خطبة تحرير بيت المقدس

من كتاب الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل

مجير الدين الحنبلي المتوفى : 928هـ

ذكر يَوْم الْفَتْح :

المسجد الأقصىوَهُوَ يَوْم سَابِع عشر رَجَب – كَمَا تقدم – وَاتفقَ فتح بَيت الْمُقَدّس فِي يَوْم كَانَ مثل لَيْلَة مِعْرَاج النَّبِي صل الله عَلَيْهِ وَسلم، وَرفعت الْأَعْلَام الإسلامية عل أسواره، وَجلسَ السُّلْطَان للقاء الأكابر والأمراء والمتصوفة وَالْعُلَمَاء، وَهُوَ جَالس عل هَيْئَة التَّوَاضُع، وَعَلِيهِ الأبهة وَالْوَقار، وَحَوله أهل الْعلم وَالْفُقَهَاء، وَعَلَيْهِم السكينَة والجلال، وَقد ظهر السرُور عل أهل الْإِسْلَام بنصرتهم على عدوهم المخذول، وزينت بِلَاد الإسلام لفتح بَيت الْمُقَدّس، وتسامع النَّاس بِهَذَا النَّصْر وَالْفَتْح، فوفدوا للزيارة من سَائِر الْبِلَاد.

وأما الإفرنج فشرعوا فِي بيع أمتعتهم، واستخراج ذخائرهم، وباعوها بالهوان، وتقاعد النَّاس فِي الشِّرَاء، فابتاعوها بأرخص ثمن، وَكَانَ مَا يُسَاوِي عشرَة دَنَانِير يُبَاع بِأَقَلّ من دِينَار، وَأخذُوا مَا فِي كنائسهم من أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة والستور، وَجمع البطرك كل ما كَانَ عل الْقَبْر من صَفَائِح الذَّهَب وَالْفِضَّة، وَجَمِيع مَا كَانَ فِي القمامة.

فَقَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب للسُّلْطَان : هَذِه أَمْوَال جزيلة تبلغ مِائَتي ألف دِينَار، والأمان فِي أَمْوَالهم لَا على أَمْوَال الْكَنَائِس والديارات فَلَا نتركها لَهُم، فَقَالَ السُّلْطَان : إِذا تأولنا عَلَيْهِم نسبونا إِلَى الْغدر، فَنحْن نجزيهم عل ظَاهر الْأمان، وَلَا ندعهم يَتَكَلَّمُونَ فِي حق الْمُسلمين وينسبوهم إِلَى الْغدر والنكث، بل ندعهم يثنون عَنَّا الْجَمِيل.

أَخذ الإفرنج مَا خف حمله وَتركُوا مَا ثقل، وانتقل بَعضهم إِلَى صور، وَبَقِي مِنْهُم زهاء خَمْسَة عشر ألف لم يؤدوا مَا شَرط عَلَيْهِم فَدَخَلُوا فِي الرّقّ، وَكَانَ الرِّجَال نَحْو سَبْعَة آلَاف، فاقتسمهم الْمُسلمُونَ، وأحصيت النِّسَاء وَالصبيان ثَمَانِيَة آلاف نسمَة، وَمَا أُصِيب الإفرنج من حِين خَرجُوا إِلَى الشَّام فِي سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة بمصيبة مثل هَذِه الْوَاقِعَة.

وَوصل المستنفرون من الْكفَّار إِلَى أقْصَى بِلَاد الإفرنج، ومثلوا صُورَة الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام، وَصُورَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ بِيَدِهِ عَصا وَهُوَ يقْصد الْمَسِيح ليضربه والمسيح مُنْهَزِم مِنْهُ، وَأَقَامُوا الشناع والغوغا فِي بِلَادهمْ لذَلِك، وَاشْتَدَّ مُلُوكهمْ واعتدوا وجهزوا العساكر لقصد بِلَاد الْإِسْلَام ومحاربة الْملك صَلَاح الدّين رَحمَه الله تَعَالَى.

وَلما اسْتَقر بَيت الْمُقَدّس مَعَ الْمُسلمين، وطهره الله من الْمُشْركين، سَأَلَ النَّصَارَى فِي الْإِقَامَة بِهِ ببذل الْجِزْيَة، وَأَن يدخلُوا فِي الذِّمَّة فأجيبوا إِلَى ذَلِك.

وَلما تسلم السُّلْطَان الْقُدس، أَمر بِإِظْهَار الْمِحْرَاب، وَكَانَ الراوية قد بنوا فِي جِهته جداراً وتركوه هوياً، وَقيل اتخذوه مستراحاً، وبنوا غربي الْقبْلَة دَارا وسيعة وكنيسة، فهدم مَا قُدَّام الْمِحْرَاب من الْأَبْنِيَة، وَنصب الْمِنْبَر، وَأظْهر الْمِحْرَاب ، وَنقض مَا أحدثوه بَين السَّوَارِي، وفرش الْمَسْجِد بالبسط، وعلقت الْقَنَادِيل، وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً، ظهر فِيهِ عز الْإِسْلَام ، وعلت كلمة الْإِيمَان، وَبَطلَت نغمات القسس والرهبان، وعلت أصوات أهل التَّوْحِيد بالقرآن، وخرس الناقوس وَسمع الْأَذَان، وعزل الْإِنْجِيل وتولى الْقرن، وَبَطل مَا كَانَ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى من الْكفْر والطغيان، وَعبد فِيهِ الْملك الديَّان.

وَقد تقدم أَن من الاتفاقات العجيبة، أَن محيي الدّين زكي قَاضِي دمشق، لما فتح السُّلْطَان صَلَاح الدّين حلب فِي صفر سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة مدحه بقصيدة مِنْهَا : وفتحكم حَلبًا بِالسَّيْفِ فِي صفر مُبشر    بفتوح الْقُدس فِي رَجَب، فَكَانَ كَمَا قَالَ، وَفتح الْقُدس فِي رَجَب – كَمَا تقدم – فَقيل لمحيي الدّين من أَيْن لَك هَذَا؟ فَقَالَ : أَخَذته من تَفْسِير ابْن برجان فِي قَوْله تَعَالَى : “ألم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين”، وَكَانَ الإِمَام أَبُو الحكم ابْن برجان الأندلسي قد صنف تَفْسِيره الْمَذْكُور فِي سنة عشْرين وَخَمْسمِائة وَبَيت الْمُقَدّس إِذْ ذَاك فِي يَد الإفرنج لعنهم الله تَعَالَى.

قَالَ ابْن خلكان فِي تَارِيخه – فِي تَرْجَمَة ابْن الزكي – وَلما وقفت أَنا على هَذَا الْبَيْت وَهَذِه الْحِكَايَة، لم أزل أطلب تَفْسِير ابْن برجان حَتَّى وجدته على هَذِه الصُّورَة، قَالَ : وَلَكِن رَأَيْت هَذَا الْفَصْل مَكْتُوبًا عل الْحَاشِيَة بِخَط غير الأَصْل، وَلَا أَدْرِي هَل كَانَ من أصل الْكتاب أم هُوَ مُلْحق، وَذكر لَهُ حسابا طَويلا وطريقاً فِي اسْتِخْرَاج ذَلِك حَتَّى حَرَّره من قَوْله “في بضع سِنِين” انْتهى.

ذكر أول خطْبَة بعد الْفَتْح :

وَلما فتح السُّلْطَان الْقُدس، تطاول إِلَى الخطابة يَوْم الْجُمُعَة كل وَاحِد من الْعلمَاء الَّذين كَانُوا فِي خدمته حاضرين، وجهز كل وَاحِد مِنْهُم خطْبَة بليغة، طَمَعا فِي أَن يكون هُوَ الَّذِي يعين لذَلِك، وَالسُّلْطَان لَا يعين الْخطْبَة لأحد.

فَلَمَّا دخل يَوْم الْجُمُعَة رَابِع شعْبَان، وَاجْتمعَ النَّاس لصَلَاة الْجُمُعَة حَتَّى امْتَلَأَ الْجَامِع، ونصبت الْأَعْلَام عل الْمِنْبَر، وَتكلم النَّاس فِيمَن يخْطب، وَالْأَمر مُبْهَم، حَتَّى حَان الزَّوَال وَأذن الْمُؤَذّن للْجُمُعَة، فرسم السُّلْطَان وَهُوَ بقبة الصَّخْرَة للْقَاضِي محيي الدّين مُحَمَّد بن زكي الدّين عَليّ الْقرشِي أَن يخْطب، وَهِي أول جُمُعَة صليت بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الشريف بعد الْفَتْح، وأعاره الْعِمَاد الْكَاتِب اهبة سَوْدَاء كَانَت عِنْده من تشريف الْخلَافَة لبسهَا فِي الْحَال.

فَلَمَّا رقى عل الْمِنْبَر

استفتح بِسُورَة الْفَاتِحَة فقرأها إِلَى آخرهَا

ثمَّ قَالَ : “فَقطع دابر الْقَوْم الَّذين ظلمُوا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين”

ثمَّ قَرَأَ سُورَة الْأَنْعَام : “الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ هُوَ الَّذِي خَلقكُم من طين ثمَّ قضى أَجَلًا وَأجل مسم عِنْده ثمَّ أَنْتُم تمترون وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض يعلم سركم وجهركم وَيعلم مَا تكسبون”

ثمَّ قَرَأَ من سُورَة سُبْحَانَ الَّذِي أسرى : “وَقل الْحَمد لله الَّذِي لم يتَّخذ ولدا وَلم يكن لَهُ شريك فِي الْملك وَلم يكن لَهُ ولي من الذل وَكبره تَكْبِيرا”

ثمَّ قَرَأَ من سُورَة الْكَهْف – أَولهَا – : “الْحَمد الله الَّذِي أنزل عل عَبده الْكتاب وَلم يَجْعَل لَهُ عوجا قيمًا لينذر بَأْسا شَدِيدا من لَدنه ويبشر الْمُؤمنِينَ الَّذين يعْملُونَ الصَّالِحَات إِن لَهُم أجرا حسنا مَا كثين فِيهِ أبدا وينذر الَّذين قَالُوا اتخذ الله ولدا مَا لَهُم بِهِ من علم وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا فلعلك باخع نَفسك على آثَارهم إِن لم يُؤمنُوا بِهَذَا الحَدِيث أسفا”.

ثمَّ قَرَأَ من سُورَة النَّمْل : “وَقل الْحَمد لله وَسَلام عل عبَاده الَّذين اصْطفى الله خير أمَّا يشركُونَ”

ثمَّ قَرَأَ من سورة سبأ : “الْحَمد لله الذي له مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض وَله الْحَمد فِي الْآخِرَة وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير”

ثمَّ قَرَأَ من سُورَة فاطر : “الْحَمد لله فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض جَاعل الْمَلَائِكَة رسلًا أولي أجنح مثنى وَثَلَاث وَربَاع يزِيد فِي الْخلق مَا يَشَاء إِن الله على كل شَيْء قدير مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا وَمَا يمسك فَلَا مُرْسل لَهُ من بعده وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم”.

ثمَّ شرع فِي الْخطْبَة فَقَالَ :

الْحَمد لله معز الْإِسْلَام بنصره، ومذل الشّرك بقهره، ومصرف الْأُمُور بأَمْره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الْكفَّار بمكره ، الَّذِي قدر الْأَيَّام دولا بعدله، وَجعل الْعَاقِبَة لِلْمُتقين بفضله، وأفاء عل عبَاده من ظله، وَأظْهر دينه عل الدّين كُله.

القاهر فَوق عباده فَلَا يمانع، وَالظَّاهِر على خَلِيفَته فَلَا يُنَازع، والآمر بِمَا يَشَاء فَلَا يُرَاجع، وَالْحَاكِم بِمَا يُرِيد فلا يدافع.

أَحْمَده عل إظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه، وَنَصره لأنصاره، وتطهير بَيته الْمُقَدّس من أدناس الشّرك وأوضاره، حمد من استشعر الْحَمد بَاطِن سره وَظَاهر جهاره.

واشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، الْأَحَد الصَّمد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد، شَهَادَة من طهر بِالتَّوْحِيدِ قلبه وَأَرْضى بِهِ ربه، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله رَافع الشَّك وداحض الشّرك ورافض الافك، الَّذِي أسرى بِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى هَذَا الْمَسْجِد الْأَقْصَى، وعرج بِهِ مِنْهُ إِلَى السَّمَاوَات العلى “إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهى عِنْدهَا جنَّة المأوى إِذْ يغشى السِّدْرَة مَا يغشى مَا زاغ الْبَصَر وَمَا طَغى”.

صل الله عَلَيْهِ وَسلم، وعَلى خَلِيفَته أبي بكر الصّديق، السَّابِق إِلَى الْإِيمَان وعَلى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب أول من رفع عَن هَذَا الْبَيْت شَعَائِر الصلبان، وعلى أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان ذِي النورين جَامع الْقُرْآن، وعَلى أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب مزلزل الشّرك ومكسر الْأَوْثَان، وعلى آلَهُ وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان.

أَيهَا النَّاس أَبْشِرُوا برضوان الله الَّذِي هُوَ الْغَايَة القصوى والدرجة الْعليا، لما يسره الله عل أَيْدِيكُم من اسْتِرْدَاد هَذِه الضَّالة من الأمة الضَّالة، وردهَا إِلَى مقرها من الْإِسْلَام، بعد ابتذالها فِي أَيدي الْمُشْركين قَرِيبا من مائَة عَام، وتطهير هَذَا الْبَيْت الَّذِي أذن الله أَن يرفع وَيذكر فِيهِ اسْمه، وإماطة الشّرك عَن طرقه بعد أَن امْتَدَّ عَلَيْهَا رواقه وَاسْتقر فِيهَا رسمه، وَرفع قَوَاعِده بِالتَّوْحِيدِ فَإِنَّهُ بني عَلَيْهِ، وَشيد بُنْيَانه بالتمجيد فَإِنَّهُ أسس على التَّقْوَى من خَلفه وَمن بَين يَدَيْهِ.

فَهُوَ موطن أبيكم إِبْرَاهِيم، ومعراج نَبِيكُم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وقبلتكم الَّتِي كُنْتُم تصلونَ إِلَيْهَا فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، وَهُوَ مقرّ الْأَنْبِيَاء ومقصد الْأَوْلِيَاء، ومدفن الرُّسُل ومهبط الْوَحْي ومنزل بِهِ الْأَمر وَالنَّهْي، وَهُوَ أَرض الْمَحْشَر وصعيد المنشر، وَهُوَ فِي الأَرْض المقدسة الَّتِي ذكرهَا الله فِي كِتَابه الْمُبين.

وَهُوَ الْمَسْجِد الْأَقْصَى الَّذِي صلى فِيهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْمَلَائِكَةِ المقربين، وَهُوَ الْبَلَد الَّذِي بعث الله إِلَيْهِ عَبده وَرَسُوله وكلمته الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروحه عِيسَى الَّذِي أكْرمه برسالته وشرفه بنبوته وَلم يزحزحه عَن رُتْبَة عبوديته فَقَالَ تَعَالَى : “لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون”.

كذب الْعَادِلُونَ بِاللَّه وَضَلُّوا ضلالا بَعيدا : “مَا اتخذ الله من ولد وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق ولعلا بَعضهم على بعض سُبْحَانَ الله عَمَّا يصفونَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فتعالى عَمَّا يشركُونَ”، “لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم قل فَمن يملك من الله شَيْئا إِن أَرَادَ أَن يهْلك الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَأمه وَمن الأَرْض جَمِيعًا وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا يخلق مَا يَشَاء وَالله على كل شَيْء قدير وَقَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه قل فَلم يعذبكم بذنوبكم بل أَنْتُم بشر مِمَّن خلق يغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَإِلَيْهِ الْمصير يَا أهل الْكتاب قد جَاءَكُم رَسُولنَا يبين لكم على فَتْرَة من الرُّسُل أَن تَقولُوا مَا جَاءَنَا من بشير وَلَا نَذِير فقد جَاءَكُم بشير ونذير وَالله عل كل شَيْء قدير”.

وَهُوَ أول الْقبْلَتَيْنِ وَثَانِي المسجدين وثالث الْحَرَمَيْنِ، لَا تشد الرّحال بعد المسجدين إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا تعقد الخناصر بعد الموطنين إِلَّا عَلَيْهِ، فلولا إِنَّكُم مِمَّن اخْتَارَهُ الله من عباده واصطفاكم من سكان بِلَاده، لما خصكم الله بِهَذِهِ الْفَضِيلَة الَّتِي لَا يجاريكم فِيهَا مجار وَلَا يباريكم فِي شرفها مبار.

فطوبى لكم من جَيش ظَهرت عل أَيْدِيكُم المعجزات النَّبَوِيَّة والوقعات البدرية والعزمات الصديقية والفتوحات العمرية والجيوش العثمانية والفتكات العلوية، جددتم لِلْإِسْلَامِ أَيَّام الْقَادِسِيَّة والملاحم اليرموكية والمنازلات الْخَيْبَرِية والهجمات الخالدية، فجزاكم الله عَن نبيه مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفضل الْجَزَاء، وشكر لكم مَا بذلتموه من مهجكم فِي مقارعة الْأَعْدَاء، وَتقبل مِنْكُم مَا تقربتم بِهِ إِلَيْهِ من إهراق الدِّمَاء، وأثابكم الْجنَّة فَهِيَ دَار السُّعَدَاء.

فاقدروا رحمكم الله هَذِه النِّعْمَة حق قدرهَا، وَقومُوا لله قَانِتِينَ بِوَاجِب شكرها، فَلهُ تَعَالَى الْمِنَّة عَلَيْكُم بتخصيصكم بِهَذِهِ النِّعْمَة وترشيحكم لهَذِهِ الْخدمَة، فَهَذَا هُوَ الْفَتْح الَّذِي فتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء وتبلجت بأنوارها وجوده الظلماء، وابتهج بِهِ الْمَلَائِكَة المقربون وقر بِهِ عينا الْأَنْبِيَاء والمرسلون.

فَمَاذَا عَلَيْكُم من النِّعْمَة أَن جعلكُمْ الْجَيْش الَّذِي يفتح عل يَدَيْهِ الْبَيْت الْمُقَدّس فِي آخر الزَّمَان، والجند الَّذِي تقوم بسيوفهم بعد فَتْرَة من النُّبُوَّة أَعْلَام الْإِيمَان، فيوشك أَن يفتح الله عل أَيْدِيكُم أَمْثَاله، وَأَن يكون التهاني لأهل الخضراء أَكثر من التهاني لأهل الغبراء، أَلَيْسَ هُوَ الْبَيْت الَّذِي ذكره الله فِي كِتَابه، وَنَصّ عَلَيْهِ فِي مُحكم خطابه، فَقَالَ تعالى : “سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى الَّذِي باركنا حوله لنريه من آيَاتنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير” ؟

أَلَيْسَ هُوَ الْبَيْت الَّذِي عَظمته الْملَل وأثنت عَلَيْهِ الرُّسُل وتليت فِيهِ الْكتب الْأَرْبَعَة الْمنزلَة من الله عز وَجل؟ أَلَيْسَ هُوَ الْبَيْت الَّذِي أمسك الله تَعَالَى لأَجله الشَّمْس على يُوشَع أَن تغرب وباعد بَين خطواتها ليتيسر فَتحه وَيقرب؟ أَلَيْسَ هُوَ الْبَيْت الَّذِي أَمر الله عز وَجل مُوسَى أَن يَأْمر قومه باستنقاذه فَلم يجبهُ إِلَّا رجلَانِ وَغَضب الله عَلَيْهِم لأَجله فألقاهم فِي التيه عُقُوبَة للعصيان؟

فاحمدوا الله الَّذِي أمضى عزائمكم لما نكلت عَنهُ بَنو إِسْرَائِيل وَقد فضلت على الْعَالمين، ووفقكم لما خذلت فِيهِ أُمَم كَانَت قبلكُمْ من الْأُمَم الماضين، وَجمع لأَجله كلمتكم وَكَانَت شَتَّى، وأغناكم بِمَا أمضته كَانَ وَقد عَن سَوف وَحَتَّى، فليهنكم أن الله قد ذكركُمْ بِهِ فِيمَن عِنْده، وجعلكم بعد أَن كُنْتُم جُنُودا لَا هوية لكم جنده.

وشكر لكم الْمَلَائِكَة المنزلون عل مَا أهديتم لهَذَا الْبَيْت من طيب التَّوْحِيد وَنشر التَّقْدِيس والتمجيد، وَمَا أمطتم عَن طرقهم فِيهِ من أَذَى الشّرك والثليث والاعتقاد الْفَاجِر الْخَبيث، فَالْآن تستغفر لكم أَمْلَاك السَّمَاوَات وَتصلي عَلَيْكُم الصَّلَوَات المباركات.

فاحفظوا رحمكم الله هَذِه الموهبة فِيكُم، واحرسوا هَذِه النِّعْمَة عنْدكُمْ، بتقوى الله الَّتِي من تمسك بهَا وَسلم وَمن اعْتصمَ بعروتها نجا وعصم، وأحذروا من أَتبَاع الْهوى ومواقعة الردى وَرُجُوع الْقَهْقَرِي والنكول عَن العدى، وَأخذُوا فِي انتهاز الفرصة وَإِزَالَة مَا بَقِي من الغصة، وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده، وبيعوا عباد الله أَنفسكُم فِي رِضَاهُ إِذْ جعلكُمْ من خِيَار عباده.

وَإِيَّاكُم أَن يستزلكم الشَّيْطَان وَأَن يتداخلكم الطغيان، فيخبل لكم إِن هَذَا النَّصْر بسيوفكم الْحداد وخيولكم الْجِيَاد وبجلادكم فِي مَوَاطِن الجلاد، لَا وَالله مَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله الْعَزِيز الْحَكِيم، فاحذروا عباد الله بعد أَن شرفكم الله بِهَذَا الْفَتْح الْجَلِيل والمنح الجزيل، وخصكم بنصره الْمُبين واعلق أَيْدِيكُم بحبله المتين، أن تقترفوا كَبِيرا من مناهيه وَأن تَأْتُوا عَظِيما من مَعَاصيه، فتكونوا : “كَالَّتِي نقضت غزلها من بعد قُوَّة انكاثاً” وكالذي : “آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا فَأتبعهُ الشَّيْطَان فَكَانَ من الغاوين”.

وَالْجهَاد الْجِهَاد فَهُوَ من أفضل عباداتكم وأشرف عاداتكم، انصروا الله ينصركم، احْفَظُوا الله يحفظكم، أذكروا الله يذكركم، اشكروا الله يزدكم ويشكركم، خُذُوا فِي حسم الدَّاء وَقطع شأفة الْأَعْدَاء، وطهروا بَقِي الأَرْض من هَذِه الأنجاس الَّتِي أغضبت الله وَرَسُوله، وأقطعوا فروع الْكفْر واجتثوا أُصُوله.

فقد نادت الْأَيَّام بالثارات الإسلامية وَالْملَّة المحمدية، الله أكبر فتح الله وَنصر غلب الله وقهر أذلّ الله من كفر، وأعلموا رحمكم الله إِن هَذِه فرْصَة فانتهزوها، فريسة فناجزوها، وغنيمة فحوزوها، ومهمة فأخرجوا لَهَا هممكم وأبرزوها، وسيروا إِلَيْهَا سَرَايَا عزماتكم وجهزوها، فالأمور بأواخرها والمكاسب بذخائرها، فقد أَظْفَرَكُم الله بِهَذَا الْعَدو المخذول وَهُوَ مثلكُمْ أَو يزِيدُونَ، فَكيف وَقد أضحى قبالة الْوَاحِد مِنْهُم مِنْكُم عشرُون، فقد قَالَ تعالى : “إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم مائَة يغلبوا ألفا من الَّذين كفرُوا بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا فَإِن يكن مِنْكُم مائَة صابرة يغلبوا مِائَتَيْنِ وَإِن يكن مِنْكُم ألف يغلبوا أَلفَيْنِ بِإِذن الله وَالله مَعَ الصابرين”.

أعاننا الله وَإِيَّاكُم عل اتِّبَاع أوامره والازدجار بزواجره، وأيدنا معاشر الْمُسلمين بنصر من عِنْده : “إِن ينصركم الله فَلَا غَالب لكم وَإِن يخذلكم فَمن ذَا الَّذِي ينصركم من بعده”.

إِن أشرف مقَال يُقَال فِي مقَام، وأنفذ سِهَام تمزق عَن قس الْكَلَام، وأمضى قَول تحل بِهِ الإفهام، كَلَام الْوَاحِد الْفَرد الْعَزِيز العلام، قَالَ الله تعالى : “وَإِذا قرئَ الْقُرْآن فَاسْتَمعُوا لَهُ وأنصتوا لَعَلَّكُمْ ترحمون” أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم “سبح لله مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر مَا ظننتم أَن يخرجُوا وظنوا إِنَّهُم مَانعتهم حصوتهم من الله فَأَتَاهُم الله من حَيْثُ لم يحتسبوا وَقذف فِي قُلُوبهم الرعب يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار”.

ثمَّ قَالَ : آمركُم وإياي عباد الله بِمَا أَمر الله بِهِ من حسن الطَّاعَة فأطيعوه، وأنهاكم وإياي عَمَّا نهى الله عَنهُ من قبح الْمعْصِيَة فَلَا تعصوه، أَقُول قولي هَذَا واستغفر الله الْعَظِيم لي وَلكم ولسائر الْمُسلمين فاستغفروه.

ثمَّ خطب الْخطْبَة الثَّانِيَة على عَادَة الخطباء مقتصرة

ثمَّ دَعَا للْإِمَام النَّاصِر خَليفَة الْعَصْر ثمَّ قَالَ :

اللَّهُمَّ وأدم سُلْطَان عَبدك الخاضع لهيبتك الشاكر لنعمتك الْمُعْتَرف بموهبتك، سَيْفك الْقَاطِع وشهابك اللامع والمحامي عَن دينك المدافع والذاب عَن حَرمك الممانع، السَّيِّد الْأَجَل الْملك النَّاصِر، جَامع كلمة الْإِيمَان وقامع عَبدة الصلبان، صَلَاح الدُّنْيَا وَالدّين سُلْطَان الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين مطهر الْبَيْت الْمُقَدّس من أَيدي الْمُشْركين، أبي المظفر يُوسُف بن أَيُّوب محيي دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ.

اللَّهُمَّ عَم بدولته البسيطة وَاجعَل ملائكتك براياته مُحِيطَة، وَأحسن عَن الدّين الحنيفي جزاءه وأشكر عَن الْملَّة المحمدية عزمه ومضاءه، اللَّهُمَّ ابق لِلْإِسْلَامِ مهجته ووف للْإيمَان حوزته وانشر فِي الْمَشَارِق والمغارب دَعوته.

اللَّهُمَّ كَمَا فتحت على يَدَيْهِ الْبَيْت الْمُقَدّس، بعد أَن ظَنَنْت الظنون وابتلى الْمُؤْمِنُونَ، فافتح على يَدَيْهِ داني الأَرْض وقاصيها وَملكه صياصي الْكَفَرَة ونواصيها، فَلَا تَلقاهُ مِنْهُم كَتِيبَة إِلَّا مزقها وَلَا جماع إِلَّا فرقها وَلَا طَائِفَة بعد طَائِفَة إِلَّا ألحقها بِمن سبقها.

اللَّهُمَّ أشكر عَن مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَعْيه وأنفذ فِي الْمَشَارِق والمغارب أمره وَنَهْيه، اللَّهُمَّ وَأصْلح بِهِ أوساط الْبِلَاد أطرافها وأرجاء المماليك وأكنافها، اللَّهُمَّ ذلل بِهِ معاطس الْكفَّار وأرغم بِهِ أنوف الْفجار وأنشر ذوائب ملكه عل الْأَمْصَار وابثث سَرَايَا جُنُوده فِي سبل الأقطار، اللَّهُمَّ أثبت الْملك فِيهِ وَفِي عقبه إِلَى يَوْم الدّين واحفظه فِي بنيه الغر الميامين وإخوانه.

ثمَّ شرع السُّلْطَان فِي الْعِمَارَة، وَأمر بترخيم محراب الاقصى، وَكتب عَلَيْهَا بالفصوص المذهبة مَا قِرَاءَته :

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، أَمر بتجديد هَذَا الْمِحْرَاب الْمُقَدّس، وَعمارَة الْمَسْجِد الاقصى الَّذِي هُوَ على التقى مؤسس، عبد الله ووليه يُوسُف بن أَيُّوب أَبُو المظفر الْملك النَّاصِر صَلَاح الدُّنْيَا وَالدّين، عِنْدَمَا فَتحه الله عل يَدَيْهِ فِي شهور سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة، وَهُوَ يسْأَل الله ايزاعه شكر هَذِه النِّعْمَة، وأجزال حَظه من الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة.

وَشرع مُلُوك بني أَيُّوب فِي فعل الْآثَار الجميلة بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، مِنْهُم الْملك الْعَادِل سيف الدّين أَبُو بكر أَخُو السُّلْطَان ، وَأما الْملك المظفر تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه، فَإِنَّهُ فعل فعلا حسنا، وَهُوَ إِنَّه حضر فِي قبَّة الصَّخْرَة مَعَ جمَاعَة وتولى بِيَدِهِ كنس أرْضهَا ثمَّ غسلهَا بِالْمَاءِ مرَارًا ثمَّ اتبع المَاء بِمَاء الْورْد، وطهر حيطانها وَغسل جدرانها وبخرها، ثمَّ فرق مَالا عَظِيما عل الْفُقَرَاء.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s