علوم القرآن والتفسير بين التقليد والتجديد

د. جمال السعيدي
جامعة محمد الخامس  أكدال

عناصر الموضوع :

  • تقديم.القرآن الكريم
  • تعريف موجز لعلوم القرآن الكريم وتفسيره.
  • أقسام المهتمين بالدراسات القرآنية.
  • نماذج من مناهج توظيف علو القرآن.
  • مقترحات ومشروع توصيات.
  • المصادر والمراجع المعتمدة في البحث.

1-  تقديم :

جرت عادة المفسرين في كل زمان ومكان أن يبيّنوا أهميَّة تفسير كتاب الله وفضلَه، وأصولَه وقواعده وضوابطه ومقاصده.

وبالتتبع لكثير من التفاسير وجدنا تفاوتا بين مؤلفيها، في درجات الاقتراب من إصابة الحق أو الابتعاد عنه، عند التعامل مع كتاب الله تعالى؛ وذلك راجع لعدة أسباب، منها : ما هو علمي، ومنها ما هو منهجي، ومنها ما هو مذهبي، ومنها ما هو ذاتي.

ويمكن إدراك أن هذا التنوُّعَ  بغض النظر عن قيمته العلمية  يُشَكِّل في حدِّ ذاته عنصراً من أهم العناصر، التي تؤكِّد عظمة القرآن المجيد، وقوتَه وهيمنتَه على أولي الألباب؛ لأنه “كلام الرحمن” الذي لا يستطيع أن يأتي بمثله إنس ولا جانّ. وقد شهد الوليد بن المغيرة، بذلك حيث قال: “والله! إن لقوله لَحلاوةً، وإن أصله لَعَذْقٌ، وإنَّ فرعه لَجناةٌ …” [1] وقد أنزل الله في هذا الرجل آيات تكشف عن تردّده في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن[2]،قال تعالى : “ذَرْني ومَن خَلَقْتُ وحيداً وجَعَلتُ له مالا ممدوداً وبنين شُهوداً ومَهَّدْتُ له تمهيداً ثُمَّ يَطمعُ أن اَزيدَ كلاَّ إنه كان لآياتنا عنيداً سأُرْهِقُه صعوداً إنه فكَّرَ وقَدَّر فَقُتِلَ كَيْف قدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْف قدَّرَ ثُمَّ نظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكبَر فقال إنَّ هَذَا سِحْرٌ يُوثَرُ إن هذا إلاَّ قَوْلُ البَشَرِ سأُصليهِ سَقرَ” [سورة المدّثِّر، الآيات : 11 – 26 ].

إن هذه الآيات الكريمات لتكشف لنا بدقة الطبيعة النفسية للوليد بن المغيرة؛ فهو كان من أكبر سادات قريش، وأكثرِهم مالاً، وأعلمِهم بالأشعار وسائر أنواع الكلام، ولذلك احتار في أمر الكلام الذي نزل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحسده على نعمة النبوة. [3]

ومن خصائص هذا الكتاب أنّه “مُعْجِزٌ” للفصحاء والبلغاء المشهود لهم بذلك وقت نزوله؛ فأنى لمن لم يكن ممن عاصروا تنزلات القرآن، أو لم يشموا رائحة اللغة العربية واستعمالاتها الممزوجة بالعلوم الإسلامية، أنّى لهم أن يتحدَّوا هذا القرآن.

إن فاقد هذه الشروط الأساسية في التعامل مع القرآن الكريم  تعاملا عقليّاً  لا يمكنه أن يكون موفَّقاً في فهم كلماته، واستيعاب معانيه، بَلْهَ تفسيرُه أو تأويلُه.

وقد تحدَّى الله تعالى الفصحاء المكذبين بالوحي وصدق نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بقوله : “وإن كنتم في ريبٍ مِمَّا نزَلْنا على عَبْدِنا فاتُوا بسورة مِن مِثْلِه وادعوا شُهداءَكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعَلوا ولن تفعَلوا فاتَّقُوا النَّارَ التي وَقُودُها النَّاسُ والحِجَارةُ أُعِدَّتْ للكافرين” [سورة البقرة، الآيتان: 22 – 23 ].

ومن خصائص القرآن كذلك أنه كتاب “محفوظ” لأن الله تعالى وَعَدَ  ووعدُه حقٌّ  بأنه سيتولى حفظه، رغم كيد الكائدين، في كل زمان ومكان، الذين مهما طوَّروا أساليبهم ووسائلهم لتبديل رسم القرآن، أو تغيير إعرابه، أو تحريف معانيه، وغيرها من الخيانات، في حق ما نزل من السور والآيات، وهي أعظم ما يجب عليهم أن يحفظوه من الأمانات، التي أشفقت من حملها الأرض والجبال والسماوات.

قال سبحانه : “إنا نحن نزَّلْنا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافظون[4]” [سورة الحِجْر، الآية: 9]

وقال تعالى : “مَن كان يريد العِزَّةَ فللهِ العزَّةُ جميعاً إليه يَصْعَدُ الكلِمُ الطّيِّبُ والعملُ الصّالِحُ يَرْفَعُه والذين يَمْكُرون السّيِّئاتِ لهم عذابٌ شديدٌ ومَكْرُ أولئك يَبُورُ” [سورة فاطر، الآية: 10]

وقال عز وجل  في بيان أن أصل الخيانة مردّها إلى المنهج الدخيل، المعارض للمنهج الأصيل، في حفظ كتاب الله ومعانيه ومقاصده من التزوير والتبديل والتحريف  : “يا أيها الرسولُ لا يُحْزِنْكَ الذين يسارعون في الكُفرِ مِنَ الذين قالوا آمنَّا بأفواههم ولَمْ تُومِن قلوبُهم ومِن الذين هادُوا سَمَّاعونَ لِلكذِبِ سَمَّاعونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لم يَاتُوكَ يُحَرّفون الكَلِمَ مِن بَعْدِ مواضِعِهِ” إلى أن قال : “إنّا أنزلنا التَّوراةَ فيها هُدىً ونُورٌ يحكُمُ بها النَّبيئونَ الذين أسلَموا لِلَّذين هادُوا والرَّبَّانِيُّونَ والاَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كتابِ اللهِ وكانوا عليه شُهَداءَ …” [ سورة المائدة، الآيات: 43  46].

وقد تعددت مناهج هؤلاء المفسرين في اعتماد العلوم التي يرون أنها أجدر بالاهتمام، أكثر من غيرها، للاستعانة بها في محاولة بيان مراد الله تعالى.

كما أنهم تفاوتوا في مقدار الفهم الصحيح، من خلال التعامل مع النقول، أو استنباط المعاني التي توصلت إليها العقول … مما أفرز لنا هذا المقدار عددا كبيرا من التفاسير التي يصعب حصرها ومن ثَمَّ دراستها وتقويمها …

وحسبنا في هذه الدورة القرآنية المباركة أن نثير بعض إشكالات هذا الموضوع، الذي أصبح اهتمام الباحثين والدارسين له يتزايد بوتيرة سريعة جدا، بين مدافع ومنازع، كما شرعت عدة دوائر حكومية وعلمية عالمية تفرض تجديد العلوم الإسلامية، وجعلها  في زعمهم  مواكبة للعصر الحالي، بدعوى “التجديد والتطوير” وهما مفهومان مقبولان ومُغريان في نفس الآن، فمن منا يرفض التجديد والتغيير والتطوير وإعادة النظر في المناهج والبرامج، والتراث الإسلامي بوجه خاص؟ إنه لا يوجد من يقول العكس.

ولكن يوجد عدد لا يحصى من الذين يقولون على أي أساس نقوم بالتجديد والتغيير والتطوير؟ وهل جميع القضايا تخضع للتجديد؟ وهل كل ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة الرسول خاتم الأنبياء والمرسلين قابل للتجاوز وإعادة النظر مما يتصل بالعقائد والأحكام والعبادات والمعاملات والأخلاق.

ومن هم هؤلاء الذين يحق لهم أن يكونوا مؤهلين للقيام بعملية التجديد وما يرادفه من الكلمات والعبارات ؟

هذه مجموعة من الأسئلة التي يروم دعاتها فكرة “فصل الحاضر عن الماضي،”[5] وهي موضة قديمة في زمانها، وجديدة في أسلوبها وشعارها، ستموت مع الزمن كما ماتت موضة “فصل الدين عن الدولة” وموضة “الدين أفيون الشعوب”.

ولقد تعلمنا من القرآن الكريم، الذي أنزله الله مصلحا لكل زمان ومكان، أن الحق هو الذي يكتب له البقاء والدوام، وأن الباطل مهما حاول أن يجد له مكانا إلا وأعرض عنه العاقلون، ولا ينخدع به إلا الغافلون[6]. قال تعالى : “قُلْ مَنْ رَبُّ السماوات والارضِ قُلِ اللهُ قُلَ اَفَتَّخَذتُّم مِن دُونِهِ أولياءَ لا يَمْلِكون لأَنفُسِهم نَفعاً ولآَ ضَرّاً قُلْ هل يستوي الاعمى والبصير اَمْ هل تَستوي الظُّلُماتُ والنُّورُ … ” إلى أن قال سبحانه : “كذلك يَضْرِبُ اللهُ الحقَّ والباطلَ فأَمَّا الزَّبَدُ فيَذْهَبُ جُفاءً وأَمَّا ما ينفعُ الناَّسَ فيمْكُثُ في الاَرضِ كذلك يَضْرِبُ اللهُ الاَمثالَ” [سورة الإسراء، الآيات: 17  19].

2- ماذا نقصد بعلوم القرآن والتفسير :

بالرجوع إلى الكتب التي اهتمت بالقرآن الكريم وعلومه، نجد أن علوم القرآن تعني  بصفة عامة  جملة من الأبحاث العلمية التي تتصل بالقرآن الكريم، كاللغة العربية ومتعلقاتها، وعلوم الشريعة الإسلامية من توحيد وفقه وأصوله وعلوم الحديث ومعرفة سبب النزول والمكي والمدني والناسخ والمنسوخ وإعجاز القرآن بأنواعه والقراءات القرآنية وغيرها.[7]

3-  أقسام المهتمين بالدراسات القرآنية قديما وحديثاً :

ويمكن تقسيم المهتمين بعلوم القرآن والتفسير بين التقليد والتجديد إلى قسمين عريضين :

القسم الأول :

تعامل أصحاب هذا الاتجاه  الذي يمثله العلماء والمفسرون والمفكرون المسلمون  مع كتاب الله تعالى تعاملا تعبدياً[8] وشموليا، وبحثوا عن المعاني لفهمه في ضوء آياته، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة والتابعين بالرواية عن المصطفى الأمين، كما استندوا إلى ما أجمعت عليه الأمة الإسلامية في فهم مراد الله ومقاصد تنزيل كتابه، وكيفية العمل به في الواقع، والاحتكام إليه في كافة شؤون الحياة.

أما ما وقع من اختلاف بين المفسرين، في منهج التعامل معه فهما وتطبيقا، فيمكن إرجاعه إلى مجموعة من العوامل التاريخية والسياسية والمذهبية، التي غلب فيها  في كثير من الأحيان  التعصب للفكرة أكثر من التعصب للحق المخالف لها، وتقديس الفهم والعمل به في ضوء ذلك التعصب للفكرة.

ومن الأسباب أيضا ما يتعلق باختلاف العبارات، فالاختلاف الأول يدخل فيما يسمى “الاختلاف المذموم” وهو في الشريعة الإسلامية اختلاف ممنوع؛ لأنه “اختلاف تضاد”، كطلب المعنى الباطن المخالف قلبا وقالبا للمعنى الظاهر، كالصوم مثلا؛ فظاهر معناه أنه الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، خلال شهر رمضان. وهذا ما أجمعت الأمة الإسلامية عليه.

أما من يزعم بأن الصوم هو الإمساك عن إفشاء الأسرار التي يلقيها الشيخ على أتباعه، كما فعل كثير من الدجالين الذين لبسوا على عوام المسلمين أمور دينهم، لجهلهم بتعاليم الدين، وعدم تلاوتهم للقرآن الكريم الذي ذكر الله فيه صوم رمضان وحقيقته وأحكامه ومقاصده.[9]

والنوع الثاني يندرج في “الاختلاف المحمود” وهو في حكم الإسلام اختلاف مشروع؛ لأنه “اختلاف تنوع”. وعقد الإمام الزركشي فصلا في الأسباب الموهمة للاختلاف، وأتبعه بفصل آخر للإجابة عن بعض الإشكالات[10]، وقد صدق الشاعر عندما قال :

عباراتنا شتى وحسنك واحد   وكل إلى ذاك الجمال يشير

وهو كلام واضح في بيان ألا اختلاف بين الواصفين للحسن بعبارات مختلفة؛ لأنها لا تتناقض في المعنى الذي هو “الحسن”.

هذا وإن الاختلاف، الذي حصل في تاريخ المسلمين كان محدودا جداً، وستبقى دائرته ضيقة، لذا وجب التنبه إلى أن الأمر هيِّن؛ لأنه لم يشمل جميع سور القرآن الكريم وآياته، ولأن أصحابه سيبقون قلة بالمقارنة مع ما عليه الأمة الإسلامية  في عمومها  من التمسك بالنقل الصحيح، واتباع الرأي الصريح.

والأمر هين من جهة أخرى لأنه يمكن تصحيح الأخطاء بالعلم؛ فهو الفيصل بين المختلفين.

وإن مصدر العلم الأساس هو الوحي : القرآن الكريم والسنة النبوية، لقوله تعالى : “يَا أَيّهاُ الذين آمنوا أَطيعُوا اللهَ وأطيعوا الرَّسولَ وأُولِي الاَمْرِ مِنكُمْ. فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ والرَّسُولِ إن كنتُم تومنون بالله واليوم الآخِرِ. ذَلِك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاويلاً” [ سورة النساء، الآية: 58 ]

ويأتي العقل في الدرجة الثانية، لأنه من الوحي يأخذ حقائق الإيمان والنور والعلم والمعرفة والحق والهدى والرشاد والأخلاق والسداد في الذكر والفكر، وفي القول والعمل، وفي إصلاح الشؤون الخاصة والعامة، وفي التطلع إلى السعادة في الحياة الدنيا والآخرة. ولا ينطلق من ذلك فيجعله زاده اليومي، ولا يقوم بذلك إلا المؤمن، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن الذي يقدس القرآن ويجعله مرجعه الأول، ومنبعه الصافي الذي يغترف منه، في كل وقت وحين؛ لأنه الكتاب الذي يعلو  بكل ما جاء فيه من حقائق ربانية  ولا يعلى عليه، فعند الاختلاف يكون هذا الكتاب الرباني هو الحَكَم، قبل اللجوء إلى العقل الإنساني..

قال تعالى : “يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تُقَدِّموا بين يَدَيِ اللهِ ورسولِه واتَّقوا الهَ إنَّ اللهَ سميعٌ علِيمٌ” [ سورة الحجرات، الآية: 1 ] وقال عز وجل أيضاً : “فَلا وربِّكَ لاَ يومنُونَ حتَى يُحَكِّمُوك فيما شَجَرَ بيْنَهُم ثمَّ لا يَجِدُوا في أنفُسِهم حرجاً مِمَّا قضيْتَ ويُسَلِّموا تسليماً” [ سورة النساء، الآية:64 ] وقال سبحانه كذلك : “ومَا كانَ لمُومِنٍ ولا مُومِنَة إذا قضَى اللهُ ورسُولُه أمراً أن تكونَ لهم الخِيَرَةُ مِن اَمْرِهِم ومَن يَّعْصِ اللهَ ورسولَه فقد ضَّلَ ضلالاً مُّبيناً” [ سورة الأحزاب، الآية: 36 ] وهذا لا يعني أن العقل لا قيمة له، وأنه عليه أن يتبع و لا يبتدع؛ بل جاء القرآن بدعوة المشركين ومجادلتهم بالآيات الكونية : الطبيعية والإنسانية، لكي تتفتّح عقولهم المغلقَة وإعدادها للتفكر والتدبر.

وكل من يتلو القرآن الكريم يجد أن عددا كبيرا من آياته تأمر بإعمال العقل، وتنهى عن إهماله، من ذلك قوله تعالى : “أَمَّن خَلَقَ السَماواتِ والاَرْضَ … أَمَّن يَّبْدَؤُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُه ومَن يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّماءِ والاَرْضِ أَإلاهٌ مع اللهِ قُلْ هاتوا برهانَكُم إن كنتم صادقين” [ سورة النمل، الآيات: 62  66 ].

وقال سبحانه في موضع آخر : “ولقد ذرأْنا لجهنم كثيرا من الجِنِّ والاِنْسِ لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرونَ بها ولهم آذانٌ لا يَسْمَعون بها أولئكَ كَالانعامِ بَلْ هم أضَلُّ أولئك هم الغافلون” [ سورة الأعراف، الآية: 179 ][11]

القسم الثاني :

زعم أصحاب هذا الاتجاه أن التفسير ليس حكرا على العلماء والمفسرين المسلمين، وأنهم ليسوا أوصياء على القرآن؛ بل من حق كل دارس أو مثقف  مسلما كان أو غير مسلم  أن يدلي برأيه في الموضوع، وأن يسهم في كشف المعاني من القرآن، وأن يأتي بالجديد، وذلك بتطوير مناهج المفسرين القدامى، بل تجاوزها؛ لأنها تحول بين القرآن والدارسين له، وتضيق الخناق عليهم للوصول إلى الفهم الصحيح لكلماته.

نماذج من مناهج العلماء في توظيف علوم القرآن في التفسير

1-  منهج الزمخشري في توظيف علوم القرآن في التفسير ( ت 538 ه ) :

ذكر الزمخشري رحمه الله، المشهور بجار الله[12]، في مقدمة تفسيره : “الحمد لله الذي أنزل القرآن كلاما مؤلفا منظما، ونزَّله بحسب المصالح منجَّماً، وجعله بالتحميد مفتتحا وبالاستعاذة مختتما وأوحاه على قسمين : متشابها ومحكما، وفصله سورا، وسوره آيات، وميز بينهن بفصول وغايات، وما هي إلا صفات مبتدئ مبتدع، وصفات منشئ مخترع فسبحان من استأثر بالأولية والقدم، ووسم كل شيء سواه؛ بالحدوث عن العدم.

أنشأه كتابا ساطعا تبيانه، قاطعا برهانه، وحيا ناطقا ببينات وحجج، قرآنا عربيا غير ذي عوج، مفتاحا للمنافع الدينية والدنيوية، مصداقا لما بين يديه، من الكتب السماوية، معجزا، باقيا دون كل معجز على وجه كل زمان، دائر من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان، أفحم به من طولب بمعارضته من العرب العرباء، وأبكم به من تحدى به من مصاقع الخطباء، فلم يتصدَّ للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم، ولم ينهض لأقصر سورة منه ناهض من بلغائهم على أنهم أكثر من حصى البطحاء، وأوفر عددا من رمال الدهناء …

ثم من أملأ العلوم بما يغمر القرائح وأنهضها القرائح وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سلكها، علم التفسير الذي لا يتم تعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم، كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن؛ فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتوى والأحكام، والمتكلم وإن بزَّ أهل الدنيا في صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار، وإن كان من ابن القِرِّية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ، والنحويُّ وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بلحييه.

لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، و لا يغوص على شيء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعاني وعلم البيان، وتمهَّل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله، بعد أن يكون آخذاً من سائر العلوم بحظ ،جامعا بين أمرين تحقيق وحفظ، كثير المطالعات، طويل المراجعات، قد رجع زمانا، ورُجِع إليه، وردَّ ورُدَّ عليه، فارسا في علم الإعراب، مقدما في حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقّادها، يقظان النفس درّاً كاللمحة وإن لطف شانها، منتبها على الرمزة وإن خفي مكانها، لا كزّاً جاسيا، ولا غليظا جافياً، متصرّفا ذا دربة بأساليب النظم والنثر، مرتاضاً غير ريض بتلقيح بنات الفكر، قد علك كيف يرتب الكلام ويؤلف، وكيف ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقة ووقع في مضاحضة ومزالقة” [13]

من خلال ما تقدم يتضح لنا أن الزمخشري أدرك أن التفاسير، التي اطلع عليها،  لم تف بالغرض الذي ألفت من أجله؛ وهو بيان مراد الله تعالى، لعدم عنايتها الدقيقة، إلى حد “البراعة” في علمي “البيان والمعاني”، وهما العلمان اللذان رأى صاحب الكشاف أنهما يكشفان أسرار القرآن الكريم وبلاغته، إلى جانب علوم القرآن التي ذكرها وهي : الفقه وعلم الكلام والقصص والأخبار والوعظ و النحو واللغة.

2 – منهج القرطبي في علوم القرآن والتفسير ( ت 671 ه ) :

تحدث الإمام القرطبي، رحمه الله  في مقدمة تفسيره  عن مسؤولية العلماء في تلاوة القرآن حق التلاوة وتدبره وتفسيره، والتماس المعنى منه، لا من غيره، مع بيان ما أعد الله لهم من الأجر والثواب على عملهم والرفع من قدرهم.

وعلى هذا الأساس “صار الكتاب أصلاً، والسنة له بياناً، واستنباط العلماء له إيضاحاً وتبياناً ” [14]

وبعد ذلك ذكر  رحمه الله  شرطه في التفسير[15] من إضافة الأقوال إلى قائليها، والأحاديث إلى مصنفيها، والإضراب عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، وعوّض ذلك بتبيين آي الأحكام بمسائل يبيّن فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير الغريب والحِكم؛ فإن لم تتضمّن حُكْماً ذَكَرَ ما فيها من التفسير والتأويل، هكذا إلى آخر الكتاب [16]

وأعقب ذلك بالتفصيل في علوم القرآن على شكل أبواب، مستدلا بنصوص من القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية وأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم وأقوال العلماء، بأسلوب علمي يجمع بين النقل والتحليل والمناقشة والترجيح. وأكتفي هنا بذكر عناوين تلك الأبواب، وهي:

  • باب ذِكر جُمَل من فضائل القرآن، والترغيب فيه، وفضلِ طالبه وقارئه ومستمعه والعامل به.
  • باب كيفية التلاوة لكتاب الله تعالى، وما يكره منها وما يحرم، واختلاف الناس في ذلك.
  • باب تحذير أهل القرآن والعلم من الرياء وغيره.
  • باب ما ينبغي لصاحب القرآن أن يأخذ نفسه به ولا يغفل عنه.
  • باب ما جاء في إعراب القرآن وتعليمه والحثِّ عليه، وثواب من قرأ القرآن معرباً.
  • باب ما جاء في فضل تفسير القرآن أهله.
  • باب ما جاء في حامل القرآن ومن هو، وفيمن عاداه.
  • باب ما يلزم قارئ القرآن وحاملَه من تعظيم القرآن وحرمته.
  • باب ما جاء من الوعيد في تفسير القرآن بالرأي والجرأة على ذلك ومراتب المفسرين.
  • باب تبيين الكتاب بالسنة، وما جاء في ذلك.
  • باب كيفية التعلم والفقه لكتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما جاء أنه سهِّلَ على من تقدَّم العمل به دون حفظه.
  • باب معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : “إن هذا القرآن أُنْزِلَ على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسَّر منه”. وضمن هذا الباب، فصل : [في القراءات ونسبتها] وفصل : في ذكر معنى حديث عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم.
  • باب ذكر جمع القرآن، وسبب كتب عثمان المصاحف وإحراقِه ما سواها، وذُكِرَ من حفظِ القرآن من الصحابة رضي الله عنهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
  • باب ما جاء في ترتيب سُوَرِ القرآن وآياتِه، وشكله ونقطه وتحزيبه، وتعشيره، وعدد حروفه وأجزائه وكلماته وآيه. وضمن هذا الباب، فصل : [في وضع الأعشار]
  • باب ذكر معنى السورة والآية والكلمة والحرف.
  • باب هل ورد في القرآن كلمات خارجة عن لغات العرب أو لا.
  • باب ذكر نكت في إعجاز القرآن، وشرائط المعجزة وحقيقتها. وضمن هذا الباب، فصل : [في أقسام المعجزة]
  • باب التنبيه على أحاديث وضعت في فضل سُوَر القرآن وغيره.
  • باب ما جاء من الحجة في الرّدّ على من طعن في القرآن وخالف مصحف عثمان بالزيادة والنقصان.

وجاء في ختام ذكر هذه العلوم قضايا تتعلق بالاستعاذة والبسملة.

3 – منهج ابن كثير في توظيف علوم القرآن في التفسير ( ت 774ه ) :

جاء في مقدمة تفسير ابن كثير[17] أن “الواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله وتفسير ذلك وطلبه من مظانه وتعلم ذلك وتعليمه …”[18]

          واستعرض  بعد ذلك  أحسن طرق التفسير، وهي باختصار[19] :

          1-  طلب التفسير من القرآن أوّلاً، فما أجمل فيه فإنه قد بسط في موضع آخر.

          2-  طلب التفسير من السنة ثانياً، عند تعذر وجوده في القرآن.

          3- طلب التفسير من أقوال الصحابة ثالثاً عند فقدان المعنى في المصدرين السابقين.

واستطرد  رحمه الله  إلى ذكر الروايات الإسرائيلية للاستشهاد لا للاعتضاد، التي استند إليها بعض الصحابة، خاصة ابن عباس وابن مسعود، عملا بتوجيهات النبي صلى الله عليه في إباحة الرواية عن أهل الكتاب مع التمييز بين الصحيح والباطل منها، والتحذير من إضاعة الوقت والجهد فيما لم تبين صحته وفائدته، في التفسير.

          4-  طلب التفسير من أقوال التابعين، مع اعتبار كلامهم حجة، إلا إذا اختلفوا اختلافا واضحاً، فلا يكون قول بعضهم حجة على قول بعض، ولا على من بعدهم، وإنما يرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك.

          5-  أما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، للنصوص الصحيحة من السنة وأقوال الصحابة والتابعين، الذين كانوا يتحرجون عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه. “وأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا الواجب على كل أحد؛ فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه”

          6-  وفي ختام هذه الطرق الصحيحة في التفسير عقد  رحمه الله  فصلاً بعنوان (مقدمة مفيدة تذكر في أول التفسير قبل الفاتحة)  ذكر فيه السور التي نزلت بالمدينة، والتي نزلت بمكة، وعدد آيات القرآن، وعدد كلماته، وعدد حروفه، وتحزيب القرآن، ومعنى السورة، ومعنى الآية، ومعنى الكلمة، وتعرض لانتفاء التراكيب الأعجمية في القرآن.

4 – منهج الطاهر بن عاشور في توظيف علوم القرآن في التفسير ( ت 1973م ) :

يعتبر ابن عاشور من الأعلام البارزين في إبراز عظمة كتاب الله ومقاصده، وقد جمع  رحمه الله  في تفسيره الذي سماه (تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد، من تفسير كتاب الله المجيد)[20] بين مختلف العلوم النقلية والعقلية، مع استحضاره للواقع.

وقد بيَّن في تمهيد تفسيره منهجه في التعامل مع التفاسير السابقة، تعامل العالم المتمكّن والمتواضع، وليس تعامل المتعالم والمتكبر والمحتقر لجهود السابقين … ومما أثار انتباهه أن بعض المعاصرين اتجهوا  في التعامل مع جهود السابقين  أحد الاتجاهين المبالغة في التعظيم و “الإجلال” والغلو في الإجحاف و “الإخلال”. قال رحمه الله : “ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أَحَد رجُلين : رجل معتكف فيما أشاده الأقدمون، وآخر آخذ بمعوله في هدم ما مضت عليه القرون، وفي كلتا الحالتين ضُرٌّ كثير، وهنالك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير، وهي أن نعمِدَ إلى ما أشاده الأقدمون فنهذِّبَه ونزيدَه، وحاشا أن ننقضه أو نبيدَه، علْماً بأن غمضَ فضلهم كُفران للنعمة، وجَحْدَ مزايا سلَفها ليس من حميد خصال الأمة، فالحمد لله الذي صدَّق الأمل، ويسَّر إلى هذا الخير ودلَّ” [21]

وقبل الشروع في التفسير، كتب المؤلّف عشر مقدمات منهجية، وضّح فيها أهمية اكتسابها للاستعانة بها في فهم كلام الله ومراده.

وهذه المقدمات العشر هي :

  • في التفسير والتأويل وكون التفسير عِلماً.
  • في استمداد علم التفسير من علم العربية وعلم الآثار ومن أخبار العرب وأصول الفقه وعلم الكلام والقراءات القرآنية.
  • في التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأي وحكمه.
  • فيما يحق أن يكون غرض المفسر (علم المقاصد الأصلية التي جاء القرآن لتبيانها، وهي ثمانية : إصلاح الاعتقاد، وتهذيب الأخلاق، وتشريع الأحكام الخاصة والعامة، وسياسة الأمة وجمع كلمتها وصفها، وقصص السابقين للعبرة، التعليم مع مراعاة المستويات المختلفة للمخاطبين، والترغيب والترهيب، والإعجاز.
  • في أسباب النزول.
  • في القراءات القرآنية.
  • في قصص القرآن.
  • في اسم القرآن وآياته وسوره وترتيبها وأسمائها.
  • في أن المعاني التي تَتَحمَّلُها جُمَلُ القرآنِ تُعْتَبر مرادةً بها.
  • في إعجاز القرآن، ويليه مبتكرات القرآن، وعادات القرآن.

إن هذه المقدمات العشر التي استغرقت إحدى وعشرين ومائة (121 ) صفحة من الجزء الأول، لتدل على ما بذله الإمام الطاهر بن عاشور من جهد كبير في تدبّر كتاب الله تعالى والاطلاع الواسع على  تفاسير القدامى، على اختلاف مذاهبهم ومناهجهم، فجاء تفسيره كاشفا عن ثروة ضخمة من أنواع البيان لكلام الحق سبحانه، من خلال أفانين ودقائق البلاغة، ووجوه الإعجاز، وأساليب الاستعمال وبيان معاني المفردات، وتناسب اتصال الآي بعضِها ببعض، كما اهتم بذكر أغراض كل سورة وبيان محتوياتها بإجمال، قبل الشروع في تفسيرها.

5 – منهج الزرقاني في توظيف علوم القرآن في التفسير ( ت 1367 ه ) :

سلك الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني، رحمه الله، منهجا متميزا في توظيف علوم القرآن والتفسير، مشيدا بجهود العلماء السابقين، بقوله : “ولقد أفرد العلماء كل ناحية من هذه النواحي[22] بالبحث والتأليف، ووضعوا من أجلها العلوم ودوّنوا الكتب … وكانت هذه الثروة ولا تزال مفخرة نتحدّى بها أمم الأرض، ونفحم بها أهل الملل والنحل في كل عصر ومِصر!”[23]

ويتجلى منهجه في قوله : “وسأحاول فيما أكتبه أن أمزُج بين حاجة الأزهريين إلى البحث والتحليل، وبين رغبات جماهير القراء المعاصرين في تقريب الأسلوب وتعبيد السبيل، ما وسعني الإمكان …

وسأَعرِض  بعون الله وتأييده  لعلاج الشبهات التي أطلق بخورها أعداءُ الإسلام، وسدّدوا سهامها الطائشة على القرآن، ولكن عند المناسبة وسنوح الفرصة.

وسأجتزئ في كل مبحث ببعض أمثلة من القرآن الكريم …

وسأجعل نقاط المنهج المقرر عناوين بارزة بين المباحث التي يقوم عليها هذا الكتاب” [24]

ويلاحظ من منهج الدراسة التي قام بها الزرقاني رحمه الله أنه كان يكتب بدافع إيماني وعلمي، مع استيعابه لقضايا التشكيك التي كان أعداء الإسلام المعاصرون يثيرونها بين صفوف الشباب والمثقفين، الذين لم يكونوا على علم بالدين، وما جاء به الكتاب المبين، وما بيّنه الرسول الأمين، صلى الله عليه وسلم.

إن تلك الشبهات، التي ردها الشيخ الزرقاني رحمه الله، لم تكن وليدة تطور هذا العصر، ولذلك سعى إلى كشف أصولها وجذورها، وناقشها مناقشة علمية بالأدلة النقلية الصحيحة، وبالبراهين العقلية والعلمية الصريحة، وبيّن أنها ميتة أحياها أدعياء التجديد، الذين يزعمون أنهم أتوا بمنهج جديد في فهم القرآن وتأويله!

وقد قام الدكتور خالد بن عثمان السبت بدراسة كتاب المناهل وتقويمه[25]، وبيان ما له وما عليه، دون أن ينقص من قيمة الكتاب وصاحبه، وهذه هي أخلاق العلماء، التي يفتقدها هؤلاء الأدعياء، الذين لا يعرفون لعلماء الإسلام قدرهم، وإن أصابوا!

ولكي نبقى في إطار بيان حقيقة الأمر ندرج منهج هؤلاء الأدعياء ومشروعهم المميت لكل فضيلة، والمحيي لكل رذيلة، ونورد هنا نموذجا لما نحن بصدد مدارسته بمنهج علمي، من خلال العروض التي قُدِّمت أثناء إحدى الندوات الدولية، التي كان موضوعها حول التقليد والتجديد في التعامل مع القرآن الكريم[26]

وقد جاء في الكتيب الذي ضم تقديما للندوة وعروضا مختصرة للمشاركين، أن النص القرآني أصبح منذ القرن العشرين (20م) موضوعاً لثلاثة أنواع من القراءات :

  • القراءات التي تواصل العمل بالتقاليد الإسلامية للتفسير (التفسير بالمأثور، التفسير بالرأي، التفسير الصوفي، إلخ … ).
  • القراءات التي تُعَدُّ امتداداً للتقليد الاستشراقي.
  • القراءات التي أنتجها مسلمون مدركون لمأزق التفسير التقليدي والذين يحاولون إخضاع النص القرآني لأدوات ومناهج القراءة الحديثة، مع الاعتراف به كنصٍّ مؤسِّس لدين استطاع أن يتجاوز حدود الزمان والمكان والثقافات …

وبعد تأكيد على مآزق التفاسير التراثية لكونها أنتجت تفسيرا ذا مشروعية مؤسساتية تحول مع مرور الزمان إلى عائق يحول دون نفاذ المسلمين المعاصرين على النّصِّ القرآني …

وبعد الدعوة إلى ضرورة السعي للتمييز عند أصحاب القراءة الاستشراقية بين ما هو إيديولوجي غير مقبول، وبين ما هو علمي …

بعد كل ذلك، دعت الكلمة التقديمية للندوة إلى النوع الثالث من القراءة، وهي القراءة التأويلية، التي ترى أن مفهوم المعنى يتم في ضوء مكتسبات نظرية التلقي الحديثة[27]، وبذلك تكون المعاني متغيّرة ونسبية باستمرار[28]!

وختمت الكلمة التقديمية بالقول : “وخلافا لاعتقاد سائد فإنه من يمكن تلمس بدايات مثل هذه الثورة النقدية في الحقل الديني والثقافي العربي الإسلامي منذ عقدين من الزمان. إن هناك محاولات نقدية عديدة شرعت في تحرير القول القرآني من شرنقة الانغلاق الوثوقي، وذلك على وجه الخصوص من خلال إعادة النظر في تقاليد فضلت الفقه على الأخلاقيات وأخضعت الدين للسياسة. وعلى الرغم من أن أصوات أصحاب هذه المحاولات ما يزال يغطيها صخب الخطابات السائدة ويتهددها خطر الإقصاء واللاتسامح، فإنها ترتاد مسالك أكثر فائدة وفعالية من غيرها من حيث تجديد الأسئلة الدينية أو السياسية في الإسلام.

هذا مع العلم أن هذه المحاولات تعاني من ضغط الكثير من الطابوهات التي تمنع من قراءة النص القرآني قراءة نقدية تعبئ مكتسبات العلوم الاجتماعية وذك على غرار ما حدث بالنسبة للتوراة وغيرها من النصوص المؤسسة لتقاليد دينية معينة” [29]

إن ما سبق ذكره في الكلمة التقديمية، التي دوَّنها أصحابها وطبعوها ووزعوها على المدعوين، لا يحتاج إلى بيان ماذا يريد هؤلاء الأدعياء، إنهم يريدون القطيعة المعرفية مع تراثنا الخالد، كما فعل أساتذتهم مع التراث الغربي.

وإنهم يريدون تحرير النص القرآني من الذين وصفوهم بأنهم يقمعون أصحاب حرية الفكر والتأويل، ولا يتسامحون معهم في تجديد أفكارهم وأدواتهم المنهجية!

وكأني بهم لم يتلوا القرآن الكريم، الذي تحدى الذين كذَّبوا الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم بالمعجزات التي رأوها، وبالبراهين العقلية والكونية التي أكثر القرآن من ذكرها لهم، ومن قبيل ذلك إفحام القرآن لكفار العرب الذين كانوا يفتخرون بالبلاغة والفصاحة فيما بينهم بإعجازه البياني. وهو إعجاز ماض إلى يوم القيامة. وهو من خصوصيات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، حتى بعد وفاته، أما الأنبياء السابقون فتوقفت معجزاتهم بوفاتهم.

قال تعالى : “وإِن كنتُم في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنا فاتُوا بِسورةٍ مِن مِّثْلِه وادعُوا شُهَداءَكُم من دون الله إن كنتم صادقين فإِِن لَم تفعلوا ولن تفعلوا فاتَقُوا النَّارَ التي وَقُودُها والنَّاسُ والحِجَارةُ أُعِدَّتْ للكافرين” [ سورة البقرة، الآيتان: 22 – 23 ].

تتضمن هاتان الآيتان تحدٍّ صريح وواضح وفاضح لما عليه الكفار من تعنت، بدون علم.

ولو شاء الله لقال لهم مثلاً : وإِن كنتُم في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنا فاخرصوا قبّحكم الله، أو لعنكم الله، أو ما يفيد هذا المعنى.

ولكن الله تعالى، أراد أن يعطيهم فرصة معارضة التحدي بالإتيان بسورة تشبه سورة من سور القرآن، وأرشدهم إلى توسيع دائرة المشاركين في معارضة القرآن ممن يُشهدُ لهم بالكفاءة والقدرة على البيان والفصاحة والبلاغة  وهو سبحانه وتعالى يعلم أنهم لن يقدروا على ذلك  ليبيّن لهم أنهم غير صادقين في تكذيبهم لرسوله، فهم يعلمون أن الرسول الذي عاش بينهم قبل البعثة بأربعين سنة أنه صادق أمين، ولذلك كانوا يتركون عنده الودائع، ويحكموه في النزاعات التي كانت تحصل بينهم.

إن تكذيب الرسل دأب الكافرين في كل زمان ومكان، مع علمهم أنهم لا يستندون إلى أدلة أو براهين، تزكي ما يردّون به الحقَّ. قال تعالى : “فَلَمَّا جاءتهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالوا هذا سِحْرٌ مُّبينٌ وجحَدوا بِها واستيْقَنَتها أنفُسُهم ظُلْماً وَّعُلُوّاً فانظُرْ كيفَ كانَ عاقبةُ المفسِدين” [ سورة النمل، الآيتان:13- 14 ].

وقال تعالى : “هذا خَلْقُ اللهِ فأَروني ماذا خَلَقَ الذين مِِن دُونِه بَلِ الظَّالِمُونَ في ضلال مُّبينٍ” [ سورة لقمان، الآية: 10 ].

وقال عز وجلَّ : “وقالوا لن يَّدْخُلَ الجنَّةَ إلاَّ مَن كان هُوداً أو نصارى تلكَ أمانِيُّهُم قُلْ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين” [ سورة البقرة، الآية:110 ]

المصادر والمراجع المعتمدة في البحث :

  • الإتقان في علوم القرآن، للإمام جلال الدين السيوطي، عالم الكتب، بيروت، بدون تاريخ.
  • البرهان في علوم القرآن، للإمام بدر الدين الزركشي، بتحقيق محمد أبو الفضل، دار الفكر، ط3، 1980.
  • الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ( ت 671 ه ) دار ابن حزم، ط 1 1425ه / 2004م
  • الجمع بين القراءتين للدكتور طه جابر العلواني، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط1، 2006
  • السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (دروس وعبر) للدكتور محمد محمد الصّلاّبي، دار ابن كثير دمشق – بيروت – ط ط3، 1426ه / 2005م
  • تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ( ت 774 ه ) دار الفكر، بيروت، طبعة 1401 ه / 1981 م
  • من تفسير القرآن إلى القراءات الحديثة للظاهرة القرآنية، وهو عبارة عن كتيب ضم برنامج الندوة الدولية والكلمة التقديمية لموضوع الندوة والعروض المختصرة للمشاركين فيها، نظمتها مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، بمقرها الكائن بشارع الكورنيش، عين الذياب / أنفا، الدار البيضاء بالمغرب، بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، وذلك يومي الجمعة والسبت 10 و 11 دجنبر 2004.
  • مناهل العرفان في علوم القرآن، للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني، دار الفكر، بدون تاريخ.
  • الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم جار اله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ( ت 538ه ) دار الفكر، بيروت، ط11397ه / 1977م
  • الوحدة البنائية للقرآن المجيد (سلسة دراسات قرآنية : 3) للدكتور طه جابر العلواني، ط 1، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 1427ه / 2006م،

مقترحات ومشروع توصيات :

  • توحيد جهود المشتغلين بعلوم القرآن والتفسير، على المستوى الإقليمي؛ وذلك بتبادل المعلومات والخبرات.
  • تنظيم دورات علمية بصفة منتظمة، لإعادة الاعتبار لثقافة القرآن، وجعلها مهيمنة على تفكير الإنسان.
  • ضرورة ضبط المتخصصين في علوم القرآن والتفسير للمصطلحات المعاصرة، وجعلها موزونة بميزان القرآن.
  • استكتاب الباحثين في العلوم الشرعية، والعلوم البحتة، والعوم الإنسانية والاجتماعية، للإسهام في إصدار موسوعة في الجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراء الكون ( الطبيعة والانسان )

[1] ـ هذه القولة مشهورة عنه، في كتب السيرة القديمة كالسير والمغازي لابن إسحاق، والسيرة النبوية لابن هشام، وهي جزء من كلام طويل،  قاله عندما كان يتشاور مع  مشركي قريش بشأن تشكيك الناس في كلام محمد صلى الله عليه وسلم.

[2] ـ عندما نزلت هذه الآية الأولى من سورة غافر ( حم تنزيلُ الكتابِ من الله العزيز العليمِ غافرِ الذَّنْبِ وقابلِ التَّوبِ شديدِ العِقابِ ذي الطَّوْلِ لا إلهَ إلاَّ هُو إليه المصيرُ ) اعترف الوليد لأصحابه بأن هذا الكلام ليس كلام جن ولا إنس، لمعرفته الدقيقة بأساليب الكهان والشعراء والسحرة والمصابين بالجنون، لكن كفره بنعم الله وإذايته  للرسول  صلى الله عليه وسلم جعلاه يدعو أصحابه لأن يصفوا القرآن بأنه كلام ساحر؛ لأنه فرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وأخيه. أنظر السيرة النبوية للدكتور محمد الصلابي 1 / 247 وما بعدها ـ بتصرف ـ 

[3] ـ وهناك من كان سماعه للقرآن وكلام الحق سببا للهداية، كـضماد الأزدي، رضي الله عنه، الذي تأثر بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما جاء ليعالجه ـ لاعتقاده أنه مجنون، بسبب الحملة الإعلامية التي كان يقودها مشركوالعرب لتشكيك الناس في دعوته، وتفاصيل القصة موجودة في صحيح مسلم، ومسند أحمد وسنن ابن ماجة وسنن النسائي، وهناك قصة إسلام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بعدما قرأ في بيت أخته فاطمة صدراً من  سورة طه ـ  بعد كان في طريقه إلى قتل محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكن الله فتح قلبه عندما أعمل عقله ـ قال رضي اله عنه: ” ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! انظر تفصيل ذلك في تفسير القرطبي لمطلع سورة طه.

[4] ـ  ذكر الإمام القرطبي، أثناء تفسيره لهذه الآية، قصة طريفة  بسنده عن  الحسين بن فهم قال: سمعت يحيى بنَ أكثم يقول: كان للمأمون ـ وهو أمير إذ ذاك ـ مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيّب الرائحة، قال: فتكلّم فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما تقوّض المجلس دعاه المأمون فقال له: إسرائيليٌّ؟ قال: نعم، قال له: أَسْلِم حتّى أفعل بك وأصنع، ووعده. فقال ديني ودين آبائي! وانصرف. فلما كان بعد سنة جاء مسلماً، قال فتكلّم في الفقه فأحسن الكلام، فلما تقوَّض المجلس دعاه المأمون وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال انصرفت من حضرتك، فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنت تراني حسن الخط فعمَدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت منّي، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البِيعة فاشتُريت منّي، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الورّاقين فتصفّحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها؛ فعلمت أن هذا كتاب محفوظ ، فكان هذا سبباً في إسلامي. قال يحيى بن أكثم: حجت تلك السنةَ فلقِيت سفيان بنَ عُينة فذكرت له الخبر فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله عز وجل. قال قلت: في أي موضع؟  قال في قول الله تبارك وتعالى في التوراة والإنجيل: ( بما استُحْفِظُوا مِن كتابِ الله ) [المائدة: 44 ]، فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال عز وجل: ( إنا نحن نزَّلْنا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافظون ) فحفظه الله عز وجل علينا فلم يضع.

[5] ـ أقصد بذلك فصل الناس عن التراث الإسلامي، وقصدُهم فصل الناس عن القرآن. وإلا أين هي غيرتهم على القرآن الكريم.؟ ماذا قدموا لهذا القرآن الذي أصبحوا يقرأونه قراءة جديدة ومتجددة؟ إنهم يمثلون الفكر السلولي القديم، الذي يتسلل ويهدم من الداخل، لأنه لا يستطيع أن يظهر بمظهره الحقيقي، كي لا يكتشف الناس حقيقته وأهدافه المسمومة. وقد لبس اليوم هذا الفكر السلولي ثوبا جديدا إنه ثوب القراءة الجديدة والتأويل. والفكر السلولي نسبة إلى عبد الله بن ابي بن سلول الذي كان رأس المنافقين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع نفاقه ودسائسه المتكررة وحقده الدفين للرسول صلى الله عليه وسلم وللإسلام والمسلمين، فقد عامله المبعوث رحمة للعالمين بالرحمة حتى بعد وفاته حيث صلى الله عليه صلاة الجنازةن وحاول عمر بن الخطاب رضي الله منعه لكن العفو الكريم صلى عليه، فنزل القرآن الكريم ينهاه عن ذلك؟ لأنه لا يستحق ذلك. قال تعالى: ( ولا تُصَلِّ على أَحَدٍ مِنهُم ماتَ أَبَداً ولاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ إْنَّهم كَفَرُوا باللهْ ورسولِه وماتوا وهُمْ فاسِقُونَ ) سورة التوبة، الآية: 85.

[6] ـ لا يكون العاقل عاقلا إذا ترك الأفضل وهل مناك أفضل من كتاب الله؛ فهو كلام الله، و” إِنَّ هذا القرآنَ يَهدي للتي هي أقومُ “[ سورة الإسراء، جزء من الآية9 ] فبأي مقياس نفضل الفكرة القيمة ـ في حالة ما إذا كانت قيمة ـ على القرآن الكريم الذي يرشدنا إلى أحسن الطرق وأسَدِها وأعْدَلِها وأصوَبِها !؟…

[7] ـ للتوسع  في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى كتاب البرهان في علوم القرآن للزركشي الذي جعل علوم القرآن 47 نوعاً، وجاء السيوطي فزاد عليه أنواعا أخرى، بعد استفادته من البرهان، وقد أوصلها إلى 80 نوعا وقال في مقدمة الإتقان في علوم القرآن ” ولو نوعت باعتبار ما أدمجته في ضمنها لزادت على الثلاثمائة ” ويمكن الرجوع أيضا إلى كتب المتأخرين للاطلاع على أنواع علوم القرآن كـمناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني، ومباحث في علوم القرآن للقطان,

[8] ـ أي أنهم تعاملوا مع القرآن الكريم مباشرة ـ بخلاف غيرهم ممن تعاملوا مع القرآن دون أن يقرأوه ولو مرة واحدة في حياتهم ـ وتعبدوا الله به في صلواتهم، وابتغوا به الأجر بتلاوته وطلبوا المعنى منه، وسعوا إلى أن يهتدوا به في أمورهم كلها ، عقيدة وشريعة، وأن يصلحوا به احوالهم في الدنيا والآخرة، ورقت قلوبهم رغبة ورهبة بصفة دائمة، لاعتقادهم أن هذا القرآن سيأتي يوم القيامة حجة لهم أو عليهم. فمن تعامل مع القرآن بهذه الحيثيات وغيرها كيف له أن يطلب التجديد المناقض لأسمى ما جاء به هذا الكتاب الذي ارتضاه الله تعالى ليكون هاديا على الحق والاستقامة في الأفكار والأقوال والأعمال. قال عز وجل: ( وأَنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتَّبِعوهُ ولا تتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بْكُمْ عن سبيلْه ذَلِكُمْ وصَّاكُمْ بِه لَعلَّكُم تتَّقُونَ)  [ سورة الأنعام، الآية: 154]

[9] ـ للتوسع يراجع فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالين ففيه فضح لهذا الاتجاه الباطني المتطرف أي المجانب للصواب، الذي يتجلى في  هدم الشريعة الإسلامية وتكاليفها، وهو نفس الدور الذي ما زال يقوم به أصحاب الاتجاه العقلاني المتطرف أيضا بنفس المقياس، وإن اختلف المنهج بينهما،  وهما دوران قديمان تاريخيا، جديدان في الأثواب التي يظهرون بها حسب كل عصر  وظرف. وكلاهما اتجاه باطل، لمخالفتهما للحق الواضح والناصح والفاضح. قال تعالى: ( وقُلْ جاء الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطلَ كان زَهُوقاُ ونُنَزِّلُ مِنَ القرآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحمةٌ للمومنين ولاَ يَزيدُ الظالمين إلاَّ خَسَاراً ) [ سورة الإسراء، الآيتان: 81 ـ 82 ] وقال سبحانه:( بَلْ نَقْذِفُ بالحَقِّ على الباطلِ فيَيَدْمَغُهُ فإذا هو زاهِقٌ ولكُمُ الوَيْلُ مِمَّا تَصِفُون )[ سورة الأنبياء، الآية: 18 ]

[10] ـ البرهان في علوم القرآن، 2 / من 54 إلى 64 ، ومن 65 إلى 66

[11] ـ عالج عدد من الأساتذة والباحثين مسألة الفكر والعقل وبينوا أهميته في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية مما يدل على أن الوحي الإلهي دعا الإنسان إلى إعمال العقل، ونوَه به، ورفع  شأن مستخدميه، وذم التقليد والراكنين إليه.. من تلك البحوث القيمة التي عالجت هذا الموضوع ـ وهي أكثر من أن تحصى ـ كتاب أزمة العقل المسلم للدكتور عبد الحميد أبو سليمان، وإعادة تشكيل العقل المسلم للدكتور عماد الدين خليل، والقرآن والنظر العقلي للدكتورة فاطمة إسماعيل، والجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الكون للدكتور طه جابر العلواني..

[12] ـ من عجائب هذا الزمان أننا نجد عدا من المثقفين مفتونين بالفكر المعتزلي ـ لا لكونه فكرا إسلاميا وإنما لكونه فكرا عقلانيا ـ نجدهم يشيدون بجهود الزمخشري الذي استطاع توظيف نظريات المعتزلة في تأويل نصوص القرآن الكريم، في تفسيره: ( الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه الـتأويل ) فلماذا لم يسلكوا سبيله في مجاورة بيت الله والدفاع عن تعاليم الإسلام وعلوم الشريعة وعلمي البيان والمعاني؟ ونفس الشيء فعلوه مع ابن رشد الفيلسوف، مع العلم أن ابن رشد رحمه الله كان طبيبا وفقيها  مسلما ، ولم يكن فيلسوفا فقط!

[13] ـ تفسير الكشاف 1 / 3  ـ 17، بتصرف طفيف.

[14] ـ الجامع لأحكام القرآن، والمبيِّن لِما تضمّنه من السّنّة وآي الفرقان، خطبة المصنف، 1 / 8

[15] ـ إن قول القرطبي ” شرطي في هذا الكتاب ” في مقدمة تفسيره 1 / 8 ، يفيد معنى المنهج الذي اتبعه في تأليف الكتاب، والله أعلم.

[16] ـ هذه العناصر هي التي ذكرها القرطبي في شرطه في التفسير في خطبته ـ بتصرف ـ  1 / 8

[17] ـ عنوان الكتاب “تفسير القرآن العظيم

[18] ـ مقدمة تفسير ابن كثير 1 / 4.

[19] ـ اختصرت كلام ابن كثير ولم أثبت الأدلة التي استند إليها، من القرآن والسنة النبوية وأقول الصحابة والتابعين وتابعيهم، فليرجع إلى كلامه مفصّلاً. وحسبي أنني ذكرت مراده دون حصول الخلل في معناه، خشية حدوث الملل في مبناه.

[20] ـ اختصر المؤلف رحمه هذا العنوان وسماه ( التحرير والتنوير من التفسير ) وهو تفسير ضخم يتألف من ثلاثين جزءاً، طبعته الدار التونسية للنشر سنة 1984، وأعيد طبعه بالتعاون مع الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان.

[21] ـ التحرير والتنوير 1 / 7، أين هذا الخلق العلمي عند  الذين يزعمون أنهم يرفعون راية” التجديد” ، وهم لم يطلعوا على جهود السابقين، بل لم يشموا رائحة كتبهم وذخائرهم، واكتفوا بترديد عبارة ” لا للتقليد“، وهي عبارة مغرية وجذابة لمن لم يكن له قٌلب أولم يلق سمعه لأنه ” بليد“. ولو رجعوا إلى القرآن الكريم ـ حقاً وصدقاً ـ وقرأوه بتجرد لوجدوا عكس ما يدعون إليه، كما حصل للمنصفين منهم، وقد صدق الله إذ يقول:” إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد ) [ سورة ق، الآية:37 ]

[22] ـ يقصد بذلك ما سبق ذكره وهو عناية العلماء بلفظ القرآن أدائه، وأسلوبه وإعجازه، وكتابته ورسمه، وتفسيره… راجع مناهل العرفان في علوم القرآن 1 / 10

[23] ـ مناهل العرفان 1 /11

[24] ـ نفس المرجع 1 /11- 12

[25] ـ عنوان الكتاب كاب مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني: دراسة وتقويم في جزأين، طبعة دار ابن عفان للنشر والتوزيع – الخُبَر ، السعودية، الطبعة الأولى، 1418 هـ / 1997م.

[26] ـ ندوة ” من تفسير القرآن الكريم إلى القراءات الحديثة للظاهرة القرآنية ” نظمتها مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، يومي 10- 11 / 12 / 2004 بالدار البيضاء بالمغرب

[27] ـ  نتساءل في هذا المقام: هل هذه النظرية الحديثة ستبقى دائما حديثة، ولو مرت عليها قرون، لتحل محل أصول التفسير وقواعده وضوابطه عند علمائنا المسلمين، الذين دعانا أدعياء التجديد إلى رميها وعدم الالتفات إليها لأنها ـ كما زعموا ، وبئس ما زعموا ـ تحول بيننا وبين النفوذ إلى النص القرآني؟ أم أنها ستأتي نظريات أخرى لتتعامل مع النص القرآني بما تقتضيه طبيعة التدافع بين أصحاب الوحي الحكيم وأصحاب الرأي السقيم. وكلنا يذكر نظرية التطور التي ظهر بطلانها وفسادها علميّاً عند أصحابها ومازلنا ـ نحن المقلدين للغرب ـ متمسكين بها رغم تخلي علماء الغرب عنها !!

[28] ـ إن هذه الأحكام الجاهزة والمستوردة لا تستقيم. ومتى كانت كلمات القرآن كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن من يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه، والصلاة والصوم والحج والعدل والملائكة والجن والجنة والنار،إلخ… هذه الكلمات متى كان مفهومها ـ وهي  من المعلوم من الدين بالضرورة ـ متغيرا باستمرار وأنها نسبية! إنه تلاعب بالألفاظ، وتحايل سلولي جديد على النص القرآني للهروب من قطعياته اللفظية والمعنوية، وعدم التسليم بحاكميته وهدايته، والتمسك بالمتشابه، تقليدا لأسلافهم  الذين قال فيهم الحق: ( هو الذي أنزَلَ عليكَ الكتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ وأُخَرُ مُتشابهاتٌ فَأَمَّا الذين في قلوبهم زَيْغٌ فَيَتَّبِعون ما تشابَهَ مِنه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذَّكَّر إلا أولوا الالباب” وأولوا الالباب في الاصطلاح القرآني هم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ( إنَّ في خَلْقِ السماوات والارضِ واختلافِ الليلِ والنّهار لآياتٍ لأولي الالباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جُنُوبهم ويَتَفَكَّرون في خَلْقِ السماوات والارضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سبحانك فقنا عذابَ النار ) [ سورة آل عمران، الآيتان: 190 ـ 191 ] حددت هاتان الآيتان صفات أولي الألباب فهم الذين جمعوا بين الذكر والفكر، وهما وسيلتان لتزكية الروح والعقل معا، لتكاملهما في المنهجية المعرفية، بشقيها العلمية والعملية، وباستحضار أن الدنيا دار فناء، وأن الآخرة دار بقاء.

[29] ـ للتوسع انظر الكلمة التقديمية مع برنامج الندوة ، من صفحة 3 إلى صفحة 6

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s