منهج لدراسة التاريخ الإسلامي

تقديم الشهيد سيد قطب لكتاب خالد بن الوليد

محمد الفاتح وحصار القسطنطينيةيسرني أن أقدم إلى الناس هذا الكتاب عن خالد بن الوليد بقلم صادق إبراهيم عرجون … إنه يمثل طرازا من دراسة الشخصيات الإسلامية غير مسبوق، ويقدم – ربما للمرة الأولى – نموذجا من المنهج الذي ندعو إليه في إعادة كتابة التاريخ الإسلامي … ومن هنا تنشأ قيمة هذا البحث، ومن هنا كان اعتزازي بأن أقدمه للناس لأقدم لهم نموذجا علميا مما نعنيه بإعادة كتابة التاريخ.

إن كتابة التاريخ الإسلامي تحتاج حتما إلى إدراك طبيعة الفكرة الإسلامية، ونظرتها إلى الحياة والأحداث والأشياء، ووزنها للقيم التي تعارف عليها الناس، وتأثيرها في الأرواح والأفكار، وصياغتها للنفوس والشخصيات.

ودراسة الشخصيات الإسلامية – على وجه خاص – تقتضي إدراكا كاملا لطبيعة استجابة الشخصيات الإسلامية لإيحاءات الفكرة الإسلامية، فإن طريقة استجابة تلك الشخصيات لهذه الإيحاءات، مسألة هامة في صياغة شعورها بالقيم، وسلوكها في الحياة وتفاعلها مع الأحداث … ولن يدرك طبيعة الفكرة الإسلامية، ولا طريقة استجابة الشخصيات الإسلامية لها إلا كاتب مؤمن بهذه الفكرة مستجيب لها في أعماقه، لكي يكون إدراكه لها ناشئا عن تلبس ضميره بها، لا عن رصدها من الخارج، بالذهن المتجرد البارد!

لقد ازدحمت فترة تاريخية قصيرة – في صدر الإسلام – بحشد من النماذج الفائقة في كل اتجاه، ولابد من تعليل شامل لهذه الظاهرة الغريبة، ولا مناص من اعتبار الفكرة الإسلامية بكل حيويتها وبكل فاعليتها سببا رئيسا لهذا الانبعاث، فعنصر الفكرة الإسلامية هو الجديد على هذه البيئة التي ازدحمت بهذا الحشد من النماذج الفريدة في تاريخ البشرية كلها، وعندئذ يتحتم على الباحث في تاريخ هذه الفترة، وعلى الدراس لهذه النماذج المحشودة فيها أن يحسن إدراك الفكرة التي بعثت وجمعت هذه الثورة الضخمة من المواهب والعبقريات والكفايات، ولن يحسن إدراكها إلا من يدركها من الداخل بكيانه كله، وهذا لا يتأتى إلا لباحث مؤمن بها مستجيب لها كما أسلفنا.

باحث من هذا الطراز يختلف في شعوره وفي تفكيره اختلافا بينا عن المؤرخين الغربيين الذي تناولوا الحياة الإسلامية والشخصيات الإسلامية بالدراسة، كما يختلف اختلافا بينا عن المؤرخين المتتلمذين على المنهج الغربي في الدراسات التاريخية كذلك، ومنهم معظم من كتبوا حديثا في التاريخ الإسلامي وعن الشخصيات الإسلامية على وجه العموم.

وهنا أقتطف فقرات من بحث لي سبق نشره في مجلة المسلمون لبيان طبيعة المنهج الغربي وقصوره في مجال الدراسات الإسلامية، وقد جاء فيه : “التاريخ ليس هو الحوادث، وإنما هو تفسير الحوادث والاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزيئات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان”.

“ولكي يفهم الإنسان الحادثة ويفسرها، ويربطها بما قبلها وما تلاها، ينبغي أن يكون لديه الاستعداد لإدراك مقومات النفس البشرية جميعها : روحية وفكرية وحيوية، ومقومات الحياة البشرية جميعها : غيبية ومعنوية ومادية، وأن يفتح روحه وفكره وحسه للحادثة، ويستجيب لواقعها في مداركه، ولا يرفض شيئا من استجاباته لها إلا بعد تحرج وتمحيص ونقد”.

“فأما إذا كان يتلقاها بادئ ذي بدء وهو معطل الروح أو الفكر أو الحس عن عمد أو غير عمد، فإن هذا التعطيل المتعمد أو غير المتعمد، يحرمه استجابة معينة للحادثة التاريخية، أي أنه يحرمه عنصرا من عناصر إدراكها وفهمها على الوجه الكامل، ومن ثم يجعل تفسيره لها مخطئا أو ناقصا”.

“وهذه الإستجابة الناقصة هي أول ظاهرة تتسم بها البحوث الغربية عن الموضوعات الإسلامية، ذلك أن هناك عنصرا ينقص الطبيعة الغربية – بصفة عامة – لإدراك الحياة الشرقية بصفة عامة، والحياة الإسلامية على وجه الخصوص … عنصر الروحية الغيبية – وبخاصة في العصور الحديثة بعد غلبة النظريات المادية، والطريقة التجريبية على وجه أخص – وكلما كانت هذه الموضوعات الإسلامية ذات صلة وثيقة بالفترة الأولى من حياة الإسلام كان نقص الاستجابة إليها أكبر في العقلية الغربية”.

“وقد ذكرت عنصر الروحية الغيبية على وجه التخصيص لأنه أظهر ما يبدو فيه هذا النقص في الطبيعة الغربية، وفيه تكمن معظم أوجه الإختلاف بين الطبيعتين وهي شتى كثيرة”.

“وهذه المقدمة الصغيرة لابد منها لبيان ما في تناول المؤرخين الغربيين للتاريخ الإسلامي من نقص طبيعي في الإدراك، ونقص طبيعي في الفهم، ونقص طبيعي في التفسير والتصوير، فانعدام عنصر من عناصر الاستجابة للحادثة أو ضعفه، لابد أن يقابله نقص في القدرة على النظر إلى الحادثة من شتى جوانبها، وضياع عنصر من عناصر التقويم والحكم، لا يؤمن معه سلامة هذا الحكم، أو على الأقل لا يسلم به على علاته”.

“وهذا النقص يُعد عيبا في منهج العمل التاريخي ذاته، وليس مجرد خطأ جزئي في تفسير حادثة أو تصوير حالة، ومن ثم فالمنهج الغربي في البحث يسبب تعطيل أحد عناصر الاستجابة، سواء كان ذلك ناشئا عن الطبيعة الغربية ذاتها وملابسات حياتها البيئية والتاريخية، أو ناشئا عن تعمد المؤرخ الأوربي تعطيل هذا العنصر، استجابة لمنهج معين في الدراسة، هذا المنهج غير صالح لتناول الحياة الإسلامية، بل لتناول الحياة الشرقية على وجه العموم، ولكن عدم الصلاحية يتجلى في جانب الدراسات الإسلامية أوضح وأقوى”.

ولعله من الضروري أن أوضح هنا ما قصدت إليه “بعنصر الروحية الغيبية” ومدى تأثيره في تفسير الأحداث، وتقويم الأشخاص في الدراسات التاريخية.

إن الفكرة الإسلامية عن الحياة تختلف عن الفكرة الغربية، في أن الأولى تعتقد بأن هنالك مددا للإنسانية من وراء المعلوم المحدود، وأن البشر – وأفراد منهم بصفة خاصة – ليسوا متروكين لطاقتهم الظاهرية المحدودة، وأن هناك لحظات ترتفع فيها الجماعات، ويرتفع فيها الأفراد، فوق مألوف طاقتهم الظاهرة، بحكم هذا المدد اللدني الغامض، سواء كان هذا المدد كامنا في ذواتهم غير معلوم لهم على وجه التحقيق، ولكن تكشف عنه اللحظات الخاصة على غير انتظار، أو مستمدا للحظته من القوة الكبرى التي تصرف أقدار الحياة والإنسان … بينما ترى الثانية أن الطاقة البشرية هي هذه المعروفة المعالم والحدود، وأن كل النتائج والعواقب كامنة في الأسباب المعلومة المقدرة المكشوفة للحساب والتقدير.

وتبعا لاختلاف طبيعة الفكرتين، تتوقع الأولى من الجماعات ومن الأفراد في بعض الأحيان خوارق بالنسبة لمألوف الحياة، ولا تكذب بها لأول وهلة حين تتحدث عنها الروايات الوثيقة، لأنها تؤمن في قراراتها بأن للروح الإنساني وثبات خارقة، ويؤيدها الواقع التاريخي في هذا الإيمان، بينما تضع الثانية نصيب عينيها مألوف الطاقة البشرية في فترة من فترات التاريخ، ومنطوق الحوادث الظاهرة والمقومات المحسوسة، وتستكثر على الجماعة أو الفرد لحظات التفوق الخارقة، وتكذب بها، وتحيلها إلى عالم الخرافة.

وليس معنى هذا أن الفكرة الإسلامية تؤمن بالخرافة، وتعتمد على الأسطورة، حين لا تحكم الفكر البشري وحده في تفسير الحياة بجملتها، بل معناها أنها لا تسلم نفسها إلى ذلك الغرور البشري بالفكر الإنساني الذي لم يشب عن الطوق بعد، وتمنحه مكانه الطبيعي في إدراك ما هو من شأنه، وما هو داخل في وسعه، ومألوف طاقته، وتدع المنافذ الأخرى إلى المعرفة مفتوحة، ما دام الواقع يأتي كثيرا بما تعجزه عن تفسيره العقول!

ومن منطق الفكرة الإسلامية عن الحياة استمد صادق إبراهيم عرجون كتابه عن خالد بن الوليد فجاءت سيرة كتبه بروح الإسلام، واستقامت على نهج الإسلام، لم يفتها من التحقيق العلمي شيء يعاب فوته، ولم ينقصها من الإيمان الغيبي شيء يعاب نقصه، فاستقامت بهذا وذلك على نهج الإسلام في تناول الحياة والأشياء والأشخاص، وجاءت نموذجا قيما للمنهج الذي ندعو لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي على أساسه.

أما سمة المنهج الذي سار عليه المؤلف، فهي أن يبدأ برسم معالم الشخصية من أخبارها المحققة، ثم يأخذ بعد ذلك في عرض سائر أخبارها على ضوء تلك المعالم الثابتة، وفي غربلة هذه الأخبار وتنقيتها على ذلك الضوء، وفي ظل الموازنة، ومما يتفق مع خطوط الشخصية المحققة، وإلى استبعاد بعضها، مما لا يثبت على التمحيص، ومما يتجافى مع خطوط الشخصية الأصلية.

وهو منهج مستقيم ولا ريب – وإن كان خطرا في بعض الأحيان – فافتراض أن الشخصية الإنسانية وحدة ثابتة في جميع أطوارها وأحوالها، لا تتكسر خطوطها ولا تتعرج تحت جميع الظروف وأمام جميع الاحتمالات … مسألة فيها نظر، وهي قابلة على الأقل للمناقشة والجدل.

ولكن صاحب هذا البحث يتوقى ذلك الخطر الذي أشرنا إليه، بأن يعمد إلى تمحيص الأخبار، والموازنة بين الروايات، وتحكيم أكثر من أداة واحدة من أدوات التحقيق العلمي، كما أنه يستعين باستشراف روحي لا أرى مفرا من الاشارة إليه والثقة به … وهو بهذه الوسائل مجتمعة يسلك بنا طريقا آمنا في دراسة الشخصية والأحداث والأخبار، ويستعين بكل الوسائل الميسورة للبشر المحجوبين عن إدراك الحقيقة الكاملة، إلا ومضات بعد ومضات!

ولقد خاض المؤلف بهذه العدة من تأملات الفكر وسبحات الروح، غمرات وأشواكا في حياة البطل : خالد بن الوليد، أشفق منها بعضهم فمضى عنها ناجيا، وترك ترجمته لخالد ولأبي بكر ولعمر ناقصة من هذه الناحية، يطلع منها القارئ على فجوة في البحث، ونقص في الصورة، ونجوة في العناء! وواقعها بعضهم فأتى فيها بالمخزية المندية عن خالد وعن أبي بكر وعن عمر، وهبط بالخليفتين الأولين للإسلام إلى منحدر واط، إن هشت له نفسية المداورين من هذا الجيل، إن روح الإسلام لتنفر منه نفورا شديدا، وإن روح أبي بكر وروح عمر لتشمئزان منه اشمئزازا!

خاض المؤلف غمار أقصوصة خالد مع مالك بن نويرة وامرأته ليلى الجميلة، وأقصوصته مع مجاعة وابنته الغادة الفاتنة، كما خاض أشواك الخلاف بين عمر وخالد مستجمعا كل عدته وكل إيمانه : إيمانه بالحقيقة التي يجب أن تجلى وتبرز، وإيمانه بالبطل الذي يجب أن تتضح صورته كما خلقها الله … وفي غير عنت ولا مشقة رسم صورة لهذا كله، إن لا تكن هي الحقيقة الكاملة، فهي على الأقل أوضح وأصدق وأدق صورة رسمت حتى اليوم، وأولى الصور بأن يقتع بها الفكر والضمير في غير غضاضة ولا التواء.

وميزة المؤلف هنا أنه علل الأحداث بطريقة يقرها الفكر المحقق، وتؤزرها الموازنة بين الروايات والأخبار، وفي ذات الوقت يستريح لها الوجدان المؤمن، الذي يحس أثر الإسلام في الناس، حين تخالط بشاشته قلوبهم، وما يفرضه من اليقظة الدائمة على نفوس الأفراد والجماعات، وما يثيره من الحساسية المرهفة في الضمائر والوجدانات، وذلك كله دون أن يغفل كوامن الطبع البشري، ودوافع التكوين الإنساني … وهذه الخصائص حسب باحث في سيرة بطل من أبطال التاريخ والإسلام.

ولا يتسع تقديم كتاب لاستعراض الأمثلة على تلك الخصائص، فالكتاب نفسه هو المثال، فأكتفي إذن – وقد أوضحت المنهج الإسلامي في كتابة التاريخ – بأن أقول : إن صادق عرجون، قد حقق هذا المنهج بدراسته لخالد، وأنشأ بها نموذجا محسوسا للمنهج الجديد.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s