الـمسلمون في الصين

إنما العربيةُ اللسان

ناصر طلال

المسلمون في الصينالصينُ بلادٌ عظيمةٌ، وشعبُها طيبٌ جداً، ومتعلمٌ جداً، و إنسانيٌّ جداً. زرتُـها مراتٍ عدةً فكان إعجابي بها و بشعبها يتضاعفُ كل مرة .

في آخر زيارةٍ لها، سنة 2006 م، برفقة أصدقاء أعزاء، طلبنا إذناً من السلطات الصينية لنزور الشمال الذي يتركز الـمسلمون فيه، ثم توجهنا بالطائرة إلى مدينة لانزو، و وصلناها بُعيد منتصف الليل. وفيها، تبدى الحرصُ على سمعة البلادِ من قِبَـلِ أهلها و مسؤوليها، حين أكرمنا ضابطٌ في الـمطار بتوفير سيارةٍ و سائق ذهب بنا إلى فندقٍ يملكُـهُ أحد الـمسلمين .

بعد أيام من التجوُّل في الـمدينة، توجهنا عصراً بسيارة أجرة إلى قريةٍ صغيرة، سأذكر اسمُها لاحقاً لأنني أُنسيتُـهُ الآن، قيلَ لنا إنَّ سكانَها يسمونَ بالعربِ، فوصلناها قُبيل الـمغربِ، و إذ بها قريةٌ تنمُّ مساكنُها عن مستوًى معيشيٍّ بسيطٍ كمثيله في سواها. فتوجهنا إلى مسجدها الكبير و حولنا حشدٌ صغيرٌ من الرجال و الشباب و الأطفال الذين لم نستطع التواصل معهم لأنهم لا يعرفون إلا لغتهم. و عند دخولِنا الـمسجد، وقفَ الإمام و أقبل علينا يحدثنا بالعربية الفصحى التي يُلاحظ فيها استخدام الفعل الـمضارع بكثرة حتى في الحديث عن الماضي، و أنَّ ضميرَ الـمُخاطَـبِ للمُفرد غالبٌ عليها، ولابد من انتباهٍ شديدٍ لنفهمَ ما يقولُ، و هو شيخ جليلٌ في الخمسينِ، يدعى حكيم كدنناو، في ملامحه، كمعظم أهل قريتِـه، شيءٌ يختلفُ عن الـملامح الصينية أو الـمغولية المعروفة، و رحَّبَ بنا بشدة و أصرَّ أن يَـؤمُ أحدنا الـمصلين، فأمَّـنا الأخ الحبيب الدكتور محمد الكواري، رحمه الله، الذي استُشْـهِـدَ في السفيرة بحلب، و دُفنَ مع اثنين من رفاقي في ضواحيها، و هو ذو صوتٍ رخيمٍ فيه فخامةٌ و عذوبةٌ، و يشهد الله أنني كنتُ أسمع نشيجَ بعضِ الـمصلين و هو يقرأُ الفاتحة و سوراً من القرآن الكريم، و يبدو البِـشْـرُ في صوته عند الـمواضع التي تُبشرُ بالـمغفرة و الجنة، و يرتعشُ صوتُـهُ بالضراعةِ و الخوفِ في الـمواضع التي فيها وعيدٌ و عذابٌ. و لَـما انقضتِ الصلاةِ، تجمعوا حولنا و كأننا أشخاصٌ مُقَـدَّسون، يسألوننا و نجيبُ بواسطة الشيخ حكيم، عن مكة و الـمدينة، بلاد (خَـدْرَت رسول كريم) كما كانوا يقولون عند ذِكرِ الـمصطفى، صلى الله عليه وآله وسلم، و معناها : حضرةُ الرسول الكريم، و جميع البلاد العربية التي يعرفونها، و لاحظتُ أنَّ كلمة (شريف) تلحق باسم مكة و الـمدينة و الشام في كلامهم، فسبحان الذي جعل قلوباً في أقصى الأرض تنبض حباً لنا و لبلادنا بفضل الإسلام الحنيف .

قضينا الليلة في بيتِ الشيخ حكيم، و في الصباح التالي أخذنا نتجول برفقته في القرية، و كلما مررنا بنسوةٍ بسيطاتٍ كُنَّ يطلبنَ منه أن ينتظر ثم يُحضرنَ أطفالهن ليباركهم الدكتور محمد، الذي لم يستطع أن يرفض طلبهن فأخذ يدعو للأطفالِ و يقرأ عليهم الـمُعَـوِّذاتُ، و لو أعطينا هاته النسوة ملايين الدولارات فإنها لن تُفرحَـهُنَّ كفرحتِـهِـنَّ بما يقوم به الدكتور محمد، و كأنَّ ما فعله صار دلالةً أكيدةً على حفظِ أطفالهنَّ من الأمراض و الشرور .

و أثناء مسيرنا، سألناه عن سبب تسميتهم بالعرب، فقال إنَّ معظم أهل القرية من أصولٍ عربية تعود إلى قبائل يمنية و أنَّ اسم عائلته يدلُّ على ذلك، و تنبَّهتُ إلى أنَّ كدنناو قد تكون مأخوذةً من اسم قبيلة كـندة، العربية القحطانية اليمنية، ثم تغيَّـرَ ترتيب الحروف بمرور الزمن، و قلت له ذلك ، فابتسم بسعادةٍ و لم يُعَـقِّبْ لكنه صار أعظم مودةً و لطفاً معنا .

وأصرَّ أهلُ القريةِ على بقائنا حتى يوم الجمعةِ ليخطبَ أحدُنا في الناسِ و يَـؤمُّـهُم، فبقينا يومينِ قضيناهما في بيوتِ البسطاء الذين أكرمونا بما فوق استطاعتِـهِـم، و يجتمعون حولنا في كلِّ مكانٍ. و أضحكنا الشيخ حكيم عندما أخبرنا أنَّ أهل القريةِ نشروا في القرى الـمجاورةِ خبراً عن وصول بعض أقاربهم العربِ إليها. و حلَّ يومُ الجمعةِ، و إذا بالقرية تغصُّ بالناسِ، فشعرتُ و رفاقي بالخجلِ من الله تعالى و من الـمُصطفى، صلى الله عليه و آله و سلم، لأنَّ قلةً من أهلِ بلادِنا متكبرون و ينظرون باستعلاءٍ لهذه الشعوبِ الـمعلقة قلوب أبنائها بنا، كما قال أحد رفاقي .

و خطبَ الدكتور محمد الكواري خطبةَ الجمعةِ و الشيخُ حكيم يجاهد ليترجم ما يقوله، و كانت عن الأخوَّةِ الإسلاميةِ، فكان الناس يُكبِّـرون و كأنهم في يوم عيدٍ. و بعد انقضاء الصلاةِ، تمنى علينا أهالي القرى الأخرى أن نزورهم لكننا خفنا أنْ يُشْـتَـبَـهَ فينا لو فعلنا ذلك، نظراً للحرب الدوليةِ، أنذاك، على بعضِ بلادنا العربيةِ و الإسلاميةِ بفضلِ أعمالٍ طائشةٍ لبعضِ قاصريِّ التفكيرِ منا .

غادرنا الصين بعدما وعدنا (أقاربَنا) بالعودة، لكننا انشغلنا بالدراسةِ الجامعية، وجاء العقد الثاني من هذا القرن بثورات الربيع العربي، وكانت الـمجزرة الأسدية في سورية فنادتنا أقدارُنا إليها، لا كمقاتلين و إنما كفريقٍ طبيٍّ في معظمه، و لكفالةِ الأسَـرِ و محاولةِ بناء مدارس أو الإسهام في دعم التعليم، و استُشهدَ رفاقُ عمري و بقيتُ لأعاني مرارة فراقِـهِـم و الأسى العظيم لِـما يتعرض له السوريون، ثم لأحمدَ الله على الـمرضِ و الألم كما حمدتُـهُ دائماً على الصحةِ و الراحةِ .

أقولُ، إنَّما العربيةُ اللسانُ، كما أفادَ حديثٌ ضعيفٌ عن حبيبنا الأغلى من حياتنا و دنيانا، صلى الله عليه و آله و سلم، و ما أحرانا بنشر لغتنا و تعليمها للمسلمين و غير الـمسلمين، و ما أروع أن نهتمَّ بهؤلاء الـمسلمين فنبني لهم الـمدارس و الجامعات و الـمستشفيات ليكون لهم دورٌ بارزٌ في مستقبل الصينِ، و تقوية علاقاتنا نحن العرب معها.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s