الشيخ عبد القادر الجيلاني

بطاقة تعريف

د. صلاح الدين النكدلي

  • مقام الشيخ عبد القادر الجيلانيولد الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى سنة 470ﻫ – 1077م في منطقة جيلان، وتوفي عام 561ﻫ – 1166م ببغداد.
  • تقع جيلان شمال إيران، وتطل على جنوب بحر قزوين، وإليها ينسب الشيخ عبد القادر، فيقال : جيلاني أو كيلاني.
  • توفي والده وهو صغير، فعاش في كنف جده لأمه، ولما بلغ الثامنة عشر من العمر قرر السفر إلى بغداد حاضرة الخلافة طلباً للعلم.
  • يرجع نسب الشيخ عبد القادر إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما.
  • كانت بغداد تعاني من الاضطرابات السياسية والفكرية والمذهبية والاجتماعية والاقتصادية، بسبب ضعف الخلفاء وتنافس الأمراء، وتصارع الأفكار والمذاهب، فذاق الشاب عبد القادر آلام الجوع والخوف.
  • شهد الشيخ عبد القادر نشاط “الباطنية = الإسماعيلية”، وما أشاعوه من الذعر والاغتيالات، وكان شاهداً على الفتن التي وقعت بين السنة والشيعة.
  • وعلى الرغم من اضطراب الأوضاع، إلا أن بغداد كانت تعج بأهل العلم من كل فن، وكانت منطقة جذب لأصحاب المواهب.
  • ونميِّز في حياة الشيخ عبد القادر في بغداد مرحلتين :

الأولى : مرحلة الدراسة والتكوين

ودامت هذه المرحلة 33 سنة (488 – 521ﻫ)،  أقبل الشيخ خلالها على تحصيل العلم؛ فتتلمذ على شيوخ عصره في بغداد، وتفقه على المذهب الحنبلي، وتأثر بالتصوف الذي كان يحمل لواءه أبو حامد الغزالي، الذي توفي عام 505ﻫ؛ فجمع بذلك بين “الفقه” و “التصوف”.

ولا ريب في أن ثقافة الشيخ عبد القادر الحنبلية، والتي تؤكد على الالتزام الصارم بالقرآن والسنة ومنهج السلف في فهمهما، قد أثّرت على منهج الشيخ فأبعدته عن علم الكلام وتفسيرات الصوفية المعتمدة على الإلهام.

الثانية : مرحلة الدعوة والإصلاح

تذكر المصادر التي تحدثت عن الشيخ عبد القادر أن عطاءه المستقل بدأ عام 521ﻫ – 1127م (وكان عمره 51 عاما)،  وأن منهجه الإصلاحي اعتمد على :

  • التعليم :
    • فقد ورث إدارة المدرسة التي أسسها شيخه أبو سعيد المخرمي، وعمل على توسيعها إلى أن صارت مركزاً للعمل والفتوى والوعظ.
    • وقد بنى الشيخ “الرباط” إلى جانب المدرسة ليكون سكناً للطلبة الوافدين.
    • يقول د. ماجد عرسان الكيلاني في كتابه القيّم (هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس) : “وتدل الأخبار المتعلقة بالمدرسة على أنها لعبت دوراً رئيسياً في إعداد جيل المواجهة للخطر الصليبي في البلاد الشامية، فقد كانت المدرسة تستقبل أبناء النازحين الذين فروا من وجه الاحتلال الصليبي، فتقوم بإعدادهم ثم إعادتهم إلى مناطق المواجهة الدائرة تحت القيادة الزنكية”، ولقد اشتهر – فيما بعد – نفر من هؤلاء الطلاب كابن نجا الواعظ، الذي أصبح فيما بعد مستشار صلاح الدين السياسي والعسكري، وموفق الدين – صاحب المغني – أحد مستشاري صلاح الدين، ولقد وصف ابن قدامة المقدسي طريقة عبد القادر في التعليم وأثره في طلبته فقال : “دخلنا بغداد سنة إحدى وستين وخمسمائة، فإذا بالشيخ عبد القادر ممن انتهت إليه الرئاسة بها علماً وعملاً وحالاً واستفتاء، وكان يكفي طالب العلم عن قصد غيره من كثرة ما اجتمع فيه من العلوم، والصبر على المشتغلين وسعة الصدر، وكان ملء العين، وجمع الله فيه أوصافاً جميلة وأحوالاً عزيزة، وما رأيت بعده مثله”.
  • الإعداد التربوي :

كان منهجه التربوي يقوم على قاعدة “مجاهدة النفس” بالاتباع للمعصوم صلى الله عليه وسلم حتى يتولد عندها “إرادة جادة حازمة” تعمل وفق قاعدة “التخلي والتحلي” وصولاً إلى هدف : “الصفاء بلا كدر”.

وكان يركّز في التربية على أمور عملية لها آثار أخلاقية واجتماعية، ومن ذلك :

  • الابتعاد عن الكذب قولاً، وقبولاً، ونشراً : وهذا يورث العبد صفاء العلم، واستقامة الحال، والكرامة عند الخالق والخلق.
  • الوفاء بالوعود، والأولى الابتعاد عنها أصلاً : وهذا يجنب العبد الحرج والكذب والحلف، ويحببه إلى العباد الصادقين.
  • اجتناب الدعاء على أحد من الخلق، وتجنب الظلم قولاً وفعلاً : وهذا يرفع مقام العبد عند الله، وتكون مكانته عند الناس كريمة.
  • الابتعاد عن وصف أحد من أهل القبلة بكفر أو شرك أو نفاق : وهذا يجنب المؤمن ادِّعاء العلم، والوقوع في غضب الربِّ عزَّ وجلَّ، ويورثه رحمة بالخلق، وقدرة على التعامل الكريم مع المخالفين.
  • غض البصر عن المعاصي : وهذا يجعل القلب صافياً، ويقيه كثيراً من الخواطر الفاسدة، ويساعده على الاستقامة.
  • الاستغناء عن الخلق وعدم الاعتماد عليهم في حاجة مهما صغرت : وهذا يجعل الداعية في أعينهم عزيزاً، ويهبه شجاعة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويخلصه من الرياء والتصنع للمخلوقين.
  • التواضع : ويعني به الشفقة على الخلق، والوجل والحياء من الخالق عز وجل.

ومن المفيد أن نشير إلى أن الشيخ عبد القادر كان يعتمد ممارسات تتعدى النطاق الفردي إلى مشاركات جماعية، كمجالس الذكر وقيام الليل، ويعزز تربيته للأتباع بدراسات عن النفس البشرية، ومداخل الشيطان، والقيم الأخلاقية الواجبة، وعن الأذكار والتقوى والورع .. إلخ

  • التربية الاجتماعية :

وتقوم هذه التربية على :

  • تنظيم حياة المريد : كاللباس، والنوم، ودخول المنزل والخروج منه، والزينة، والطعام، والشراب، ومعاملة الأهل والأولاد والآباء، وكان يدعو إلى الحرص على الكسب، وإلى البعد عن البطالة أو الاعتماد على هبات المحسنين.
  • تنظيم علاقة المريد بالجماعة الفاعلة : على المريد الطاعة المطلقة للشيخ ظاهراً وباطناً، واستشارته في شؤونه كلها، وعلى الشيخ معاملة المريدين بالحكمة والشفقة، والارتقاء بهم، وأن يكون لهم ملجأً وستراً وراعياً، وإلا فعليه أن يبحث عن شيخ يؤدبه.!!
  • تنظيم العلاقات الداخلية بين الأصحاب : تعتمد التربية الاجتماعية في هذا الباب على قيم أساسية، منها :  (1)  الإيثار. (2) الصفح. (3) الغيرة على الإخوان. (4) خدمة الآخرين. (5) البعد عن الخلاف. (6) اجتناب الجدل، وستر العيوب، وتلمس الأعذار، وتأويل المخالفة. (7) حفظ المودة والبعد عن كل ما يزعج الإخوان. (8) الصلة والإحسان. (9) تحاشي الإيذاء والغيبة. (10) تطهير القلب من الحقد والحسد.
  • تنظيم علاقة المريد مع المجتمع : وتقوم العلاقة على قواعد شرعية، نذكر منها :
    1. موالاة الأشخاص عند الطاعة ومجافاتهم عند المعصية
    2. الحذر من صحبة المقصرين والبطالين، مع الشفقة والرحمة.
  • مصاحبة الأغنياء بالتعزز والفقراء بالتذلل والسخاء .
  • الوعظ : وهو التوجه إلى عامة الناس بالدعوة إلى إصلاح أحوالهم
    • كان الشيخ عبد القادر يشعر بفضل الله عليه في موهبة الوعظ ويردد : “سبحان من ألقى في قلبي نصح الخلق وجعله أكبر همي”.
    • وكانت مواعظه مفعمة بالحماسة والإشفاق على حال الأمة، وكان يناشد المسلمين أن يهبوا لتجديد الإسلام في حياتهم، ويجسد نظرته هذه قوله : “دين محمد صلى الله عليه وسلم تتواقع حيطانُه، ويتناثر أساسُه، هلموا يا أهل الأرض نشيد ما انهدم، ونقيم ما وقع”!.
    • وكانت مواضيع الوعظ منصبة على :
      1. انتقاد العلماء.
      2. نصيحة الحكام.
  • التحذير من الأخلاق الاجتماعية الفاسدة.
  1. الدعوة إلى إنصاف الفقراء والعامة.
  • الاهتمام بقضايا الأمة : ومن ذلك :
    • التصدي للتطرف الباطني وللتيارات الفكرية المنحرفة.
    • محاربة الخصومات المذهبية.
    • إصلاح التصوف.
  • التعاليم التي اهتم بها الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى :
    • التوحيد.
    • القضاء والقدر.
    • تصويب مفهوم الإيمان.
    • تصحيح مفهوم أولي الأمر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    • منزلة الدنيا والآخرة.
    • النبوة والأنبياء.
    • الزهد في الإسلام.

وبعد : فإن هذا القدر من التعريف بالشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى قد لمس جوانب أساسية في الدور الإصلاحي الريادي، الذي نهض به الشيخ رحمه الله في ظروف شاذّة استثنائية من حياة المسلمين، ونشعر في هذه الأيام – المفعمة بفتن جائحة ظاهرة وباطنة – أننا بأمس الحاجة إلى الاستفادة من تجارب الصالحين المصلحين، لكي نمارس عملية الإصلاح الشامل على بصيرة، ونحمل رسالة الإسلام إلى العالمين؛ نقية من الشوائب، ومتصلة بالحاضر ومتطلباته، ومستشرفة لمستقبل أفضل بقلوب ملؤها الحبّ والرحمة والأمل.

وننصح الراغبين في دراسة حياة الشيخ الجليل عبد القادر الجيلاني أن يرجعوا إلى المصادر التي تحدثت عنه بلغة معاصرة، وعنها أُخذ هذا التعريف، ونخص بالذكر :

  • رجال الفكر والدعوة أبو الحسن الندوي.
  • هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس د. ماجد عرسان الكيلاني.
  • الشيخ عبد القادر الجيلاني : الإمام الزاهد القدوة د. عبد الرزاق الكيلاني.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَتِمُّ بِنِعْمَتِهِ الصَّالِحَات

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s