صيانة المال عند الإمام القرطبي

الجامع لأحكام القرآن

الإمام القرطبي

لاغالب إلا الله

لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكَتْبِ وَالْإِشْهَادِ وَأَخْذِ الرِّهَانِ كَانَ ذَلِكَ نَصًّا قَاطِعًا عَلَى مُرَاعَاةِ حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَتَنْمِيَتِهَا، وَرَدًّا عَلَى الْجَهَلَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَرِعَاعِهَا الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ، فَيَخْرُجُونَ عَنْ جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ وَلَا يَتْرُكُونَ كِفَايَةً لِأَنْفُسِهِمْ وَعِيَالِهِمْ، ثُمَّ إِذَا احْتَاجَ وَافْتَقَرَ عِيَالُهُ فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمِنَنِ الْإِخْوَانِ أَوْ لِصَدَقَاتِهِمْ، أَوْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا وَظَلَمَتِهِمْ، وَهَذَا الْفِعْلُ مَذْمُومٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.

قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْجَوْزِيُّ : وَلَسْتُ أَعْجَبَ مِنَ الْمُتَزَهِّدِينَ الَّذِينَ فَعَلُوا هَذَا مَعَ قِلَّةِ عِلْمِهِمْ، إِنَّمَا أَتَعَجَّبُ مِنْ أَقْوَامٍ لَهُمْ عِلْمٌ وَعَقْلٌ كَيْفَ حَثُّوا عَلَى هَذَا، وَأَمَرُوا بِهِ مَعَ مُضَادَّتِهِ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، فَذَكَرَ الْمُحَاسِبِيُّ فِي هَذَا كَلَامًا كَثِيرًا، وَشَيَّدَهُ أَبُو حَامِدٍ الطُّوسِيُّ وَنَصَرَهُ.

وَالْحَارِثُ عِنْدِي أَعْذَرُ مِنْ أَبِي حَامِدٍ، لِأَنَّ أَبَا حَامِدٍ كَانَ أَفْقَهَ، غَيْرَ أَنَّ دُخُولَهُ فِي التَّصَوُّفِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ نُصْرَةَ مَا دَخَلَ فِيهِ، قَالَ الْمُحَاسِبِيُّ فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ لَهُ : وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَالَ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا نَخَافُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيمَا تَرَكَ، فَقَالَ كَعْبٌ : سُبْحَانَ اللَّهِ! وَمَا تَخَافُونَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ كَسَبَ طَيِّبًا وَأَنْفَقَ طَيِّبًا وَتَرَكَ طَيِّبًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا ذَرٍّ فَخَرَجَ مُغْضَبًا يُرِيدُ كَعْبًا، فَمَرَّ بِلِحَى بَعِيرٍ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَطْلُبُ كَعْبًا، فَقِيلَ لِكَعْبٍ : إِنَّ أَبَا ذَرٍّ يَطْلُبُكَ، فخرج هاربا حتى دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ يَسْتَغِيثُ بِهِ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَأَقْبَلَ أَبُو ذَرٍّ يَقُصُّ الْأَثَرَ فِي طَلَبِ كَعْبٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَارِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا دَخَلَ قَامَ كَعْبٌ فَجَلَسَ خَلْفَ عُثْمَانَ هَارِبًا مِنْ أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ : يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ، تَزْعُمُ أَلَّا بَأْسَ بِمَا تَرَكَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ! لَقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : “الْأَكْثَرُونَ هُمُ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا”.

قَالَ الْمُحَاسِبِيُّ : فَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَعَ فَضْلِهِ يُوقَفُ فِي عَرْصَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبَبِ مَا كَسَبَهُ مِنْ حَلَالٍ، لِلتَّعَفُّفِ وَصَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ فَيُمْنَعُ السَّعْيَ إِلَى الْجَنَّةِ مَعَ الْفُقَرَاءِ وَصَارَ يَحْبُو فِي آثَارِهِمْ حَبْوًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ وَشَيَّدَهُ وَقَوَّاهُ بِحَدِيثِ ثَعْلَبَةَ، وَأَنَّهُ أُعْطِيَ الْمَالَ فَمَنَعَ الزَّكَاةَ.

قَالَ أَبُو حَامِدٍ : فَمَنْ رَاقَبَ أَحْوَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَأَقْوَالَهُمْ لَمْ يَشُكَّ فِي أَنَّ فَقْدَ الْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ وُجُودِهِ، وَإِنْ صُرِفَ إِلَى الْخَيْرَاتِ، إِذْ أَقَلُّ مَا فِيهِ اشْتِغَالُ الْهِمَّةِ بِإِصْلَاحِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُرِيدِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ مَالِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ إِلَّا قَدْرُ ضَرُورَتِهِ، فَمَا بَقِيَ لَهُ دِرْهَمٌ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ قَلْبُهُ فَهُوَ مَحْجُوبٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.

قَالَ الْجَوْزِيُّ : وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَسُوءُ فَهْمِ الْمُرَادِ بِالْمَالِ، وَقَدْ شَرَّفَهُ اللَّهُ وَعَظَّمَ قَدْرَهُ وَأَمَرَ بِحِفْظِهِ، إِذْ جَعَلَهُ قِوَامًا لِلْآدَمِيِّ وَمَا جُعِلَ قِوَامًا لِلْآدَمِيِّ الشَّرِيفِ فَهُوَ شَرِيفٌ، فَقَالَ تَعَالَى : “وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً”، ونهى عز وجل أَنْ يُسَلَّمَ الْمَالُ إِلَى غَيْرِ رَشِيدٍ فَقَالَ : “فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ”.

وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، قَالَ لِسَعْدٍ : “إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ”، وَقَالَ : “مَا نَفَعَنِي مَالٌ كَمَالِ أَبِي بَكْرٍ”، وَقَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : “نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ”، وَدَعَا لِأَنَسٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ دُعَائِهِ : “اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ”، وَقَالَ كَعْبٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ : “أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ”.

قَالَ الْجَوْزِيُّ : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُخَرَّجَةٌ فِي الصِّحَاحِ، وهى على خلاف مَا تَعْتَقِدُهُ الْمُتَصَوِّفَةُ مِنْ أَنَّ إِكْثَارَ الْمَالِ حِجَابٌ وَعُقُوبَةٌ، وَأَنَّ حَبْسَهُ يُنَافِي التَّوَكُّلَ، وَلَا يُنْكَرُ أَنَّهُ يُخَافُ مِنْ فِتْنَتِهِ، وَأَنَّ خَلْقًا كَثِيرًا اجْتَنَبُوهُ لِخَوْفِ ذَلِكَ، وَأَنَّ جَمْعَهُ مِنْ وَجْهِهِ لَيَعِزُّ، وَأَنَّ سَلَامَةَ الْقَلْبِ مِنَ الِافْتِتَانِ بِهِ تَقِلُّ، وَاشْتِغَالُ الْقَلْبِ مَعَ وُجُودِهِ بِذِكْرِ الْآخِرَةِ يَنْدُرُ، فَلِهَذَا خِيفَ فِتْنَتُهُ.

فَأَمَّا كَسْبُ الْمَالِ فَإِنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى كَسْبِ الْبُلْغَةِ من حلها فذلك أمر لأبد مِنْهُ وَأَمَّا مَنْ قَصَدَ جَمْعَهُ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهُ مِنَ الْحَلَالِ نُظِرَ فِي مَقْصُودِهِ، فَإِنْ قَصَدَ نَفْسَ الْمُفَاخَرَةِ وَالْمُبَاهَاةِ فَبِئْسَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ قَصَدَ إِعْفَافَ نَفْسِهِ وَعَائِلَتِهِ، وَادَّخَرَ لِحَوَادِثِ زَمَانِهِ وَزَمَانِهِمْ، وَقَصَدَ التَّوْسِعَةَ عَلَى الْإِخْوَانِ وَإِغْنَاءَ الْفُقَرَاءِ وَفِعْلَ الْمَصَالِحِ أُثِيبَ عَلَى قَصْدِهِ، وَكَانَ جَمْعُهُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ أَفْضَلَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ.

وَقَدْ كَانَتْ نِيَّاتُ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي جَمْعِ الْمَالِ سَلِيمَةً لِحُسْنِ مَقَاصِدِهِمْ بِجَمْعِهِ، فَحَرَصُوا عَلَيْهِ وَسَأَلُوا زِيَادَتَهُ، وَلَمَّا أَقْطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ أَجْرَى الْفَرَسَ حَتَّى قَامَ ثُمَّ رَمَى سَوْطَهُ، فَقَالَ : “أَعْطُوهُ حَيْثُ بَلَغَ سَوْطُهُ”.

وَكَانَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ وَسِّعْ عَلَيَّ، وَقَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ : “وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ”، وَقَالَ شُعَيْبٌ لِمُوسَى : “فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ”، وَإِنَّ أَيُّوبَ لَمَّا عُوفِيَ نُثِرَ عَلَيْهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَخَذَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ وَيَسْتَكْثِرُ مِنْهُ، فَقِيلَ لَهُ : أَمَا شَبِعْتَ؟ فَقَالَ : يَا رَبِّ فَقِيرٌ يَشْبَعُ مِنْ فَضْلِكَ؟.

وَهَذَا أَمْرٌ مَرْكُوزٌ فِي الطِّبَاعِ، وَأَمَّا كَلَامُ الْمُحَاسِبِيِّ فَخَطَأٌ يَدُلُّ عَلَى الْجَهْلِ بِالْعِلْمِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ وَأَبِي ذَرٍّ فَمُحَالٌ، مِنْ وَضْعِ الْجُهَّالِ وَخَفِيَتْ عَدَمُ صِحَّتِهِ عَنْهُ لِلُحُوقِهِ بِالْقَوْمِ.

وَقَدْ رُوِيَ بَعْضُ هَذَا وَإِنْ كَانَ طَرِيقُهُ لَا يَثْبُتُ، لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ ابْنَ لَهِيعَةَ وَهُوَ مَطْعُونٌ فِيهِ، قَالَ يَحْيَى : لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَالصَّحِيحُ فِي التَّارِيخِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، فَقَدْ عَاشَ بَعْدَ أَبِي ذَرٍّ سَبْعَ سِنِينَ.

ثُمَّ لَفْظُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ حَدِيثِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَهُمْ مَوْضُوعٌ، ثُمَّ كَيْفَ تَقُولُ الصحابة : إنا نخاف على عبد الرحمن! أو ليس الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى إِبَاحَةِ جَمْعِ الْمَالِ مِنْ حله، فما وجه الخوف مع الإباحة؟ أو يأذن الشرع في شي ثم يعاقب عَلَيْهِ؟ هَذَا قِلَّةُ فَهْمٍ وَفِقْهٍ.

ثُمَّ أَيُنْكِرُ أَبُو ذَرٍّ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ خَيْرٌ مِنْ أَبِي ذَرٍّ بِمَا لَا يَتَقَارَبُ؟ ثُمَّ تَعَلُّقُهُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْبُرْ سَيْرَ الصَّحَابَةِ،

فَإِنَّهُ قَدْ خَلَّفَ طَلْحَةُ ثَلَاثَمِائَةِ بُهَارٍ فِي كُلِّ بُهَارٍ ثَلَاثَةُ قَنَاطِيرَ، وَالْبُهَارُ الْحِمْلُ، وَكَانَ مَالُ الزُّبَيْرِ خَمْسِينَ أَلْفًا وَمِائَتَيْ أَلْفٍ، وَخَلَّفَ ابْنُ مَسْعُودٍ تِسْعِينَ أَلْفًا، وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ كَسَبُوا الْأَمْوَالَ وَخَلَّفُوهَا وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ : “إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يَحْبُو حَبْوًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ” فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَا عَرَفَ الْحَدِيثَ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ يَحْبُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي الْقِيَامَةِ، أَفَتَرَى مَنْ سَبَقَ وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَمِنْ أَهْلِ بَدْرٍ والشورى يحبو؟ ثم الحديث يرويه عمارة ابن زَاذَانَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : رُبَّمَا اضْطَرَبَ حَدِيثُهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ : يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ أَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : ضَعِيفٌ.

وَقَوْلُهُ : “تَرْكُ الْمَالِ الْحَلَالِ أَفْضَلُ مِنْ جَمْعِهِ” لَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَتَى صَحَّ الْقَصْدُ فَجَمْعُهُ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدِ الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَطْلُبُ الْمَالَ، يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ وَيَصُونُ بِهِ عِرْضَهُ، فَإِنْ مَاتَ تَرَكَهُ مِيرَاثًا لِمَنْ بَعْدَهُ، وَخَلَّفَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَخَلَّفَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ مِائَتَيْنِ، وَكَانَ يَقُولُ : الْمَالُ فِي هَذَا الزَّمَانِ سِلَاحٌ.

وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَمْدَحُونَ الْمَالَ وَيَجْمَعُونَهُ لِلنَّوَائِبِ وَإِعَانَةِ الْفُقَرَاءِ، وَإِنَّمَا تَحَامَاهُ قَوْمٌ مِنْهُمْ إِيثَارًا لِلتَّشَاغُلِ بِالْعِبَادَاتِ، وَجَمْعِ الْهَمِّ فَقَنَعُوا بِالْيَسِيرِ، فَلَوْ قَالَ هَذَا الْقَائِلُ : إِنَّ التَّقْلِيلَ مِنْهُ أَوْلَى قَرُبَ الْأَمْرُ وَلَكِنَّهُ زَاحَمَ بِهِ مَرْتَبَةَ الْإِثْمِ.

قُلْتُ : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَمُرَاعَاتِهَا إِبَاحَةُ الْقِتَالِ دُونَهَا وَعَلَيْهَا، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ”.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s