المسلمون وأخلاق القـوة

صلاح الدين النكدلي

القوة في الإسلامذكر لي أخ كريم أن الإمام مسلم قد روى في (كتاب الفتن وأشراط الساعة) من صحيحه حديثاً يثير الاهتمام، ويدعونا إلى التأمل، ثم نهض إلى مكتبتي وتناول صحيح مسلم وقرأ عليّ :

قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاص : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه و سلم يَقُولُ : “تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاس”، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو : أَبْصِرْ مَا تَقُول!! قَالَ : أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالاً أَرْبَعًا : إِنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ، وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ. وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ : وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.

و لـقـد تأملت في موقف عمرو بن العاص رضي الله عنه، بعد ما تأكد من صحة نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم، لقد رجع إلى خبرته بالشعوب والقبائل، فتذكر من صفات الروم ما أزال استغرابه، وذكر من شمائلهم ما يؤهلهم للكثرة والظهور، إنهم :

1- أحلم الناس عند فتنة .. فلا تستفزهم التحديات فتدفعهم إلى تصرفات طائشة متسرعة مهلكة، بل يتماسكون أمام عوامل الإثارة والتوريط، ويتفكرون في عواقب الأمور، وهذا لا يمنع أن تمر بهم حالات ضعف أممي، تفسد نظرهم وتبلبل تصرفاتهم، ولكنهم يعودون إلى التماسك وإحياء هذا الخلق (الحِلم) الذي يُعد بحق أميرَ أخلاق القوة.

فليت شعري! ما أعظم حاجتنا إلى تعميم خلق الحلم والأناة في حياتنا أفراداً وجماعات، وبخاصة الذين يحملون مسؤولية قيادية في عمل جماعي .. طلباً لرضوان الله عزَّ وجلَّ !! . روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلأَشَجِّ أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْس : “إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَينِ يُحِبُّهُمَا اللَّه : الْحِلْمُ وَالأَنَاة”.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحض على (التحلُّم) وهو : حمل النفس على الحلم مرة بعد مرة حتى يصير سجية راسخة في النفس، فيقول : “إنما العلم بالتعلّم، وإنما الحلم بالتحلّم ..” الحديث .

ويؤلمني أن معظم الدعاة يحصرون مفهوم الحلم بالعلاقات الفردية، ويغفلون تطبيقاته الجماعية : السياسية والاجتماعية، ولا أكشف سراً إذا قلت : إن قابلية التأزيم عند التيار الإسلامي ما تزال عالية، وهذا الذي يجعله فريسة يسهل الإيقاع بها من خلال تعريضه للفتن السياسية !! .

2- وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة .. فالمصائب المزلزلة حين تهجم عليهم وتفاجئهم .. قد تُفقدهم توازنهم، ولكنهم يثوبون إلى التماسك والتجلُّد من قريب .. محاولين تجاوز كوارث الماضي .. ناظرين إلى مستقبل يشع بالأمل .

إن الجزع حين يسري في حياة الشعوب والجماعات .. ينعكس استسلاماً في قياداتها ومراكز قرارها الجماعي .. أما إذا انتشر الصبر – بمفهومه الشرعي – فإنه يظهر انتصاراً في القيادة والقرارات الجماعية .. هذه المعاني مقررة بنصوص القرآن والسنة، نذكر منها هنا قوله عزَّ وجلّ : “وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون” البقرة : 155-157، إننا في أمس الحاجة إلى مشعل الأمل (الصبر) لنستضيء به في الخروج من ظلمات أزماتنا وكوارثنا الفردية والجماعية .

3- وأوشكهم كرَّةً بعد فرَّةٍ .. فهم لا يستسلمون للهزيمة إذا حلت بهم، ولا يتعاطون من إفرازاتها المخزية، بل يعمدون إلى جمع قواهم، ومعالجة أسباب الفرار، ومعاودة التصدي للخطر الداهم والعدو الجاثم، وهذه المعاني مقررة في نصوص كثيرة، منها على سبيل المثال قول الله تعالى في أعقاب غزوة أحد : “الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ” آل عمران : 172، وقوله عزَّ وجلَّ : “إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ … “ آل عمران : 140.

إن شيوع نفسية (الكرّة بعد الفرّة) عامل من أقوى عوامل قوة الأمم ونهضتها .. ولذلك يصر أعداء أمتنا اليوم على استمراء الأمة للفرة .. وينفرونها من الكرّة، تحت عناوين وشعارات متعددة، يأتي في مقدمتها (السلام) و (التطبيع).

4- وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف .. فهم يواسون فقراءهم، ويعطفون على أيتامهم، ويتداعون إلى مساعدة ضعفائهم .. إنهم لا يرون مواطن الخلل الاجتماعي ويغضون الطرف عنه، ففي قلوبهم رحمة، وفي أيديهم عطاء بسخاء.

أليست هذه المعاني مقررة في القرآن والسنة ؟! بلى والذي بعث محمداً بالحق بشيراً ونذيراً، ويكفي أن نذكر هنا آية جامعة هي قول الله تعالى : “لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ” البقرة : 177.

ولا يغيب عني أن ناساً من الروم المعاصرين، قد استغلوا جانب العطف والتعاطف مع المحتاجين؛ فأقاموا مؤسسات جمعت مالاً، وطعاماً، وكساءً، وسخروا ذلك كله في تحقيق مآرب سياسية ودينية!! وهذا لا يمنع من الإشارة إلى درسين نحتاج إليهما في هذا الميدان :

  • حاجتنا نحن المسلمين إلى إحياء معاني الاهتمام الجاد بالضعفاء والفقراء والمحتاجين.
  • وضرورة إيجاد صيغ جماعية مناسبة .. تحقق أهداف التعاطف مع المسكين واليتيم والضعيف .

5- وأمنعهم من ظلم الملوك .. وقد قال عمرو رضي الله عنه عن هذه الخصلة بأنها (حسنة جميلة) .. فالشعوب التي تنفر من ظلم الحكام، وتضطرهم إلى التخلي عن الظلم، لا ريب في أنها تشعر بوجودها، وهذا يدفعها إلى عمل إيجابي يؤهلها للنهوض بواجبات البناء ومواجهة التحديات .

إن الأمن السياسي من أهم أسباب نهوض الأمم .. فإذا توفر في أمة أمنٌ سياسي، وأمن اقتصادي، وأمن صحي، فقد حازت على أسباب الاستقرار والنمو والقوة .. وما أروع وأعمق قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم : “مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بحذافيرها”.

وبعد .. فهذه خواطر هجمت عليّ وأنا أتأمل كلام عمرو بن العاص في عدد من أخلاق القوة التي كانت – وما تزال – تتحرك في الروم، ونحن معشر المسلمين أولى الناس بالعمل بجميع الأخلاق الإسلامية الفاضلة، وقد آن الأوان لإعطاء أخلاق القوة والعزة والتمكين ما تستحقه من الاهتمام تعليماً وتربية .. فالأخلاق الفردية حسنة، ولكن لا يصح تهميش أخلاق القوة الجماعية، وعلى العاملين واجب آخر هو الإبداع في طرح صور جماعية للتعبير عن هذه الأخلاق حتى تؤتي أكلها .

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s