بين مصطفى العقاد .. وعمر المختار

محمد مبارك جمعة

عمر المختارمصطفى العقاد – المخرج العربي العالمي – تُوفي متأثراً بجراحه التي أصيب بها في تفجير همجي آثم في العاصمة الأردنية عمان .. تُوفي الرجل بعد مرور حوالي شهرين على حلول الذكرى الرابعة والسبعين لاستشهاد شيخ المجاهدين عمر المختار في السادس عشر من سبتمبر الماضي، مناسبة الحديث هو الارتباط الوثيق والعلاقة القوية التي انطبعت في أذهاننا ونشأت بين مصطفى العقاد كمخرج سينمائي وبين شخصية الشيخ عمر المختار، إذ لا يستطيع أحد أن ينكر كون الفضل كل الفضل في معرفتنا الكاملة والمفصلة بهذه الصفحة الليبية المجيدة من صفحات الجهاد العربي.

يعود بالطبع إلى مصطفى العقاد الذي أهدى العالم بأسره فيلم أسد الصحراء (عمر المختار) .. تلك التحفة الوثائقية الرائعة، التي سلطت نور الشمس الساطع على ما عاناه الشعب الليبي الشجاع، رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخاً من إبادة وتعذيب وترويع وتشريد ودمار، إبان حقبة الاستعمار الإيطالي في ليبيا.

لقد قدم مصطفى العقاد أكبر خدمة للعروبة والإسلام خلال العقدين الماضيين وليس هناك من مجال للشك في أن ما قدمه العقاد من أعمال تاريخية حول قضايا العرب والمسلمين قد أوصلت إلى الغرب الشيء الكثير الذي لم يتمكن أحد – إلى يومنا هذا – من إيصاله بكل ذلك التأثير.

فيلم (أسد الصحراء) – من خلال قراءة تحليلية فيه – يكشف لنا ما كان يتمتع به مصطفى العقاد من رؤية ثاقبة وإتقان عال جدا في الإخراج، فقد آمن الرجل بضرورة وحتمية أن يتم تصوير أي عمل تاريخي في موقعه الحقيقي، وهذا هو ما حصل بالضبط في الفيلم، حيث عمل مصطفى العقاد على جلب (هوليوود) وإمكانياتها إلى مواقع التصوير في كل من إيطاليا وليبيا، ففي ليبيا – على سبيل المثال – تم بناء مدينة ضخمة ومتكاملة في الصحراء لاستضافة الطاقم الفني الكبير الذي جاء من مختلف أنحاء العالم للمشاركة في إنتاج ذلك الفيلم.

ويجب أن نُذكر هنا بأن أول ما قام مصطفى العقاد بفعله في طريقه إلى إخراج (أسد الصحراء) هو البحث العلمي الدقيق لتلك الحقبة من الزمن على الصعيد الإيطالي المتمثل في الحكم الفاشي بزعامة بينيتو موسوليني، وكذلك الصعيد الليبي المتمثل في جهاد عمر المختار ضد الاستعمار الإيطالي الباحث عن الشاطئ الرابع لإيطاليا، وقد استغرقت فترة البحث العلمي سنة ونصف السنة قام العقاد خلالها بزيارات كثيرة لمراكز ومعاهد الأبحاث في إيطاليا وليبيا وحصل نتيجة عمله الجاد على العشرات والعشرات من الشهادات والصور والوثائق الرسمية والروايات التي ساعدته على اختيار مواقع التصوير وعلى إخراج فيلمه بالصورة المتقنة التي رأيناها على الدوام.

لقد اهتم مصطفى العقاد – وبدرجة كبيرة – بأدق التفاصيل في إنجاز عمله، فالممثل (رود ستايغر) الذي لعب دور (موسوليني) – على سبيل المثال فقط – تَمت حلاقة شعر رأسه من قبل محل الحلاقة نفسه الذي كان (موسوليني) نفسه يفضل حلاقة رأسه عنده، وقد آثر العقاد فعل ذلك كي تظهر (صلعة رود ستايغر) تماماً كـ(صلعة موسوليني)، يقول مصطفى العقاد في هذا الشأن : “أعلم أن الاهتمام بهذه النوعية من التفاصيل ليس سوى ضرب من ضروب المبالغة والترف في إخراج الفيلم لكن ذلك أعطاني الإحساس بأنني أسير في الطريق الصحيح”.

في مقابل ذلك، أظهر العقاد اهتماماً من نوع آخر من خلال حرصه على إظهار المشاهد الكبيرة بالصورة التي تليق بها، فالدبابات والدروع والمدافع الثقيلة والطائرات التي تتناسب وفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، تم تصنيعها جميعاً على مدى أشهر طويلة خصيصاً للفيلم، ثم تم شحنها بصعوبة بالغة – نتيجة ثقلها – على ظهر سفن، ثم على شاحنات كبيرة إلى صحراء ليبيا حيث المدينة الضخمة التي شيدت لإنتاج الفيلم.

وحرص العقاد أيضاً على إعطاء الصورة الحقيقية للحروب، فاستقدم الآلاف من الممثلين الذين لعبوا دور الجنود والضباط في صفوف الجيش الإيطالي، واستقدم آلافاً غيرهم ليلعبوا دور (الشعب الليبي) خصوصاً في المشهد الأخير من الفيلم، الذي يتم فيه تنفيذ حكم الإعدام شنقاً في عمر المختار، حيث بلغ عدد المشاركين في ذلك المشهد (عشرة آلاف رجل وامرأة).

ولم يجد مصطفى العقاد في سعيه إلى إتقان كل شاردة وواردة في فيلم (أسد الصحراء) .. لم يجد بدا من استقدام خبير متخصص في المتفجرات، وخبير في صناعة البنادق، ومتخصصين آخرين من بريطانيا وأمريكا وأسبانيا وإيطاليا لتأدية الحركات الخطرة والمجازفات.

العقاد حرص كذلك على إظهار المعتقلات الضخمة التي شيدها قائد الحملة العسكرية الاستعمارية في ليبيا الجنرال (رودولفو جراتسياني) لحبس الرجال والنساء من أبناء الشعب الليبي داخلها كي يقطع على عمر المختار المساندة الشعبية من قبلهم .. حرص العقاد على إظهار تلك المعتقلات بالصورة الصحيحة والمشابهة لتلك الحقيقية بدرجة عالية، فتم بناء معتقلات مماثلة يحيط بها سياج كبير جدا من الأسلاك الشائكة، ونصبت بداخلها أعداد كبيرة من الخيام ليبدو المنظر حقيقيا بدرجة يشعر معها المشاهد بأنه يرجع إلى الوراء ويقف هناك أمام المعتقلات الحقيقية التي نصبت للشعب الليبي قبل الحرب العالمية الثانية.

إن الجهد الكبير الذي بذله مصطفى العقاد في إخراج (أسد الصحراء) وإخلاصه الشديد في إظهار العمل بالصورة التي ينبغي أن يكون عليها لم ينعكس إيجاباً علينا نحن كمشاهدين فحسب، وإنما انعكس كذلك على الطاقم الفني الذي شارك في تنفيذ العمل، فالممثل الحائز جائزة الأوسكار (أنتوني كوين) الذي لعب دور عمر المختار وجد نفسه مرتبطاً بذلك الدور بدرجة كبيرة جعلته يعيشه بتفاصيله ويرغب في الإبقاء على (لحيته البيضاء) وعدم حلقها حتى بعد الانتهاء من تصوير الفيلم.

وقد تحدث (أنتوني كوين) مرة عن شخصية عمر المختار فقال : “إنني أعتبره من أكثر البشر ديمقراطيةً على وجه الأرض، فهو رجل عظيم يعبر عن الحرية الشخصية في اختيار الدين والثقافة”.

من المناسبات التي مرت أثناء تصوير الفيلم خلال أشهر طويلة ومضنية من العمل، كانت مناسبة عيد ميلاد مصطفى العقاد .. حيث فاجأه الطاقم الفني العامل معه بإعداد كعكة كبيرة وضعت عليها أعلام جميع الدول التي شارك مواطنوها في تصوير الفيلم، وقد ضجت القاعة حينما تم إدخال الكعكة بالتصفيق والهتاف لمصطفى العقاد الذي وقف لتحية الجميع وعبر عن سعادته بما لقيه من اهتمام ومحبة من جميع أفراد الطاقم الفني.

مصطفى العقاد قال بعد أن انتهى من إخراج الفيلم، وبعد أن عرض هذا العمل الكبير في دور السينما الأمريكية ولقي قبولاً واستحساناً كبيرين من قبل المشاهد في الغرب، قال مصطفى العقاد : “إنني فخور وسعيد جدا بهذا العمل الذي كان يستأهل كل الجهد الذي بذلناه من أجله”.

لقد رحل العقاد تاركاً خلفه تراثاً ثميناً سيقف شاهداً على فضله الكبير، فقد سعى إلى تخليد صورة الشيخ عمر المختار في أذهان جميع العرب والمسلمين ما ينوف على العقدين من الزمن، وانتهى ذلك الآن بأن انعكست الآية وانقلبت الصورة وخَلد فيلم عمر المختار ذكرى مصطفى العقاد نفسه.

رحم الله مصطفى العقاد وعوضنا بمن يكمل مسيرته بالخطوات الثابتة نفسها والاستقلالية والحرص والإيمان نفسه.

أترك ردا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s