إصلاح المستقبل أو الهروب إلى الوراء

فضيلة الشيخ نور الدين قره علي

نور الدين قره عليهذه المرحلة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية، والتي يمكن وصفها بأنها مرحلة هروب من الضغط الذي توالى عليها، هروب من ضغوط الاستعباد والاستبداد والقهر الاجتماعي، وهجوم الثقافة الغربية بوجباتها المتسارعة، ثقافة واستهلاكا ووسائل ومخترعات، وإننا لنلحظ أن هذا الهروب قد تمحور وانشطر إلى شطرين :

هروب بطريقة (محمود سعد) وأمثاله، والذي عبّر عنه في استعراضه الأخير لمشاكل الأمة، فتباكى على دينها الذي سلف، حيث كان الرجل يجالس زوجته بثوب نومها على بلكونة داره، ويحتسي البيرة التي كانت تباع مع (الكازوزة) ويحصل الإنسان عليها بكل يسر، ومع ذلك كانت هذه الأسرة في أشد حالات تمسكها بدينها الرائع، والمتمثل في رعاية الجار وأمن الحارة وتعاونها.

ثم الهروب بطريقة (داعش) إلى السلف الأول، حيث النموذج الصالح، والذي مثله هؤلاء الدواعشة بمظهرية اللحية والعمامة والثوب، ثم بتعميمه من الفردية إلى العالم من خلال وهم الخلافة والحلم الآسر لمجتمع الخير الذي ينصره الله، قيام الإنسان بهذه الانتصارات الشكلية في هذه الظاهرة أو الانفعالية تجاه الآخرين والتي تنتهي بقطع رقاب المخالفين للسيطرة على رقعة من الأرض تخلو من المحارم والمخالفات.

هاتان ظاهرتان للهروب، تميّع في التدين، وفسوق في التدين، ولهذا فإن مجابهة هاتين المحاولتين المأساويتين، واللتين تمثلان مرحلة الضغوط في أعلى شدتها ومظاهرها، لن تكون إلا بما تفرضه الأحداث على المصلحين، وذلك بالعودة إلى جوهر التدين، وبيان ذلك بطرق تتناسب مع جماهير الأمة، وبلغة يفهمها الكبار والصغار والمثقفون والبسطاء.

وهذا ما حدث في أوروبا مطلع القرن السادس عشر، عند ظهور الأسئلة الأساسية عن علاقة الكنيسة والدولة والمجتمع، والاعتراضات على انحرافات الكنيسة الكاثوليكية وفساد رجال الدين، مما أنشأ تيارا دينيا جديدا (البروتستانت)، ونشوء الاكتشافات العلمية، والتحضر، والطباعة، مما جلب أفكارا جديدة، وجعل الكتاب المقدس متاحا لكل الناس، حيث عمد المصلحون إلى تبسيط مفاهيم الإنجيل الكبرى، وإلقاء الضوء على جوهر التدين لا على إيديلوجية المفاهيم، وعلى ثمار الإصلاح الذي يمس مصلحة جماهير الأمة، لا على عرض جواهر التدين الفلسفية الكبرى.

وكما ذكر الإمام (الجويني) مبينا ضرورة ذلك عند التياث الظلم وفساد الأمم، بأن الخروج من من الأزمة آنذاك لا تكون إلا عبر جعل مفاهيم الإسلام ومقاصده جمهورية في متناول الجميع، وتحويل التدين الحق إلى ثقافة عامة، يتنسم روحها ويرضع لبنها الطفل من لحظته الأولى مع كامل الأفراد والمجتمع.

فأنفاس الحرية والكفاية والعدالة والوئام والسلام والأمن بمختلف جوانبه، هو ما ينبغي أن نتحدث عنه كدين، وأن نجعلها معابر لفهم الدين الحق كما كان الأمر في أول الإسلام، فكان التكذيب بالدين يتمثل في نظر القرآن بنهر اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين، قبل قضية الأحكام وفلسفة العبادة إيديولوجيا.

وإنه مما ينبغي إدراكه في عملية الخروج من الأزمة، أن هذا لا يتأتى للمصلحين فعله إلا إذا حددوا بداية مسارهم الإصلاحي من خلال فتح هذا الباب، وهو تسهيل عرض القيم الإصلاحية بأسلوب يغطي كافة الجماهير التي يفترض عليها اليوم أن توحد اتجاهها للخروج من هذا النفق، بأن تنتظم صفوفها، وتبتعد عن فوضى التعبير عن حاجاتها بهذه الأساليب التي نثر زرعها منطق التمييع المتجه إلى ذوبان الأمة في واقع غيرها من الأمم، أو منطق العودة المظهرية إلى سلف الأمة الصالح بظمأ يقطعها عن الوصول إلى المنبع، فتقضي عليها سذاجتها ويقتلها وهمها.

إن من الواجب اليوم على كل العاملين في ساحات الإصلاح الفكري، أو البناء الاجتماعي، أو المجال الإغاثي، وخاصة الذين جندوا أنفسهم عسكريا وسياسيا، أن يدركوا بأنهم إذا لم يؤطروا جهادهم بهذا المعنى الإنقاذي، ويصونوا نتائج أعمالهم ضمن هذا الهدف المقاصدي، فإنهم سيفتقدون البوصلة في صحرائهم مهما قطعوا من فيافيها، وفي فضائهم مهما حلقوا في أجوائه.

فقد أثبت التاريخ في كل أطواره وأعماله المشابهة، بأن الأمة إما أن تخرج من أزمتها بإنهاء وهم التدين الوهمي تزمتا أو تمييعا إلى حداثة وعلمانية، أو تربح قضيتها بنشر مبادئ التدين الحق قيما ومقاصد تؤدي إلى قيام النهضة الحضارية المنشودة …

والحمد لله

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s