الصورة الحاضرة و الصيرورة الغائبة

مازن هاشم

التغييرتلفّ الحيرة أذهان العلماء عندما لا يرون الواقع ينتظم على خط الهدى الرباني الذي يدعون إليه.  ويزداد اللغز ضموراً حين يسمعون من عامة الناس ما مفاده أنهم يحبّون ما يدعو إليه الدعاة والوعاظ والمشايخ.  فإذا كان الهدي هدياً ربانياً لا ريب فيه، وإذا كانت ملامح القبول العام للدّين الحنيف ظاهرة والافتخار به شائع، فلماذا ينقلب الواقع إلى ما هو بعيد عن المرتجى، ويتمكّن أهل الهوى وأصحاب الإفساد في الأرض من الإمساك بدفّة الحياة، فيعود حال المسلمين وواقعهم إلى ضنكٍ تملؤه التناقضات.

ويمكننا تلخيص هذا الإشكال في مسألة الصورة الحاضرة والصيرورة الغائبة.  فما عند أصحاب المبادئ العليا صورة في الذهن، هي وضيئة وزاخرة بالمعاني الطاهرة، ومفصّلة فيما ينبغي أن تكون عليه الأمور، فيُخيّل لهم أن الطهر سيجد طريقه إلى الواقع بسبب رفعة هذا الطهر وجلاله.

ويندفع أهل الهدى لينقلوا المعرفة التي عندهم إلى المستحقّين، ويعتمدون وسائل عدة في ذلك السبيل.  غير أن هذه الوسائل هي دون ما يُحدث التغيير ويُصلح الواقع، ولا ترقى إلى امتلاك أركان الصيرورة التي تستغرق سبل الإصلاح.  وتبرز أوجه قصور فهم الصيرورة في ثلاثة أوجه.

الوعظ الإنسحابي :

الوعظ والتعليم وسيلتان محبّبتان لأصحاب المبادئ وأهل الفكر.  فهل يمكن اعتبارهما كافتين لتمام المهمّة ولتغيير الواقع؟  وإذا نظرنا إلى فضاء الوعظ فنراه ينقسم إلى ثلاثة عوالم متداخلة : عالم خطبة الجمعة، وعالم حلق الوعظ، وعالم وسائل الإعلام.

عالم خطبة الجمعة (وهو الذي يجمع بين التعليم والوعظ) عالم مهمل لا يملك بمجمله إصلاح.  وقد يشار إلى عوائق الطغيان السياسي التي تحول دون الخطباء أن يقولوا ما يريدون.  وهذا عامل مهم لا يمكن إغفاله، غير أنه غير كافٍ لتفسير ظاهرة ضمور خطب الجمعة.  فجلّ القصور فيها عائدٌ إلى الخطيب نفسه إلى مادة الخطبة، حتى إن من المصلّين من يجد نفسه مضطراً اضطراراً إلى حضور الجُمع قياماً بالفرض، يخرج من المسجد يتحوّل ممتعضاً مما سمع.

ودعك عن جودة الخطبة وتأثيرها، قليلٌ من الخطب يتبع خطة مضمرة يمكنها أن تنقل المتلقي من النقطة ألف إلى الياء عبر خطة مرسومة.  فما زال حظ الوعظ في خطب الجمعة هو التوفيز مع قدر قليل من التعليم المكرّر.  كما ينحصر التوفيز في نقل صورة لا في رسم صيرورة تأخذ بيد المرء رويداً رويداً إلى الجادّة.  الحثّ على الفعل غالباً ما يكون في الإشارة إلى صورةٍ مثاليةٍ تثير الإعجاب، إلى جانب إشاعة شعور الإثم عند المستمع الذي يبتعد حاله عن ذاك المثال كل البعد.  وليس مُقعداً مثل امتلاك شعور الإثم بالمرء، وعدم معرفة طريق المخرج، وجعل الهدف عالياً إلى حدّ اليأس من بلوغه.

وإنه لمن المناسب أن نتفكّر في أداء خطب الجمعة بعد الثورة العربية الكبرى التي ما زلنا نعيش تحوّلاتها، والمدى التي قامت به الخطب بواجبها.  وليس المقصود هنا مجرّد التحفيز لعمل ثوري والتضحية الكاملة، وإنما –وبعيداً عن المحاصرة السياسية للخطبة– هل تمّ استغلال الساحة المسموحة والظرف الاستثنائي لتشوّف النفوس استغلالاً سليماً؟

النوع الثاني من الوعظ هو حلقه، ولا يخفى أن هذا النوع مقصور على ثللٍ صغيرة العدد، هي في أكثرها أقرب إلى الترويح عن النفس المثقلة منها إلى إصلاح الواقع.  وأيضاً هناك صور مثالية عن زهدٍ وتقوى بعضها بِدعيّ.  وغالباً ما يشتطّ الخطاب الوعظي حتى يصبح وسيلة لمنع عملية الخروج من الغار.  وفي بعض الأحيان يتحوّل الأمر إلى ما يمكن أن نسميه الإدمان على الوعظ، يسعى المرء إلى سماعه ليعفيَه من العمل ومن التفكير بالتغيير.

أما الوعظ في وسائل الإعلام فقد تحوّل كثير منه إلى ترفيهٍ للمستمع وصنعة كسب للواعظ، وغابت ملامح الصدق، وتحوّلت الوسيلة التي ادعينا حيادها إلى سكين تنحر في مفهوم الإخلاص والترفع عن الدنيا، ووقعنا في فخّ التماهي مع حال الوعظ الحداثي عند غير ملّة المسلمين.  وربما نجح هذا الضرب من الوعظ في فهم صيرورة التغيير حيث نزل إلى ساحة المستمع وخاطبه بلغته وبحسب ذوقه، ولكنه في طريقه هذا فرط في محاسبة النفس وأمعن في تغليب القالب على المعنى.

الوعظ الانسحابي يهرب من العالم ويُبعد المرء عن مقارعة الواقع ويحاول إصلاح ما في النفس من خلال عزلها عمّا ينبغي أن تجابهه، وينتج عن ذلك إعفاء من المسؤولية وتنكّب عن العالم، لا همّة عالية على إصلاحه.  ولا عجب إذاً أنه إذا تصدّر هذا النوع من التهيئة والتربية إلى السياسة والشؤون العامة فإنه يعجز ويخفق.  وإذ نستغرب انجذاب بعض الشباب إلى الجماعات المقاتلة العنفية، فإن ذلك يفسر جزئياً بأنّ ما يسمعونه من الوعظ ليس سكونياً وإنما حراكياً ديناميكياً، ليس منسحباً من العالم، وإنما متّصل بواقعٍ جارٍ، وهذا مما يمنحه الجاذبية.

فإلى متى نوهم أنفسنا أنّ الوعظ بعينه هو بديل الخطة؟  والخطة هي اجتهاد في الصيرورة، اجتهاد في وضع علامات منجّمة مقدّرة؟  وقد يكون التحدّي الذي يواجهنا كبير جداً، ولكن لا يعفي هذا من وضع الخطط وتغييرها ومراجعتها.

التعليم السكوني :

أما التعليم فقلمّا يخرج من أقبية التراث.  وبرغم أن الهزّات العنيفة للثورة العربية المباركة أسقطت أنظمة طغيانٍ مستأسدة، فإنها عجزت عن إخراج العلوم الشرعية من دهاليز التمدرس الضيّق.  فما زالت الحركة الفلانية لا تتصور إلا تدريس تلك المجموعة من الكتب، هي نفسها التي كانت تدرّسها قبل الثورة، وما زالت الحركة الفلانية الأخرى تعشق مذهباً فقيهاً معيناً إلى درجة أنه يشعر بالغربة بينهم من لا يتعصب لهذا المذهب.

وأنّى لهذا النوع من العِلم المعلّب أن يصلح واقعاً.

وفي العقدين الماضيين انتبه نفرٌ من العلماء إلى مقاصد الشريعة كمدخلٍ سليم للتعامل مع واقعٍ التاثت فيه الظلَم.  غير أنه ما زال هذا المدخل غير مفعّلٍ كفاية، كما أنه كثيراً ما يختزل في مسائل الأحكام، لا في رؤية إصلاحية شاملة، ولا في الكمون الكبير لهذا المدخل في تبيان أولويات الشريعة بحسب الحال الواقع.  وينفع الاستطراد هنا والتساؤل عن سبب استمرار سوء فهم معنى الشريعة.  فإلى متى سيستمر اختزال الشريعة في الفقه واختزال الفقه في أحكام التعبّد؟

ويتمّ أحياناً تشخيص إشكالية التعليم الديني في أنه يعتمد التشديد والتغليظ على الناس.  وأكثر النفوس تكره الشدة في الأمور وتجد راحتها في التسهيل والرخاوة.  وإذ لا شك في أنّ الوعظ التنطّعي والتعليم الذي يضيّق على الناس قد جعل الكثير منهم ينفر من الدين أو يستثقل أوامره، إلا أنّ المسألة ليست في الشدّة والتسهيل بقدر ما تتعلق بالقناعة بمناسبة التغليظ في سياق ثقافة عالمية غلبت عليها البراغماتية.  ولو دخلنا إلى تفاصيل الواقع المعاشي للناس لوجدنا أنّ الناس يقبلون الجدّ والحدّية في أمور ويرفضونها في أمور أخرى، وذلك بحسب شرائحهم الاجتماعية ومواضعهم من المنظومة العالمية وبخاصة في وجهها الثقافي.

ويفترض التعليم السكوني أن العالم ثابت وأن ما يعالجه ساكن راكد أو أنه يمكن اختزاله في تصنيفات الحكم الخمسة : واجب ومستحب ومباح ومكروه ومحرم.  إنّ هذه نظرة مسطّحة لعالم الاجتماع تفترضه ذا بعدٍ واحد.

وضمن هذا التصور للواقع، يحسب أهل الدعوة أنه تتركّز مهمتهم في تخريج حكمٍ شرعيٍ مناسب.  ويغدو همّهم الغوص في الكتب للبحث عن قولٍ يقبل الواقع ويتعايش معه أو عن تأويلٍ جديد لنصّ.  ولكن الأمر لا يخرج عن التقدير العقلي للمصالح والمفاسد المترتّبة، وقد يكون أحسن ما يُقدر عليه بعيد كل البُعد عما يحتمله أي نص.

وربما اتجهت العقول نحو التجديد السلبي الذي يتبدّى على نحوين : الأول هو البحث عن أقوال تخفيفية تقبل بالواقع؛ والثاني هو التأصيل للواقع عبر البحث عمّا يبرره.  فلا عجب أن تبدأ الرحلة بتصنيف أمرٍ على أنه حرام أو ليس من الإسلام أو شيئاً نحو ذلك، ثم ننتهي بعد بضعة عقود إلى أنه جزء من الإسلام أو أن الإسلام قد سبق إليه.  وقد يكون التخفيف على الناس أمر مطلوب ولو كان تخفيفاً بعيداً، ولكنه ينبغي أن يبقى في دائرة الاستثناء.  كما أن التأصيل عمل طيب ومطلوب، لكنه لا يصح أن يكون ارتكاسياً ونشوزاً عن النسق العام للحياة المسلمة.

إنّ الشريعة حاكمة وليست منشئة.  وتخريج حكم مناسب لا يعني أن الواقع سوف يستقيم وفق هذا الحكم.  الرؤية الشرعية هي المنشئة عندما تتدبّرها العقول وتمتلئ بها النفوس وتجهد في سبيلها الجوارح.  ومما يدلّ على غياب الرؤية الشرعية وغلبة النازع الفقهي القانوني انتشار مقولة “لا يتعارض”.  فالديمقراطية لا تتعارض مع الشريعة، والحرية لا تتعارض مع الشريعة، وكثير من أوجه الاقتصاد الرأسمالي المعاصر لا تتعارض مع الشريعة …  فهلّا عرفنا ما الذي تراه الشريعة وتصوغه إنشاءاً وإبداعاً وفق شاكليتها الفريدة؟

صورة الواقع :

صورة الواقع المنطبعة في أذهان الدوائر الدينية صورة مغلوطة عن الواقع.  وفي آن واحد تُضخّم هذه الصورةُ تمسّكَ الناس بالدين وتُضخّم ابتعادهم عن أوامره.  وهي صورة جملية شديدة العمومية.  ومن أسباب غبش الصورة التقاطع بين الملتزمين وغير الملتزمين، فالملتزم المتمسك بأحكام دينه قلما يدرك عن قرب مشاعر المتراخين في الدين والمبتعدين عنه.  وهذا التجافي مفهوم، إذ أن الناس يختارون في مصاحباتهم من يشاركهم نمط الحياة.  غير أن الاستقطاب مضرّ بالمجتمع، ولا بدّ من منصّات تسع أطيافاً متعددة من الالتزام الديني.

خاتمة :

حفلت العقود الأخيرة بتجارب سياسية متعددة لجماعات وتيارات إسلامية.  ومن المفيد، بل من الواجب، إجراء المراجعات والدراسات المستفيضة في هذه التجارب.  فمثلاً، دفعت صيرورات الواقع في بلد عربي كبير جماعة إسلامية لتدخل السياسة، وهي الصيرورات التي لم تصنعها الجماعة، وكان عدم فهم الفاعليات المجتمعية هو وراء السقوط في هاوية أُعدّت بمكرٍ وتخطيط دقيق.  فلقد ارتقى رئيس مسلم ملتحٍ إلى أعلى منصب في الحكم في أكبر دول العرب فغلب المنطق الخطابي على رؤية الإدارة الجديدة وتعاملت مع الواقع تعامل الشيخ مع المريد يفصل بينهما نص قانوني/فقهي ملزم بسبب مرجعيّته لا بسبب عمليّته.  ولما خطب الرئيس وعد برغدٍ لا تملك البلد أسبابه ولا تدري جماعته كيف تصل إليه إلا خيالاً عن استقامة فورية للمؤسسات، ولم يُفهم الدرس النبوي في تبوئ عرش مصر : تزرعون سبع سنين دأباً…  كما لم تُجد نصائح المحترفين السياسيين ولا المفكرين المنهجيين، فمشت المسيرة بين جدران ضيقة.  وخذل تجربة تمكّن المسلمين هذه حزبٌ طاعن في إساءة فهم الصيرورة، يمتلكه المنطق الثنائي وينفر منهجه من التأويل ويفتخر بالتمسّك باستقامة الظاهر ونجاعته في التعامل مع الواقع.

ولنختم بالتذكير بأنه لا يمكن تفصيل المجتمع وفق مقاس الجماعة، أي جماعة أو تيار.  وإنّ في مجتمعاتنا اتجاهات متنوعة في التفاعل مع الدين، واستعادتها لهويتها الحضارية المسلمة لا يعني أنها صارت جاهزة لأن تجلس في حِلق العلماء ولا أن تندرج في تنظيمات الجماعات.  كما لا يقتصر التحدّي على إخراج كتابٍ جديدٍ في الأحكام السلطانية أو السياسة الشرعية.

ليس هنالك طريق قصير يختصر الرحلة، ولا يكفي أن يدلنا خبيرٌ أين هو المجتمع من بديلٍ يقترب من النموذج.   المطلوب أن يدخل الجميع فضاء المجتمع.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s