخ الإسلام وحضارته، وهي أطول الرحلات الحضارية في التاريخ الإنساني كله، وأذخرها بالخير وأحفلها بالعبرة لمن يعتبر وأن الإنسان ليشعر إذا ما انتقل اليوم من دمشق إلى قرطبة، وأفضى إلى صحن الجامع الأموي الخالد، بأنه قطع في الواقع ثلاثة عشر قرنا من تاريخ الإسلام بين صعود وهبوط.

وما وقفنا مرة بين مئات الأعمدة الساحقة في ذلك الجامع القرطبي العزيز إلا خيل إلينا أن الصمت المحيط بنا يتكلم، وأن كلامه يحوي من العبرة ما لا تضمه المجلدات، بل ما وقفت في رهبة هذا الجامع إلا خيل إلي أنني أسمع صوت أبي البقاء صالح بن شريف الرندي يردد من نونيته المشهورة :

دهى الجزيرة أمر لا عزاء له                        هوى له أحد وانهد نهلان
أصابها العين في الإسلام فارتزأت                حتى خلت منه أقطار وبلدان
فاسأل بلنسية ما شأن مرسية                   وأين شاطبة أم أين جيان
وأين قرطبة دار العلوم فكم                         من عالم قد سما فيها له شان
وأين حمص وما تحويه من نزه                      ونهرها العذب فياض وملآن
قواعد كن أركان البلاد فما                          عسى البقاء إذا لم تبق أركان

ومن غريب الأمر أن قرطبة لم تجد من يرثيها حق رثائها عندما استغلبها العدو سنة 1236م/633هـ، لقد طال شعراؤها في رثاء طليطلة ومرسية وبلنسية وغيرها مما ضاع قبلها، فلما حان حينها لم تجد من يودعها الوداع الحقيق بمقامها من تاريخ الأندلس، وبعد ثلاثة عشر عاما، أي عام 1248م/646هـ ضاعت إشبيلية وعظم الخطب عن المقال ..

ولكن قرطبة رثت نفسها بنفسها، فهي من ذلك التاريخ بلد حزين صامت يلبس غالب السواد، وإذا أنت تمشيت في شوارعها اليوم ما وجدت إلا بلدا حزينا صامتا يخيم عليه الوجوم حتى ليسمونها بالسلطانة الحزينة، وللإسبان المحدثين في هذه السلطانة الحزينة أشعار وأغان تهز النفس هزا.

وإن من قرأ شيئا للشاعر فديركو جارثيا لوركا ليشعر بأن معظم شعر هذا الشاعر سواء أكان في مقطعاته أو مسرحياته، إن هو إلا رثاء طويل لسلطانة بلاد الغرب الإسلامي العزيز .. حتى الموسيقيون إذا أشاروا الى قرطبة في أنغامهم أخرجوا لحنا حزينا يعبر عما أصاب هذه الملكة العزيزة على يد الدهر الغادر، وأمامنا قطعة “أندالوسيا” لمانويل دي فاليا، فالفقرة الخاصة بقرطبة منها ما هي إلا صبب دموع وآلام.

وربما وجدنا تناقضا بين هذا وما تحفل به كتب الأدب من أحاديث اللهو والمتعة التي تفيض بها كتابات من ذكروا مجالس قرطبة من أهل الأدب والتاريخ : أين ملاعب الشباب ومجالس الأحباب التي يحدثنا بها ابن حزم في ذكرياته التي ضمنها كتابه طرق الحمامة؟ أين مجالس الأنس التي تحفل بها كتابات ابن خاقان في المطمح والقلائد؟ أين ليالي السرور التي يروي المقري في نعتها صفحات بعد صفحات من نفح الطيب؟

الحقيقة أن قرطبة لم تعرف ذلك اللهو إلا من أيام المنصور بن عامر، وقد عرفته مرغمة لا طائعة فقد شاءت إرادة هذا الرجل القوي أن يخلي الميدان من كل منافس له في السلطان، فجرد أهل بيوت الحكم والسلطان التي ذكرناها من سلطانهم وأعمالهم، وأغدق عليهم الأموال وتركهم في فراغ كامل، فلم يجدوا ما ينفقون فيه أيامهم إلا الاجتماع في مجالس الأنس والطرب والشعر والألحان.

وكان الكثيرون منهم من أهل الأدب والشعر والإلهام الصادق، فاتجه إليهم الشعراء وذوو المواهب يقاسمونهم هذا المتاع وكان الشعراء يفضلون الإلمام بأولئك السراة الخليين على الاتصال بالمنصور ومدحه ونيل جوائزه، فقد كان المنصور شكاكا قاسيا يأخذ بالظنة، ولقد أصاب بالأذى نفرا ممن اتصلوا به كأبي يوسف الرمادي وأبي مروان الطليق فآثر الباقون السلامة، وغدوا يتنقلون بين مجالس بني شهيد وبني القيطون ومن إليهم.

ومضوا يقطعون الليالي في ابتكار هذه المقطعات اللطيفة التي تحفل بها كتب الأدب، ثم ذهبت أيام المنصور وكانت الفتنة، وذهب أمر الخلافة وأصاب قرطبة من البلاء ما جعلها في النصف الثاني من عصرالطوائف في المرتبة الثانية أو الثالثة من حواضر الأندلس، وظهرت عليها إشبيلية وسرقسطة وبلنسية  وما إليها.

ولم يجد أهل الشعر من الأندلسيين ما يقطعون به أيامهم غير مجالس الأدب والمنادمة، وقد كانت قرطبة أقل من غيرها إيغالا فيما غرق فيه أهل عصر الطوائف من أسباب المسرة، ومعظم أخبار هذه المجالس إنما يدور حول إشبيلية وطليطلة وسرقسطة وبلنسيه، أما قرطبة فكان الأغلب عليها الرزانة والوقار، وحرص أهلها على أن يكون بلدهم موطن العلم والفقه تاركين الشعر والطرب والليالي الملاح لجيرانهم الإشبيليين.

ولقد أجمع مؤرخو الأندلس على ما كان لقرطبة على طول تاريخها من سمت وجلال جديرين بما لها من الصيت البعيد في التاريخ، وما بقي لدينا من آثارها يدل على ذوق سليم يجمع بين الفخامة والجلال، وإذا نحن قارنا بين جامع قرطبة وقصور الحمراء تجلى لنا جلال قرطبة ووقارها.

فإن الجامع على اتساعه وفخامته وبديع هندسته بعيد عن الزخرف : جدرانه عالية صافية لا زينة فيها ولا نقش، وأعمدته طويلة منشرحة بسيطة التيجان تحمل فوقها هده الأقواس المزدوجة التي تعد من روائع العمارة الإسلامية، ومحرابه رغم عبث الزمان به سامق بديع يتحدث بجلال الإسلام بأبلغ مما يتحدث غيره من الجوامع ، وأبوابه عالية مشرفة تدل على الهمة العالية والطموح البعيد.

في حين أن قصور الحمراء قطع من الفن الزخرفي الذي لا يخلو من تكلف، فكل جزء من الجدران مثقل بالزخارف والزينة وكل عمود آية في الرقة والخفة يزينه تاج بديع يعلم الله وحده ما تكلفه الفنان من الجهد في صياغته، ورخام الأرضيات مرمر صاف شفاف، والنوافير وسط الأبهاء زخرف خالص كأنما صنعها جوهريون لا بناؤون، والشبابيك أشكال هندسة غاية في الظرف وخفة الظل، وهي بهذا التأنق كله تمثل دور الباروك في تاريخ العمارة الإسلامية، وهي دليل على انحدار الفن الأندلسي وإتجاهه الى الزخرف مثلها في ذلك مثل المقدمات وأدب السجع والتكلف وشعر التشبيهات البعيدة في تاريخ الأدب العربي.

فإذا كان جامع قرطبة يحمل ما يحمله أسلوب الجاحظ مثلا من رصانة وبلاغة وفحولة، فإن قصور الحمراء تشبه مقامات البديع والحريري ورسائل الصاحب بن عباد، وإذا كان الجامع رمزا على مجد الإمارة القرطبية وجلالها فإن قصور الحمراء تتحدث عن ضياع الهيبة والاتجاه نحو القوالب والصور والأشكال والألوان، وإذا كان جامع قرطبة يعلن بدء السير في طريق المجد فإن قصور الحمراء على روعتها تعني آخر الطريق، وكأنما أحس الفنان الأندلسي أن النهاية قريبة، فجمع فنه كله وبراعته كلها وأودعها تلك القصور الأميرية الرائعة كأنها إمضاؤه في آخر سجل تاريخ الحضارة الأندلسية المجيد.

وبعد، فإن الحديث عن قرطبة لا ينتهي، والرحلة من قرطبة الشرق إلى قرطبة الغرب رحلة بعيدة في حساب المكان وعبرة الزمان، فلقد أنشأ المسلمون في صدر الإسلام وأيام بني أمية من المدن ما لم ينشئه غيرهم من سابقين أو لاحقين في مثل هذه الفترة من الزمان : من البصرة والكوفة وواسط والانبار و الفسطاط والقيروان إلى قرطبة.

فلم يبق منها على الزمان إلا قرطبة هذه، رغم ما مر بها من صروف وأحداث لم يتعرض لمثلها غيرها، ولقد ذهبت الكوفة والأنبار  وواسط والفسطاط، وهبط شأن البصرة والقيروان وهي كلها في قلب بلاد العروبة والإسلام، أما قرطبة فقد غالبت العصور وظلت مكانها في منفاها في أقصى الغرب تناجي أختها دمشق وتردد معها ما كان لبني أمية من مجد عجز الزمان عن أن يأتي عليه.

فمن دمشق زويت للإسلام أرض المغرب والأندلس، ومن دمشق تحول البحر الأبيض إلى بحيرة عربية، ومنها صدرت الغزوات نحو القسطنطينية وفتحت جزائر البحر وتحولت دولة الإسلام إلى دولة بحرية متوسطية لها أساطيل تجري في البحر كالأعلام؛ ومن قرطبة صدرت الغزوات إلى قلب أوربا حاملة راية العروبة والإسلام، ومنها فتحت جزائر شرقي البحر الأبيض المعروفة بالبليار، ومن سواحل الأندلس كانت الغزوات البحرية إلى جنوبي فرنسا وغربي إيطاليا.

ولقد كان انتقال عاصمة الخلافة الشرقية من دمشق إلى بغداد إيذانا بتخلي المسلمين عن السيادة على حوض البحر الأبيض، لأن العباسيين كانوا ينظرون إلى الشرق في حين أن الأمويين كانوا ينظرون إلى الغرب، ولقد عرف الأمويون كيف يصلون بجيوشهم إلى بحر الخزر وقلب آسيا من عاصمتهم دمشق.

في حين ترك العباسيون أمر الجناح الغربي من دولة الإسلام كأنه لا يعنيهم في قليل، فنهض المروانيون من قرطبة يحملون الراية ويحفظون للإسلام سلطانه على أمواه البحر ويؤمنونه من وثبات ذلك الغرب الأوربي الذي لم يفتر الصراع بيننا وبينه من أواخر العصر الأموي إلى اليوم.

ولقد وقف الأندلس وحيدا أمام الضغط المتزايد يحمي جناح العروبة والإسلام ويرد العدى عنه ثلاثة قرون متوالية كان له خلالها العز والنصر والظفر، ولم يعتمد الأندلس في ذلك إلا على سواعد أهله  وإيمان قادته، وصمد الأندلس وثبت مكانه ورد الغزوات واحدة بعد أخرى، غير أن الأعداء كاثروه وأحاطوا به.

وقامت الدولة الفاطمية تعاديه وتناوئه وتضعف قواه، وظل مع ذلك صامدا ثابتا حتى بلغ الذروة من القوة والسلطان أواخر القرن الرابع الهجري، وكان حريا أن يظل مكانه كالطود الراسخ لو دامت له وحدة أمره، ولكنه أتي من مأمنه، ونسي أهله فضل الوحدة، وتفرق أمرهم فاستغلبهم العدو واحدا بعد واحد، ولم يكفه استغلابهم بل نشط للقضاء عليهم حتى لم يبق منهم حي يطرف أو صوت يتردد.

وتلك عبارة لا ينبغي أن ينساها منا أحد، فليس لنا من عدو إلا التفرق، ولا يضيع أمرنا إلا إذا زين الشيطان لكل منا أن يقف وحده ويستمتع بما يسميه استقلاله عن إخوانه، ولقد كان الأندلسيون في عصر الطوائف أحرص ما يكونون على التعالي بعضهم على بعض، والابتعاد بعضهم عن بعض، حتى لقد سعى في الوحدة بينهم أبو الوليد الباجي فاستبردوه واستثقلوه، ومضوا يستمتعون بهذه الحرية التي طمعوا فيها، فكان من أمرهم ما كان.

ولقد نهض يوسف بن تاشفين لجمع أمرهم، فناؤوه وتخوفوه واستعدوا عليه الخصوم، ثم شعروا بعد ذلك بعظيم جنايتهم على أنفسهم ودينهم وحضارتهم، ووقف الباقون منهم يبكون ويستصرخون ولسان التاريخ يردد : اليوم وقد كفرت بالأمس؟

إن الله لا يعظ الناس بأكثر مما يجري عليهم من الأحداث، ولكل قوم من تاريخهم عبرة، ولكل تاريخ أمة مغزى لو وعاه أهلها لأغناها عن بلاء كثير، والمغزى الأكبر لتاريخنا هو الإتحاد والوحدة، ما اجتمع أمرنا الا اعتززنا، وما تفرق أمرنا إلا أصابنا الأعداء، وحري بنا أن نذكر أن بعضنا أولى ببعض مهما كانت الظروف، وأننا نعز أنفسنا وأبناءنا بقدر ما نتنازل عنه لإخواننا من أنانيتنا، فإن خصومنا يعرفون أننا لا نغلب إلا من داخل، ولا ندرك إلا عن تفرق، فهم ساعون دهرهم إلى هذا جاهدون فيه، ولسنا نردهم عنا بالسلاح والمال بقدر ما نردهم بالإتحاد والاتفاق، وأمامكم عبرة الأندلس تحدثكم عما يصيبنا إذا ركبنا شيطان التفرق، وأمامكم أيضا عبرة الوحدة وما بلغت بنا إليه تحت راية الناصر صلاح الدين.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s